HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٥١

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁. رِوَايَةً. قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ. فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. إني صائم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص157
ج ٢ ص ٨٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٣٤٥
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله عياض من أنه ليس للمتنفّل الفطر ضعيف، والصحيح أن له أن يفطر؛ لحديث: «الصائم التطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر»، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه الحضّ على حسن المعاشرة والصحبة، ومراعاة الألفة، وحسن الاعتذار عند وجود سببه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣١) - (بَابُ مَا يَقُولُهُ الصَّائِمُ إِذَا شُوتمَ، أَوْ قُوتِلَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٣] (١١٥١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - رِوَايَةً، قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِن إمْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وهو الإسناد الذي سبق قبله في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - رِوَايَةً) منصوب بفعل مقدّر؛ أي يرويه روايةً، والجملة في محلّ نصب على الحال؛ أي حال كون أبي هريرة ينقله عن النبيّ - ﷺ - نقلًا (قَالَ) النبيّ - ﷺ - («إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ) - بضم الفاء، وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث هنا -وهو بفتح الراء والفاء، ثمّ المثلّثة-: الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع، وعلى مقدّماته، وعلى ذكره مع النساء، أو مطلقًا، وَيحْتَمِل أن يكون لما هوأعمّ منها، قاله في«الفتح»، وقوله: (وَلَا يَجْهَلْ) أعمّ من«لا يرفُث»: أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل، كالصياح، والسَّفَه، ونحو ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه:«فلا يرفث، ولا يُجادل»، قال القرطبيّ: لا يُفهَم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذُكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكّد بالصوم. انتهى. (فَإِن امْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ) وفي رواية للبخاريّ:«فإن سابّه أحدٌ، أو قاتله»، وفي رواية له:«وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه … »، وفي رواية أبي قرّة:«وإن شتمه إنسان، فلا يكلّمه»، ونحوه في رواية عند أحمد، ولسعيد بن منصور:«فإن سابّه أحد، أو ماراه»؛ أي جادله، ولابن خزيمة:«لا تُسابّ، وأنت صائم، فإن سبّك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس»، وللنسائيّ من حديث عائشة - ﵂ -:«وإن امرؤ جَهِل عليه، فلا يشتمه، ولا يسبّه»(فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ«) قال النوويّ ﵀: هكذا هو مرتين، واختلفوا في معناه، فقيل: يقوله بلسانه جهرًا، يسمعه الشاتمَ، والمقاتلَ، فينزجر غالبًا، وقيل: لا يقوله بلسانه، بل يُحَدِّث به نفسه؛ ليمنعها من مشاتمته، ومقاتلته، ومقابلته، ويَصون صومه عن المكدرات، ولو جمع بين الأمرين كان حسنًا، انتهى. وقال السنديّ ﵀: أي فليعتذر عنده من عدم المقابلة بأن حاله لا يساعد المقابلة بمثله، أو فليذكُر في نفسه أنه صائم؛ ليمنعه ذلك عن المقابلة بمثله، قاله السنديّ . وقال في «الفتح»: واتفقت الروايات على أنه يقول: «إني صائم»، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة. وقد استشكِل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتّب عليها الجواب، خصوصًا المقاتلة. والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيّؤ لها؛ أي إن تهيّأ لمقاتلته، أو مشاتمته، فليقل: إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكفّ عنه، فإن أصرّ دَفَعه بالأخفّ، فالأخفّ، كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: «قاتله» شاتمه؛ لأن القتل يطلق على اللعن، واللعنُ من جملة السبّ -ويؤيّده ما تقدّم من الألفاظ المختلفة، فإن حاصلها يرجع إلى الشتم- فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله: «إني صائم». واختُلف في المراد بقوله: «فليقل: إني صائم»، هل يخاطب بها الذي يكلّمه بذلك، أو يقولها في نفسه؟. وبالثاني جزم المتوليّ، ونقله الرافعيّ عن الأئمة، ورجح النوويّ الأول في «الأذكار»، وقال في «شرح المهذّب»: كلّ منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردّد أتي البخاري، في ترجمته، فقال: «باب هل يقول: إني صائم إذا شُتِم؟». وقال الرويانيّ: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره في نفسه. وادعى ابن العربيّ أن موضع الخلاف في التطوّع، وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه يقوله بلسانه مطلقًا؛ لإطلاق النصّ، فإنه لم يفرّق بين فرض وتطوّع، والله تعالى أعلم. قال: وأما تكرير قوله: «إني صائم»، فليتأكّد الانزجار منه، أو ممن يخاطبه بذلك. ونقل الزركشيّ أن المراد بقوله: «فليقل: إني صائم مرتين» يقوله مرّة بقلبه، ومرّة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه كفّ لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كفّ خصمه عنه. وتُعقّب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز. [تنبيه]: نهي الصائم عن الرفث، والجهل، والمخاصمة، والمشاتمة، ليس مختصًّا به، بل كل أحد مثله في أصل النهي عن ذلك، لكن الصائم آكد، قاله النوويّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٢٧٠٣] (١١٥١)، و(البخاريّ) في «الصيام» (١٨٩٤)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٣٦٣)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٦٣ و١٦٤) وفي «الكبرى» (٣٢٥٢ و٣٢٥٣)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١/ ٥٣٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣١٠)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٤/ ٣٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٢٧١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٤٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤٥ و٢٥٧ و٤٦٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٦٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٢٦ و٢٢٧ و٢٢٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٢٤٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨/ ٢٠٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ١٤٤)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ١٥٦) و«الكبير» (١٠/ ١٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٦٩ و٢٧٠) و«الصغرى» (٣/ ٤٤٢) و«المعرفة» (٣/ ٤١٤)، وفوائده تأتي في الباب التالي -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿نْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٢) - (بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، هُوَ لِي، وَأنَا أَجْزِي بِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخِلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الثبت الشهير، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حجة [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. وقوله: (لَخِلْفَة فم الصائم) -بكسر الخاء المعجمة، وسكون اللام- قال ابن الأثير ﵀: «الْخِلْفةُ» بالكسر: تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبُت الشيء بعد الشيء؛ لأنها رائحة حدثت بعد الرائحة الأولى، يقال: خَلَف فمه يَخْلُف من باب قَعَد يقعُدُ خِلْفَةً وخُلُوفًا. انتهى . وضبطه النوويّ ﵀ بضم الخاء، فقال: «قوله:»لَخُلْفة«، وفي رواية:»لَخُلُوف«هو بضمّ الخاء فيهما. انتهى، وتمام شرح الحديث يأتي بعد حديث- إن شاء الله تعالى-. