(٣٠) - (بَابُ الصَّائِمِ يُدْعَى لِطَعَامٍ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٢] (١١٥٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: رِوَايَةً، وَقَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَن النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القُرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠.
٦ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاق كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: رِوَايَةً) يعني أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة قال: «عن أبي هريرة روايةً»؛ أي ينقله أبو هريرة عن النبيّ - ﷺ - نقلًا (وَقَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -) يعني أن شيخه عمرًا الناقد قال: «عن أبي هريرة - ﵁ - يبلغ به النبيّ - ﷺ -»، والمعنى: أن أبا هريرة عزا الحديث إلى النبيّ - ﷺ - (وقَالَ زُهَيْرٌ: عَن النَّبِيِّ - ﷺ -) يعني أن شيخه زهيرًا قال: «عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -»، وغرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف ألفاظ شيوخه، وكلّها متقاربة المعنى، إلا أن قوله: «عن النبيّ - ﷺ -» صريح في الرفع، وأما قوله: «روايةً»، وقوله: «يبلغ به النبيّ - ﷺ -» من صيغ الرفع حكمًا، (قَالَ) - ﷺ - («إِذَا دُعِيَ) بالبناء للمفعول (أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي والحال أنه صائم؛ أي: صوم نفل، قاله ابن حجر الهيتميّ، وتعقّبه القاري، فقال: ولا دلالة في الحديث؛ لاحتمال أن يكون صوم قضاء ونحوه. انتهى.
(فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ») اعتذارًا للداعي، فإن سَمَح، ولم يطالبه بالحضور فله التخلف، وإلا حضر، وليس الصوم عذرًا في التخلف.
قيل: إنما أَمَر المدعوّ حين لا يجيب الداعي أن يَعتذر عنه بقوله: «إني صائم»، وإن كان يُستحب إخفاء النوافل؛ لئلا يؤدي ذلك إلى عداوة، أو تباغض بينه وبين الداعي .
وقال النوويّ ﵀: هذا محمول على أنه يقول له اعتذارًا له، وإعلامًا بحاله، فإن سَمَح له، ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح، وطالبه بالحضور لزمه الحضور، وليس الصوم عذرًا في إجابة الدعوة، ولكن إذا حضر لا يلزمه الأكل، ويكون الصوم عذرًا في ترك الأكل، بخلاف المفطر،
فإنه يلزمه الأكل على أصحّ الوجهين عندنا، كما سيأتي واضحًا -إن شاء الله تعالى- في بابه، والفرق بين الصائم والمفطر منصوص عليه في الحديث الصحيح، كما هو معروف في موضعه، وأما الأفضل للصائم، فقال أصحابنا: إن كان يشق على صاحب الطعام صومه استُحِبّ له الفطر، وإلا فلا، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صومًا واجبًا حَرُم الفطر. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٢٧٠٢] (١١٥٠)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٦١)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٨١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣٢٦٩)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٧٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣١٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٠١٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٧٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٦٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٢٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ١٦٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن المستحبّ لمن دعي إلى طعام، وهو صائم، ولا يريد الإفطار أن يقول: إني صائم.
٢ - (منها): بيان أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصوم والصلاة وغيرهما إذا دعت إليه حاجة، والمستحبّ إخفاؤها إذا لم تكن حاجة.
٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: فيه حجةُ أنه ليس للمتنفّل إفساد نيّته، وفطر يومه لغير عذر، ولو كان الفطر مباحًا له ابتداءً لم يرشده إلى العذر بصومه. انتهى .