HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٥٩

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. ح وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يحيي أخبرنا ابن وهب. أخبرني يونس عن ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، مَا عِشْتُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟» فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. فَصُمْ وَأَفْطِرْ. وَنَمْ وَقُمْ. وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ» قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا. وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ (﵇) وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ» قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أفضل من ذلك. قال رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ». قال عبد الله بن عمرو ﵁: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَحَبُّ إلي من أهلي ومالي.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص162
ج ٢ ص ٨١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٤٣٣
أخبرنا حميد، قال: سألت أنسًا - ﵁ - عن صيام النبيّ - ﷺ -، فقال: ما كنت أحبّ أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ولا من الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته، ولا مَسِسْتُ خَزَّةً، ولا حريرةً ألين من كَفّ رسول الله - ﷺ -، ولا شَمِمْتُ مِسْكَةً، ولا عَبِيرةً أطيب رائحةً من رائحة رسول الله - ﷺ -. انتهى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٧٢٨] (١١٥٨)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٧٢ و١٩٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٥٩ و٢٠٨ و٢٥٢)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١٣٢٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ٢٤٠)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (١/ ٣٨٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٧) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٩] (١١٥٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، فَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ وَهْبٍ، يُحَدَّثُ عَنْ يُونُسَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ: أُخْبرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّه يَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، وَلأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ، فقَال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟» فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ، وَأَفْطِرْ، وَنَمْ، وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاَثَةَ أَيَّام، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ«، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ:»صُمْ يَوْمًا، وَأفطِرْ يَوْمَيْنِ«، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:»صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَام«، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أفضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:»لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ«، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو - ﵁ -: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاَثَةَ أَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في«المقدمة»٣/ ١٠. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيه عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في«المقدمة»٣/ ١٠. ٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في«المقدمة»٣/ ١٤. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأموي مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في«المقدمة»٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الثبت الفقيه المشهور، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٧١. ٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم في الباب الماضي. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد السهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات ليلة الحرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في«المقدمة» ٤/ ١٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فصل بينهما بكتابة (خ). ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ والترمذيّ، والثاني انفرد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة بلا خلاف، وأبا سلمة منهم أيضًا على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ - ﵄ -، وهو أحد العبادلة الأربعة. شرح الحديث: (عَن ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ -. [تنبيه]: هذا الحديث رواه جماعة عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، فقد أورده المصنّف في هذا الباب من رواية أبي سلمة، وابن المسيِّب، وأبي العبّاس الشاعر، وعمرو بن أوس، وأبي المليح، وأبي عياض، وسعيد بن ميناء، كلهم عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -. وأورده البخاريّ في «صحيحه» عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، وأبي العباس الشاعر، ومجاهد، وأبي المليح كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الحافظ -﵀-: ورواه جماعة من الكوفيين، والبصريين، والشاميين، عن عبد الله بن عمرو مطولًا ومختصرًا، فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة، ومنهم من اقتصر على قصة الصيام، ومنهم من ساق القصة كلها، قال: ولم أره من رواية أحد من المصريين عنه، مع كثرة روايتهم عنه. انتهى . (قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول، والمخبر هوأبوه عمرو بن العاص - ﵁ -، كما يأتي من رواية البخاريّ من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمرو. أَنَّه يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ) «ما» مصدريّة ظرفيّة؛ أي مدّة عَيشي، وبقائي في الدنيا، وفي رواية عكرمة بن عمّار التالية: «قال: كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كلَّ ليلة، قال: فإما ذُكِرتُ للنبيّ - ﷺ -، وإما أرسل إليّ، فأتيته، فقال لي: ألم أُخْبَرْ أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كلّ ليلة؟ فقلت: بلى يا نبيّ الله، ولم أُرد بذلك إلا الخير». وفي رواية للنسائيّ من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: «قال لي عبد الله بن عمرو: يا ابن أخي إني قد كنت أجمعت على أن أجتهد اجتهادًا شديدًا، حتى قلت: لأصومنّ الدهر، ولأقرأنّ القرآن في كل ليلة». وفي رواية للبخاريّ في «فضائل القرآن»، من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: «أنكحني أبى امرأةً ذات حَسَب، وكان يتعاهدها، فسألها عن بعلها، فقالت: نِعم الرجل من رجل لم يطأً لنا فِراشًا، ولم يفتش لنا كَنَفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي - ﷺ -، فقال له: الْقَنِي به، فلقيته بعدُ …»، فذكر الحديث، زاد النسائيّ، وابن خزيمة، وسعيد بن منصور، من طريق أخرى عن مجاهد: «فوقع عليّ أبي، فقال: زوّجتك امرأةً، فعضلتها، وفعلت وفعلت وفعلت، قال: فلم ألتفت إلى ذلك؛ لِمَا كانت لي من القوّة، فذكر ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال: القني به، فأتيته معه»، ولأحمد من هذا الوجه: «ثم انطلق إلى النبيّ - ﷺ -، فشكاني». وفي رواية أبي المليح، عن عبد الله بن عمرو الآتية قال: ذكر للنبيّ - ﷺ - صومي، فدخل عليّ، فالقيت له وِسادةً. وفي رواية أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو الآتية: «بلغ النبيّ - ﷺ - أني أصوم أسرُد، وأُصلي الليل، فإما أرسل إليّ، وإما لقيته، فقال: ألم أُخبَرْ أنك تصوم، ولا تفطر …». قال في «الفتح»: ويُجْمَع بينهما بأن يكون عمرو توجه بابنه إلى النبيّ - ﷺ -، فكلّمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك، ثم أتاه إلى بيته زيادة في التأكيد. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آنْتَ) بمدّ الهمزة، أصله أأنت بهمزتين، أولاهما للاستفهام (الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟») أي ما ذكر من قولك: لأقومنّ الليل، ولأصومنّ النهار ما عِشْتُ (فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ) زاد في الرواية التالية: «ولم أرد إلا الخير» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) قال في»الفتح«: يَحْتَمل أن يريد به الحالة الراهنة؛ لما عَلِمه النبيّ - ﷺ - من أنه يتكلّف ذلك، ويُدخِل به على نفسه المشقّة، ويُفَوِّت به ما هو أهمّ من ذلك. ويَحْتَمِل أن يريد به ما سيأتي بعدُ إذا كَبِر وعَجِزَ، كما اتَّفق له سواءً، وكَرِهَ أن يوظِّف على نفسه شيئًا من العبادة، ثم يعجز عنه، فيتركه؛ لما تقرَّر من ذمّ مَنْ فَعَلَ ذلك. انتهى . وفي الرواية الآتية:«فلا تفعل، فإن لعينك عليك حظًّا، ولنفسك حظًّا، ولأهلك حظًّا »، وفي رواية:«فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمت له عيناك، ونَفِهت نفسك»، وزاد في رواية ابن خزيمة:«إن لكل عامل شِرَّة ولكل شِرّة فترةً، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». (فَصُمْ) أي في بعض الأيام، وقال القاري -﵀-:«صُمْ »وقتَ النشاط، وهو لا يكون إلا في بعض الأيام، أو وقت طُغْيان النفس؛ لتنكسر سَوْرتها. انتهى . (وَأَفْطِرْ) بقطع الهمزة؛ أي في بعضها، وقال القاري -﵀-:«وأَفْطِرْ»وقتَ السآمة والملالة، وخمود النفس، وكسر شهوتها، أو صُمْ أيام الفواضل؛ لإدراك الفضائل، وأفطر في غيرها؛ لتقوية البدن، وتحسين الأخلاق والشمائل. انتهى . (وَنَمْ) بفتح النون ، أمر من نام ينام، من باب خاف؛ أي نَمْ بعض الليل (وَقُمْ) أي: بعضه، والمعنى: اجمع بين القيام والنوم في الليل الواحد، وقوله: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاَثَةَ أَيَّامٍ) بعد قوله:«فصم، وأفطر»بيان لما أجمل من ذلك، وتقرير له على ظاهره؛ إذ الإطلاق يقتضي المساواة . (فَإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) إشارة إلى قوله -﷿-: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآية (وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَام الدَّهْرِ») أي يكون ثوابه كثواب صيام الدهر، قال في «الفتح»: هذا يقتضي أنَّ المثليّة لا تستلزم التساوي من كلّ جهة؛ لأن المراد به هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل، ولكن يَصْدُقُ على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازًا. انتهى . (قَالَ) عبد الله بن عمرو - ﵄ - (قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، وفي نسخة: أكثر من ذلك«(قَالَ) - ﷺ - (»صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ«، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:»صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا) وفي رواية أبي عياض الآتية: «صم يومًا، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي، قال: إني اطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصيام صوم داود؟، كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا». وفي رواية أبي المليح عند البخاريّ: «يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام، قلت: يا رسول الله، قال: خمسًا، قلت: يا رسول الله، قال: سبعًا، قلت: يا رسول الله، قال: تسعًا، قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة». واستَدَلّ به عياض على تقديم الوتر على جميع الأمور، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما في رواية مسلم من طريق أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو: «صم يومًا -يعني من كل عشرة أيام- ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين، ولك أجر ما بقي -إلى أن قال-: قال: صم صوم داود»، كما مرّ آنفًا. قال: وهذا يقتضي أنه أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كل شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن وَصّله إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخر. قال: ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عند أبي داود: «فلم يزل يناقصني وأناقصه». ووقع للنسائيّ في رواية محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة: «صُمْ الاثنين والخميس من كل جمعة»، وهو فرد من أفراد ما تقدم ذكره. وقد استُشْكِل قوله: «صم من كل عشرة أيام يومًا، ولك أجر ما بقي»، مع قوله: «صم من كل عشرة أيام يومين، ولك أجر ما بقي إلخ»؛ لأنه يقتضي الزيادة في العمل، والنقص من الأجر، وبذلك ترجم له النسائيّ -﷿-. وأجيب بأن المراد: لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف. وقال عياض: قال بعضهم: معنى «صم يومًا، ولك أجر ما بقي» أي من العشرة، وقوله: «صم يومين، ولك أجر ما بقي»؛ أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحَمَله على ذلك استبعاد كثرة العمل، وقلة الأجر. وتعقبه عياض بأن الأجر إنما اتَّحَد في كل ذلك؛ لأنه كان نيَّته أن يصوم جميع الشهر، فلما منعه - ﷺ - من ذلك إبقاءً عليه لما ذُكِر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلًا أو كثيرًا، كما تأوله في حديث: «نية المؤمن خير من عمله» ؛ أي إن أجره في نيته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله. انتهى. قال الحافظ: والحديث المذكور ضعيفٌ، وهو في «مسند الشهاب»، والتأوبل المذكور لا بأس به. ويَحْتَمِل أيضًا إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوتها مشقة الصوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك، على أن قوله في نفس الخبر: «صُمْ أربعة أيام، ولك أجر ما بقي»، يَرُدّ الحمل الأول، فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير: ولك أجر أربعين، وقد قيّده في نفس الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين، وكذلك قوله في رواية أخرى للنسائيّ، من طريق ابن أبي ربيعة، عن عبد الله بن عمرو، بلفظ: «صُمْ من كل عشرة أيام يومًا، ولك أجر تلك التسعة، ثم قال فيه: من كل تسعة أيام يومًا، ولك أجر تلك الثمانية، ثم قال: من كل ثمانية أيام يومًا، ولك أجر السبعة، قال: فلم يزل حتى قال: صُمْ يومًا، وأفطر يومًا». وله من طريق شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن جدّه بلفظ: «صُمْ يومًا، ولك أجر عشرة، قلت: زدني، قال: صم يومين، ولك أجر تسعة، قلت: زدني، قال: صم ثلاثة، ولك أجر ثمانية»، فهذا يدفع في صدر ذلك التأويل الأول، والله أعلم. انتهى . (وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ؛، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ») أي أفضلها، كما بيّنه بقوله:«لا أفضل من ذلك»، وقال القرطبي -﵀-: قوله:«وهو أعدل الصيام»؛ أي من جهة حفظ القوة، ووجدان صوم مشقة العبادة، وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضل وأحب، ولا صوم فوقه أعدل في الفضل، كما جاءت هذه الألفاظ، وهي كلها متقاربة في مدلولها، وهو بلا شك نقل بالمعنى، ومضمون هذه الألفاظ: أن هذا الصوم أعدل في نفسه وأكثر في ثوابه. انتهى . (قَالَ) عبد الله (قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ») أي من صوم داود؛، وفي رواية البخاريّ:«فصم صيام نبيّ الله داود، ولا تزد عليه»أي على صوم داود، زاد أحمد وغيره من رواية مجاهد:«قلت: قد قبلتُ». وقال في«الفتح»: قوله:«لا أفضل من ذلك»ليس فيه نفي المساواة صريحًا، لكن قوله في الرواية الأخرى عند البخاريّ:«أحب الصيام إلى الله صيام داود»يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقًا، ورواه مسلم والترمذيّ بلفظ:«أفضل الصيام صيام داود»، ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة. انتهى بتصرّف . قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ في ثبوت الأفضليّة مطلقًا؛ لأن قوله - ﷺ -:«أفضل الصيام صيام داود»صريح في ذلك، فمن زاد على صوم داود، فقد ترك الأفضل، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو - ﵁ -: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ أَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: في قوله:«وصُم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها»(أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي) وفي الرواية التالية:«قال: وقال لي النبيّ - ﷺ -: إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر، قال: فصِرتُ إلى الذي قال لي النبيّ - ﷺ -، فلما كَبِرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله - ﷺ - ». معنى كلامه - ﷺ - هذا أنه كَبِرَ وعجز عن المحافظة على ما التزمه، ووَظَّفَه على نفسه عند رسول الله - ﷺ -، فشقّ عليه فعله؛ لعجزه، ولم يُعجبه أن يتركه؛ لالتزامه له، ولأن النبيّ - ﷺ - قال له:«يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل»، فتمنى أن لو قبل الرخصة، فأخذ بالأخفّ. ثم إنه - ﵁ - مع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة، لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف، كما بُيّن ذلك في رواية الإمام أحمد:«وكان عبد الله حين ضَعُف وكَبِر يصوم تلك الأيام كذلك، يصل بعضهما إلى بعض، ثم يفطر بعدد تلك الأيام، فيقوى بذلك، وكان يقول: لأن أكون قبلت الرّخصة أحب إلي مما عدل به، لكنني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره«. انتهى. وقال القرطبي -﵀ -: هذا إنما قاله عبد الله لمّا انتهى من العمر إلى الكبر - حدّثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد، حدثني أبي، ثنا هُشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، ومغيرة الضبي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: زوّجني أبي امرأةً من قريش، فلما دخلت عليّ، جعلت لا أنحاش لها، مما بي من القوّة على العبادة من الصوم والصلاة، فجاء عمرو بن العاص إلى كَنَّته حتى دخل عليها، فقال لها: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير الرجال، أو كخير البعولة، من رجل لم يفتش لنا كَنْفًا، ولم يعرف لنا فراشًا، فأقبل عليّ، فعذمني، وعضني بلسانه، فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب، فعضلتها، وفعلت وفعلت، ثم انطلق إلى النبيّ - ﷺ -، فشكاني، فأرسل إلي النبيّ - ﷺ -، فأتيته، فقال لي: «أتصوم النهار؟» قلت: نعم، قال: «وتقوم الليل؟» قلت: نعم، قال: «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمسّ النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، قال: «اقرأ القرآن في كل شهر»، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشرة أيام»، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال أحدهما، إما حُصين، وأما مغيرة: قال «فاقرأه في كل ثلاث» قال: ثم قال: «صم في كل شهر ثلاثة أيام»، قلت: اني أقوى من ذلك، قال: فلم يزل يرفعني، حتى قال: «صم يومًا، وأفطر يومًا، فإنه أفضل الصيام، وهو صيام أخي داود»، قال حصين في حديثه: ثم قال - ﷺ -: «فإن لكل عابد شرّةً، ولكل شرة فترة، فإما إلى سنة، وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنة، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك»، قال مجاهد: فكان عبد الله بن عمرو حيث ضعف وكبر يصوم الأيام كذلك، يصل بعضها إلى بعض؛ ليتقوى بذلك، ثم يفطر بعد تلك الأيام، قال: وكان يقرأ في كل حزبه كذلك يزيد أحيانًا وينقص أحيانًا غير أنه يوفي العدد، إما في سبع، وإما في ثلاث، قال: ثم كان يقول بعد ذلك: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله - ﷺ - أحب الي مما عُدل به، أو عُدل، لكني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره. انتهى. وقوله «كَنّته» بفتح الكاف، وتشديد النون: هي زوج الولد. الذي كان النبيّ - ﷺ - قد أخبره به بقوله: «إنك لا تدري لعله يطول بك عمر»، قال: فصرت للذي قال النبيّ - ﷺ -، قال: فلما كبرتُ وددتُ أني كنت قبلت رخصة رسول الله - ﷺ -، وهذا من عبد الله يدلّ على أنه كان قد التزم الأفضل مما نقله إليه النبيّ - ﷺ -، والأكثر، إما بحكم التزامه الأول؛ إذ قال؛ لأصومنّ الدهر، ولأقومنّ الليل ما عشتُ، وإما بحكم أنه هو الحال الذي فارق النبيّ - ﷺ - عليه، وكره أن ينقص من عمل فارق النبيّ - ﷺ - عليه، فلم ير أن يرجع عنه، وإن كان قد ضعف عنه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ لكني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٧/ ٢٧٢٩ و٢٧٣٠ و٢٧٣١ و٢٧٣٢ و٢٧٣٣ و٢٧٣٤ و٢٧٣٥ و٢٧٣٦ و٢٧٣٧ و٢٧٣٨ و٢٧٣٩ و٢٧٤٠ و٢٧٤١ و٣٧٤٢ و٢٧٤٣] (١١٥٩)، و(البخاريّ) في «التهجّد» (١١٥٣) و«الصوم» (١٩٧٦ و١٩٧٧ و١٩٧٨ و١٩٧٩) و«أحاديث الأنبياء» (٣٤١٨ و٣٤١٩) و«فضائل القرآن» (٥٠٥٢)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٢٧)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ٢٠٩ - ٢١٢) و«الكبرى» (٢/ ١٢٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٢٥٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧٨٦٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٨٧ - ١٨٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٥٢ و٢٥٩٠ و٣٥٧٣ و٣٦٤٣ و٣٦٦١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٨٥ - ٨٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٤/ ١٥٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٢٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٣٥)، والبيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٦ و٤/ ٢٩٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٠٧ و١٨٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائد حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا على اختلاف ألفاظه ، فقد قال القرطبي -﵀ -: حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - اشتَهَرَ، وكَثُر رواته، فكثر اختلافه حتى ظَنَّ من لا بصيرة عنده: أنه مضطرب، وليس كذلك؛ فإنه