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٥] (…) - (حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، تَالَا: حَدَّثنا الْمُغِيرَةُ، وَهُوَ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَن الْأًعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -«قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: »الصِّيَامُ جُنَّةٌ«). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] مات بمكة أول سنة (٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن خالد بن حِزَام الْحِزَامِيُّ المدنيّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: («الصِّيَامُ جُنَّةٌ») -بضم الجيم- ومعناه: سُترة، ومانع من الرَّفَث والآثام، ومانع أيضًا من النار، ومنه الْمِجَنّ، وهو التُّرْس، ومنه الْجِنّ؛ لاستتارهم، قاله النوويّ ﵀ ، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٦] (…) - (وَحَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّة، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَللصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ، تغيّر بعدما عَمِيَ، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقية فاضل، لكنه يرسل ويدلّس [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمامٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٥ - (أَبُو صَالِحٍ الزَّيَّاتُ) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. و«أبو هريرة - ﵁ -» ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن عمر. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عطاء، عن أبي صالح، وهو من رواية الأقران. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ) نسبة إلى بيع الزيت، ويقال له أيضًا: السمّان، وكان أبو صالح يتّجر بالزيت والسمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأنَا أَجْزِي بِهِ) قال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في معناه مع كون جميع الطاعات لله تعالى، فقيل: سبب إضافته إلى الله تعالى أنه لم يُعْبَد أحد غير الله تعالى به، فلم يُعَظِّم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة، والسجود، والصدقة، والذكر، وغير ذلك، وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء؛ لخفائه، بخلاف الصلاة، والحجّ، والغزو، والصدقة، وغيرها من العبادات الظاهرة، وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظّ، قاله الخطابيّ، قال: وقيل: إن الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى، فتقرّب الصائم بما يتعلق بهذه الصفة، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء، وقيل: معناه أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه، أو تضعيف حسناته، وغيره من العبادات أظهر ﷿ بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، وقيل: هي إضافة تشريف، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣]، مع أن العالم كله لله تعالى. انتهى، وسنعود لاستكمال هذا البحث في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) «الجُنّة» -بضمّ الجيم-: السُّتْرَة، ومنه الْمِجَنّ، وهو الترس، زاد سعيد بن منصور، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -: «جنة من النار»، وللنسائيّ مثله من حديث عائشة - ﵂ -، ومن حديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ - بلفظ: «الصوم جنّة من النار، كجنة أحدكم من القتال»، ولأحمد من طريق أبي يونس، عن أبي هريرة: «جنة، وحصن حصين من النار»، وللنسائيّ من حديث أبي عُبيدة بن الجرّاح - ﵁ -: «الصوم جنّة، ما لم يَخْرِقها»، زاد الدارميّ: «بالغيبة» ، وبذلك ترجم له هو، وأبو داود. و«الجُنّة»: -بضمّ الجيم-: الوقاية والستر، وقد تبيّن بهذه الروايات متعلَّق هذا الستر، وأنه «من النار»، وبهذا جزم ابن عبد البرّ. وأما صاحب «النهاية»، فقال: معنى كونه جُنّةً: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. وقال القرطبيّ: جنة: أي سترة؛ يعني بحسب مشروعيّته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يُفسده، وينقص ثوابه، واليه الإشارة بقوله: «فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث إلخ»، ويصحّ أن يراد أنه سترة بحسب فائدته، وهو إضعاف شهوات النفس، واليه الإشارة بقوله: «يَدَعُ شهوته إلخ»، ويصحّ أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب، وتضعيف الحسنات. وقال عياض في «الإكمال»: معناه سترة من الآثام، أو من النار، أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النوويّ، وقال ابن العربيّ: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات. فالحاصل أنه إذا كفّ نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة. وفي زيادة أبي عبيدة بن الجرّاح - ﵁ - إشارة إلى أن الغيبة تضرّ بالصيام، وقد حُكي عن عائشة، وبه قال الأوزاعيّ أن الغيبة تفطّر الصائم، وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم. قال الحافظ: وأفرط ابن حزم، فقال: يبطله كلّ معصية من متعمّد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلًا، أو قولًا؛ لعموم قوله: «فلا يرفث، ولا يجهل»، ولقوله في الحديث الآخر: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». والجمهور، وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصّوا الفطر بالأكل والشرب والجماع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الحافظ على ما قاله ابن حزم بالإفراط غير صحيحة، كيف يقال لمن قال بما اقتضاه ظواهر النصوص: إنه أفرط؟، بل هذا هو الإفراط نفسه، فما قاله ابن حزم هو الظاهر، وقد تقدّم قريبًا النقل عن عائشة، والأوزاعيّ أن الغيبة تفطر الصائم، فَلِمَ لم يعترض عليهما؟