HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٢٥

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ. فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص146
ج ٢ ص ٧٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص١٦٢
كما قاله المخالف، أو بألفاظ لغويّة، لا يُعلم منها المقصود إلا رمزًا. انتهى كلام القاضي ﵀ . فبيّن ﵀ أن المختار أن العرب قبل ورود الشرع كانوا يستعملون هذه الألفاظ في معانيها الشرعية، من أقوال، وأفعال، فعَرَفوا الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، والعمرة، وغير ذلك، فما خاطبهم الشرع إلا بما عَرَفوه؛ تحقيقًا، لا أنه أتاهم بألفاظٍ ابتدَعَها لهم، أو بألفاظ لغوية، لا يُعْرَف منها المقصود إلا رمزًا، كما قال المخالف، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٧] (١١٢٥) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت أيضًا قبل باب، وكذا لطائف الإسناد ذُكرت هناك. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ - ﵁ -) أنها (قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ) أي قبيلة قريش، وهم مَن وَلَدَهُم النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قريش من وَلَدَه فهر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، قاله في «المصباح» . وقال في «القاموس»: قَرَشَهُ يَقْرُشُه، وَيقْرِشُهُ -من بابي نصر، وضرب-: قَطَعه، وجمعه من هاهنا وهاهنا، وضَمّ بعضه إلى بعض، ومنه قُريش؛ لتجَمُّعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البِيَاعاتِ، فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تَقَرَّش، أو لأنه جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ؛ أي شديد، أو لأن قُصَيًّا كان يقال له: القرشيّ، أو لأنهم كانوا يُفَتِّشُون الْحَاجَ، فيَسُدُّون خَلَّتها، أو سميت بمصغّر القِرْش، وهو دابة بحرية، تخافها دواب البحر كلُّها، أو سميت بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عِيرِهم، فكانوا يقولون: قَدِمَت عِيرُ قريش، وخَرَجت عِير قريش، والنسبة قُرَشيّ، وقُرَيشي. انتهى . (تَصُومُ عَاشُورَاءَ) بالمدّ، وحُكي قصرها، وسيأتي تمام البحث فيه أول الباب (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ﷾، ورسوله - ﷺ -، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر، والتجبّر، وغير ذلك، ويقال: كان ذلك في الجاهليّة الْجَهْلاء، وهو توكيد للأول، اشتُقّ له من اسمه، ما يؤكّد به، كما يقال: وَتِدٌ واتدٌ، وليلةٌ ليلاءُ، وَلومٌ أَيْوَمُ، أفاده في «اللسان» . قال القرطبيّ ﵀: قول عائشة - ﵁ -: «كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية»؛ يدلّ على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلومَ المشروعيّة والقدر، ولعلهم كانوا يستندون في صومه إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل- صلوات الله وسلامه عليهما-؛ فإنهم كانوا ينتسبون إليهما، ويستندون في كثير من أحكام الحج وغيره إليهما. وأما صوم رسول الله - ﷺ - له فيَحْتَمِل أن يكون بحكم الموافقة لهم عليه، كما وافقهم على أن يَحُجّ معهم على ما كانوا يحجّون -أعني: حجته الأولى التي حجها قبل هجرته، وقبل فرض الحج-؛ إذ كل ذلك فعل خير. ويمكن أن يقال: أذن الله تعالى له في صيامه، فلما قَدِم المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن الحامل لهم على صومه؟ فقالوا ما ذكره ابن عباس - ﵂ -: إنه يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى ﵇ شكرًا، فنحن نصومه، فقال النبيّ - ﷺ -: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم»؛ فحينئذ صامه بالمدينة، وأمر بصيامه؛ أي: أوجب صيامه، وأكّد أمره؛ حتى كانوا يُصوِّمون الصغار، فالتزمه - ﷺ -، وألزمه أصحابه إلى أن فُرِض شهر رمضان، ونُسِخ صوم يوم عاشوراء، فقال إذ ذاك: «إن الله لم يكتب عليكم صيام هذا اليوم»، ثم خَيَّر في صومه وفطره، وأبقى عليه الفضيلة بقوله: «وأنا صائم»، كما جاء في حديث معاوية - ﵁ -. وعلى هذا: فلم يصم النبيّ - ﷺ - عاشوراء اقتداء باليهود؛ فإنه كان يصوم قبل قدومه عليهم، وقبل علمه بحالهم، لكن الذي حدث له عند ذلك إلزامه والتزامه؛ استئلافًا لليهود، واستدراجًا لهم، كما كانت الحكمة في استقباله قبلتهم، وكان هذا الوقت هو الوقت الذي كان النبيّ - ﷺ - يحبُّ فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْهَ عنه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: دعواه كون صومه - ﷺ - لشوراء استئلافًا لليهود فيه نظر؛ إذ كان يصومه قبل ذلك، كما أشار إليه قبل، وأيضًا فقد علّل في صومه بأنه اتباع لموسى ﵇، حيث قال: «نحن أولى بموسى منكم». وأما دعواه كون استقبال القبلة؛ للاستئلاف أيضًا، فغير صحيح؛ لأنه ثبت أنه - ﷺ - كان وهو بمكة يستقبل بيت المقدس، فلما هاجر استمرّ عليه، وليس ذلك؛ لاستئلافهم، حتى نُسخ ذلك بالكعبة، وقد تقدّم تحقيق هذا في بابه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُهُ) وفي رواية البخاريّ: «وكان رسول الله - ﷺ - يصومه في الجاهليّة»: أي قبل أن يهاجر إلى المدينة (فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ) أي صام - ﷺ - يوم عاشوراء (وَأَمَرَ) الناس (بِصِيَامِهِ) وفي نسخة: «بصومه»، قال في «الفتح» ما حاصله: يستفاد من هذا تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء، وقد كان أوّلَ قدومه - ﷺ - المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فُرِض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فُوِّض الأمر في صومه إلى رأي المتطوِّع، فعلى تقدير صحة قول من يَدَّعِي أنه كان قد فُرِض فقد نُسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة. ونَقَل