إذا تُتُبِّع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتَظَمَت صورته، وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أَنْ ذَكَرَ بعضُهم ما سكت عنه غيره، وفَصَّل بعض ما أجمله غيره، وسنشير إلى بعضه - إن شاء الله تعالى. انتهى . ١ - (منها): بيان أفضلية صوم يوم، وإفطار يوم. ٢ - (ومنها): تفقّد الإمام لأمور رعيته كلياتها، وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصلحهم. ٣ - (ومنها): بيان رفق النبيّ - ﷺ - بأمته، وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يُصلحهم، وحثّه لهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمّق والإكثار من العبادات التي يُخاف عليهم الملل بسببها، أو تركها، أو ترك بعضها، وقد بَيَّن - ﷺ - ذلك في الحديث الماضي في الباب السابق بقوله: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لن يمل حتى تملوا»، وكان يقول: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ»، وبقوله - ﷺ - في الحديث الآتي في الباب: «لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل»، وقد ذم الله تعالى قومًا أكثروا العبادة، ثم فَرَّطوا فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية. ٤ - (ومنها): الندب إلى الدوام على ما وظّفه الإنسان على نفسه من العبادة. ٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محلّ ذلك عند أمن الرياء. ٦ - (ومنها): الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه - ﷺ - مع كراهته لعبد الله بن عمرو تشدّده على نفسه حضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر من النفس، والأهل، والأضياف أن تضيّع حقّ العبادة، وتترك المندوب جملة، ولكن اجمع بينهما. ٧ - (ومنها): أنه لا يجوز للإنسان أن يُجهد نفسه بالعبادة حتى يَضعُف عن القيام بحقوق زوجته، من الجماع، والاكتساب. وقد اختلف العلماء فيمن كفّ عن جماع زوجته، فقال مالك: إن كان بغير ضرورة الزم به، أو يفرّق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعيّة أنه لا يجب عليه، وقيل: يجب مرّة، وعن بعض السلف في كلّ أربع ليلة، وعن بعضهم في كلّ طهر مرّة . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي هو القول بوجوب جماعها إذا طلبت منه ذلك؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف التي أوجبها الله تعالى بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال تعالى أيضًا: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من «كتاب النكاح»، إن شاء الله تعالى. ٨ - (ومنها): فضيلة نبيّ الله داود - ﵇ -، حيث إنه كان أعبد الناس. ٩ - (ومنها): بيان منقبة الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمرو - ﵄ -، حيث كان بهذه المنزلة من الالتزام بالعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا، وشهواتها. ١٠ - (ومنها): جواز القَسَمَ على التزام العبادة، وفائدته الاستعانة باليمين على النشاط لها، وأن ذلك لا يخلّ بصحة النية، والإخلاص فيها. ١١ - (ومنها): أن اليمين على التزام العبادة لا يُلحقها بالنذر الذي يجب الوفاء به. ١٢ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف. ١٣ - (ومنها): أن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص، والأوقات، والأحوال. ١٤ - (ومنها): الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في أنواع العبادات، كما أمر - ﷺ - عبد الله هنا، وكما أمر الله نبيّه - ﷺ -، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] الآية. ١٥ - (ومنها): زيارة الفاضل للمفضول في بيته. ١٦ - (ومنها): إكرام الضيف بإلقاء الفُرُش، ونحوها تحته، كما يأتي في قوله: «فألقيت له وسادة من أدم … إلخ»، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يفرش له، وأنه لا حرج عليه في ذلك؛ إذا كان على سبيل التواضع والإكرام للمزور. ١٧ - (ومنها): بيان النهي عن صوم الدهر؛ لقوله - ﷺ -: «لا صام من صام الأبد»، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم الدهر: ذهب إسحاق ابن راهويه، وأهل الظاهر إلى كراهته مطلقًا، سواء أفطر الأيام الخمسة المنهيّ عنها أم لا، وهي رواية عن أحمد، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فَسَّرَ مسدّد قول أبي موسى: «من صام الدهر ضُيّقت عليه جهنم»: أي فلا يدخلها. فضحك، وقال: من قال هذا؟، فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبيّ - ﷺ - كره ذلك، وما فيه من الأحاديث . وقال ابن حزم: لا يحلّ صوم الدهر أصلًا -يعني أنه يحرم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه ابن حزم هو الحقّ عندي، كما يأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى. وإلى الكراهة مطلقًا ذهب ابن العربيّ من المالكية، فقال: قوله - ﷺ -: «لا صام من صام الأبد» في حديث عبد الله بن عمرو، إن كان معناه الدعاء، فيا وَيحَ من أصابه دعاء النبيّ - ﷺ -، وإن كان معناه الخبر، فيا وَيحَ من أخبر عنه النبيّ - ﷺ - أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا، لم يكتب له الثواب؛ لوجوب صدق قوله - ﷺ -؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل، كما تقدّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبيّ - ﷺ -؟. انتهى. واستُدلّ للكراهة والمنع بقوله - ﷺ -: «لا صام من صام الأبد»، وسيأتي في الباب، واستدلّ أيضًا لذلك بقصّة عبد الله بن عمرو التي وردت في حديث الباب. قال ابن التين: استُدلّ على كراهة صوم الدهر من هذه القصّة من أوجه: نهيُهُ - ﷺ - عن الزيادة على صوم نصف الدهر، وأمره بأن يصوم ويفطر، وقوله: «لا أفضل من ذلك»، ودعاؤه على من صام الأبد. انتهى. وبحديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - قال للثلاثة الذين قال أحدهم: إنه يصوم، ولا يفطر، وقال الثاني: إنه يقوم الليل، ولا ينام، وقال الثالث: إنه لا يأتي النساء، فقال - ﷺ -: «أمّا أنا فأصوم، وأفطر، وأقوم، وأنام، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس منّي»، متّفقٌ عليه. فهذا الحديث الصحيح يدلّ على أن صيام الدهر من الرَّغْبَة عن سنة رسول الله - ﷺ -، فيستحقّ فاعله ما رتّبه عليه من الوعيد بقوله: «فمن رغب عن سنتي، فليس منّي». وبحديث رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ - قال: قيل للنبيّ - ﷺ -: رجل يصوم الدهر؟ قال: «وددت أنه لم يطعم الدهر شيئًا …» الحديث. أخرجه النسائيّ . قال السنديّ: أي وددت أنه ما أكل ليلًا، ولا نهارًا حتى مات جوعًا، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل، حتى يتمنى له الموت بالجوع. وبحديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، رفعه: «من صام الدهر ضُيّقت عليه جهنم هكذا، وقبض كفّه»، حديث صحيح، أخرجه أحمد، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقيّ ، وابن أبي شيبة، والبزّار، ولفظ ابن حبّان، والبزار، والبيهقيّ: «ضيّقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين»، وأخرجه أيضًا الطبرانيّ، قال الهيثميّ : رجاله رجال الصحيح. قال الحافظ: ظاهره أنها تضيّق عليه حصرًا له فيها لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيّه - ﷺ -، واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حرامًا. انتهى. وقال ابن التركماني: ظاهر هذا الحديث يقتضي المنع من صوم الدهر، وقد أورده ابن أبي شيبة في «باب من كره صوم الدهر»، واستدلّ به ابن حزم على المنع، وقال: إنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهيِ عن صومه، وقال ابن حبّان في «صحيحه»: ذكر الأخبار عن نفي جواز سرد المسلم صوم الدهر«، وذكر هذا الحديث. واستدلّ للمنع أيضًا بما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي عمرو الشيبانئ، قال: بلغ عمر أن رجلًا يصوم الدهر، فأتاه، فعلاه بالدّرّة، وجعل يقول: كُلْ يا دهريّ، قال ابن حزم: قد صحّ عن عمر تحريم صيام الدهر، كما رويناه، فذكر هذا الأثر، ثم قال: هذا في غاية الصحّة عنه، فصحّ أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحًا لما ضرب فيه، ولا أمر بالفطر. انتهى. وبما روى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نُعْم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحابُ محمد - ﷺ - لرجموه. وبما روى الطبرانيّ عن عمرو بن سلمة، قال: سئل ابن مسعود عن صوم الدهر؟ فكرهه، قال الهيثميّ: إسناده حسن. وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر من قوي عليه، ولم يفوّت فيه حقًّا، وأفطر الأيام المنهيّ عنها، وإلى هذا ذهب الجمهور، منهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية. قال مالك في «الموطأ»: إنه سمع أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامها، وذلك أحبّ ما سمعت إلي في ذلك. انتهى. وصرّح الزرقاني، وغيره من المالكية باستحبابه بالشروط المذكورة. وقال النوويّ: مذهب الشافعي، وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين، والتشريق، لا كراهة فيه، بل هو مستحبّ بشرط أن لا يلحقه به ضرر، ولا يفوّت حقًّا، فإن تضرَّر، أو فوّت حقًّا فمكروه. انتهى. وقال ابن قُدامة: قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين، وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين، وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس، وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعيّ؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم، منهم أبو طلحة. قال ابن قدامة: والذي يَقوَى عندي أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل محرّمًا، وإنما كره صوم الدهر؛ لما فيه من المشقّة والضعف، وشبه التبتّل المنهيّ عنه؛ بدليل أن النبيّ - ﷺ - قال لعبد الله بن عمرو: «إنك تصوم الدهر، وتقوم الليل؟»، فقلت: نعم، قال: «إنك إذا فعلت ذلك هَجَمَت له عينك، ونَفِهَت له نفسك، لا صام من صام الدهر …» الحديث. واحتجّ الجمهور على الاستحباب بما صحّ من حديث حمزة بن عَمْرو الأسلميّ - ﵁ -، أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال: «إن شئت فصم»، فأقرّه - ﷺ - على سرد الصيام، ولو كان مكروهًا لم يقرّه. وأجيب عن هذا: أوّلًا بأن سؤال حمزة إنما كان عن صوم الفرض في السفر، لا عن صوم الدهر، كما سبق. وثانيًا بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر؛ لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، بل المراد: إني أكثر الصوم، وكان هو كثير الصوم، كما ورد في بعض الروايات، ويؤيّد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث أسامة بن زيد أن النبيّ - ﷺ - كان يسرد الصوم، مع ما ثبت أنه لم يصم الدهر، بل لم يصم شهرًا كاملًا إلا رمضان، وبهذا يجاب عما رُوي عن عمر، وعائشة أنهما كانا يسردان الصوم. واحتجّوا أيضًا بحديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -: «صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر»، وفي حديث أبي أيوب - ﵁ - مرفوعًا: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوّال كان كصيام الدهر»، رواه مسلم. قالوا: والمشبّه به يكون أفضل من المشبه، فدلّ ذلك على أن صوم الدهر أفضل من هذه المشبهات، فيكون مستحبًّا، وهو المطلوب. وتُعُقّب بأن التشبيه في الأمر المقدّر لا يقتضي جوازه، فضلًا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا، ومن المعلوم أن المكلّف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يدلّ التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه، كذا ذكره في «الفتح». وقد بسط هذا الجواب ابن القيّم -﵀- في «زاد المعاد»، فأجاد، وأفاد، حيث قال: ولم يكن من هديه - ﷺ - سرد الصوم، وصيام الدهر، بل قد قال: «من صام الدهر لا صام، ولا أفطر»، وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرَّمة، فإنه ذَكَر ذلك جوابًا من قال: أرأيت من صام الدهر؟