، مع أن الجمهور لا يرون ذلك أيضًا. والحاصل أن مذهب الجمهور هو الذي يحتاج إلى دليل، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. وأشار ابن عبد البرّ إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات، فقال: حسبك بكون الصوم جُنّة من النار فضلًا، وقد أخرج النسائيّ بسند صحيح عن أبي أمامة - ﵁ -، قال: قلت: يا رسول الله مُرْني بأمر آخذه عنك، قال: «عليك بالصوم، فإنه لا مثل له»، وفي لفظ: «لا عدل له»، والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور يؤيّده ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارميّ بأسانيد صحيحة، عن ثوبان - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ) «كان» هنا تامّة، و«يومُ» مرفوع على الفاعليّة، وَيحْتَمِل أن تكون ناقصة، واسمها «الوقت» مقدّرًا، و«يوم» بالنصب خبرها. (فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ) بضم الفاء، وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث هنا: الكلام الفاحش، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا. (وَلَا يَسْخَبْ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو هنا بالسين، ويقال: بالسين والصاد، وهو الصياح، وهو بمعنى الرواية الأخرى: «ولا يجهل، ولا يرفُث»، قال القاضي: ورواه الطبريّ: «ولا يسخر» بالراء، قال: ومعناه صحيح؛ لأن السخرية تكون بالقول والفعل، وكله من الجهل، قال النوويّ: وهذه الرواية تصحيف، وإن كان لها معنى. - انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد النوويّ بالتصحيف أنها غير ثابتة رواية، فمسلّم، وإلا فلا كما قال القاضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: قوله: «ولا يصخب» كذا للأكثر بالمهملة الساكنة، بعدها خاء معجمة، ولبعضهم: بالسين بدل الصاد، وهو بمعناه، والصخب الخصام والصياح، والمراد بالنهي عن ذلك تاكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهيّ عن ذلك أيضًا. انتهى. (فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ) وتقدّم بلفظ: «فإن امرؤ شاتمه، أو قاتله»، وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ -: «وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه …»، ولأبي قُرّة من طريق سهيل، عن أبيه: «وإن شتمه إنسان، فلا يكلّمه»، ونحوه في رواية هشام، عن أبي هريرة، عند أحمد، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل: «فإن سابّه أحد، أو ماراه»؛ أي جادله، ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبي هريرة: «لا تُسابّ، وأنت صائم، فإن سبّك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس» ، وللنسائيّ من حديث عائشة - ﵂ -: «وإن امرؤ جهل عليه، فلا يشتمه، ولا يسبّه». (فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) تقدّم أنه يقول: «إني صائم، إني صائم»، مرتين، وتقدّم البحث فيه هناك مستوفًى. (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) أقسم على ذلك تأكيدًا، وفيه إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله (لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ) بفتح لام جواب القسم، و«الخُلُوف» -بضم الخاء، واللام، بعدها واو، وآخره فاء-: تغيّر رائحة الفم، يقال: خَلَفَ فم الصائم خُلُوفًا، من باب قَعَدَ: تغيّرت ريحه، وأخلف بالألف لغة، وزاد في «الجمهرة»: من صوم، أو مرض. قاله في «المصباح». وقال القاضي عياض ﵀: كونه بضم الخاء واللام هو الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطّابيّ: وهو خطأ. وحكى القابسيّ الوجهين، وصوّب الضمّ، وبالغ النوويّ في «شرح المهذّب»، فقال: لا يجوز فتح الخاء، واحتجَّ غيره لذلك بأنّ المصادر التي جاءت على فَعُول بفتح أوله قليلة، ذكرها سيبويه وغيره، وليس هذا منها. واتفقوا على أن المراد به تغيّر رائحة فم الصائم بسبب الصيام. كذا في «الفتح». وقال الباجيّ: الخلوف تغيّر رائحة فم الصائم، وإنما يَحدُث من خُلُوّ المعدة بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفَس الخارج من المعدة، وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغيّر. وقال البَرْقيّ: هو تغيّر طعم الفم، وريحه لتأخّر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام في الفم من رائحة كريهة؛ لخلوّ المعدة من الطعام . [تنبيه]: «الخلوف» بالضبط المذكور هو المشهور في الرواية، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: «لَخُلُف» بحذف الواو، قال العينيّ: والظاهر أنه جمع خِلْفَة -بالكسر-، وقال ابن الأثير: الخِلْفة -بالكسر- تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبت الشيء بعد الشيء؛ لأنها رائحة بعد الرائحة الأولى، وروي في غير البخاريّ بهذه اللفظة، أعني «خِلْفَة». انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الرواية تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم. [فائدة]: قوله: «فم الصائم» فيه ردّ على أبي عليّ الفارسيّ في قوله: إن ثبوت الميم في «الفم» خاصّ بضرورة الشعر ، فقد ثبت في هذا الحديث في الاختيار، وأما في الشعر فقد ثبت في قوله [من الرجز]: كَالْحُوتِ لَا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهُ … يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) وفي الرواية السابقة: «لخِلفة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، وقد تقدّم أن «الْخِلَفة» بكسر الخاء، وضبطها النوويّ بضمّها، وهي بمعنى الْخُلُوف. [فائدة]: وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، والشيخ أبي محمد بن عبد السلام -رحمهما الله تعالى- في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة، أم في الآخرة خاصة؟ فقال أبو محمد: في الآخرة خاصة؛ لتقييده في رواية مسلم بيوم القيامة. وقال أبو عمرو: هو عامّ في الدنيا والآخرة، واستدل بأشياء كثيرة منها ما جاء في «صحيح ابن حبّان»، قال: باب في كون ذلك يوم القيامة، وباب في كونه في الدنيا، وروى في هذا الباب بإسناده الثابت أنه -ﷺ-: «لخلوف فم الصائم حين يُخْلِف أطيب عند الله من ريح المسك»، وروى الإمام الحسن بن سفيان في «مسنده» عن جابر -﵁-: أن النبيّ -ﷺ- قال: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا …» قال: «وأما الثانية فإنهم يُمسون، وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك»، وروى هذا الحديث الإمامُ الحافظ أبو بكر السمعاني في «أماليه»، وقال: هو حديث حسن، فكل واحد من الحديثين مصرِّح بأنه في وقت وجود الخلوف في الدنيا يتحقق وصفه بكونه أطيب عند الله من ريح المسك، قال: وقد قال العلماء شرقًا وغربًا معنى ما ذكرته في تفسيره، قال الخطابي: طيبه عند الله رضاه به، وثناؤه عليه، وقال ابن عبد البر: معناه: أزكى عند الله تعالى وأقرب إليه، وأرفع عنده من ريح المسك، وقال البغوي في «شرح السنة»: معناه الثناء على الصائم، والرضا بفعله، وكذا قال الإمام القدوري إمام الحنفية في الخلاف: معناه أفضل عند الله من الرائحة الطيبة، ومثله قال البوني من المالكية، وكذا قال الإمام أبو عثمان الصابونيّ، وأبو بكر السمعانيّ، وأبو حفص ابن الصفار الشافعيون في «أماليهم» وأبو بكر ابن العربي المالكي، وغيرهم، فهؤلاء أئمة المسلمين شرقًا وغربًا لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد منهم وجهًا بتخصيصه بالآخرة مع أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغريبة، ومع أن الرواية التي فيها ذكر يوم القيامة مشهورة في الصحيح بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا، والقبول، ونحوهما مما هو ثابت في الدنيا والآخرة، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيهْ يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبًا لرضا الله تعالى، حيث يؤمر باجتنابها، واجتلاب الرائحة الطيبة، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لذلك كما خص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات: ١١]، وأطلق في باقي الروايات نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، كما سبق تقريره، هذا