القاضي عياض أن بعض السلف كان يَرَى بقاء فرضية عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك، ونَقَل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماعَ على أنه مستحبّ، وكان ابن عمر يَكْرَه قصده بالصوم، ثم انقرضَ القول بذلك. وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلّهم تلقَّوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظِّمونه بكسوة الكعبة فيه، وغير ذلك، قال: ثم رأيت في المجلس الثالث من مجالس الباغنديّ الكبير، عن عكرمة أنه سُئل عن ذلك، فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية، فعَظُم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يُكَفّر ذلك. هذا أو معناه. انتهى . (فَلَمَّا فُرِضَ) بالبناء للمفعول (شَهْرُ رَمَضَانَ) أي صيامه (قَالَ) - ﷺ - («مَنْ شَاءَ صَامَهُ) أي صام يوم عاشوراء (وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ») أي لكونه تطوّعًا، وقال النوويّ ﵀: معناه: أنه ليس متحتِّمًا، فأبو حنيفة يقدره: ليس بواجب، والشافعية يقدرونه: ليس متأكدًا أكمل التأكيد، وعلى المذهبين فهو سنة مستحبة الآن من حين قال النبيّ - ﷺ - هذا الكلام، قال: والعلماء مُجْمِعون على استحبابه وتعيينه؛ للأحاديث الصحيحة المذكورة في الباب، وأما قول ابن مسعود ﵀: «كنا نصومه، ثم تُرِك»: فمعناه: أنه لم يَبْقَ كما كان من الوجوب، أو تأكد الندب. انتهى كلام النوويّ بتصرّف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٣٧ و٢٦٣٨ و٢٦٣٩ و٢٦٤٠ و٢٦٤١] (١١٢٥)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٩٢) و«الصوم» (١٨٩٣ و٢٠٠١) و«المناقب» (٣٨٣١) و«التفسير» (٤٥٠٢ و٤٥٠٤)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٤٢)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٥٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٥٧)، و(مالك) في «الموطأ» (١/ ٢٩٩)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧٨٤٢ و٧٨٤٤ و٧٨٤٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٥٥)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٦٢ و٢٤٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٠٨٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٦٢١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢/ ٢١٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٧٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٣٦ و٢٣٧ و٢٤٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٠٦ و٢٠٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٨٨ و٢٩٠) و«المعرفة» (٣/ ٤٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل صوم يوم عاشوراء؛ لأنه لم يخصّه رسول الله - ﷺ - بندبه أمته إلى صيامه، وإرشادهم إلى ذلك، وإخباره إياهم بأنه صائم له؛ ليقتدوا به، إلا لفضل فيه، وفي رسول الله - ﷺ - الأسوة الحسنة، قاله أبو عمر ﵀ . ٢ - (ومنها): بيان استحباب صوم يوم عاشوراء، وأنه بأن لا نسخ فيه. ٣ - (منها): بيان أن صوم عاشوراء كان واجبًا قبل فرض رمضان، ثم نُسخ، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٤ - (ومنها): بيان جواز النسخ في شريعتنا، ووقوعه أيضًا، وهو مجمع عليه بين المسلمين، وقد ذكرت ذلك في «التحفة المرضيّة» في الأصول بقولي: اعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَهْ … نَاسِخَةٌ لِمَا مَضَى جَمِيعَهْ صَالِحَةٌ لِكُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانْ … تَعُمُّ كُلَّ النَّاسِ أَمْنًا ذَا ضَمَانْ لِذَاكَ صَارَتْ خَيْرَ شِرْعَةِ السَّمَا … وَأَهْلُهَا الْوَسَطُ تَعْلُو الأُمَمَا ثُمَّ اعْلَمَنْ أَيْضًا بِأَنْ الأُمّهْ … قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى وِفَاقِ الْحِكْمَهْ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ مَعْ وُقُوعِهِ … يَمْحُو الإِلَهُ مَا يَشَا مِنْ شَرْعِهِ يَقُولُ سُبْحَانَهُ «مَا نَنْسَخْ» كَذَا … قَدْ قَالَ «يَمْحُو» خُذْ مِثَالًا يُحْتَذَى تَحْوِيلَ قِبْلَةٍ وَنَسْخَ عِدَّةِ … وَصَبْرَ وَاحِدٍ لَدَى عَشَرَةِ وقلت في بيان حكمة النسخ: فَاللهُ جَلَّ وَعَلَا يَحْكُمُ مَا … يَشَا فَفِي النَّسْخ أَرَادَ حِكَمَا تَخْفِيفُهُ عَنْ خَلْقِهِ وَتَوْسِعَهْ … كَنَسْخِهِ الأَثْقَلَ قُلْ مَا أَوْسَعَهْ تَكْثِيرُ أَجْرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ يَكُنْ … نَسْخُ الأَخَفِّ أَيْ بِأَثْقَلَ فَصُنْ وَدَفْعُ حُجَّةِ الْيَهُودِ الْفَجَرَهْ … وَالْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِينَ الكَفَرَهْ إِذْ أَنْكَرُوا النَّسْخَ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى … الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَامِلِ الْعَلَا تَمْيِيزُهُ الْقَوِيَّ فِي الإِيمَانِ … مِمَّنْ هُوَ الضَّعِيفُ فِي الإِيقَانِ وَالامْتِحَانُ بِكَمَالِ الانْقِيَادْ … مُبَادِرًا لأَمْرِ قَاهِرِ الْعِبَادْ وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ فِي النَّسْخِ تُرَى … قَبْلَ تَمَكُّنٍ مِنَ الْفِعْلِ جَرَى كَمِثْلِ مَا جَرَى لإِبْرَاهِيمَ فِي … ذَبْحِ ابْنِهِ الْحَلِيمِ ذِي الْعَهْدِ الْوَفِي ثُمَّةَ ذَا النَّاسِخُ خَيْرٌ مُطْلَقَا … أَخَفَّ أَوْ أَثْقَلَ أَوْ قَدْ وَافَقَا ٥ - (ومنها): بيان أن النسخ قد يكون بالأثقل، فإن صوم عاشوراء يوم واحد نُسخ بصوم شهر رمضان. ٦ - (ومنها): بيان أن لا فرض في الصوم غير شهر رمضان، وهذا مجمع. ٧ - (ومنها): بيان أن النبيّ - ﷺ - كان يوافق قريشًا على ما يفعلونه من الخير، كصوم يوم عاشوراء، وكالحج والعمرة. ٨ - (ومنها): بيان أنه - ﷺ - كان يوافق أهل الكتاب