HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١١٥

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سفره. فَرَأَى رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَقَدْ ضلل عليه. فقال: «ماله؟» قالوا: رجل صائم. فقال رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تصوموا في السفر».
ج ٢ ص ٧٨٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٩٦
والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير عبد العزيز. وقوله: (فَقِيلَ لَهُ … إلخ) مفعول «زاد» منصوب محكيّ؛ لقصد لفظه. [تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن جعفر هذه ساقها الترمذيّ ﵀ في «جامعه» (٣/ ١٤٦) فقال: (٦٤٤) - حدّثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى مكة عام الفتح، فصام حتى بلغ كُرَاع الْغَمِيم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شَقّ عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغة أن ناسًا صاموا، فقال: «أولئك العصاة». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١٢] (١١١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَجُلًا، قَدْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا لَهُ؟»، قَالُوا: رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد، تقدم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ) تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ) بن زُرَارة الأنصاريّ المدنيّ، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد الله، ومنهم من ينسبه إلى جدّه لأمه، فيقول: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٤) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين» ١٥/ ١٦٨٤. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م د س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤١/ ١٤٦١. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق؛ لما تقدّم غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومحمد بن عمر، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ) قال في «الفتح»: أدخل محمد بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمدَ بنَ عمرو بن الحسن في رواية شعبة عنه، واختُلِف في حديثه على يحيى بن أبي كثير، فأخرجه النسائيّ من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدّثني جابر بن عبد الله، فذكره، قال النسائيّ: هذا خطأٌ، ثم ساقه من طريق الْفِرْيابيّ، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدّثني من سمع جابرًا، ومن طريق عليّ بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر، ثم قال: «ذكرُ تسمية هذا الرجل المبهم»، فساق طريق شعبة، ثم قال: هذا هو الصحيح؛ يعني إدخال رجل بين محمد بن عبد الرحمن وجابر. وتعقبه المزّيّ، فقال: ظَنَّ النسائيّ أن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة في هذا الحديث هو محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى بن أبي كثير فيه، وليس كذلك؛ لأن شيخ يحيى هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وشيخ شعبة هو ابن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. انتهى. قال الحافظ: والذي يترجح في نظري أن الصواب مع النسائيّ؛ لأن مسلمًا لَمّا روى الحديث من طريق أبي داود، عن شعبة، قال في آخره: قال شعبة: كان بلغني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، أنه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث: «عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم»، فلما سألته لم يحفظه. انتهى. والضمير في «سألت» يرجع إلى محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى؛ لأن شعبة لم يَلْقَ يحيى، فدلّ على أن شعبة أُخْبِرَ أنه كان يبلغه عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو، عن جابر في هذا الحديث زيادة، وأنه لَمّا لقي محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى مسألة عنها، فلم يحفظها. وأما ما وقع في رواية الأوزاعيّ، عن يحيى أنه نسب محمد بن عبد الرحمن، فقال فيه: ابن ثوبان، فهو الذي اعتمده المزيّ، لكن جزم أبو حاتم كما نقله عنه ابنه في «العلل» بأن من قال فيه: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان فقد وَهِمَ، وإنما هو ابن عبد الرحمن بن سعد. انتهى. وقد اختُلِفَ فيه مع ذلك على الأوزاعيّ، وجُلُّ الرواة عن يحيى بن أبي كثير لم يزيدوا على محمد بن عبد الرحمن، لا يذكرون جدَّه، ولا جدّ جده. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ردّ به الحافظ كلام الحافظ المزّيّ فيه نظرٌ، بل الصواب -والله تعالى أعلم- ما قاله المزّيّ ﵀، كما حقّقه الحافظ أبي الحسن ابن القطان ﵀ في كتابه «بيان الوهم والإيهام»، وقد نقلته في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ -) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ) وقد تقدّم في حديث جابر - ﷺ - الماضي من طريق جعفر، عن أبيه، عنه أن ذلك السفر كان إلى مكة عام الفتح، ولابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر: سافرنا مع النبي - ﷺ - رمضان، فذكر نحوه (فَرَأَى رَجُلًا قَدْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ) وفي رواية النسائيّ: «أن رسول الله - ﷺ - رأى ناسًا مجتمعين على رجل» (وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، وفي رواية النسائيّ: «مرّ برجل في ظلّ شجرة، يُرشّ عليه الماء …»، وفي رواية له: «أنّ رسول الله - ﷺ -، رأى رجلًا قد ظُلّل عليه في السفر …»، وفي رواية ابن خزيمة: «فشقّ على رجل الصومُ، فجعلت راحلته تَهِيم به تحت الشجرة، فأُخبر النبيّ - ﷺ - بذلك، فأمره أن يفطر». [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم هذا الرجل -يعني المظلَّل عليه- ولولا ما قدّمته من أن عبد الله بن رواحة استُشهِد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسّر به؛ لقول أبي الدرداء: إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غير، وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لـ«مبهمات الخطيب»، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصّة، وإنما أورد حديث مالك، عن حميد بن قيس وغيره: «أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقالوا: نذر أن لا يستظلّ، ولا يتكلّم، ولا يجلس، ويصوم …» الحديث، ثم قال: هذا الرجل هو أبو إسرائيل القرشيّ العامريّ، ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: «كان رسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، فنظر إلى رجل من قريش، يقال له: أبو إسرائيل، فقالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس …» الحديث، فلم يزد الخطيب على هذا، وبين القصّتين مغايرات ظاهرة، أظهرها أنه كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصّة في حديث جابر كان في السفر، تحت ظلال الشجرة، والله أعلم. انتهى . (فَقَالَ: «مَا لَهُ؟») «ما» استفهاميّة؛ أي أيُّ شيء أصابه؟، وفي رواية للنسائيّ: «ما بال صاحبكم هذا؟» (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون الواقعة، ولم يُسَمّوا (رَجُلٌ صَائِمٌ) خبر لمحذوف؛ أي هو رجل صائم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ») ولفظ البخاريّ: «ليس من البرّ الصوم في السفر»، والمصدر المؤوّل هنا اسم «ليس» مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور قبله. وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: قوله: «ليس من البرّ» فهو كقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] و«من» قد تكون زائدةً، كقولهم: ما جاءني من أحد؛ أي ما جاءني أحد. انتهى. قال النوويّ ﵀: معناه: إذا شَقّ عليكم، وخِفْتم الضرر، وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل، وهذه الرواية مبيّنة للروايات المطلقة: «ليس من البر الصيام في السفر»، ومعنى الجميع فيمن تضرر بالصوم. انتهى. وقد أشار البخاريّ ﵀ في «صحيحه» إلى هذا التأويل حيث ترجم عليه، فقال: باب قول النبيّ - ﷺ - لمن ظُلِّل عليه، واشتَدّ الحرّ: «ليس من البرّ الصيام في السفر»، قال في «الفتح»: أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله - ﷺ -: «ليس من البرّ الصيام في السفر» ما ذُكِرَ من المشقّة، وأن مَن روى الحديث مجردًا فقد اختَصَر القصّة، وبما أشار إليه من اعتبار شدّة المشقّة يُجْمَع بين حديث الباب، والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قَوِي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شقّ عليه الصومِ، أوأعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأنّ من لم يتحقق المشقّة يُخَيَّر بين الصوم والفطر، وقد اختلف السلف في هذه المسألة، قال الإمام الترمذيّ ﵀: واختَلَف أهل العلم في الصوم في السفر، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ - ﷺ - وغيرهم أن الفطر في السفر أفضل، حتى رأى بعضهم عليه الإعادة إذا صام في السفر، واختار أحمد وإسحاق الفطر في السفر، وقال بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ - ﷺ - وغيرهم: إن وجد قُوّةً فصام فحسن، وهو أفضل، وإن أفطر فحسن، وهو قول سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، وقال الشافعي: وإنما معنى قول النبيّ - ﷺ -: «ليس من البر الصيام في السفر»، وقوله حين بلغه: أن ناسًا صاموا، فقال: «أولئك العصاة»، فوجه هذا إذا لم يَحْتَمِل قلبه قبول رخصة الله، فأما من رأى الفطر مباحًا، وصام، وقَوِي على ذلك، فهوأعجب إليّ. انتهى كلام الترمذيّ ﵀، وسيأتي إتمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى-. [تنبيه]: هذا الحديث باللفظ المذكور -أعني: «ليس من البرّ الصيام في السفر» هو المشهور، كما رواه المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ، والطحاويّ، والبيهقيّ، وقد جاء ب «أم» بدل «آل»، روأه الإمام أحمد في «مسنده» (٥/ ٤٣٤)، فقال: ٢٣١٦٧ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن صفوان بن عبد الله، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم الأشعري، وكان من أصحاب السَّقِيفَة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس من امبر امصيام في امسفر». انتهى. وهذا الإسناد وإن كان صحيحًا، إلا أن الظاهر أنه بهذا اللفظ شاذّ، والمحفوظ هو اللفظ الأول. راجع: «إرواء الغليل» (٤/ ٥٨ - ٥٩) للشيخ الألباني ﵀، ورواه بإسنادين آخرين باللفظ الأول. قال الحافظ ﵀: وهذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميمًا، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ - ﷺ - خاطب بها هذا الأشعريّ؛ لأنها لغته، ويَحْتَمِل أن يكون الأشعريّ هذا نطق بها على ما أَلِفَ من لغته، فحملها الراوي عنه، وأدّاها باللفظ الذي سمعها منه، وهذا الثاني أوجه عندي، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ . وقال الزمخشريّ: هي لغة طيّئ، فإنهم يبدلون اللام ميمًا، وقال الجزريّ في «جامع الأصول» (٧/ ٥٤٦): الميم بدل من لام التعريف في لغة قوم من اليمن، فلا ينطقون بلام التعريف، ويجعلون مكانها الميم. انتهى. وقال ابن هشام الأنصاريّ في «مغني اللبيب» عند الكلام على أقسام «أم» ما نضه: (الرابع): أن تكون للتعريف، نُقِلَت عن طيئ، وعن حمير، وأنشدوا [من الخفيف]: ذَاكَ خَلِيلِي وَذُو يُوَاصِلُنِي … يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهْمِ وَامْسَلِمَهْ وفي الحديث: «ليس من امبر امصيام في امسفر»، كذا رواه النمر بن تَوْلَب - ﵁ - ، وقيل: إن هذه اللغة مختصّة بالأسماء التي لا تدغم لام التعريف في أولها، نحو غلام، وكتاب، بخلاف رجل، وناس، ولباس، قال: وحَكَى لنا بعض طلبة اليمن أنه سمع في بلادهم من يقول: خذ الرمح، واركب امفرس، ولعلّ ذلك لغة لبعضهم، لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق، وأنها في الحديث دخلت على النوعين. انتهى كلام ابن هشام ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخرجه: أخرجه (المصتّف) هنا [١٦/ ٢٦١٢ و٢٦١٣ و٢٦١٤] (١١١٥)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٤٦)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٠٧)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٧٧)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ١٥٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٢١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ١٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٩ و٣٩٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٠١٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٥٥٢)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٨٩٢) وفي «تهذيب الآثار» (١/ ١٥٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٣٩٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٦٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٦/ ٢٤٠) و«الكبير» (١٢/ ٣٧٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٤٠٣ و٤/ ١٤٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٩١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٩٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣) و«المعرفة» (٣/ ٣٨٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في التوفيق بين هذا الحديث، والأحاديث الدالّة على مشروعيّة الصوم في السفر: قال في «الفتح»: وأما الجواب عن قوله - ﷺ -: «ليس من البر الصيام في السفر»، فسلك المجيزون الصوم في السفر فيه طُرُقًا، فقال بعضهم: قد خَرَجَ على سبب، فيُقْصَر عليه، وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاريّ في ترجمته السابقة، ولذا قال الطبريّ بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعريّ، ولفظه: «سافرنا مع رسول الله - ﷺ -، ونحن في حرّ شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة، وهو مضطجعٌ كضِجْعَة الوَجِعِ، فقال رسول الله - ﷺ -:»ما لصاحبكم؟ أيُّ وجع به؟ «، فقالوا: ليس به وجعٌ، ولكنه صائمٌ، وقد اشتدّ عليه الحرّ، فقال النبيّ - ﷺ - حينئذ:»ليس البرّ أن تصوموا في السفر، عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم«: فكان قوله - ﷺ - ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال. وقال ابن دقيق العيد: أُخِذ من هذه القصّة أن كراهة الصوم في السفر مختصّة بمن هو في مثل هذه الحالة، ممن يُجهِده الصوم، وَيشُقّ عليه، أو يؤدِّي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم، من وجوه الْقُرَب، فَيُنَزَّل قوله:»ليس من البرّ الصوم في السفر» على مثل هذه الحالة، قال: والمانعون عن الصوم في السفر يقولون: إن اللفظ عامّ، والعبرة بعمومه، لا بخصوص السبب، قال: وينبغي أن يُتَنَبَّه للفرق بين دلالة السبب، والسياق، والقرائن على تخصيص العامّ، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرّد ورود العامّ على سبب، فإن بين العامّين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مُجْرًى واحدًا لم يُصِبْ، فإن مجرّد ورود العامّ على سبب لا يقتضي التخصيص به، كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان، وأما السياق، والقرائن الدالة على مراد المتكلم، فهي المرشدة لبيان المجملات، وتعيين المحتمِلات، كما في حديث الباب. وقال ابن الْمُنَيِّر في «الحاشية» هذه القصة تُشعر بأن مَن اتَّفَقَ له مثل ما اتَفَق لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم، وأما مَن سَلِمَ من ذلك ونحوه، فهو في جواز الصوم على أصله، والله أعلم. وحَمَلَ الشافعيّ نفي البرّ المذكور في الحديث على مَن أَبَى قبول الرخصة، فقال: معنى قوله: «ليس من البرّ …» أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم، ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يُفطر، وهو صحيح، قال: ويَحْتَمِل أن يكون معناه: ليس من البر المفروض الذي من خالفه أَثِمَ، وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول. وقال الطحاويّ: المراد بالبرّ هنا البرّ الكامل الذي هوأعلى مراتب البرّ، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًّا؛ لأن الإفطار قد يكون أبرّ من الصوم؛ إذا كان للتَّقَوِّي على لقاء العدوّ مثلًا، قال: وهو نظير قوله - ﷺ -: «ليس المسكين بالطوّاف …» الحديث ، فإنه لم يُرِد إخراجه من أسباب المسكنة كلِّها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يَجِد غنى يُغنيه، ويَستحي أن يسأل، ولا يُفْطَن له. انتهى. وقال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: فإن قال قائل، ممن يميل إلى قول أهل الظاهر في هذه المسألة: قد رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «ليس البرّ»، أو: «ليس من البر الصيامُ في السفر»، وما لم يكن من البرّ فهو من الإثم، واستَدَلّ بهذا على أن صوم رمضان في السفر لا يُجزئ، فالجواب عن ذلك أن هذا الحديث خرج لفظه على شخص معين، وهو رجل رآه رسول الله - ﷺ -، وهو صائم قد ظُلِّل عليه، وهو يجود. وَيحْتَمِل قوله - ﷺ -: «ليس البر الصيام في السفر» أي ليس هوأبرّ البرّ؛ لأنه قد يكون الإفطار أبرّ منه؛ إذا كان في حجّ، أو جهاد؛ لِيَقْوَى عليه، وقد يكون الفطر في السفر المباح بِرًّا؛ لأن الله أباحه، ونظير هذا من كلامه - ﷺ - قوله: «ليس المسكين الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان»، قيل: فمن المسكين؟ قال: «الذي لا يسأل، ولا يَجِد ما يُغنيه، ولا يُفْطَن له، فيتصدقَ عليه»، متّفقٌ عليه، ومعلوم أن الطوّاف مسكين، وأنه من أهل الصدقة؛ إذا لم يكن له شيء غير تطوافه، وقد قال - ﷺ -: «رُدُّوا المسكين، ولو بظلف مُحْرَق»، وفي لفظ: «رُدُّوا السائل، ولو بظِلفٍ مُحْرَق» ، وقالت عائشة - ﵂ -: إن المسكين ليقف على بابي … الحديث ، وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، وأجمعوا أن الطوّاف منهم، فعُلِم أن قوله - ﷺ -: «ليس المسكين بالطوّاف عليكم»، معناه: ليس السائل بأشدّ الناس مسكنةً؛ لأن المتعفِّف الذي لا يسئل الناس، ولا يُفْطَن له أشدّ مسكنة منه، فكذلك قوله - ﷺ -: «ليس البر الصيام في السفر»، معناه: ليس البرّ كله في الصيام في السفر؛ لأن الفطر في السفر برٌ أيضًا لمن شاء أن يأخذ برخصة الله تعالى. قال: وأما قوله: «ليس من البرّ» فهو كقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] و«من» قد تكون زائدةً، كقولهم: ما جاءني من أحد؛ أي ما جاءني أحد، والله أعلم. قال: فأما من احتج بقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، وزعم أن ذلك عَزْمَةٌ فلا دليل معه على ذلك؛ لأن ظاهر الكلام، وسياقه إنما يدلّ على الرخصة والتخيير، والدليل على ذلك قوله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية، ودليل آخر، وهو إجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام، وأتمّ يومه إن ذلك مجزئ عنه، فدلّ على أن ذلك رخصة له، والمسافر في التلاوة، وفي المعنى مثله، والكلام في هذا أوضح من أن يُحتاج فيه إلى إكثار، والله المستعان. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم أن المذهب الراجح هو مذهب الجمهور، وهو أن الصوم والفطر في السفر جائزان مشروعان، وأما حديث: «ليس من البرّ الصوم في السفر»، فمحمول على من تضرّر بالصوم، أو من لا يقبل رخصة الله تعالى في ذلك، فبهذا تجتمع الأحاديث دون أيّ تعارض، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١٣] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، يُحَدِّثُ أنَهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - يَقُولُ: رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س (تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١٤] (…) - (وَحَدثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الإِسْنَادِ: «أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخصَ لَكُمْ»، قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. و«شعبة» ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير أبي داود. وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ … إلخ) مفعول «زاد» محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَني هَذَا الإسنادِ: «أنهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ …» إلخ) المصدر المؤوّل مفعولُ «يزيد». وقوله: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ الله) «عليكم» اسم فعل منقول من الجارّ والمجرور، بمعنى «الْزَمُوا»، و«برخصة الله» الباء زائدة، و«رخصة الله» مفعول به و«عليكم»، وقيل: إن الباء للتعدية، فيكون المعنى: استمسكوا برخصة الله، و«الرخصة» وزان غُرْفة، وتضم الخاء للإتباع، والجمع رُخَص، ورُخُصَات مثل غُرَف، وغُرُفات: التسهيلُ في الأمر والتيسيرُ فيه، والمعنى هنا: استمسكوا بتسهيل الله تعالى لكم فيما شَرَع لكم من الفطر في السفر، كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية. قال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: «عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم» دليل على أنه يُستحبّ التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، وترك التنطع والتعمّق، ومن لم يشق عليه الصوم فهو له أفضل؛ مسارعة لبراءة الذمّة، ولفضيلة الوقت. انتهى . وقوله: (الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ) ببناء الفعل للفاعل، والموصول صفة و«الله»، وفي نسخة: «التي رخّص لكم»، وعليها فالموصول صفة لـ«رُخصة»، والفعل يَحْتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، والعائد محذوف؛ أي التي رَخّصها لكم، وَيحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول؛ أي التي رُخِّصت لكم، فالعائد مستتر، فتنبه. [تنبيه]: قال في «الفتح»: أوهم صاحب «العمدة» أن قوله -ﷺ-: (عليكم برخصة الله التي رخّص لكم، مما أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك، وإنما هو بقية في الحديث لم يوصل إسنادها، نعم وقعت عند النسائيّ موصولة في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده ، وعند الطبرانيّ من حديث كعب بن عاصم الأشعريّ. انتهى . وقوله: (قَالَ: فَلَمَا سَأَلتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ) فاعل «قال» ضمير شعبة، والضمير