مختصر ما ذكر الشيخ أبو عمرو ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى كون ما ذهب إليه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ هو الأرجحَ؛ لظهور حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَللصَّائمِ فَرْحَتَانِ) جملة اسميّة من المبتدأ المؤخّر والخبر المقدّم؛ أي للذي قام بحقوق الصوم، فاداه بواجباته، ومستحباته مرّتان من الفَرَح عظيمتان: إحداهما في الدنيا، والأخرى في الأخرى. وقوله: (يَفْرَحُهُمَا) جملة في محلّ رفع صفة و«فرحتان». [تنبيه]: المراد بالصائم هو الذي أدّى حقّ الصوم، كما يشير إليه سياق هذا الحديث، قال العلّامة ابن القيّم ﵀ في «كتابه»الوابل الصيّب«: والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش، وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرَّفَث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يُفسِد صومه، فَيُخرِج كلامَه كله نافعًا صالحًا وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمّها من جالس حامل المسك كذلك، من جالس الصائم انتفع بمجالسته، وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم، هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، ففي الحديث الصحيح: »من لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يَدَع طعامه وشرابه«، وفي الحديث: »رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش« . فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته، فتُصَيِّره بمنزلة من لم يصم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وقوله: (اِذَا أفطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ) إشارة إلى الفرحة الأولى؛ يعني أنه يَفْرَح وقتَ إفطاره بالخروج عن عُهدة المأمور، أو بوجدان التوفيق لإتمام الصوم، أو بخلوص الصوم، وسلامته من المفسدات، من الرفث واللغو، أو بما يرجوه من حصول الثواب، أو بالأكل، والشرب بعد الجوع والعطش. قال القرطبيّ ﵀: معناه يفرح بزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعيّ، وهو السابق للفهم، وقيل: إن فَرَحَه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربّه، ومعونة على مستقبل صومه. قال الحافظ: ولا مانع من الحمل على ما هو أعمّ مما ذُكر، ففرح كلّ أحد بحسبه؛ لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحًا، وهو الطبيعيّ، ومنهم من يكون مستحبًّا، وهو من يكون سببه شيئًا مما ذُكر. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ. وقوله: (وَءاِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ،) إشارة إلى الفرحة الثانية؛ يعني أنه يفرح وقت لقاء ربه، بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء، وقيل: هو السرور بقبول صومه، وترتّب الجزاء الوافر عليه، ولا تنافي بين المعاني، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٠٦/ ٣٢ و٢٧٠٧ و٢٧٠٨ و٢٧٠٩] (…)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٠٤)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٦٣ و١٦٦) و«الكبرى» ٢١/ ٩٠ و٩١ و١٩٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٣١٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧٣ و٥١٦ و٦/ ٢٤٤)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٤٥٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٨٩٠ و١٨٩٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨/ ٢١٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٦٣ - ١٦٤)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٢٨٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٢٨٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٤/ ٢٧٣) و«الكبير» (٢/ ٤٥ و٢٠/ ٧٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عظيم فضل الصوم، والحثّ عليه. ٢ - (ومنها): إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه يتكلم حيث يشاء، ويكلّم من يشاء بما يشاء، وأن كلامه ليس خاصًّا بالقرآن الكريم، وهذا هو الذي يُسمّى بالحديث القدسيّ، وهو كلام الله تعالى على الحقيقة، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن متعبّد بتلاوته، بخلاف هذا. ٣ - (ومنها): أن قوله: «وأنا أجزي به» فيه بيانٌ لعظم فضله، وكثرة ثوابه؛ لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عِظَم قدر الجزاء، وسعة العطاء. ٤ - (ومنها): أن العبادات تتفاوت من حيث الثواب. ٥ - (ومنها): أن ثواب الصوم لا يعلم مقداره إلا الله تعالى. ٦ - (ومنها): أن الصائم له الفرح في الدنيا والآخرة. ٧ - (ومنها): أن الله ﷾ تفضّل على عباده بأن جعل الروائح الكريهة بسبب الصوم أطيب من ريح المسك. ٨ - (ومنها): أن خلوف فم الصائم أعظم من دم الشهيد؛ لأن دم الشهيد شُبِّهَ ريحه بريح المسك، وخلوف فم الصائم وُصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى ، والله ذو الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بقول الله تعالى: «الصوم لي، وأنا أجزي به»، مع أن الأعمال كلها لله تعالى، وهو الذي يَجزي بها: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال، أوصلها الحافظ ﵀ في «الفتح» إلى عشرة: [أحدها]: أن الصوم لا يقع فيه الرياء؛ كما يقع في غيره، حكاه المازريّ، ونقله عياض عن أبي عُبيد، ولفظ أبي عُبيد في «غريبه»: قد علمنا أن أعمال البرّ كلها لثه، وهو الذي يَجزي بها، فنرى -والله أعلم- أنه إنما خصّ الصيام؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب، ويؤئد هذا التأويل قوله -ﷺ-: «ليس في الصيام رياء»، حدّثنيه شبابة، عن عُقيل، عن الزهريّ، فذكره -يعني مرسلًا-. قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم، فإنما هو بالنيّة التي تخفى عن الناس، هذا هو وجه الحديث عندي. انتهى. وقد روى الحديثَ المذكورَ البيهقيُّ في «الشعب» من طريق عُقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهريّ موصولًا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، ولفظه: «الصيام لا رياء فيه، قال الله ﷿: هو لي، وأنا أجزي به». وهذا لو صحّ لكان قاطعًا للنزاع. وقال القرطبيّ: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يَطَّلِعُ عليه بمجرّد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: «يَدَع شهوته من أجلي». وقال ابن الجوزيّ: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلّ أن يَسلَم ما يظهر من شَوْب، بخلاف الصوم، وارتضى هذا الجواب المازريّ، وقرّره القرطبيّ بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصوم، فإن حال الممسك شبعًا مثلُ حال الممسك تقرّبًا؛ يعني في الصورة الظاهرة. قال الحافظ: معني قوله: «لا رياء في الصوم» أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم، ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقئة الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرّد فعلها، وقد حاول بعض الأئمّة إلحاق شيء من العبادات البدنيّة بالصوم، فقال: إن الذكر بـ«لا إله إلا الله، يمكن أن لا يدخله الرياء؛ لأنه بحركة اللسان خاصّة، دون غيره من أعضاء الفم، فيمكن الذاكر أن يقولها بمحضر الناس، ولا يشعرون منه بذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن أراد قائل هذا القول إلحاق الذكر المذكور بالصوم من حيث عدم دخول الرياء، فمسلّم، دمان أراد إلحاقه به من حيث الثواب والجزاء، فليس بصحيح، فإن هذا مما لا مدخل للقياس فيه، فلا يلحق بالصوم في الثواب شيء من العبادات، بل يقتصر الوارد عليه، كما هو ظاهر النصّ. والله تعالى أعلم. [ثانيها]: أن المراد بقوله: «وأنا أجزي به» أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه، وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات، فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبيّ ﵀: معناه أن الأعمال قد كُشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام، فإن الله يُثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا السياق رواية الأعمش، عن أبي صالح، حيث قال: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به». أي أجازي عليه جزاء كثيرًا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. انتهى، و«الصابرون» الصائمون في أكثر الأقوال، وسبق إلى هذا أبو عُبيد في غريبه، فقال: بلغني عن ابن عُيينة أنه قال ذلك، استدلّ له بأن الصوم هو الصبر؛ لأن الصائم يصبر نفسَهُ عن الشهوات، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. انتهى. ويشهد له رواية المسيّب بن رافع، عن أبي صالح، عند سمويه: «إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، فإنه لا يدري أحد ما فيه». ويشهد له أيضًا ما رواه ابن وهب في «جامعه» عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن جدّه زيد مرسلًا، ووصله الطبرانيّ، والبيهقيّ، في «الشعب» من طريق أخرى، عن عمر بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، مرفوعًا: «الأعمال عند الله سبع» الحديث. وفيه: «وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله»، ثم قال: «وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله، فالصيام»، ثم قال القرطبيّ: هذا القول ظاهر الْحُسْن، قال: غير أنه تقدّم، ويأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام، وهي نصّ في إظهار التضعيف، فبَعُدَ هذا الجوابُ، بل بطل. قال الحافظ: لا يلزم من الذي ذُكِرَ بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك، فلا يعلمه إلا الله تعالى. ويؤيده أيضًا العرف المستفاد من قوله: «أنا أجزي به»؛ لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه. (ثالثها): معنى قوله: «الصوم لي»؛ أي إنه أحبّ العبادات إليّ، والمقدم عندي، وقد تقدّم قول ابن عبد البرّ: كفى بقوله: «الصوم لي»، فضلًا للصيام على سائر العبادات، وروى النسائيّ وغيره من حديث أبي أمامة، مرفوعًا: «عليك بالصوم، فإنه لا مثل له» ، لكن يعكر على هذا الحديثُ الصحيحُ: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة». (رابعها): الإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله، قال الزين ابن المنيّر: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف. (خامسها): أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الربّ ﷻ، فلما تقرّب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه. وقال القرطبيّ: معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام، فإنه مناسب لصفة من صفات الحقّ، كانه يقول: إن الصائم يتقرّب إليّ بامر هو متعلّق بصفة من صفاتي. (سادسها): أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة؛ لأن ذلك من صفاتهم. (سابعها): أنه خالص لله، وليس للعبد فيه حظّ. قاله الخطابيّ. هكذا نقله عياض وغيره، فإن أراد بالحظّ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول، وقد أفصح بذلك ابن الجوزيّ، فقال: المعنى ليس لنفس الصائم فيه حظ، بخلاف غيره، فإن له فيه حظًّا لثناء الناس عليه لعبادته. (ثامنها): سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يُعبَد به غيرُ الله، بخلاف الصلاة، والصدقة، والطواف، ونحو ذلك. واعترض على هذا بما يقع من عبّاد النجوم، وأصحاب الهياكل، والاستخدامات، فإنهم يتعبّدون لها بالصيام. وأجيب بأنهم لا يعتقدون إلهيّة الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعّالة بأنفسها. قال الحافظ: وهذا الجواب عندي ليس بطائل؛ لأنهم طائفتان: إحداهما كانت تعتقد إلهيّة الكواكب، وهم من كان قبل ظهور الإسلام، واستمرّ منهم من استمرّ على كفره. والأخرى من دخل منهم في الإسلام، واستمرّ على تعظيم الكواكب، وهم الذين أشير إليهم. (تاسعها): أن جميع العبادات تُوَفَّى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى البيهقيّ من طريق إسحادتى بن أيوب بن حسان الواسطيّ، عن أبيه، عن ابن عيينة، قال: إذا كان يوم القيامة يُحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصوم الجنّة. قال القرطبيّ: قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكّرت في حديث المقاصّة، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال: «المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصدقة، وصيام، ويأتي وقد شَتَم هذا، وضَرَب هذا، وأَكَل مال هذا …» الحديث، وفيه: «فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، فماذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من سيّئاتهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار»، فظاهره أن الصيام مشترك مع بقيّة الأعمال في ذلك. قال الحافظ: إن ثبتٌ قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، فقد يستدلّ له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة -﵁- رفعه: «كلّ العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي، وأنا أجزي به». وكذا رواه أبو داود الطيالسيّ في «مسنده»، عن شعبة، عن محمد بن زياد، ولفظه: «قال ربّكم ﵎: كلّ العمل كفّارة إلا الصوم». ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى، عن شعبة بلفظ: «كلّ ما يعمله ابن آدم كفّارة له إلا الصوم». وقد أخرجه البخاريّ في «التوحيد» عن آدم، عن شعبة بلفظ: «يرويه عن ربكم، قال: لكلّ عمل كفّارة، والصوم لي، وأنا أجزي به»، فحذف الاستثناء. وكذا رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، لكن قال: «كلّ العمل كفّارة»، وهذا يخالف رواية آدم؛ لأن معناه أن لكلّ عمل من المعاصي كفّارة من الطاعات، ومعنى رواية غندر: كلّ عمل من الطاعات كفّارة للمعاصي. وقد بيَّن الإسماعيليّ الاختلاف فيه في ذلك على شعبة. وأخرجه من طريق غندر بذكر الاستثناء، فاختلف فيه أيضًا على غندر، والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند، فإنه يعارضه حديث حذيفة: «فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده يكفّرها الصلاة، والصيام، والصدقة». (عاشرها): أن الصوم لا يظهر، فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال، واستند قائله إلى حديث واهٍ جدًّا أورده ابن العربيّ في «المسلسلات»، ولفظه: «قال الله: الإخلاص سرّ من سرّي، استودعته قلب من أُحبّ، لا يطّلع عليه ملك، فيكتبَهُ، ولا شيطان، فيفسدَهُ». ويكفي في ردّ هذا القول الحديثُ الصحيح في كتابة الحسنة لمن همّ بها، وإن لم يعملها. قال الحافظ: فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بلغني أن بعض العلماء بلّغها إلى أكثر من هذا، وهو الطالقانيّ في «حظائر