أيضًا فيما يفعلونه حتى أُمِر بمخالفتهم، فخالفهم فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان يَسْدِل شعره، وكان المشركون يَفْرُقُون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يَسْدِلون رؤوسهم، وكان رسول الله - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله - ﷺ - رأسه. ٩ - (ومنها): بيان مشروعيّة شكر الله تعالى بالصوم لمن حصل له خير من تفريج كرب، أو تيسير أمر. ١٠ - (ومنها): بيان أن ما حصل من النعم للأنبياء السابقين -كنجاة نوح ﵇، ونجاة موسى ﵇، وغرق فرعون- ينبغي لنا أن نفرح به، ونشكر الله تعالى على ذلك؛ فإنه من جملة النعم الواصلة إلينا بالواسطة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صوم يوم عاشوراء: قال النوويّ ﵀: اتَّفَق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليومَ سنةٌ، ليس بواجب، واختلفوا في حكمه في أول الإسلام حين شُرِع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا، واختَلَف أصحاب الشافعيّ فيه على وجهين مشهورين: أشهرهما عندهم أنه لم يزل سنةً من حين شُرع، ولم يكن واجبًا قطّ في هذه الأمة، ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبًّا دون ذلك الاستحباب، والثاني كان واجبًا يقول أبي حنيفة، وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مُفطرين أول يوم عاشوراء، ثم أمروا بصيامه بنيّة من النهار، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه، وأصحاب الشافعيّ يقولون: كان مستحبًّا فصحّ بنيّة من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: «أَمَر بصيامه»، والأمر للوجوب، وبقوله: «فلما فُرِض رمضان قال: من شاء صامه، ومن شاء تركه»، ويحتجّ الشافعية بقوله: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه»، انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى قوّة ما ذهب إله الإمام أبو حنيفة، وسيأتي ترجيحه، والجواب عما تمسّك به الشافعيّة في كلام ابن القيّم ﵀. قال ﵀: واختَلَف الناس في يوم عاشوراء، هل كان صومه واجبًا أو تطوعًا؟ فقالت طائفة: كان واجبًا، وهذا قول أبي حنيفة، ورُوي عن أحمد، وقال أصحاب الشافعيّ: لم يكن واجبًا، وإنما كان تطوعًا، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنبليّة، وقال: هو قياس المذهب ، واحتج هؤلاء بثلاث حُجَج: [إحداها]: ما أخرجاه في «الصحيحين» عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - خطيبًا بالمدينة؛ يعني في قدمة قَدِمَها خطبهم يوم عاشوراء، فقال: «أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول إلله - ﷺ - يقول لهذا اليوم:»هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم، ومن أحب منكم أن يفطر فليفطر«. اهـ. [الحجة الثانية]: ما في«الصحيحين»أيضًا عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - رجلًا مِن أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: من كان لم يصم فليصم«، قالوا: فهذا أمر بإنشاء الصيام أثناء النهار، وهذا لا يجوز إلا في التطوع، وأما الصيام الواجب فلا يصح إلا بنيّة قبل الفجر. [الحجة الثالثة]: أن النبيّ - ﷺ - لم يأمر المفطرين فيه إذ ذاك بالقضاء. واحتج الأولون بحُجَج: [إحداها]: ما أخرجاه في «الصحيحين» عن عائشة - ﵂ - قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرض شهر رمضان، قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه»، وفي صحيح البخاريّ عن ابن عمر - ﵄ - قال: صام النبيّ - ﷺ - عاشوراء، وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان تركه. قالوا: ومعلوم أن الذي تُرِك هو وجوب صومه، لا استحبابه؛ فإن النبيّ - ﷺ - كان يُرَغِّب فيه، ويُخبر أن صيامه كفارة سنة، وقد أخبر ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - كان يصومه إلى حين وفاته، وأنه عَزَم قبل وفاته بعام على صيام التاسع، فلو كان المتروك مشروعيته لم يكن لقصد المخالفة بضم التاسع إليه معنى، فعُلِم أن المتروك هو وجوبه. [الحجة الثانية]: أن في «الصحيحين» أن النبيّ - ﷺ - أمر مَن كان أكل بأن يمسك بقية يومه، وهذا صريح في الوجوب، فإن صوم التطوع لا يُتصوَّر فيه إمساك بعد الفطر. [الحجة الثالثة]: ما في «الصحيحين» أيضًا عن عائشة - ﵁ - قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، فذكرت الحديث، إلى أن قالت: فلما فُرِض رمضان كان هو الفريضة … الحديث، وهذا اللفظ من سياق البيهقيّ، فقولها: كان هو الفريضةَ دالّ على أن عاشوراء كان واجبًا، وأن رمضان صار هو الفرض، لا عاشوراءُ، وإلا لم يكن لقولها: كان هو الفريضة معنى. قال الموجبون: وأما حديث معاوية - ﵁ - فمعناه: ليس مكتوبًا عليكم الآن، أو لم يكتبه بعد نزول رمضان، أو إنما نَفَى الكَتْب، وهو الفرض المؤكد الثابت بالقرآن، ووجوب عاشوراء إنما كان بالسنة، ولا يلزم من نفي كتبِه وفرضه نفيُ كونه واجبًا، فإن المكتوب أخصّ من مطلق الواجب، وهذا جارٍ على أصل مَن يُفَرِّق بين الفرض والواجب، وقد نصّ أحمد في إحدى الروايتين عنه على أنه لا يقال: فرضٌ إلا لما ثبت بالقرآن، وأما ما ثبت بالسنة فإنه يسميه واجبًا. قالوا: وأما تصحيحه بنيّة من النهار، فالجواب عنه من وجهين: [أحدهما]: أن هذا حجة لمن يقول بجواز صوم الفرض بنيّة من النهار، قالوا: وهو عمدتنا في المسألة، فليس لكم أن تنفوا وجوبه بناءًا على بطلان هذا القول، فإنه دَوْرٌ ممتنع، ومصادر باطلة، وهذا جواب أصحاب أبي حنيفة. قال منازعوهم: إذا قلتم إنه كان واجبًا ثبت نسخه اتفاقًا، وأنتم إنما جوّزتم الصوم المفروض بنيّة من النهار بطريق الاستنباط منه، وأن ذلك من متعلقاته ولوازمه، والحكم إذا نُسِخ نسخت لوازمه، ومتعلقاته، ومفهومه، وما ثبت بالقياس عليه؛ لأنها فرع الثبوت على الأصل، فإذا ارتَفَع الأصل امتنع