HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٤٣

حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ: أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَرَبِّ هذا البيت!
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص153
ج ٢ ص ٨٠١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٢٧٠
[تنبيه]: رواية أبي عامر، عن إبراهيم بن طهمان هذه ساقها عبد بن حُميد ﵀ في «مسنده» (١/ ١٤٦) فقال: (٣٧٤) - أخبرنا عبد الملك بن عمرو، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أن النبيّ - ﷺ - بعثه، وأوس بن حَدَثان، فناديا أيام التشريق: «أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمن، وأن هذه أيام أكل وشرب». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٦) - (بَابُ كَرَاهَةِ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِدًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٨١] (١١٤٣) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَادِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵄ -، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ: أنَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م دس) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الفقيه الثبت المشهور المكيّ، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ) بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّ الْحَجَبيّ المكيّ، ثقةٌ [٥]. روى عن أخيه شيبة بن جبير، وعمته صفية بنت شيبة القرشية، وهى من صغار الصحابيّات ، ومحمد بن عباد بن جعفر، وسعيد بن المسيِّب، وأبي يعلى بن أمية، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن أخيه زُرارة بن مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة، وابن جريج، وقُرّة بن خالد، وابن عيينة، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ، وابن سعد: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وذكره خليفة في الطبقة الثالثة من أهل مكة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٤٣) و(١٢١١) و(٢٢٣٧) وأعاده بعده. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرِ) بن رِفاعة بن أُميّة بن عائذ بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣٦/ ١٠٢٧. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الحميد، عن محمد بن جُبير. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة، ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّة، وغزا مع النبيّ - ﷺ - تسع عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي رواية عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عبد الحميد أن محمد بن عباد أخبره (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵄ -، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال (أنَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟، فَقَالَ) جابر - ﵁ - (نَعَمْ) أي نهى عنه، والمراد إفراده بالصوم؛ لما في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعده مرفوعًا: «لا يصُم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده»، وقد أشار البخاريّ إلى أن التقييد بذلك ورفى في حديث جابر - ﵁ - أيضًا، حيث قال بعد إخراجه الحديث عن أبي عاصم، عن ابن جريج ما نصّه: زاد غير أبي عاصم: يعني أن ينفرد بصومه. انتهى. قال في «الفتح»: والغير المشار إليه جزم البيهقيّ بأنه يحيى بن سعيد القطان، وهو كما قال، لكن لم يتعيّن، فقد أخرجه النسائيّ بالزيادة من طريقه، ومن طريق النضر بن شُميل، وحفص بن غياث، ولفظ يحيى: «أسمعت رسول الله - ﷺ - ينهى أن يُفْرَد يوم الجمعة بصوم؟ قال: إي ورب الكعبة»، ولفظ حفص: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن صيام يوم الجمعة مفردًا»، ولفظ النضر: «أن جابرًا سئل عن صوم يوم الجمعة، فقال: نَهَى رسول الله - ﷺ - أن يُفْرَد». انتهى . وقوله: (وَرَث هَذَا الْبَيْتِ) قسم ذكره تأكيدًا لجوابه، وفي رواية النسائيّ: «وربّ الكعبة»، وعزاها صاحب «العمدة» لمسلم، فوَهِمَ، قاله في «الفتح» . قال النوويّ ﵀: وفي هذه الأحاديث الدلالة الظاهرة لقول جمهور أصحاب الشافعيّ وموافقيهم: إنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يوافق عادة له، فإن وصله بيوم قبله، أو بعده، أو وافق عادة له بأن نذر أن يصوم يوم شفاء مريضه أبدًا، فوافق يوم الجمعة لم يكره؛ لهذه الأحاديث، وأما قول مالك في «الموطأ»: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن به يُقْتَدَى نهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامُهُ حَسَنٌ، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه، فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعيّن القول به، ومالك معذور، فإنه لم يبلغه، قال الداوديّ من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٢٦٨١ و٢٦٨٢] (١١٤٣)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٨٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢٧٤٥ و٢٧٤٦ و٢٧٤٧ و٢٧٤٨)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٧٢٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٢٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٩٦ و٣١٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٢٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم صوم يوم الجمعة، وهذا إذا أفرده، وأما إذا صام يومًا قبله، أو يومًا بعده، فلا منع، لحديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي، ولصحّة زيادة الاستثناء في حديث جابر - ﵁ -، كما أشار إليه البخاريّ. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الْحَلِف من غير استحلاف؛ لتأكيد الأمر. ٣ - (ومنها): إضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظمَّة؛ تنويهًا بتعظيمها. ٤ - (ومنها): الاكتفاء في الجواب بـ «نعم» من غير ذكر الأمر المفسَّر بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم يوم الجمعة: استدلت طائفة بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، ونقله أبو الطيب الطبريّ عن أحمد، وابن المنذر، وبعض الشافعية، قال في «الفتح»: وكأنه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم، فهذا قد يُشعِر بأنه يرى بتحريمه. وقال أبو جعفر الطبريّ: يُفَرَّق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد، ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده. ونقل ابن المنذر، وابن حزم منع صومه عن عليّ، وأبي هريرة، وسلمان، وأبي ذرّ - ﵁ -، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة. وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه. وعن مالك، وأبي حنيفة: لا يكره، قال مالك: لم أسمع أحدًا ممن يُقْتَدى به يَنْهَى عنه، قال الداوديّ: لعل النهي ما بلغ مالكًا، وزعم القاضي عياض أن كلام مالك يؤخذ منه النهي عن إفراده؛ لأنه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة، فيكون له في المسألة روايتان. وعاب ابن العربيّ قول عبد الوهاب منهم: يوم لا يُكْرَه صومه مع غيره، فلا يكره وحده؛ لكونه قياسًا مع وجود النصّ. واستدلّ الحنفية بحديث ابن مسعود - ﵁ -: كان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقلّما كان يُفطر يوم الجمعة، حسّنه الترمذيّ، قال الحافظ: وليس فيه حجة؛ لأنه يَحْتَمِل أن يريد: كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضادّ ذلك كراهة إفراده بالصوم؛ جمعًا بين الحديثين، ومنهم من عدّه من الخصائص، وليس بجيد؛ لأنها لا تثبت بالاحتمال. والمشهور عند الشافعية وجهان: أحدهما- ونقله المزنيّ عن الشافعيّ- أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه، من الصلاة، والدعاء، والذكر. والثاني -وهو الذي صححه المتأخرون- كقول الجمهور. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سلف من أقوال أهل العلم، وأدلّتهم أن أرجحها قول من قال بتحريم إفراد صوم يوم الجمعة، إلا لمن وافق عادته، وذلك لصراحة أحاديث الباب في ذلك، فقوله - ﷺ -: «لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده» صريح في تحريم إفراده بالصوم، وكذلك قوله - ﷺ -: «ولا تخصّوا يوم الجمعة من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» صريح أيضًا في تحريم صومه إلا لمن وافق عادته. والحاصل أن الحقّ تحريم إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا لذي العادة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في سبب النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: [أحدهما]: لكونه يوم عيد، والعيد لا يصام. واستُشْكِل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره. وأجاب ابن القيِّم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم. [ثانيها]: لئلا يَضْعُف عن العبادة، وهذا اختاره النوويّ. وتُعُقِّب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وأجاب بأنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم صومه من فتور، أو تقصير. وفيه نظر، فإن الجبران لا ينحصر في الصوم، بل يحصل بجميع أفعال الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عَمِل فيه خيرًا كثيرًا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده، كمن أَعْتَق فيه رقبةً مثلًا، ولا قائل بذلك. وأيضًا فكان النهي يختص بمن يُخْشَى عليه الضعف، لا من يتحقق القوّة. ويمكن الجواب عن هذا بأن المظِنَّة أقيمت مقام الْمَئِنَّة، كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يَشُقّ عليه. [ثالثها]: خوف المبالغة في تعظيمه، فيُفْتَتَن به كما افتُتِن اليهود بالسبت، وهو منتقضٌ بثبوت تعظيمه بغير