القدس» له، ولم أقف عليه . قال الحافظ: وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول، والثاني، ويقرب منها الثامن والتاسع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب هو الجواب الثاني، وهو أنه تعالى منفرد بعلم مقدار ثوابه، وأنه يثيب الصائم بغير حساب، فهذا هو الذي يؤيّده السياق، بل هو كالصريح فيه، حيث قال: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سَلِمَ صيامه من المعاصي قولًا وفعلًا. ونقل ابن العربيّ عن بعض الزهّاد أنه مخصوص بصيام خواصّ الخواصّ، فقال: إن الصوم على أربعة أنواع: صيام العوامّ، وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع. وصيام خواصّ العوامّ، وهو هذا، مع اجتناب المحرّمات، من قول أو فعل. وصيام الخواصّ، وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته. وصيام خواصّ الخواصّ، وهو الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلى يوم القيامة، وهذا مقام عال، لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يَخفى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل في كون هذا النوع داخلًا في الحديث المذكور نظر لا يخفى؛ إذ الصوم الشرعيّ هو الذي نزل القرآن ببيان وقته = أبي الخير الطالقاني أنه أجاب عنه أجوبة كثيرة، نحو الخمسين، وأنني لم أقف عليه، وقد يسر الله تعالى الوقوف على كلامه، وتتئعت ما ذكره متأمّلًا، فلم أجد فيه زيادة على الأجوبة العشرة التي حرّرتها هناك إلا إشارات صوفيّة، وأشياء تكرّرت معنى، وإن تغايرت لفظًا، وغالبها يمكن ردّها إلى ما ذكرته. انتهى كلام الحافظ ﵀. المحدّد بما بين تبيّن طلوع الفجر الصادق، إلى غروب الشمس، حيث نصّ عليه في قوله ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. فحيثما ورد فضل الصوم في النصّ فإنما يُراد به هذا النوع، وأما إعراض المرء عن غير الله تعالى، فليس له وقت محدّد، وأيضًا إن أراد بغير الله ما يصدّ عن ذكر الله تعالى، ويَشغل عن طاعته، فإن هذا الإعراض مطلوب محمود شرعًا، ولكن إطلاق الصوم عليه في عرف الشرع محلّ نظر، وإن أراد عدم الالتفات إلى غير الله تعالى أصلًا، سواء كان ذلك أمرًا دينيًّا أو دنيويًا، بحيث إنه لا يلتفت إلى التكاليف الشرعيّة، فلا يصلّي، ولا يصوم، ولا، ولا، لكونه وصل إلى مراده، فهذا ضلال، وزندقة، وإلحاد، فضلَا عن أن يكون مطلوبًا للشارع الحكيم جلّ وعلا، فتنبّه، فقد زلّ فيه كثير من جهال العبّاد، فاعتبروا هذا مقامًا شريفًا، وحالًا منيفًا، بينما هو الضلال والهلاك. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين ﵀: اختُلف في معنى كون هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد الاتفاق على أنه ﷿ منزّه عن استطابة الروائح الطيّبة، واستقذار الروائح الخبيثة؛ فإن ذلك من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء، فتستطيبه، وتنفر من شيء، فتتقذّره ، على أقوال: وَكُلّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ … وَكُلُّ شَرِّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ (أحدها): قال المازريّ: هو مجاز، واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيّبة منا، فاستعير ذلك في الصوم؛ لتقريبه من الله تعالى. انتهى. فيكون المعنى: إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم؛ أي إنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وذكر ابن عبد البرّ نحوه. (الثاني): أن معناه أن الله تعالى يجزيه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك؛ كما يقال في المكلوم في سبيل الله: «الريح ريح المسك». حكاه القاضي عياض. (الثالث): أن المعنى أن صاحب الخُلُوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا، لا سيّما بالإضافة إلى الخلوف، وهما ضدّان. حكاه القاضي عياض أيضًا. (الرابع): أن المعنى أنه يُعتدّ برائحة الخلوف، وتدّخر على ما هي عليه أكثر مما يعتدّ بريح المسك، وإن كانت عندنا بخلافه. حكاه القاضي عياض أيضًا. (الخامس): أن المعنى أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك، حيث ندب إليه في الجُمَع والأعياد، ومجالس الحديث والذكر، وسائر مجامع الخير. قاله الدا وديّ، وابن العربيّ، وصاحب «المفهم»، وبعض الشافعيّة، قال النوويّ: إنه الأصحّ. (السادس): قال صاحب «المفهم»: يَحْتَمِل أن يكون ذلك في حقّ الملائكة، يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك. انتهى كلام وليّ الدين . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال كلها ساقطة، لا أثارة عليها من علم، بل هي مبنيّة على هواء الهوى الفاسد، والتشبيه المتخيّل الكاسد، وليس فيها عن السلف شيء، بل كلها جاءت عن متأخري الأشاعرة، ومن سار على دَرْبهم، فإن الله ﷾ حينما أنزل على رسول الله -ﷺ-: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» لم يأمره ببيان كونه من المتشابه، وأن ظاهره غير مراد، بل تأويله كذا وكذا، مع أنه تعالى هو الذي قال له ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] الآية، ولم يتعرّض النبيّ -ﷺ- حينما أخبر بهذا الخبر لبيان الإشكال المزعوم، ولا للجواب عنه، ولا الصحابة الكرام -﵃ لناس بلغه العرب، وبمقاصد الشريعة بعد نبيهم -ﷺ- استشكلوه، ولا سألوا عن تأويله، وهكذا التابعون لهم باحسان رحمهم الله تعالى، سلكوا مسلكهم، أفلا يسعنا ما وسعهم؟. فيا أيها العقلاء، ويا أيها المنصفون الذين لم تنصبغ عقولهم بخيالات الفلاسفة، وأوهام المتكلمين: إن واجب كل مسلم إذا سمع شيئًا من النصوص، أن يتلقاه بالقبول، ولا يذهب به كلَّ مذهب تتخيّله نفسه، فإن هذه النصوص لم تأت إلا من العليم الحكيم الذي هو أعلم بما يجوز أن يُنسب إليه، وأن النبيّ -ﷺ- قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. وخلاصة القول أن ما ثبتٌ نسبته إلى الله تعالى في كتابه العزيز، أو في حديث رسوله -ﷺ - الصحيح وجب قبوله، وإجراءه علي المعنى الذي أراده الله تعالى، دون تشبيه ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل. اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. ثم رأيت العلامة ابن القيّم ﵀ ذا الموضوع في كتابه «الوابل الصيّب» وفنّد كلام الشراح لهذا الحديث في معنى كونه أطيب عند الله، وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم، والرضا بفعله على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، فقال: وأيّ ضرورة تدعو إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله، والرضا بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته، وكثير من هؤلاء ينشئ للّفظ معنى، ثم يَدّعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النصّ من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عيّنه، أو احتمال اللغة له، ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى، ورسوله -ﷺ- بأن مراده من كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلومًا بوضع اللفظ لذلك المعنى، أو عرف الشارع -ﷺ- وعادته المطردة، أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى، أو تفسيره له به، وإلا كانت شهادة باطلة. ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمثّل النبيّ -ﷺ- هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا، وأعظم ونسبة استطابة ذلك إليه ﷿ كنسبة سائر صفاته، وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهيته وحبة وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته ﷿ لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو ﷿ يستطيب الكلم الطيب، فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا. ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله الرضا، فإن قال: رضا ليس كرضا المخلوقين، فقولوا: استطابة ليست كاستطابة المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألةالسابعة): [إن قيل]: ما الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع أن رائحته مساوية لرائحة المسك، وعدمِ تحريم إزالة الخُلُوف مع كونه أطيب من ريح المسك؟. [قلت]: ذكر الإمام جمال الدين الإسنويّ ﵀ في «المهمّات» خمسة أوجه من الأجوبة: (أحدها): أن دم الشهيد حجة له على خصمه، وليس للصائم خصم، يَحتجّ عليه بالخلوف، إنما هو شاهد له بالصيام، وذلك محفوظ عند الله، وملائكته. (ثانيها): أن دم الشهيد حق له، فلا يُزال إلا بإذنه، وقد انقطع ذلك بموته، وقد كان له غسله في حياته، والخلوف حقّ للصائم، فلا حرج عليه في ترك حقّه، وإزالة ما يشهد له بالفضل. (ثالثها): أن كون رائحة دم الشهيد كرائحة المسك أمر حقيقيّ، وكون رائحة الخلوف أطيب من رائحة المسك أمر حكميّ، له تأويل يصرفه عن ظاهره في أكثر الأقوال المتقدّم بيانها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التأويلات التي تقدّم بيانها غير صحيحة، كما تقدم تحقيق ذلك، فلا تغفل. (رابعها): أنه ورد النهي عن إزالة دم الشهيد مع وجوب إزالة الدم ، ومع وجوب غسل الميت، فما اغتفر ترك هذين الواجبين إلا لتحريم إزالته، فلذلك قلنا بتحريمه، ولم يَرِد ذلك في السواك، وإنما قيل بالاستنباط. (خمامسها): أنه عارض ذلك في خلوف الصائم بقاء الحياة، وهي محلّ التكليف، والعبادات، وملاقاة البشر، فامكن أن يُزال الخلوف لما عارضه، بخلاف دم الشهيد، فإنه بخلاف ذلك. انتهى منقولًا من «طرح التثريب» بتصرف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب الأول عندي هو الأقرب؛ لظهور حجته، فتامل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٧] (…) - (وَحَدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَن الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشجُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَة عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَه) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا. ٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين. ٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَبجُّ) عبد الله بن سعيد، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَمامَهُ مِنْ أَجْلِي) تعليل لاختصاصه بعظيم الجزاء، وعطف: دزطعامه «من عطف الخاصّ على العامّ، فإن الشهوة تشمل الطعام وغيره، وفي رواية ابن خزيمة رقم -١٨٩٧ - من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه:»يدع الطعام، ويدع الشراب من أجلي، ويدع لذّته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي«، وعند الحافظ سمويه في»فوائده«من طريق المسيّب بن رافع، عن أبي صالح:»يترك شهوته، من الطعام، والشراب، والجماع من أجلي«. ووقع بأداة الحصر في رواية أحمد، ولفظه:«يقول الله ﷿: إنما يذر شهوته إلخ»، وكذا عند سعيد بن منصور، ولفظه:«يقول الله ﷿: كلّ عمل ابن آدم هو له، إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، وإنما يذر ابن آدم شهوته، وطعامه من أجلي»الحديث. قال في«الفتح»: وقد يُفْهَم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله:«إنما يذر إلخ» التنبيه على الجهة التي يستحق الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاصّ به، حتى أَبُو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتُّخَمَة لا يحصل للصائم الفضل المذكور، لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القويّ الذي يدور معه الفعل وجودًا وعدمًا، ولا شكّ أن من لم يَعْرِض في خاطره شهوة شيء من الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك، فجاهد نفسه في تركه. والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّمت، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج والله ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٨] (…) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ -﵂- قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِن اللهَ يَقُولُ: إِن الصَّوْمَ لِي، وَأنا أَجْزِي بِهِ، إِن لِلصَّائِمِ فَرْحَتَيْنِ: إِذَا أفطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غزوان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٨. ٢ - (أَبُو سِنَانٍ) الشيبانيّ الأكبر، ضِرَار بن مُرّة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (بخ م مد ت س) تقدم في «الجنائز» ٣٤/ ٢٢٦٠. [تنبيه]: ولهم أبو سنان الشيباني الأصغر، واسمه سعيد بن سنان الْبُرْجميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، تقدّم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٨/ ١٢٦٧. ٣ - (أَبُو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدريّ -﵁-، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِذَا أفطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ) قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: أما فرحته عند لقاء ربه فبما يراه من جزائه، وتذكّر نعمة الله تعالى عليه بتوفيقه لذلك، وأما عند فطره فسببها تمام عبادته، وسلامتها من المفسدات، وما يرجوه من ثوابها، ذكره النوويّ ﵀ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المئصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٩] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، وَهُوَ أَبُو سِنَانٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: (وَقَالَ: إِذَا لَقِيَ اللهَ، فَجَزَاهُ فَرِحَ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ) أبو يعقوب البصريّ، صدوق [١٠]. رَوَى عن حماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة، وعبد العزيز بن مسلم، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود في«فضائل الأنصار»، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وحرب الكرمانيّ، وموسى بن هارون الحمّال، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس به بأسٌ، وقال ابن قانع في«الوفيات»: صالحٌ، وذكره ابن حبان في«الثقات». قيل: مات سنة (٢٢٩)، وقيل: سنة (٢٢٣). تفرّد به المصنّف، وأبو داود في«فضائل الأنصار»، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١١٥١) و(٢٤٧٢) و(٢٨٧٣) و(٢٩٦٧). ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِم) الْقَسْمَليّ، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ عابدٌ ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٦٧) (خ م د س ت) تقدم في«المساجد ومواضع الصلاة»٢/ ١١٨٣. و«ضِرارُ بن مرّة»ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد العزيز بن مسلم، عن ضِرَار بن مُرّة هذه لم أجد من
مصادر المؤلف (٢٣)