بقاء الفرع بعده. قال الحنفية: الحديث دلّ على شيئين: أحدهما إجزاء الصوم الواجب بنيّة من النهار، والثاني تعيين الصوم الواجب بأنه يوم عاشوراء، فنُسِخ تعيين الواجب برمضان، وبقي الحكم الآخر لا معارض له، فلا يصح دعوى نسخه؛ إذ الناسخ إنما هو تعيين الصوم، وإبداله بغيره، لا إجزاؤه بنية من النهار. [الجواب الثماني]: أن ذلك الصوم إنما صح بنيّة من النهار؛ لأن الوجوب إنما ثبت في حقّ المكلفين من النهار، حين أمر النبيّ - ﷺ - المنادي أن ينادي بالأمر بصومه، فحينئذ تجدد الوجوب، فقارنت النية وقت وجوبه. وقيل: هذا لم يكن واجبًا، فلم تكن نية التبييت واجبة. قالوا: وهذا نظير الكافر يُسلم في أثناء النهار، أو الصبيّ يَبْلُغ، فإنه يُمْسِك من حين يثبت الوجوب في ذمته، ولا قضاء عليه، كما قاله مالك، وأبو ثور، وابن المنذر، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. ونظيره أيضًا إذا أثبتنا الصوم تطوعًا بنيّة من النهار، ثم نَذَر إتمامه، فإنه يجزئه بنيّته عند مقارنة الوجوب. قالوا: ولا يَرِد علينا ما إذا قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار، حيث يلزم القضاء لمن لم يكن قد بيّت الصوم؛ لأن الوجوب هنا كان ثابتًا، وإنما خفي على بعض الناس، وتساوي المكلفين في العلم بالوجوب لا يشترط، بخلاف ابتداء الأمر بصيام عاشوراء، فإنه حينئذ ابتداء وجوبه، فالفرق إنما هو بين ابتداء الوجوب، والشروع في الإمساك عقبه، وبين خفاء ما تقدم وجوبه، ثم تجدد سبب العلم بوجوبه، فإن صحّ هذا الفرق، وإلا فالصواب التسوية بين الصورتين، وعدم وجوب القضاء، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن من علم برؤية الهلال أثناء النهار وجب عليه صوم بقيّة اليوم، ولا قضاء عليه، وهذا هو القول الراجح؛ لقوّة دليله، كما حقّقته في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد ، وبالله تعالى التوفيق. قال: قالوا: وأما حجتكم الثالثة بأنه لم يأمرهم بالقضاء، فجوابها من وجهين: أحدهما: أنا قد ذكرنا حديث أبي داود أنهم أُمِرُوا بالقضاء، وقد اختُلِف في هذا الحديث، فإن كان ثابتًا فهو دليل على الوجوب، وإن لم يكن ثابتًا فإنما لم يؤمروا بالقضاء؛ لعدم تقدم الوجوب؛ إذ الوجوب إنما ثبت عند أمره، فاكتفى منهم بإمساك ما بقي، كالصبي يبلغ، والكافر يسلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ باختصار . ظ ل الجامع عفا الله عنه: أشار بحديث أبي داود إلى ما أخرجه هو والنسائيّ، من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة، عن عمة، أن أسلم أتت النبيّ - ﷺ -، فقال: «صمتم يومكم هذا؟» قالوا: لا، قال: «فأتموا بقية يومكم، واقضوه». وهذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن سلمة، قال ابن القطّان: مجهول، وقال الذهبيّ: لا يُعرف، وقال في «التقريب»: مقبولٌ؛ أي حيث يُتابع، ولم يُتابع هنا، فالحديث بزيادة: «واقضوه» لا يصحّ؛ لما ذُكر، فتنبه. والحاصل أن مجموع الأحاديث تدلّ دلالة قويّةً على أن صوم عاشوراء كان واجبًا، وذلك لثبوت الأمر بصومه، والأمر للوجوب، ثم تأكُّد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرضعن فيه الأطفال، كما سيأتي معظم هذه الأحاديث في الباب، وبقول ابن مسعود - ﵄ - الثابت فيه أيضًا: «لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء»، مع العلم بأنه ما تُرِك استحبابه، بل هو باق، فدلّ على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه بأن، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته - ﷺ -، حيث يقول: «لئن عِشت لأصومنّ التاسع والعاشر»، ولترغيبه في صومه، وأنه يكفّر سنة، وأيّ تأكيد أبلغ من هذا؟. فتلخّص مما سبق أن صوم عاشوراء كان واجبًا، ثم نُسخ وجوبه برمضان، وبقي استحبابه، وهذا هو المذهب الراجح؛ لقوّة حُججه، كما سبق إيضاحه آنفًا. ومن الغريب أن الحافظ ﵀ حقق هذه الحجج، كما سمعت، لكنه مال إلى ترجيح قول من قال بعدم الوجوب، حيث قال: والذي يترجّح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا، فقد نُسِخ بلا ريب، فنسخ حكمه، وشرائطه بدليل قوله: «من أكل فليتمّ»، ومن لا يشترط النيّة من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار. قمال الجامع عفا الله عنه: قوله: «والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا»، إن أراد كونه مذهب الجمهور، فمسلَّم، وإن أراد أنه راجح من حيث الدليل فلا؛ لأن الذي يترجح بالأدلة الواضحة كونه فرضًا، لكنه نسخ برمضان، كما سمعته آنفًا، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ذكر الإمام ابن القيّم ﵀ في كتابه القيّم: زاد المعاد«عدّة استشكالات وردت على أحاديث صوم يوم عاشوراء، ثم أجاب عنها، أحببت إيرادها هنا؛ تكميلًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، قال ﵀: وأما صيام يوم عاشوراء، فإنه - ﷺ - كان يتحرى صومه على سائر الأيام، ولَمّا قَدِم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظمه، فقال:«نحن أحقّ بموسى منكم»فصامه، وأمر بصيامه، وذلك قبل فرض رمضان، فلما فُرِض رمضان قال:«من شاء صامه، ومن شاء تركه». قال: وقد استَشْكَل بعض الناس هذا، وقال: إنما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة في شهر ربيع الأول، فكيف يقول ابن عباس: إنه قَدِمَ المدينة، فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء. وفيه إشكال آخر، وهو أنه قد ثبت في«الصحيحين»من حديث عائشة - ﵂ - أنها قالت: كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان - ﷺ - يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِض شهر رمضان قال:«من شاء صامه، ومن شاء تركه». وإشكال آخر، وهو ما ثبت في«الصحيحين»أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود - ﵄ -، وهو يتغدى، فقال: يا أبا محمد ادْنُ إلى الغداء، فقال: أوَ ليس اليوم يوم عاشوراء؟ فقال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله - ﷺ - يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تركه. وقد روى مسلم في«صحيحه»عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - حين صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - ﷺ -:«إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتى تُوُفّي رسول الله - ﷺ -. فهذا فيه أن صومه، والأمر بصيامه قبل وفاته بعام، وحديثه المتقدّم فيه أن ذلك كان عند مَقْدَمه المدينة، ثم إن ابن مسعود - ﵁ - أخبر أن يوم عاشوراء تُرِك برمضان، وهذا يخالفه حديث ابن عباس المذكور، ولا يمكن أن يقال تُرك فرضه؛ لأنه لم يُفْرَض؛ لما ثبت في«الصحيحين»عن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:«هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر»، ومعاوية إنما سمع هذا بعد الفتح قطعًا. وإشكال آخر، وهو أن مسلمًا روى في«صحيحه»عن عبد الله بن عباس - ﵄ - أنه لما قيل لرسول الله - ﷺ -: إن هذا اليوم تعظمه اليهود والنصارى، قال:«لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع»، فلم يأت العام القابل حتى تُوُفّي رسول الله - ﷺ -، ثم رَوَى مسلم في«صحيحه»عن الحكم بن الأعرج، قال: انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرَّم، فاعدُد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم. وإشكال آخر، وهو أن صومه إن كان واجبًا مفروضًا في أول الإسلام، فلمَ لم يأمرهم بقضائه؟ وقد فات تبييت النية له من الليل، وإن لم يكن فرضًا، فكيف أمر بإتمام الإمساك من كان أكل؟، كما في«المسند»، و«السنن»من وجوه متعددة أنه ﵇ أمر من كان طَعِمَ فيه أن يصوم بقية يومه، وهذا إنما يكون في الواجب، وكيف يصحّ قول ابن مسعود - ﵁ -: فلما فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء، واستحبابه لم يترك؟. وإشكال آخر، وهو أن ابن عباس جعل يوم عاشوراء يوم التاسع، وأخبر أن هكذا كان يصومه - ﷺ -، وهو الذي رَوَى عن النبيّ - ﷺ -:«صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده» ، ذكره أحمد، وهو الذي روى: أمرنا رسول الله - ﷺ - بصوم عاشوراء يوم العاشر، ذكره الترمذيّ . [فالجواب]: عن هذه الإشكالات -بعون الله وتأييده وتوفيقه-: أما الإشكال الأول، وهو أنه لَمّا قَدِم المدينة وجدهم يصومون يوم عاشوراء، فليس فيه أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قَدِم يوم الاثنين في ربيع الأول ثاني عشرة، ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة، ولم يكن وهو بمكة، هذا إن كان حساب أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلالية، وإن كان بالشمسية زال الإشكال بالكلية، ويكون اليوم الذي نَجَّى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء، من أول المحرَّم، فضبطه أهل الكتاب بالشهور الشمسية، فوافق ذلك مَقْدَم النبيّ - ﷺ - المدينة في ربيع الأول، وصوم أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس، وصوم المسلمين إنما هو بالشهر الهلالي، وكذلك حجّهم، وجميع ما تعتبر له الأشهر من واجب، أو مستحبّ، فقال النبيّ - ﷺ -: «نحن أحقّ بموسى منكم»، فظهر حكم هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم، وفي تعيينه، وهم أخطؤوا تعيينه لدورانه في السنة الشمسية، كما أخطأ النصارى في تعيين صومهم بأن جعلوه في فصل من السنة تختلف فيه الأشهر. وأما الإشكال الثاني، وهو أن قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه، فلا ريب أن قريشًا كانت تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه، ولكن إنما كانوا يَعُدُّون بالأهلة، فكان عندهم عاشر المحرم، فلما قَدِمَ النبيّ - ﷺ - المدينة، وجدهم يعظمون ذلك اليوم، ويصومونه، فسألهم عنه، فقالوا: هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون، فقال - ﷺ -: «نحن أحقّ منكم بموسى»، فصامه، وأمر بصيامه؛ تقريرًا لتعظيمه، وتأكيدًا، وأخبر - ﷺ - أنه وأمته أحق بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شكرًا لله، كنا أحق أن نقتدي به من اليهود، لا سيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما لم يخالفه شرعنا. [فإن قيل]: من أين لكم أن موسى صامه؟. [قلنا]: ثبت في «الصحيحين» أن رسول الله - ﷺ - لما سألهم عنه، فقالوا: يوم عظيم، نجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله، فنحن نصومه، فقال رسول الله - ﷺ -: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم»، فصامه، وأمر بصيامه، فلما أقرهم على ذلك، ولم يكذِّبهم عُلِم أن موسى صامه شكرًا لله، فانضم هذا القدر إلى التعظيم الذي كان له قبل الهجرة، فازداد تأكيدًا حتى بعث رسول الله - ﷺ - مناديًا ينادي في الأمصار بصومه، وإمساك من كان أكل، والظاهر أنه حَتَمَ ذلك عليهم، وأوجبه، كما سيأتي تقريره. وأما الإشكال الثالث، وهو أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم يوم عاشوراء قبل أن ينزل فرض رمضان، فلما نزل فرض رمضان تركه، فهذ، لا يمكن التخلص منه إلا بأن صيامه كان فرضًا قبل رمضان، وحينئذ فيكون المتروك وجوب صومه، لا استحبابه، ويتعين هذا، ولا بدّ؛ لأنه ﵇ قال قبل وفاته بعام، وقد قيل له: إن اليهود يصومونه: «لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التاسع»؛ أي معه، وقال: «خالفوا اليهود، وصوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده» ؛ أي معه، ولا ريب أن هذا كان في آخر الأمر، وأما في أول الأمر فكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فعلم أن استحبابه لم يترك. ويلزم من قال: إن صومه لم يكن واجبًا أحد الأمرين: إما أن يقول بترك استحبابه، فلم