المنصوب في «سألته» لشيخه محمد بن عبد الرحمن المذكور في السند السابق، والمعنى أن شعبة كان يبلغه عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يروي هذا الحديث عن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة المذكور، ويزيد في الحديث قوله: «عليكم برخصة الله الذي رخّص لكم»، فسأل شعبة شيخه محمد بن عبد الرحمن عن هذه الزيادة، فلم يحفظها في جملة الحديث الذي رواه عن محمد بن عمرو، عن جابر -﵁-. وهذا يدلّ على أن هذه الزيادة في حديث يحيى من هذا الطريق، أعني طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد غير محفوظة، وإنما هي محفوظة في رواية يحيى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، فهي صحيحة بهذا الطريق. والحاصل أن يحيى بن أبي كثير يروي حديث جابر -﵁- هذا عن كلّ من محمد بن عبد الرحمن بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فأما ابن سعد، فيروي عن جابر بواسطة محمد بن عمرو بن الحسن، عنه، وأما ابن ثوبان، فيروي عن جابر مباشرة، بل صرّح بتحديث جابر -﵁- له عند النسائيّ من رواية شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، فصرّح بالإخبار، وتابعه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، فصرح به أيضًا أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار». وخلاصة القول أن زيادة «عليكم برخصة الله …» ثابتة صحيحة من رواية يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر -﵁-، وأما من رواية يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد، كما أشار إليه المصنّف هنا فليست ثابتة، وقد تكلّم في الرواية الأولى النسائيّ، وغيره، وقد استوفيت البحث في ذلك في «شرح النسائيّ»، ورجّحت صحتها، فراجعه تستفد ، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀: ما ذكره شعبة عن يحيى من هذه الزيادة، فلما سأله لم يحفظها، فإن كان سمعها من ثقةٌ عنه ساغ له الحديث بها عمن حدّثه عنه، ولم يضرّه نسيانه لها على قول جمهور محققي الأصوليين والمحدثين؛ خلافًا للكرخي، ومن تبعه من الحنفيّة في أنه لا يُقبل، ولا يُعمل به، وأما أَبُو قال الراوي: هذا لم أحدّث به قط، ولا رويته، فهم متّفقون على طرحه؛ لأنه مكذّب للرواية عنه، والأول غير قاطع، والراوي عنه مصحّح لها. انتهى . وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ ﵀ في«ألفيّة الأثر» حيث قال: وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحْ … إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ أَوْ قالَ لَا أَذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا … كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه في النظم من إسقاطه في الأول، وكذا ما ذكره القاضي من أنهم متّفقون على طرحه، محل نظر، بل المحقّقون على قبوله فيه أيضًا، كما اختاره في «جمع الجوامع»؛ وفاقًا لابن السمعانيّ وغيره، وحكاه الفخر الشاشيّ عن الشافعيّ، وحكى الصفيّ الهنديّ والآمديّ الاتفاق عليه؛ لاحتمال نسيان الأصل له بعد روايته للفرع، ولأن الفرع عدل ضابط إلى آخر شروطه، وقد تقرّر أنه يجب العمل بخبره، والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلًا ضابطًا أيضًا لكنه كذبَ عدلًا، وتكذيب العدل خلاف الظاهر. لا يقال: يلزم أن يكون الأصل كاذبًا، وهو أيضًا عدلٌ، فيكون خلاف الظاهر؛ لأنا نقول: بل هو الظاهر؛ لأنه كذّب في التكذيب للفرع العدل، وقد عَلِمت أنه خلاف الظاهر، فيكون كذب الأصل هو الأصل إلا أنه لعدالته يُحمَل على النسيان. وهذا القول هو الراجح عند المحدّثين كما قال السخاويّ نقلًا عن الحافظ، ويدلّ عليه صنيع الشيخين، حيث أخرجا حديث عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عبّاس -﵂- «ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله -ﷺ- إلا بالتكبير» مع قول أبي معبد لعمرو: لم أُحدّثك به، فمانه دلّ على أن الشيخين يريان صحّة الحديث، ولو أنكره الأصل؛ إذ الناقل عنه عدلٌ، فيُحَمل على أن الشيخ نسي. هذا كلّه فيما إذا نفاه الشيخ صريحًا، أما إذا نفاه بما يَحتمل، كأن قال: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو قال: نسيت، أو نحو ذلك، فإنه يُقبل من باب أولى، والقول بإنكار هذا ضعيفٌ، راجع شرحي «إسعاف ذوي الوطر على ألفيّة الأثر» المذكورة . وقد نظمت هذا بقولي: وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّ … قَبُولُهُ فَلَيْسَ ذَا مِمَّا قَدَحْ
مصادر المؤلف (١٧)