١. إسناده صحيح. وعجلان المدنيّ مولى المشمعلّ -بضمّ الميم، وسكون المعجمة، وفتح الميم، وكسر المهملة، وتشديد اللام- لا بأس به، من الرابعة. أفاده في «ت».

٢. «شرح السنديّ» ٤/ ١٦٤.

٣. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٨ - ٢٩.

٤. «النهاية»٢/ ٦٧.

٥. «شرح النوويّ»٨/ ٣٠ - ٣١.

٦. في كون هذه الزيادة من جملة المرفوع نظر لا يخفى، فإن الظاهر أنها من كلام الدارميّ، راجع: «شرحي» على النسائيّ.

٧. انظر: «الفتح» ٤/ ٥٩٤ - ٥٩٥.

٨. تقدّم ص ٤٥٤ أن إسناده صحيح.

٩. راجع: «المرعاة» ٦/ ٤٠٨ - ٤٠٩.

١٠. راجع: «عمدة القاري» ٩/ ٢٩.

١١. راجع: «طرح التثريب» ٤/ ٩٥.

١٢. «المجموع شرح المهذّب» ١/ ٢٧٩.

١٣. هو حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر»، رواه ابن ماجه، واللفظ له، والنسائيّ، وابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ.

١٤. «الوابل الصيب» ١/ ٤٣.

١٥. أفاده في «الفتح» ٤/ ٥٩٨.

١٦. حديث صحيح، أخرجه النسائيّ برقم ٤٣/ ٢٢٢٠.

١٧. ثم وقف عليه بعدُ، فقال في كتاب «اللباس» رقم (٥٩٢٧) ما نصّه: وقد تقدّم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب «الصوم» مع الإشارة إلى ما بيّنت هنا، وذكرت أقوال العلماء في معنى إضافته ﷿ الصيام إليه بقوله: «فإنه لي»، ونقلت عن=

١٨. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما أوقعهم في هذه الأقوال المنتشرة التي لا تنبني على حجة، إلا مجرّد التخيّل، وقياس الغائب بالشاهد، تقليدًا للمتكلّمين الذين هم أذناب الفلاسفة الملحدين، وإلا فلو فكروا في أن الله تعالى له الصفات العلى، لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذواتهم، لما تطرّق إلى أذهانهم الإشكال المزعوم أصلًا، كما هو هدي السلف الصالحين الذين كانوا إذا سمعوا مثل هذا الحديث لم يتلجلج في قلوبهم شيء من الخيالات الفاسدة، والأوهام الكاسدة، بل سلّموا، وأثبتوا ما أثبته النصّ، على مراد الله تعالى، والخير كل الخير هو الذي كانوا عليه:

١٩. «طرح التثريب» ٤/ ٩٥ - ٩٦.

٢٠. «الوابل الصيّب» ٤٥.

٢١. في وجوب إزالة الدم غير دم الحيض نظر لا يخفى؛ إذ لا دليل على وجوبه، وقد تقدّم تحقيق ذلك في كتاب«الطهارة»، فتفطّن.

٢٢. راجع:«طرح التثريب»٤/ ١٠١، فإنه منقول عنه بتصرّف.

٢٣. «شرح النوويّ» ٨/ ٣١ - ٣٢.