يبق مستحبًّا، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعود - ﵁ - برأيه، وخَفِي عليه استحباب صومه، وهذا بعيد، فإن النبيّ - ﷺ - حثهم على صيامه، وأخبر أن صومه يكفّر السنة الماضية، واستمرّ الصحابة على صيامه إلى حين وفاته، ولم يروَ عنه حرف واحد بالنهي عنه، وكراهة صومه، فعُلِم أن الذي تُرِك وجوبه، لا استحبابه. [فإن قيل]: حديث معاوية - ﵁ - المتفق على صحته صريح في عدم فرضيته، وأنه لم يُفْرَض قط. [فالجواب]: أن حديث معاوية - ﵁ - صريح في نفي استمرار وجوبه، وأنه الآن غير واجب، ولا ينفي وجوبًا متقدمًا منسوخًا، فإنه لا يمتنع أن يقال لما كان واجبًا ونُسخ وجوبه: إن الله لم يكتبه علينا. وجواب ثانٍ: أن غايته أن يكون النفي عامًّا في الزمان الماضي والحاضر، فَيُخَصّ بأدلة الوجوب في الماضي، وترك النفي في استمرار الوجوب. وجواب ثالث: وهو أنه - ﷺ - إنما نفى أن يكون فرضه ووجوبه مستفادًا من جهة القرآن، ويدل على هذا قوله: «إن الله لم يكتبه علينا»، وهذا لا ينفي الوجوب بغير ذلك، فإن الواجب الذي كتبه الله على عباده هو ما أخبرهم بأنه كتبه عليهم، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣] فأخبر - ﷺ - أن صوم يوم عاشوراء لم يكن داخلًا في هذا المكتوب الذي كتبه الله علينا؛ دفعًا لتوهّم من يتوهّم أنه داخل فيما كتبه الله علينا، فلا تناقض بين هذا وبين الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخًا بهذا الصيام المكتوب، يوضح هذا أن معاوبة - ﵁ - إنما سمع هذا منه بعد فتح مكة، واستقرار فرض رمضان، ونسخ وجوب عاشوراء به، والذين شَهِدوا أمره بصيامه، والنداء بذلك، وبالإمساك لمن أكل، شهدوا ذلك قبل فرض رمضان عند مقدمه المدينة، وفَرْضُ رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة، فتُوفّي رسول الله - ﷺ - وقد صام تسع رمضانات، فمن شَهِد الأمر بصيامه، شهده قبل نزول رمضان، ومن شهد الإخبار عن عدم فرضه، شهده في آخر الأمر، بعد فرض رمضان، وإن لم يُسْلَك هذا المسلكُ تناقضت أحاديث الباب واضطربت. [فإن قيل]: فكيف يكون فرضًا، ولم يحصل تبييت النية من الليل، وقد قال: «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل؟». [فالجواب]: أن هذا الحديث مختلَفٌ فيه، هل هو من كلام النبيّ - ﷺ -، أو من قول حفصة وعائشة - ﵄ -؟. فأما حديث حفصة فأوقفه عليها معمر، وسفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهريّ، ورفعه بعضهم، وأكثر أهل الحديث يقولون: الموقوف أصحّ، قال الترمذيّ: وقد رواه نافع، عن ابن عمر قولَهُ، وهو أصحّ، ومنهم من يصحِّح رفعه؛ لثقة رافعه، وعدالته. وحديث عائشة - ﵂ - أيضًا روي مرفوعًا وموقوفًا، واختُلف في تصحيح رفعه، فإن لم يثبت رفعه فلا كلام، وإن ثبت رفعه فمعلوم أن هذا إنما قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخر عن الأمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك تجديد حكمٍ واجب، وهو التبييت، وليس نسخًا الحاكم ثابت بخطاب، فإجزاء صيام يوم عاشوراء بنيّة من النهار كان قبل فرض رمضان، وقبل فرض التبييت من الليل، ثم نُسِخ وجوب صومه برمضان، وتجدد وجوب التبييت، فهذه طريقة. وطريقة ثانية: هي طريقة أصحاب أبي حنيفة، أن وجوب صيام يوم عاشوراء تضمن أمرين: وجوب صوم ذلك اليوم، وإجزاء صومه بنيّة من النهار، ثم نُسِخ تعيين الواجب بواجب آخر، فبقي حكم الإجزاء بنيّة من النهار غير منسوخ. وطريقة ثالثة: وهي أن الواجب تابع للعلم، ووجوب عاشوراء إنما عُلِم من النهار، وحينئذ فلم يكن التبييت ممكنًا، فالنية وجبت وقت تجدد الوجوب، والعلم به، وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق، وهو ممتنع. قالوا: وعلى هذا إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، أجزأ صومه بنيّة مقارنة للعلم بالوجوب، وأصله صوم يوم عاشوراء، وهذه طريقة شيخنا -يعني ابن تيميّة- وهي كما تراها أصحّ الطرق، وأقربها إلى موافقة أصول الشرع، وقواعده، وعليها تدل الأحاديث، ويجتمع شملها الذي يُظَنّ تفرُّقه، ويُتَخَلَّص من دعوى النسخ بغير ضرورة، وغير هذه الطريقة لا بدّ فيه من مخالفة قاعدة من قواعد الشرع، أو مخالفة بعض الآثار، وإذا كان النبيّ - ﷺ - لم يأمر أهل قباء بإعادة الصلاة التي صَلَّوا بعضها إلى القبلة المنسوخة؛ إذ لم يبلغهم وجوب التحول، فكذلك من لم يبلغه وجوب فرض الصوم، أو لم يتمكن من العلم بسبب وجوبه، لم يؤمر بالقضاء. ولا يقال: إنه ترك التبييت الواجب؛ إذ وجوب التبييت تابع للعلم بوجوب المبيَّت، وهذا في غاية الظهور، ولا ريب أن هذه الطريقة أصحّ من طريقة من يقول: كان عاشوراء فرضًا، وكان يجزئ صيامه بنية من النهار، ثم نُسخ الحكم بوجوبه، فنُسخت متعلّقاته، ومن متعلّقاته إجزاء صيامه بنيّة من النهار؛ لأن متعلقاته تابعة له، وإذا زال المتبوع زالت توابعه، ومتعلقاته، فإن إجزاء الصوم الواجب بنيّة من النهار، لم يكن من متعلقات خصوص هذا اليوم، بل من متعلقات الصوم الواجب، والصومُ الواجب لم يزل، وإنما زال تعيينه، فنُقِل من محل إلى محل، والإجزاء بنيّة من النهار وعدمه، من توابع أصل الصوم، لا تعيينه. وأصح من طريقة من يقول: إن صوم يوم عاشوراء لم يكن واجبًا قط؛ لأنه قد ثبت الأمر به، وتأكيد الأمر بالنداء العامّ، وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل بالإمساك، وكل هذا ظاهرٌ قويّ في الوجوب، ويقول ابن مسعود لأنَّه: إنه لما فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء، ومعلوم أن استحبابه لم يترك بالأدلة التي تقدمت، وغيرها، فيتعين أن يكون المتروك وجوبه، فهذه خمسُ طرق للناس في ذلك، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد أفاد العلامة ابن القيّم ﵀ في هذا التحقيق، وخلاصته ترجيح أنه إنما جاز صوم عاشوراء بنيّة من النهار؛ لعدم علمهم