الصيام. وأيضًا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام، فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه؛ لأنهم لا يصومونه. وقد رَوَى أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان من حديث أم سلمة - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ - كان يصوم من الأيام السبت والأحد، وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين، فأُحِبّ أن أخالفهم. [رابعها]: خوف اعتقاد وجوبه، وهو منتقضٌ بصوم الاثنين والخميس. [خامسها]: خشية أن يُفْرَض عليهم، كما خَشِي - ﷺ - من قيامهم الليل ذلك، قال المهلَّب: وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده - ﷺ -؛ لارتفاع السبب، لكن المهلَّب حمله على ذلك اعتقاده عدم الكراهة على ظاهر مذهبه. [سادسها]: مخالفة النصارى؛ لأنه يجب عليهم صومه، ونحن مأمورون بمخالفتهم، نقله القَمُّوليّ، وهو ضعيف. قال الحافظ ﵀بعد ذكر هذه الأقول-: وأقوى الأقوال، وأولاها بالصواب أَوّلها، وورد فيه صريحًا حديثان: أحدهما: رواه الحاكم وغيره، من طريق عامر بن لدين، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «يومُ الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده» . والثاني: رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن، عن عليّ - ﵁ - قال: «من كان منكم متطوعًا من الشهر، فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام، وشراب، وذِكْرٍ». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجّحه الحافظ ﵀ في سبب النهي هو الأظهر عندي، وحاصله أنه إنما نُهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم لكونه عيدًا، والعيد لا يُصام، وأما حديث أبي هريرة المذكور، فإنه ضعيف؛ للجهالة في سنده، كما تعقّب الذهبيّ الحاكم به. وأما استشكال صومه مع يوم قبله، أو بعده فقد سبق الجواب عنه في قول ابن القيّم وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في بيان ما ورد من الأحاديث في صوم يوم السبت: (اعلم): أنه وردت أحاديث في النهي عن صوم يوم السبت، ووردت أحاديث في إباحة صومه: فمن الأول: ما رَوَى الإمام أحمد، وأبو داود عن عبد الله بن بُسْر السُّلَميّ، عن أخته الصماء: أن النبيّ - ﷺ - قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لِحَاء عِنَبة، أو عُود شجرة فليمضغه». وأحاديث الجواز كثيرة: (منها): حديث جابر وأبي هريرة - ﵄ - المذكوران في الباب، وهما متّفق عليهما. (ومنها): ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن جويرية بنت الحارث - ﵂ -: أن النبيّ - ﷺ - دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا، قال: «تُرِيدين أن تصومي غدًا؟» قالت: لا، قال: «فأفطري». (ومنها): ما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبّان في «صحيحيهما» عن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه: أن كريبًا مولى ابن عباس أخبره، أن ابن عباس، وناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - بعثوني إلى أم سلمة أُسائلها عن أيّ الأيام كان رسول الله - ﷺ - أكثر لصيامها، فقالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم، فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا، وذكر أنك قلت كذا، فقالت: صدق، إن رسول الله - ﷺ - أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: «إنهما عيدان للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم» . وقد اختلف الناس في الجمع بين هذه الأحاديث، فقال مالك ﵀ في حديث الصمّاء: هذا كَذِب، وقال أبو داود: هذا حديث منسوخٌ، وقال النسائيّ: هو حديث مضطربٌ. وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارض بين الأحاديث، فإن النهي عن وعبد الله بن محمد بن عليّ قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن أسامة، وابن المبارك، والدراوردي، وغيرهم، ووثقه جماعة، منهم: ابن حبّان، وقال يعقوب بن شيبة عن ابن المدينيّ: هو وسطٌ، وقال الذهبيّ في «الكاشف» (٢/ ١٢٧): ثقة، فقوله في «التقريب»: «مقبول» غير مقبول، فتبصّر. صومه إنما هو إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: «باب النهي أن يُخَصّ يوم السبت بالصوم»، وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد، قالوا: ونظير هذا أنه نهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده، قال ابن القيّم ﵀: وبهذا يزول الإشكال الذي ظنه من قال: إن صومه نوع تعظيم له فهو موافقة لأهل الكتاب في تعظيمه، وإن تضمن مخالفتهم في صومه، فإن التعظيم إنما يكون إذا أفرد بالصوم، ولا ريب أن الحديث لم يجئ بإفراده، وأما إذا صامه مع غيره لم يكن فيه تعظيم. انتهى . وقال الطحاويّ ﵀ في «شرح معاني الآثار»: ولقد أنكر الزهريّ حديث الصماء في كراهة صوم يوم السبت، ولم يعدّه من حديث أهل العلم بعد معرفته به، ثم أخرج بسنده عن الليث بن سعد قال: سئل الزهريّ عن صوم يوم السبت، فقال: لا بأس به، فقيل له: فقد روي عن النبيّ - ﷺ - في