١. «الفتح» ٥/ ٣٤١ - ٣٤٢.

٢. «الفتح» ٥/ ٣٤٢.

٣. «التلخيص الحبير» ٢/ ٣٩٣. طبعة مؤسسة قرطبة.

٤. الحديث مشهور بكعب بن عاصم، ولا أدري من أين أخذه ابن هشام؟.

٥. راجع: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٤٨ - ٤٩.

٦. الحديث متّفق عليه.

٧. حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ والنسائيّ، وغيرهما.

٨. أخرجه أحمد، والترمذي بإسناد حسن، من حديث أم بجيد - ﵂ -، ولم أره من حديث عائشة - ﵂ -، فليُنظر.

٩. «التمهيد» ٢/ ١٧٢.

١٠. وفي نسخة: «التي».

١١. «إحكام الأحكام» ٣/ ٣٧٣ بنسخة «الحاشية»، و«مرقاة المفاتيح» ٤/ ٤٥٠.

١٢. يعني صاحب «عمدة الأحكام»، وهو المقدسيّ.

١٣. قال الإمام النسائيّ -﵁- في «المجتبى» (٢٢٢٦): أخبرني شعيب بن شعيب بن إسحاق، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن سعيد، قال: حدّثنا شعيب، قال: حدّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أن رسول الله -ﷺ- مَرّ برجل في ظل شجرة، يُرَشّ عليه الماء، قال: «ما بال صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله صائم، قال: «إنه لشى من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رَخَّص لكم، فاقبلوها». انتهى. وهذا الإسناد تكلّم فيه النسائيّ، وقد ذكرت تحقيق ذلك في «شرحي»، ورجّحت أن الحقّ أنه صحيح، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

١٤. «الفتح» ٤/ ٦٩٧.

١٥. راجع: «ذخيرة العقبى» ٢١/ ١٤٨ - ١٥٣.

١٦. «إكمال المعلم» ٤/ ٦٨.

١٧. راجع: «إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفيّة الأثر» ١/ ٤٠٧ - ٤١١.