بوجوبه في الليل، فلما علموا في النهار تعيّن عليهم الإمساك منه، ولم يؤمروا بقضائه، فدلّ على أنه لا مخالفة بينه وبين دليل وجوب تبييت النيّة، وهو رأي شيخه شيخ الإسلام ابن تيميّة، وهو وجه وجيه قويّ، ينبغي الاعتماد عليه في دفع الإشكال المذكور، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: وأما الإشكال الرابع، وهو أن رسول الله - ﷺ - قال: «لئن بَقِيت إلى قابل لأصومنّ التاسع»، وأنه تُوُفّي قبل العام، وقول ابن عباس - ﵄ -: إن رسول الله - ﷺ - كان يصوم التاسع، فابن عباس رَوَى هذا وهذا، وصح عنه هذا وهذا، ولا تنافي بينهما؛ إذ من الممكن أن يصوم التاسع، ويخبر أنه إن بقي إلى العام المقبل صامه، أو يكون ابن عباس أخبر عن فعله؛ مستندًا إلى ما عَزَم عليه، ووعد به، ويصح الإخبار عن ذلك مقيدًا؛ أي كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقًا إذا علم الحال، وعلى كل واحد من الاحتمالين، فلا تنافي بين الخبرين. وأما الإشكال الخامس، فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية. وأما الإشكال السادس، وهو قول ابن عباس: اعدُد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبيّن له زوال الإشكال، وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يَعُدّه الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله - ﷺ - كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعلُ ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حَمَلَ فعله على الأمر به، وعزمِه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: «صوموا يومًا قبله، ويومًا بعده»، وهو الذي روى: أمرَنا رسول الله - ﷺ - بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر، وكل هذه الآثار عنه يصدِّق بعضها بعضًا، ويؤيد بعضها بعضًا. فمراتب صومه ثلاثة: أكملها أن يصام قبله يومٌ، وبعده يوم ، ويلي ذلك أن يصام التاسع العاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم. وأما إفراد التاسع فمِنْ نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب. وقد سلك بعض أهل العلم مسلكًا آخر، فقال: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة، مع الإتيان بها، وذلك يحصُل بأحد أمرين: إما بنقل العاشر إلى التاسع، أو بصيامهما معًا، وقوله: «إذا كان العام المقبل صمنا التاسع» يَحْتَمِل الأمرين، فتوفي رسول الله - ﷺ - قبل أن يتبيّن لنا مراده، فكان الاحتياط صيام اليومين معًا، قال ابن القيّم ﵀: والطريقة التي ذكرناها أصوب -إن شاء الله- ومجموع أحاديث ابن عباس يدل عليها؛ لأن قوله في حديث أحمد: «خالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده» ، وقوله في حديث الترمذيّ: «أمرنا بصيام عاشوراء يوم العاشر» يبيّن صحة الطريقة التي سلكناها، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٨] (…) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحًدِيثِ: «وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُهُ»، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ»، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَرِوَايَةِ جَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضًا. و«هشام» ذُكر قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ) الفاعل ضمير ابن نُمير. وقوله: (وَترك عاشوراء) يَحْتَمِلُ أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضميره - ﷺ -، وَيحتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، و«عاشوراء» هو النائب. وقوله: (وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَرِوَايَةِ جَرِيرِ) يعني أن ابن نُمير جعل قوله: «وترك عاشوراء» من فعله - ﷺ -، لا من قوله، بخلاف جرير، فإنه جعله من قوله - ﷺ -، حيث قال: «فلما فُرض رمضانُ قال: من شاء … إلخ»، ففاعل «قال» ضمير النبيّ - ﷺ -، فقد جعله من قوله - ﷺ - صريحًا، فتنبّه. [تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن هشام بن عروة هذه، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ في «مصنفه» (٢/ ٣١١) فقال: (٩٣٥٧) - حدّثنا ابن نُمَير، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان عاشوراء يوم تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان كان هو الفريضة، وتَرَك عاشوراءَ ، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٩] (…) - حَدَّثَنِي عَمْرٌو النّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵁ -: أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يُصَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (الزهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذه الرواية فيها اختصار تبيّنه الرواية السابقة، والآتية؛ أي: وصامه رسول الله - ﷺ -، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وهو بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٤٠] (…) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْن شِهَابٍ، أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يأْمُرُ بِصِيَامِهِ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَمَنْ شَاءَ أفطَرَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٤١] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عِرَاكًا أَخْبَرَهُ، أَن عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَن قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصِيَامِهِ، حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر، تقدّم قريبًا. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) تقدّم قبل باب. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «إكمال المعلم» ٤/ ٧٧ - ٧٨.