، ولا يقال في جواب من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر، فإن هذا يؤذن بأنه سواء فطره وصومه، لا يثاب عليه، ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم الله عليه من الصيام، فليس هذا جوابًا مطابقًا للسؤال عن المحرّم من الصوم. وأيضًا فإن هذا عند من استَحَبّ صوم الدهر قد فَعَل مستحبًّا وحرامًا، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرمًا بالنسبة إلى أيام التحريم، وفي كل منهما لا يقال: لا صام ولا أفطر، فتنزيل قوله على ذلك غلطٌ ظاهرٌ. وأيضًا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع، غير قابلة للصوم شرعًا، فهي بمنزلة الليل شرعًا، وبمنزلة أيام الحيض فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها، وقد عَلِموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: «لا صام ولا أفطر»، فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم. فهديه الذي لا شك فيه أن صيام يوم، وفطر يوم أفضل من صوم الدهر، وأحبّ إلى الله، وسرد صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروهًا لزم أحد ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل منه؛ لأنه زيادة عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح: أن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأنه لا أفضل منه، وإما أن يكون مساويًا له في الفضل، وهو ممتنع أيضًا، وإما أن يكون مباحًا متساوي الطرفين، لا استحباب فيه ولا كراهة، وهذا ممتنعٌ؛ إذ ليس هذا شان العبادات، بل إما أن تكون راجحة، أو مرجوحة، والله أعلم. قال: [فإن قيل]: فقد قال النبيّ - ﷺ -: «من صام رمضان وأتبعة ستة أيام من شوال، فكأنما صام الدهر»، وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: «إن ذلك يعدل صوم الدهر»، وذلك يدلّ على أن صوم الدهر أفضل مما عُدِل به، وأنه أمر مطلوب، وثوابه أكثر من ثواب الصائمين، حتى شُبِّه به من صام هذا الصيام. [قيل]: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدَّر لا يقتضي جوازه فضلًا عن استحبابه، وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبًّا، والدليل عليه من نفس الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أن هذا حرام قطعًا، فعُلم أن المراد به حصول هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا، وكذلك قوله في صيام ستة أيام من شوال: إنه يعدل مع صيام رمضان السنة، ثم قرأ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآية فهذا صيام ستة وثلاثين يومًا تعدل صيام ثلاثمائة وستين يومًا، وهو غير جائز بالاتفاق. بل قد يجيء مثل هذا فيما يَمتنع فعل المشبَّه به عادةَ، بل يستحيل، وإنما شُبِّه به من فعل ذلك على تقدير إمكانه، كقوله من سأله عن عمل يعدل الجهاد: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم، ولا تفتر، وأن تصوم ولا تفطر …»، ومعلوم أن هذا ممتنع عادةً، كامتناع صوم ثلاثمائة وستين يومًا شرعًا. وقد شبه العمل الفاضل بكل منهما، ويزيده وضوحًا أن أحب القيام إلى الله قيام داود، وهو أفضل من قيام الليل كله بصريح السنة الصحيحة، وقد مثّل من صلى العشاء الآخرة والصبح في جماعة بمن قام الليل كله. [فإن قيل]: فما تقولون في حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - مرفوعًا: «من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم، حتى تكون هكذا، وقبض كفه»، وهو في «مسند أحمد»، وغيره. [قيل]: قد اختَلَف في معنى هذا الحديث، فقيل: ضُيِّقت عليه حصرًا له فيها؛ لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن هدي رسول الله - ﷺ -، واعتقاده أن غيره أفضل منه. وقال آخرون: بل ضُيِّقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع، ورَجَّحَت هذه الطائفة هذا التأويل بأن الصائم لما ضَيَّق على نفسه مسالك الشهوات وطرقها بالصوم، ضَيَّق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنه ضيّق طرقها عنه. ورَجَّحت الطائفة الأولى تأويلها بأن قالت: لو أراد هذا المعنى لقال: ضُيِّقت عنه، وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. قالوا: وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأن فاعله بمنزلة من لم يصم. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو تحقيق نفيسٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال الشوكانيّ -﵀- في «السيل الجرّار» -بعد ذكر حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - المذكور - ما نصّه: هذا وعيد ظاهر، وتأويله بما يخالف هذا المعنى تعسّف وتكلّف، والعجب ذهاب الجمهور إلى استحباب صوم الدهر، وهو مخالف للهدي النبويّ، وهو أمر لم يكن عليه أمر رسول الله - ﷺ -، وقد قال - ﷺ - فيما صحّ عنه: «كلّ أمر ليس عليه أمرنا، فهو ردّ»، وهو أيضًا من الرغبة عن سنة رسول الله - ﷺ -، ومن رغب عن سنته، فليس منه، كما تقدّم، وهو أيضًا من التعسير والتشديد المخالف لما استقرّت عليه هذه الشريعة المطهّرة، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال - ﷺ -: «يسّروا، ولا تُعسّروا، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه»، وقال: «أُمِرتُ بالشريعة السمحة السهلة» . فالحاصل أن صوم الدهر إذا لم يكن محرّمًا بحتًا، فأقلّ أحواله أن يكون مكروهًا كراهة شديدة. هذا من لا يضعف بالصوم من شيء من الواجبات، أما من كان يضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعيّة، فلا شكّ في تحريمه من هذه الحيثية بمجرّدها من غير نظر إلى ما قدّمنا من الأدلّة. انتهى كلام الشوكاني . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال بتحريم صيام الدهر؛ لظواهر الأدلة، كحديث: «لا صام من صام الأبد»، وحديث: «من رغب عن سنتي فليس مني»، قاله - ﷺ - من قال: أصوم، ولا أفطر، وحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ»، وحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ»، وحديث: «ضُيّقت عليه جهنم»، وحديث: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وغير ذلك. فإن هذه الأدلة إذا لم تفد التحريم، فما الذي يفيده؟، إن هذا لشيء عجبٌ عُجاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّومِيُّ ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَتَّى نَأْتِيَ أَبَا سَلَمَةَ، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رَسُولًا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَإِذَا عِنْدَ بَابِ دَارِهِ مَسْجِدٌ، قَالَ: فَكُنَّا في الْمَسْجِدِ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: إِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَدْخُلُوا، وَإِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَقْعُدُوا هَا هُنَا، قَالَ: فَقُلْنَا: لَا بَلْ نَقْعُدُ هَا هُنَا، فَحَدِّثْنَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ: كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي: «ألَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: «فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، قُلْتُ: يَا نَبِيُّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا - قَالَ -: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا»، قَالَ: «وَاقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»، قَالَ: فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قَالَ: وَقَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ»، قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّومِيُّ) ويقال: اسم أبيه: عُمر اليماميّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٦. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن موسى الْجُرَشيّ، أبو محمد اليماميّ الأمويّ مولاهم، ثقةٌ له أفرادٌ [٩] (خ م د ت ق) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٤١. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ ، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قُبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ اليماميّ أنه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثير (قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) الظاهر أنه مولى الأسود بن سفيان المدنيّ؛ لأنه الذي يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن -كما في «التهذيبين»- وهو شيخ مالك بن أنس، ثقةٌ [٦] (ت ١٤٨) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٠/ ١٣٠٢. (حَتَّى نَأْتِيَ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رَسُولًا) أي إعلامًا بحضورهما، وطلبًا للقائه لهما (فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي ففاجأنا (عِنْدَ بَابِ دَارِهِ مَسْجِدٌ، قَالَ) يحيى (فَكنَّا فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: إِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَدْخُلُوا) أي في البيت، وجواب «إن» محذوف؛ أي: فافعلوا (وَإِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَقْعُدُوا هَا هُنَا) أي فافعلوا (قَالَ) يحيى (فَقُلْنَا: لَا بَلْ نَقْعُدُ هَا هُنَا، فَحَدِّثْنَا) أي: أبو سلمة (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄- قَالَ: كنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي كله (كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: «فإما أرسل إليّ، وإما لقيته»، قال في «الفتح»: شكّ من بعض رواته، وغَلِط من قال: إنه شكّ من عبد الله بن عمرو؛ لما ثبت في بعض الرواية من أنه لى الله عليه وسلم - قصده إلى بيته، فدلّ على أن لقاءه إياه كان عن قصد منه إليه. انتهى . (فَقَالَ لِي: «أَلَمْ أُخْبَرْ) بضم الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة، مبنيًّا للمفعول، وهمزة»ألم«للاستفهام، ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقيّ، فمعناه هنا حمل المخاطب على الإقرار بأمر، قد استقرّ عنده ثبوته. وفيه أن الحكم لا ينبغي إلا بعد التثبّت؛ لأنه - ﷺ - لم يكتف بما نُقل له عن عبد الله حتى لقيه، واستثبته فيه؛ لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عزم، أو عققه بشرط لم يطّلع عليه الناقل، ونحو