كراهته، فقال: ذلك حديث حمصيّ، فلم يعدّه الزهريّ حديثًا يقال به، وضَعّفَه . وقال الحافظ في «التلخيص الحبير»: حديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم»، رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، والطبرانيّ، والبيهقيّ، من حديث عبد الله بن بُسر، عن أخته الصماء، وصححه ابن السكن، ورَوَى الحاكم عن الزهريّ أنه كان إذا ذُكِر له الحديث قال: هذا حديثٌ حمصيّ، وعن الأوزاعيّ قال: ما زلت له كاتِمًا حتى رأيته قد اشتهر، وقال أبو داود في «السنن»: قال مالك: هذا الحديث كَذِبٌ، قال الحاكم: وله معارض بإسناد صحيح، ثم رَوَى حديث كريب المتقدّم، قال: ورواه النسائيّ، والبيهقيّ، وابن حبان، وروى الترمذيّ من حديث عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم من الشهر: السبت، والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء، والأربعاء، والخميس . قال الحافظ ﵀: قد أُعِلّ حديث الصماء بالمعارضة المذكورة، وأُعِلّ أيضًا باضطرابه، فقيل هكذا، وقيل: عن عبد الله بن بسر، وليس فيه عن أخته الصماء، وهذه رواية ابن حبان، وليست بعلة قادحة، فإنه أيضًا صحابيّ، وقيل: عنه، عن أبيه بسر، وقيل: عنه، عن الصماء، عن عائشة، قال النسائيّ: هذا حديث مضطرب. قال الحافظ: وَيحْتَمِل أن يكون عند عبد الله، عن أبيه، وعن أخته، وعند أخته بواسطة، وهذه طريقة مَن صححه، ورجح عبد الحقّ الرواية الأولى، وتبع في ذلك الدارقطنيّ، لكن هذا التلوّن في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه، وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالًّا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا، بل اختلف فيه أيضًا على الراوي، عن عبد الله بن بسر أيضًا. وادعى أبو داود أن هذا منسوخ، ولا يتبين وجه النسخ فيه، قال: ويمكن أن يكون أخذه من كونه - ﷺ - كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر أمره قال: «خالفوهم»، فالنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى، وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ . وذكر ابن مفلح الحنبليّ في «الفروع»: قال الأثرم: قال أبو عبد الله: قد جاء فيه حديث الصمّاء، وكان يحيى بن سعيد يتّقيه، وأبى أن يُحدّثني به، قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة -يَعْنِي أَنَّ النبيّ - ﷺ - كان يَصُومُ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ، وَيَقُولُ: «هُمَا عِيدَانِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمَا»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا -يعني ابن تيميّة- أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّهُ الذي فَهِمَهُ الْأَثْرَمُ من روايته. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الذي يترجّح جواز صوم السبت؛ لصحّة الأحاديث بذلك، وأما حديث الصمّاء فالظاهر عدم صحّته؛ للاضطراب المذكور، كما مال إليه الحافظ في آخر كلامه، وقد أنكره الأئمة: الزهريّ، ومالك، والأوزاعيّ، ويحيى القطّان، وأحمد، وأبو داود، وغيرهم. وعلى تقدير صحّته، فلا يَقْوَى لمعارضة أحاديث الجواز؛ إذ هي أكثر، وأقوى صحّة منه، ولا سيّما حديث جابر، وأبي هريرة المذكوران في الباب، وهما في «الصحيحين»، وحديث جويرة المتقدّم، وهو في «صحيح البخاريّ». أو يُحمَل النهي فيه على إفراده، كما سلكه ابن حبّان حيث ترجم بقوله: «ذكرُ العلّة التي من أجلها نُهي عن صيام يوم السبت، مع البيان بأنه إذا قُرن بيوم آخر جاز صومه» ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّهُ سَأَل جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - بِمِثْلِهِ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية ابن جُريج، عن عبد الحميد بن جُبير هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» (٣/ ٢٩٦): حدّثنا عبد اللهِ ، حدّثني أبي، ثنا عبد الرَّزاقِ، أنا ابنُ جُرَيْجٍ، أخبرني عبد الْحَمِيدِ بن جُبَيْرٍ، أَنَّهُ أخبره محمد بن عَبَّادِ بن جَعْفَرٍ، أَنَهُ سمع جَابِرَ بن
مصادر المؤلف (١٤)

١. قاله في «الفتح» ٥/ ٤١٧.

٢. «الفتح» ٤١٧/ ٥ - ٤١٨.

٣. «الفتح» ٥/ ٤١٧.

٤. قال القرطبيّ ﵀ في «المفهم» (٣/ ٢٠١): قيل: إنه محمد بن المنكدر. انتهى.

٥. أخرجه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٦٠٣ وهو ضعيف؛ لأن فيه مجهولًا، كما قاله الذهبيّ ﵀.

٦. «الفتح» ٥/ ٤٢٠ - ٤٢١.

٧. صححه ابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبّان (٣٦١٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٣٦)، وأقرّه الذهبيّ.

٨. «زاد المعاد» ٢/ ٧٩ - ٨٠.

٩. «شرح معاني الآثار» ٢/ ٨١.

١٠. حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ (٧٤٦).

١١. «التلخيص الحبير» ٢/ ٢١٦ - ٢١٧.

١٢. راجع: «الفروع» ٣/ ٩٢.

١٣. «صحيح ابن حبّان» ٨/ ٣٨١.

١٤. عبد الله هو ولد الإمام أحمد، والقائل: «حدّثني» هو الراوي عنه.