٢. وفي نسخة «بصومه».

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٧.

٤. «القاموس المحيط» ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤.

٥. راجع: «لسان العرب» ١١/ ١٣٠.

٦. «المفهم» ٣/ ١٩٠ - ١٩٢.

٧. «الفتح» ٥/ ٤٣٧.

٨. راجع: «شرح النوويّ» ٨/ ٤ - ٥.

٩. «الاستذكار» ٣/ ٣٢٧.

١٠. أي: المذهب الحنبليّ.

١١. راجع: «ذخيرة العقبى» ٢١/ ٢٣٠ - ٢٣٢.

١٢. «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» ٧/ ٨١ - ٨٤.

١٣. أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢٤١)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٠٩٥)، وفي سنده ابن أبي ليلى، سيئ الحفظ. وأخرجه عبد الرزّاق (٧٨٣٩)، والبيهقيّ في «الكبرى» (٤/ ٢٨٧) موقوفًا على ابن عبّاس - ﵁ - بلفظ: «صوموا اليوم التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود» وسنده صحيح.

١٤. أخرجه الترمذيّ (٧٥٥)، ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة الحسن.

١٥. تقدّم تخريجه، وأنه ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا.

١٦. تقدّم: «صوموا يومًا قبله، ويومًا بعده» ضعيف.

١٧. تقدّم أنه ضعيف مرفوعًا.

١٨. «زاد المعاد» ٢/ ٦٦ - ٧٧.

١٩. وفي نسخة: «يومًا»، وهي أوضح.

٢٠. يَحْتَمل أن يكون ببناء الفعل للفاعل؛ أي ترك النبيّ - ﷺ -، أو بالبناء للمفعول.