ذلك. قاله في«الفتح». ثم إن الذى أخبر النبيّ - ﷺ - بذلك هو عمرو بن العاص والد عبد الله - ﵄ -، كما بيّنته الرواية الأخرى. (أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟! فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ) أي لم أرد به الرياء والسمعة، وإنما أردت به وجه الله تعالى (قَالَ) - ﷺ - («فَإِنَّ بِحَسْبِكَ) بإسكان السين المهملة؛ أي كافيك، والباء زائدة، ووقع عند البخاريّ في »كتاب الأدب« بلفظ: »وإن من حسبك« (أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) وفي رواية عند البخاريّ: »في كلّ شهر« (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:«فَإِنَّ لِزَوْجِكَ) أي امرأتك، وكونه بلا تاء أفصح من الزوجة، وقد تقدّم تحقيق هذا غير مرّة (عَلَيْكَ حَقًا) أي في وطئها، فإذا سرد الزوج الصوم، ووالى القيام في الليل ضَعُف عن أداء حقّها في ذلك (وَلزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) - بفتح الزاي، وسكون الواو - أي لضيفك، والزَّوْر في الأصل مصدر وُضِع موضع الاسم، كصوْم في موضع صائم، ونَوْم في موضع نائم، ويقال للواحد والجمع والذكر والأنثى: زَوْرٌ، قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن يكون زَوْرٌ جمعَ زائر، كرَكْب جمع راكب، وتَجْر جمع تاجر. انتهى. زاد في الرواية الآتية من طريق حسين المعلم، عن يحيى: «وإن لولدك عليك حقًّا»، قال النوويّ -﵀-: فيه أن على الأب تأديبَ ولده، وتعليمه ما يحتاج إليه، من وظائف الدين، وهذا التعليم واجب على الأب، وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبيّ والصبية، نَصّ عليه الشافعيّ وأصحابه، قال الشافعيّ، وأصحابه: وعلى الأمهات أيضًا هذا التعليم؛ إذا لم يكن أبٌ؛ لأنه من باب التربية، ولهنّ مَدْخل في ذلك، وأُجرة هذا التعليم في مال الصبيّ، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته؛ لأنه مما يحتاج إليه، والله أعلم. انتهى . (وَلجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) أي بأن تخدمه، ولا تتعبه بطول السهر، وطول الجوع، ونحو ذلك، مما يُنهكه، ويُضعفه عن القيام بمصالح الدين والدنيا. وقال القرطبي -﵀ - عند قوله: «فإن لعينك حظًّا، ولنفسك حظًّا»؛ أي: من الرفق بهما، ومراعاة حقهما، وقد سَمَّى في الرواية الأخرى: الحظ: «حقًا»؛ إذ هو بمعناه، وزاد: «فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا»، وفي لفظ آخر: «ولأهلك» مكان «ولزوجك». وأما حق الزوجة فهو في الوطء، وذلك إذا سرد الصوم، ووالى القيام بالليل منعها بذلك حقها منه. وأما حق الزَّوْر - وهو الزائر والضيف - فهو: القيام بإكرامه، وخدمته، وتأنيسه بالأكل معه. وأما الأهل فيعني به هنا: الأولاد، والقرابة، وحقهم: هو في الرفق بهم، والإنفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم، وملازمة ما التزم من سرد الصوم، وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحقوق كلها. ويفيد: أن الحقوق إذا تعارضت قام الأولى. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - (فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -) قال القرطبي -﵀ -: هكذا جاء في هذه الرواية سكت فيها عن المراتب التي ثبتت في الرواية الآتية بعد هذا، وذلك أن فيها نقلة من صيام ثلاثة أيام في الشهر إلى أربعة فيها، ومنها إلى صوم يومين وإفطار يومين، ثم منها إلى صوم يوم وإفطار يوم، وهذا محمول على أن النبيّ - ﷺ - دَرَّجَه في هذه المراتب هكذا، لكن بعض الرواة سكت عن ذكر بعض المراتب إما نسيانًا، أو اقتصارًا على قدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، ثم في وقت آخر ذكر الحديث بكماله. انتهى . (فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ») قال القرطبي -﵀ -: إنما أحاله على صوم داود، ووصفه: بأنه كان أعبد الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]، قال ابن عباس - ﵄ -:«الأيد»هنا: القوة على العبادة، و«الأوَّاب»: الرجَّاع إلى الله تعالى وإلى عبادته، وتسبيحه. انتهى . (قَالَ) عبد الله عمرو - ﵄ - (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟)؛ (قَالَ) - ﷺ -«كَانَ) أي داود - ﵇ - (يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا) أي وذلك نصف الدهر. (قَالَ) - ﷺ - («وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ») أي مرّة واحدة (قَالَ) عبد الله (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ) هكذا معظم النسخ عندنا، بذكر»فاقرأه في كلّ عشر«قبل»فاقرأه في كُلّ سبع«، إلا نسخة شرح النوويّ، ففيها بإسقاطه، وقد جعل القرطبيّ هذه النسخة أكثر نسخ مسلم، فقال في»المفهم«: وقوله:»اقرأ القرآن في كل شهر«، ثم قال بعد ذلك:»فاقرأه في كل عشرين«، ثم قال:»فاقرأه في كل سبع«؛ هكذا في أكثر روايات مسلم، ووقع في كتاب ابن أبي جعفر، وابن عيسى زيادة: (قال: فاقرأه في عشر»، وبعد ذلك قال له: «اقرأه في سبع». قال: ومقصود هذه الرواية بيان تجزئة القرآن على ليالي الشهر بالنسبة إلى التخفيف والتثقيل، فالمخفِّف يقرؤه في كل شهر؛ لا أقل من ذلك، والمثقل لا يزيد على سبع؛ كما قد نهاه عنه، ولم يتعرض الراوي في هذه الرواية لبيان مقدار زمان القيام من الليل، وقد بيّنه راو آخر في الرواية التي قال فيها: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه». انتهى. (وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ) فيه النهي عن قراءة القرآن في أقلّ من سبع، كذا في هذه الرواية، لكن ورد ما يدلّ على الزيادة إلى ثلاث، ففي رواية النسائيّ من طريق أبي العباس الشاعر: «اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم أزل أطلب إليه، حتى قال: في خمسة أيام …» الحديث. وفي رواية الدارميّ في «مسنده» من طريق أبي فروة ، عن عبد الله بن عمرو: قال: «قلت: يا رسول الله في كم أختم القرآن؟ قال: اختمه في شهر، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمسة وعشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في عشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس عشرة، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس، قلت: إني أطيق، قال: لا». وفي رواية: «قال: فاقرأه في كلّ شهر، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كلّ عشرة أيام، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كل ثلاث». وعند أبي داود والترمذيّ مصححًا من طريق يزيد بن عبد الله بن الشّخير، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث»، وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود: «اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث»، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان، عن عمرة، عن عائشة - ﵂ - «أن النبيّ - ﷺ - كان لا يختم القرآن في أقلّ من ثلاث». ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طريق وهب بن منبّه، عن عبد الله بن عمروأنه سأل رسول الله - ﷺ - في كم يقرأ القرآن؟ قال: «في أربعين يومًا»، ثم قال: «في شهر»، ثم قال: «في عشرين»، ثم قال: «في خمس عشرة»، ثم قال: «في عشر»، ثم قال: «في سبع»، ثم لم ينزل عن سبع. قال الحافظ -﵀-: وهذا إن كان محفوظًا احتَمَل في الجمع بينه، وبين رواية أبي فَرْوة تعدد القصّة، فلا مانع أن يتعدد قول النبيّ - ﷺ - لعبد الله بن عمرو ذلك تأكيدًا، ويؤيّده الاختلافُ الواقع في السياق. انتهى . قال الجامع عفا الله منه: قد تبيّن من مجموع هذه الروايات أنه يجوز الزيادة إلى الثلاث، ولا يجوز أن يزيد عليها، فليُتنبّه. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «ولا تزد على ذلك» هذا من نحو ما سبق من الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة، والإرشاد إلى تدبر القرآن، وقد كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرؤون كل يوم بحسب أحوالهم، وأفهامهم، ووظائفهم، فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يومًا، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم أو أكثرهم في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في كل يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات، وهو أكثر ما بلغنا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الأولى لا تُتجاوز الثلاث؛ لأن ما زاد عليها ليس من هدي النبيّ - ﷺ -، ولا من تعليماته، ولا يكون النقل من فلان أو فلان حجة، سوى ما نُقل عنه - ﷺ -، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال في «الفتح»: المراد بالقرآن في حديث الباب جميعُهُ، ولا يَرِدُ على هذا أن القصة وقعت قبل موت النبيّ - ﷺ - بمدة، وذلك قبل أن ينزل بعض القرآن الذي تأخر نزوله؛ لأنا نقول سلّمنا ذلك، لكن العبرة بما دلّ عليه الإطلاق، وهو الذي فهم الصحابيّ، فكان يقول: ليتني لو قبلت الرخصة، ولا شك أنه بعد النبيّ - ﷺ - كان قد أضاف الذي نزل آخرًا إلى ما نَزَل أوّلًا، فالمراد بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك، وهو معظمه، ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه، والله أعلم. انتهى . (فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَيزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»، قَالَ) عبد الله (فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ) الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول؛ يعني أنه شَدَّد في مطالبة النبيّ - ﷺ - بالزيادة، وشَدَّد النبيّ - ﷺ - عليه في مطالبة التنقيص. (قَالَ) عبد الله (وَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ -: (إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ») فيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو - ﵄ - بعد ذلك من الْكِبَر والضعف، ففيه علَمٌ من أعلام النبوّة. (قَالَ) عبد الله - ﵁ - (صِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -) أي: طال عمري، ووصلت إلى أن شقّ عليّ المواظبة على الصوم والقراءة (فَلَمَّا كَبِرْتُ) بكسر الموحّدة، يقال: كَبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِبَ مَكْبِرًا، مثل مَسْجِدٍ، وكِبَرًا، وزانُ عِنَبٍ، فهو كبير، وجمعه كِبارٌ، والأنثى كبيرة، وكَبُر الشيء بالضمّ، كُبْرًا، من باب قَرُب: عَظُمَ، فهو كبير، أفاده الفيّوميّ . قال الجمامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن كَبِر بمعنى طَعَن في السنّ كما هنا بكسر الموحّدة، من باب فَرِحَ، وأن كبُر بمعنى عظُم قدره فهو بضمّها، من باب قَرُب، ولا يناسب هنا. قال شارح «القاموس» بعد ذكر ضبطه ككرُم، وكفرِح ما نصّه: عُلِم منه ومن الذي قبله أن فعل الكبر بمعنى العظمة مضموم العين، وبمعنى الطعن في السنّ مكسورها، وهو كذلك اتّفاقًا، فاحفظه، فإنه قد يَغْلَطُ فيه الخاصّة فضلًا عن العامّة، فيستعملون أحدهما مكان الآخر، ولا قائل به. انتهى ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (وَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى، من باب تَعِبَ؛ أي تمنّيتُ. [تنبيه]: قال الفيّوميّ -﵀-: وَدِدْتُهُ أَوَدُّهُ، من باب تَعِبَ وَدًّا، بفتح الواو وضمها: أحببته، والاسم: الْمَوَدَّة، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضًا وُدًّا، وَوَدَادةً بالفتح: تمنيته، وفي لغة وَدَدتُ أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غَلَطٌ عند البصريين، وقال الزجاج: لم يقل الكسائي إلا ما سَمِعَ، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ضعّفه من ضبط ودّ بالفتح أثبته في «القاموس» حيث قال: ووَدَدْته -أي بالفتح- ووَدِدته -أي بالكسر- أَوَدّه فيهما. انتهى. وعبارة الشارح المرتضى -﵀-: وحَكَى الزَّجَّاجيُّ عن الكسائيّ «وَدَدْتُه» بالفتح، وقال الجوهَرِيُّ: تقول: وَدِدْتُ لو تَفْعَل ذلك، ووَدِدْتُ لوأَنَّك تَفْعَل ذلك، أَوَدُّ وُدًّا، ووَدًّا، ووَدَادَةً، ووِدَادًا: تَمنَّيْتُ، قال الشاعرُ [من الوافر]: وَدِدْتُ وِدَادَةً لَوْ أَنَّ حَظِّي … مِنَ الخُلَّانِ أَنْ لا يَصْرِمُونِي قال: وَوَدِدْتُه أَي: بالكسر أَوَدُّه أَي: بالفتح في المضارع فيهما، أَمَّا في المَكْسُور فعلى القِيَاس، وأَما المفتوح فعَلَى خِلَافِهِ، حكاه الكسائيُّ؛ إذ لا يُفْتَح إِلا الحَلْقِيُّ العَينِ أَو اللامِ، وكِلاهما مُنْتَفٍ هُنا، فلا وَجْهَ للفتْحِ، وهكذا في «المصباح». قال أَبو منصور: وأَنكَر البَصرِيُّون «وَدَدْتُ» -أي: بالفتح- قال: وهو لَحْنٌ عندهم، وقال الزَّجَّاج: قد عَلِمْنَا أَنّ الكسائيَّ لم يَحْكِ وَدَدْتُ إِلَّا وقد سَمِعَه، ولكنّه سَمِعَه ممن لا يَكُونُ حُجَّةً. قال شيخُنَا : وأَوْرَدَ المعنيينِ في «الفصيحِ» على أَنهما أَصْلَانِ حَقِيقَةً، وأَقَرَّه على ذلك شُرَّاحُه، وقال اليَزيديُّ في «نَوادره»: وليس في شَيءٍ من العَربيّة «وَدَدْتُ» مفتوحةً، وقال الزمخشريُّ: قال الكسائيُّ وَحْدَهُ: «وَدِدْتُ» الرجُلَ: إِذا أَحْبَبْتَه، و«وَدَدْتُه» ولم يَرْوِ الفتحَ غيرُه، قلْت : ونقلَ الفَتْحَ أَيضًا أَبو جَعْفَر اللّبلّي في «شرح الفصيح»، والقَزّاز في «الجامع»، والصاغانيّ في «التّكْملة» كلهم عن الفَرَّاءِ. انتهى . قال الجامع: قد أفاد ما سبق أن «وَدَدْتُ» بالفتح جائز أيضًا، وإن مخالفًا للقياس، فهو سماعيّ أثبته الكسائيّ، والفرّاء، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: تسهيله، وحثّه عليه. وفي الحديث جواز تحدّث المرء بما عَزَم عليه من فعل الخير، وتفقد الإمام لأمور رعيته، كلياتها وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصْلِحهم. وفيه تعليل الحكم من فيه أهلية ذلك، وأن الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات، وأن من تَكَلَّف الزيادة على ما طُبع عليه يقع له الخلل في الغالب. وفيه الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه - ﷺ - مع كراهته له التشديد على نفسه حَضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق مَن ذُكِر أن تُضَيِّع حق العبادة، وتترك المندوب جملةً، ولكن اجمع بينهما، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، وأذكر هنا ما يتعلّق بجزء القراءة فقط، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في مقدار مدّة ختم القرآن: قال القرطبي -﵀ -: ذهب إلى منع الزيادة على السبع كثير من العلماء، واختار بعضهم قراءته في ثمان، وكان بعضهم يختم في خمس، وآخر في ست، وبعضهم يختم في كل ليلة، وكأن من لم يمنع الزيادة على السبع حَمَلَ قوله: «لا تزد» على أنه من باب الرفق، وخوف الانقطاع، فإن أَمِن ذلك جاز بناءً على أن ما كثر من العبادة والخير فهو أحب إلى الله. قال: والأولى ترك الزيادة؛ أخذًا بظاهر المنع، واقتداءً برسول الله - ﷺ -، فلم يُرْوَ عنه أنه ختم القرآن كله في ليلة، ولا في أقل من سبع ، وهو أعلم بالمصالح والأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير، لا سيما وقد تبيّنت مصلحة القلة، والمداومة، وآفة الكثرة الانقطاع. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ. وقال في «الفتح»: قراءة القرآن في ثلاث هو اختيار أحمد، وأبي عبيد، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرؤوا القرآن في دون ذلك، قال النوويّ: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم، وتدقيق الفكر استُحبّ له أن يقتصر على القدر الذي لا يُخلّ به المقصود، من التدبّر، واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم، أو غيره، من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامّة يستحبّ له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يُخلّ بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك، فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هذرمة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «فالأولى له الاستكثار ما أمكنه إلخ» فيه نظر، بل الأولى له التقيّد بما صحّ عنه - ﷺ - من عدم تجاوز الثلاث، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ في موضع آخر: وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعُرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال، أو في المآل. وأغرب بعض الظاهريّة، فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث. وقال النوويّ: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوّة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر من أوجه: (أحدها): أن قوله: وكأن النهي ليس للتحريم، وتشبيهه بالأمر غير صحيح؛ لأنه ليس هنا قرينة تدلّ على أنه ليس للتحريم، بل القرائن كلها إنما تدلّ على عدم كون الأمر للوجوب، كما لا يخفى من تأمل. و(الثاني): قوله: «وأغرب بعض الظاهرية إلخ» هذا عجيب منه، فهل يوصف من كان ظاهر النصوص معه بأنه يُغرب؟ بل الذي يُغرب هو الذي خالف ظواهر النصوص المتقدّمة، وتأولها بما يخرجها عن موضوعها. (والحالث): قول النوويّ: إنما هو بحسب النشاط، والقوّة عجيب أيضًا، فهل هناك نشاط أكثر من نشاط عبد الله بن عمرو الذي شدّد، فشدّد النبيّ - ﷺ - عليه، فنهاه أن يقرأ في أقلّ من ثلاث؟، وهل بعد صحة قوله - ﷺ - كما في حديث ابن مسعود -: «لا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث» مجال لتعليق الأمر على النشاط؟ فهيهات هيهات. (والرابع): قوله أيضًا: «أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك» غريبٌ، فهل كثرة القائلين مع مخالفة النصّ الصريح لهم تكون حجة؟ كلّا، وإنما الحجة في قوله - ﷺ -: «لا تقرؤوا القرآن في أقلّ من ثلاث»، فقط، وأما الأكثرون، فيُعتذر لهم بعدم ثبوت الخبر لديهم، أو نحو ذلك. والحاصل أنه لا ينبغي قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث؛ للأحاديث المذكورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣١] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: «مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ»: «فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ»، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِي اللهِ دَاوُدَ؟ قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْئًا، وَلَمْ يَقُلْ: «وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًا»، وَلَكِنْ قَالَ: «وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةً) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (حُسَيْن الْمُعَلِّمُ) هو: حسين بن ذكون الْعَوْذيّ المكتب البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (١٤٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٩/ ١٧٩. و«يحيى بن أبي كثير» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، ولكنه قال: «وإن لزورك عليك حقًّا»، ولم يقل: «وإن لولدك عليك حقًّا»، قال -﵀-: (٦١٣٤) - حدّثنا إسحاق بن منصور، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا حسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل عليّ رسول الله - ﷺ - فقال: «ألم أُخَبر أنك تقوم الليل، وتصوم النهار؟» قلت: بلى، قال: «فلا تفعل، قم، ونَمْ، وصُمْ، وأَفْطِرْ، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزَوْرك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإنك عسى أن يطول بك عمر، وإن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن بكل حسنة عشرَ أمثالها، فذلك الدهر كله»، قال: فشَدَّدت، فشُدِّد عليّ، فقلت: فإني أطيق غير ذلك، قال: «فصُمْ من كل جمعة ثلاثة أيام»، قال: فشَدَّدت فشُدِّد عليّ، قلت: أطيق غير ذلك، قال: «فصم صوم نبي الله داود» قلت: وما صوم نبي الله داود؟ قال: «نصف الدهر». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٢] (…) - (حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، قَالَ: وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ أنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو - ﵄ - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّ أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً»، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا نَزِدْ عَلَى ذَلِكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ«القرشيّ، أبو محمد الطحّان الكوفيّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في»الإيمان«٤/ ١١٨. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار الْعَبسيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٨. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامريّ، عامر قريش المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في«المساجد ومواضع الصلاة، ٣٣/ ١٤٠٤. [تنبيه]: كون محمد بن عبد الرحمن هو ابدق ثوبان هو الذي صَرّح به في «الفتح»، ودونك نصّه: قوله: «عن يحيى» هو ابن أبي كثير، ومحمد بن عبد الرحمن مولى زهرة، وهو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فقد ذكر ابن حبان في «الثقات» أنه مولى الأخنس بن شَرِيق الثقفيّ، وكان الأخنس يُنْسَب زُهْريًّا؛ لأنه كان من حلفائهم، وجزم جماعة بأن ابن ثوبان عامريّ، فلعله كان يُنْسَب عامريًّا با لأصالة، وزُهْريًّا بالحلف، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى . وقال في «التقريب»: محمد بن عبد الرحمن مولى بني زُهرة مجهول من السادسة، وقيل: هو ابن ثوبان. انتهى، ونحوه في «التهذيب»، ورمز له فيهما لمسلم فقط، وفيه نظر لا يخفى، فقد أخرج له البخاريّ أيضًا هذا الحديث، فقال: حدّثني إسحاق، أخبرنا عبيد الله بن موسى، ثم ساقه بسند المصنّف، فهو ممن اتّفقا عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا قبله، و«يحيى» هو: ابن أبي كثير. وقوله: (وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ) قائل ذلك هو يحيى بن أبي كثير، قال في «الفتح»: قال الإسماعيليّ: خالف أبان بن يزيد العطارُ شيبانَ بن عبد الرحمن في هذا الإسناد، عن يحيى بن أبي كثير، ثم ساقه من وجهين، عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، وزاد في سياقه بعد قوله: «اقرأه في شهر» قال: إني أجد قوّة، قال: «في عشرين»، قال: إني أجد قوّةً، قال: «في عشر»، قال: إني أجد قوّة، قال: «في سبع، ولا تزد على ذلك». قال الإسماعيليّ: ورواه عكرمة بن عمّار، عن يحيى، قال: حدّثنا أبو سلمة بغير واسطة، وساقه من طريقه. قال الحافظ: كأن يحيى بن أبي كثير كان يتوقف في تحديث أبي سلمة له، ثم تذكر أنه حدّثه به، أو بالعكس، كان يصرِّح بتحديثه، ثم توقف، وتحقّق أنه سمعه بواسطة محمد بن عبد الرحمن، ولا يقدح في ذلك مخالفة أبان؛ لأن شيبان أحفظ من أبان، أو كان عند يحيى عنهما، ويؤيِّده اختلاف سياقهما. قال: وقد تقدم في «الصيام» -أي عند البخاريّ- من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي سلمة مُصَرَّحًا بالسماع بغير توقف، لكن لبعض الحديث في قصة الصيام حسبُ، قال الإسماعيليّ: قصة الصيام لم تَخْتَلِف على يحيى في روايته إياها عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو بغير واسطة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن يحيى سمع هذا الحديث عن أبي سلمة بلا واسطة، ولكنه كان يتشكّك في بعضه، وقد تبيّن الواسطة، وهو محمد بن عبد الرحمن المذكور، فصحّ بلا شكّ، ولله الحمد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزدِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَن الْأَوْزَاعِيِّ قِرَاءَةً، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَن ابْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلانٍ ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأزدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٠. ٢ - (عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) التَّنِّيسيّ - بمثنّاة، ونون ثقيلة، بعدها تحتانيّة، ثم مهملة - أبو حفص الدمشقيّ، مولى بني هاشم، صدوقٌ له أوهامٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن الأوزاعيّ، وصدقة بن عبد الله السمين، وحفص بن ميسرة الصنعانيّ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، ومالك، والليث، وغيرهم. وروى عنه ابنه سعيد، والشافعيّ، وعبد الله بن محمد المسنديّ، ودُحَيم، وأحمد بن صالح المصريّ، وأحمد بن يوسف الصيدلانيّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهم. قال أحمد بن صالح المصريّ: كان حسن المذهب، وكان عندي شيء سمعه من الأوزاعيّ عرضه، وشيء أجازه له، فكان يقول فيما سمع: حدّثنا الأوزاعيّ، ويقول في الباقي: عن الأوزاعيّ، وقال حميد بن زنجويه: لما رجعنا من مصر قال لنا أحمد: مررتم بأبي حفص؟ قلنا: وأيّ شيء عنده؟ إنما عنده خمسون حديثًا، والباقي مناولة، قال: المناولة كنتم تأخذون منها، وتنظرون فيها، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، ولا يحتجّ به، وقال العقيليّ: في حديثه وَهَمٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الساجيّ: ضعيف، وقال أحمد: رَوَى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغَلِط فقلبها عن زهير، وساق الساجيّ منها حديثه عن زهير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يسلم تسليمة، وقال عقبه: وقفه الوليد بن مسلم، عن زهير، عن عائشة. قال ابن يونس: كان من أهل دمشق قَدِم مصر، وسكن تِنِّيس، حَدَّث عن الأوزاعيَ، وعن مالك بـ «الموطأ»، وكان ثقةٌ تُوُفّي بتنيس سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقال مرةً: سنة (١٤)، وقال البخاريّ عن الحسن بن عبد العزيز الجزريّ: مات قريبًا من سنة (١٢)، وقال أبو زرعة الدمشقيّ، وغيره: مات سنة (١٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (الْأَوْزَاعِي) عبد الرحمن بن عمرو الإمام الفقيه الحجة المشهور [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (ابْنُ الْحَكَم يْنُ ثَوْبَانَ) هو: عُمَر بن الحكم بن ثوبان الحجازيّ، أبو حفص المدنيّ، صدوق [٣]. رَوَى عن أسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكعب بن مالك، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. وروى عنه سعيد المقبريّ، وشريك بن أبي نَمِر، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قال ابن معين: هو عم عبد الحميد بن جعفر، وهو ابن الحكم بن سنان، وقال غيره: هما اثنان، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال يحيى بن بكير: مات سنة سبع عشرة ومائة، وله ثمانون سنة، وكذا قال ابن حبان، وزاد: وكان من جِلّة أهل المدينة، وهو عمر بن الحكم بن أبي الحكم، واسم أبي الحكم ثوبان. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَن) عمر (بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ) أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هكذا في رواية المصنّف بإدخال الواسطة بين يحيى بن أبي كثير وأبي سلمة، قال الدارقطنيّ -﵀- في «التتبّع»: أخرجاه من حديث ابن المبارك، ومبشّر عنه، قال: وقد تابعهما أبو إسحاق الفزاريّ، وخالفهم ابن أبي العشرين، والوليد بن مسلم، وعمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر، وعَمْرو بن أبي سَلَمة، فرووه عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن عُمَر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي سلمة، زادوا رجلًا، وأخرج مسلم الحديث من طريق عَمْرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعيّ. انتهى. ونصّ البخاريّ -﵀-: حدّثنا عباس بن الحسين، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي (ح) وحدّثني محمد بن مقاتل أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، أخبرنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل». وقال هشام: حدّثنا ابن أبي العشرين، حدّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، قال: حدّثني أبو سلمة مثله، وتابعه عَمْرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعيّ. قال في «الفتح»: قوله: «وقال هشام» هو ابن عمار، وابن أبي العشرين بلفظ العدد، وهو عبد الحميد بن حبيب، كاتب الأوزاعِيّ، وأراد البخاريّ بإيراد هذا التعليق التنبيه على أن زيادة عُمر بن الحكم؛ أي: ابن ثوبان بين يحيى وأبي سلمة من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يُصَرِّح بالتحديث، ورواية هشام المذكورة وصلها الإسماعيليّ وغيره. وقوله: «وتابعه عَمرو بن أبي سَلَمة» أي تابع ابنَ أبي العشرين على زيادة عُمر بن الحكم، ورواية عمر المذكورة وصلها مسلم، عن أحمد بن يوسف الأزديّ عنه، قال: وظاهر صنيع البخاريّ ترجيح رواية يحيى، عن أبي سلمة بغير واسطة، وظاهر صنيع مسلم يخالفه؛ لأنه اقتصر على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارقطني وغيرهما صنيع البخاريّ، وقد تابع كلًّا من الروايتين جماعة من أصحاب الأوزاعيّ، فالاختلاف منه، وكأنه كان يحدِّث به على الوجهين، فَيُحْمَل على أن يحيى حمله عن أبي سلمة بواسطة، ثم لقيه، فحدثه به، فكان يرويه عنه على الوجهين. انتهى كلام الحافظ -﵀-. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن رواية يحيى بن أبي كثير هذه صحيحة بالطريقين: طريق روايته عن أبي سلمة مباشرةً، كما هو عند البخاريّ، وطريق روايته عن عُمر بن الحكم، عن أبي سلمة، كما هو عند مسلم هنا، فلا تعارض بين الروايتين، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ -) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على تسميته في شيء من الطرق، وكأن إبهام مثل هذا لقصد الستر عليه، كالذي تقدّم قريبًا في الذي نام حتى أصبح، وَيحْتَمِل أن يكون النبيّ - ﷺ - لم يقصد شخصًا معيّنًا، وإنما أراد تنفير عبد الله بن عمرو من الصنيع المذكور. انتهى. وتعقّبه العينيّ، فقال: كل ذلك غير موجَّه، أما قوله: الستر عليه، فغير سديد؛ لأن قيام الليل لم يكن فرضًا على فلان المذكور، فلا يكون بتركه عاصيًا حتى يستر عليه، وأما قوله: «ويَحْتَمِل …» إلى آخره فأبعد من الأول على ما لا يخفى؛ لأن الشخص إذا لم يكن معيَّنًا كيف ينفر غيره من صنيعه، وأما قوله: أراد تنفير عبد الله فكان الأحسن فيه أن يقال: أراد ترغيب عبد الله في قيام الليل حتى لا يكون مثل من كان قائمًا منه ثم تركه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى على البصير كون هذه التعقبات مجرّد تشويش، فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلَانٍ) بزيادة الياء، وفي نسخة:»لا تكن مثل فلان«بإسقاط الباء؛ أي لا تكن مثله في هذه الخصلة التي أذكرها لك، وهي أنه (كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ) أي بعضه للتهجد فيه، وفي رواية البخاريّ:»من الليل«، قال في»العمدة«: وليس في رواية الأكثرين لفظ»من«موجودًا، بل اللفظ:»كان يقوم الليل«؛ أي في الليل، والمراد في جزء من أجزائه، فتكون»من«بمعنى»في«، نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي في يوم الجمعة. انتهى . (فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ») الظاهر أن تركه ذلك كان من غير عذر؛ لأنه لو كان لعذر لما ذُمّ بتركه، بل ثبت أنه يكتب له أجره، لما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» من حديث أبي موسى الأشعري: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَر، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا، صَحِيحًا». وكأنه - ﷺ - يُرغّب عبد الله بن عمرو - ﵄ - في الاقتصاد في العبادة، وعدم التشديد على نفسه بتكليفها ما لا تستطيع القيام به؛ لأن ذلك يؤدي إلى تركها، فيكون مثل هذا الرجل المذموم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٢٧٣٣] (١١٥٩)، و(البخاريّ) في «التهجّد» (١١٥٢)، و(النسائيّ) في «قيام الليل» (٣/ ٢٥٣) و«الكبرى» (١/ ٤١١ - ٤١٢)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٣٣١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٧٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢/ ١٧٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦/ ٣٦٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٣٧)، و(البزّار) في «مسنده» (٦/ ٣٤٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٩٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ذمّ ترك قيام الليل إذا كان بغير عذر. ٢ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ -﵀-: فيه دليل على أن قيام الليل ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لم يَكْتَف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم. ٣ - (ومنها): ما قال ابن حبان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب؛ إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه. ٤ - (ومنها): استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير، من غير تفريط. ٥ - (ومنها): الإشارة إلى كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَزْعُمُ أَن أبَا الْعَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - يَقُولُ: بَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي اللَّيْلَ، فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ حَظًّا، وَبنَفْسِكَ حَظًّا، وَلِأَهْلِكَ حَظًّا، فَصُمْ، وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ، وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ»، قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي أقوَى مِنْ ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ»، قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِي اللهِ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى»، قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللهِ؟، قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ، فَقَالَ النَّبِيَّ - ﷺ -: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَنجدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ» «. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُو الْعَبَّاسِ) السائب بن فَرّوخ الثاعر الأعمى المكيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رَبَاح. قال شعبة، عن حبيب: سمعت أبا العباس الأعمى، وكان صَدوقًا، وقال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، وقال مسلم: كان ثقةً عدلًا، وقال ابن سعد: كان بمكة زمن ابن الزبير، وهواه مع بني أمية، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٥٩) وكرره ثلاث مرات، و(١٧٧٨) و(٢٥٤٩). و(عبد الله بن عمرو - ﵁ -«ذُكر قبله. وقوله: (بَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ -) تقدّم أن الذي بلّغه هو أبوه عمرو بن العاص - ﵁ -. وقوله: (أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ) بضم الراء، من باب نصر؛ أي أُولي بينه، يقال: سَرَدت الحديث سَرْدًا، من باب نصر: أتيت به على الولاء، وقيل لأعرابيّ: أتعرف الأشهر الحرُم؟ فقال: ثلاثة سَرْدٌ، وواحد فرْدٌ، فالسرد: ذو القَعدة، وذو الحجة، والمحرّم، والفرد: رجب، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال في«القاموس»و«شرحه»: السرد: متابعة الصوم وموالاته، وسَرد فلان، كفَرِح، يسرد صومه، ويواليه، ويتابعه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«كفرح»الظاهر أنه غلطٌ؛ إذ معاجم اللغة ضبطته كنصر، فقد نصّ في«المصباح»أنه من باب قتل، ونصّ في«مختار الصحاح»أنه من باب نصر، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَإمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ) تقدّم أن هذا شك من بعض الرواة، وليس من عبد الئَه بن عمرو - ﵁ -؛ لأنه - ﷺ - قصده إلى بيته، فدلّ على أن لقاءه إياه كان عن قصد منه. وقوله: (أَلَمْ أُخْبَرْ … إلخ) بالبناء للمفعول. وقوله: (فَلَا تَفْعَلْ) نهيٌ عن الاستمرار في فعل ما التزمه لأجل ما يؤدّي إليه من المفسدة التي نَبَّهَ عليها بقوله:«فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمت له عيناك»، قاله القرطبيّ -﵀- . وقوله: (وَلنَفْسِكَ حَظًّا) هو بمعنى قوله الماضي:«حقًّا »، والمعنى: إن عليك لنفسك حقًّا، وهو أن تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشريّة مما أباحه الله تعالى للإنسان، من الأكل والشرب، والراحة التي تقوم بها بدنه؛ ليكون أعون على عبادة ربه، ومن حقوق النفس قطعها عما سوى الله تعالى، لكن ذلك يختص بالتعلقات القلبية. وقوله: (وَلِأَهْلِكَ حَظًّا) أي حقًّا؛ أي: تنظر لهم فيما لا بُدّ لهم منه، من أمور الدنيا والآخرة، والمراد بالأهل الزوجة، أو أعمّ من ذلك، ممن تلزمه نفقته. وقوله: (فَصُمْ، وَأَفْطِرْ) أي: فإذا عرفت ذلك، فصم تارةً، وأفطر تارةً؛ لتجمع بين المصلحتين. وقوله: (وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا … إلخ) هذا في معنى الرواية السابقة: «صم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها» وذلك قوله في الرواية الأخرى: «صم يومًا، ولك أجر ما بقي» على ما يأتي، وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى . وقوله: (وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى) تنبيه على أن صوم يوم، وفطر يوم لا يُضعف مُلتزمه، بل يحفظ قوّته، ويجد من الصوم مشقّته، كما قدّمناه، وذلك بخلاف سرد الصوم، فإنه يُنهِك البدن والقوّة، وُيزيل رُوح الصوم؛ لأنه يعتاده، فلا يبالي، ولا يجد له معنى . وقوله: (مَنْ لِي بِهَذِهِ) معناه: هذه الخصلة الأخيرة، وهي عدم الفرار صعبة عليّ، كيف لي بتحصيلها . وقال القرطبي -﵀ -: فيه إشارة إلى استبعاد عدم الفرار، وتمنٍّ أن لو كانت له القوّة، ومعنى قوله: من لي بهذا الشيء؟ أي من يتكفّل لي؟ أو من يُحصله لي؟. وقوله: (قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ) أي أن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصّة، إلا أنه حَفِظ أن فيها أنه - ﷺ - قال: «لا صام من صام الأبد» . وقال القرطبي -﵀ -: هو شكٌّ عرض للراوي، ثم قال بعد أن عرض له ذلك الشك: «لا صام من صام الأبد»، فأتى بصوم الأبد على هذا اللفظ من غير شك ولا تردد، بل حقق نقله، وحرر لفظه. وأما الذي تقدم في حديث أبي قتادة، فإنه شكَّ في أي اللفظين قال، فذكرهما، فقال فيه: قال: يا رسول الله«كيف من يصوم الدهر؟! قال:»لا صام، ولا أفطر«، أو:»لم يصم، ولم يفطر«. وقد تقدم القول في صوم الدهر. انتهى . وقوله: (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:«لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ») هكذا هو مكرّر ثلاث مرّات في بعض النسخ، وبعضها مرّتين، وهذا فيه دليل على تحريم صوم الأبد، وقد تقدّم أن هذا هو القول المختار، وأجاب الجمهور القائلون بجواز صوم الدهر بأجوبة: (أحدها): أنه محمول على حقيقته، بأن يصوم معه العيدين، وأيام التشريق. وفيه نظر؛ لأنه - ﵁ - قد قال جوابًا من ساله عن صوم الدهر:«لا صام، ولا أفطر»، وهو يؤذن بأنه ما أُجر، ولا أثم، ومن صام الأيام المحرّمة لا يقال فيه ذلك؛ لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرّمة يكون قد فعل مستحبًّا وحرامًا. وأيضًا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعًا، فهي بمنزلة الليل، وأيامِ الحيض، فلم تدخل في السؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله:«لا صام، ولا أفطر»من لم يعلم تحريمها، كذا ذكره الحافظ في«الفتح»، وهو ملخّص كلام ابن القيّم في«الهدي»، وقد تقدّم نصّ كلامه. وقد تَعَقَّب ابن دقيق العيد تأويل الجمهور هذا بوجه آخر، من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى«شرح العمدة». (الثافي): أنه محمول على من تضرّر به، أو فوّت به حقًّا، قالوا: ويؤيده أن النهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلم أنه عجز في آخر عمره، ونَدِم على كونه لم يقبل الرخصة، قالوا: فنهى ابن عمرو لعلمه بأنه سيعجز عنه، ويضعف، وأقرّ حمزة لعلمه بقدرته بلا ضرر. وفيه أن هذا التأويل أيضًا مردود لما سبق من قوله - ﷺ - في حديث أنس - ﵁ -:«ومن رغب عن سنتي، فليس مني»، ويردّه أيضًا قوله:«لا أفضل من ذلك». وبردّه أيضًا ورود قوله:«لا صام، ولا أفطر»وقوله:«لا صام من صام الأبد«عن غير واحد من الصحابة، سوى عبد الله بن عمرو، كما تقدّم. ويردّه أيضًا حديث أبي موسى المتقدّم، وكلّ ذلك يدلّ على أن هذا الحكم ليس خاصًّا بابن عمرو، بل هو عامّ لجميع المسلمين، وأما إقراره لحمزة على سرد الصوم، فلا حجة فيه، كما سبق. (الثالث): أن معنى«لا صام»أنه لا يجد من مشقّته ما يجدها غيره، فيكون خبرًا لا دعاء. وتعقّبه الطيبيّ بأنه مخالف لسياق الحديث، ألا تراه كيف نهاه عن صيام الدهر كله، ثم حثّه على صوم داود، والأَولى أن يكون خبرًا عن أنه لم يمتثل أمر الشارع، أو دعاء كما تقدّم. وأجابوا عن حديث أبي موسى المتقدم ذكره - وهو:«من صام الدهر، ضُيِّقت عليه جهنّم»- وهو حديث صحيح، بأن معناه ضُيّقت عليه، فلا يدخلها، فعلى هذا تكون«على»بمعنى«عن»؛ أي ضيقت عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مسدّد، وحكى ردّه عن أحمد، كما سبق. وقال ابن خزيمة: سألت المزنيّ عن هذا الحديث؟ فقال: يشبه أن يكون معناه ضُيّقت عنه، فلا يدخلها، ولا يشبه أن يكون على ظاهره؛ لأن من ازداد عملًا وطاعةً ازداد عند الله رفعة، وعنه كرامة. ورجّح هذا التأويلَ جماعةٌ، منهم الغزاليّ، فقالوا: له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيّق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيّق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنه ضيّق طرقها بالعبادة. وتُعقّب بأنه ليس كلّ عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقرّبًا، بل ربّ عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعدًا، كالصلاة في الأوقات المكروهة، وأيضًا لو كان المراد ما ذكروه لقال: ضيّقت عنه، وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. قال ابن حزم بعد ذكر التأويل ما لفظه: هذه لُكْنة وكَذِبٌ، أما اللكنة فإنه لو أراد هذا لقال: ضيّقت عنه، ولم يقل: عليه. وأما الكذب فإنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهي عن صومه. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا الصواب إجراء الحديث على ظاهره، والقول بمنع صيام الدهر مطلقًا؛ لوضوح حجّته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٥] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: إِنَّ؛ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ، قَالَ مُسْلِم: أَبُو الْعَبَّاسِ السَّائِبُ ابْنُ فَرُّوخَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ثِقَة عَدْلٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَالَ مُسْلِم: أَبُو الْعَبَّاسِ السَّائِبُ … إلخ) هذا صريح في أن التوثيق من المصنّف نفسه، وذكره البخاريّ عن الراوي عنه، فقال في «صحيحه»: حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العبّاس المكيّ، وكان شاعرًا، وكان لا يُتّهم في حديث - قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - … . قال في «الفتح»: قوله: «وكان شاعرًا … إلخ» فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يُتَّهَم في حديثه؛ لما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره، فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعرًا كان غير متهم في حديثه. وقوله: «في حديثه» يَحْتَمِل مرويه من الحديث النبويّ، وَيحْتَمِل فيما هو أعم من ذلك، والثاني أليق، وإلا لكان مرغوبًا عنه، والواقع أنه حجة عند كل من أخرج الصحيح، وأفصح بتوثيقه أحمد، وابن معين، وآخرون. انتهى . [تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج هذه، ساقها ابن خزيمة -﵀- في «صحيحه» (٣/ ٢٩٥) فقال: (٢١٠٩) - حدّثنا الحسن بن تسنيم، أخبرنا محمد -يعني ابن بكر - وحدَّثنا محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، قالا: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء، يزعم أن أبا العباس الشاعر أخبره، أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: بلغ النبيّ - ﷺ - أني أسرُد، وأصلي الليل، قال: وإما أرسل إليه، وإما لقيه، فقال: «ألم أُخْبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل، فلا تفعل، فإن لعينيك حظًّا، ولنفسك حظًّا، ولأهلك حظًّا، فصم وأفطر، وصلِّ ونم، وصم كل عشرة أيام يومًا، ولك أجر تسعة»، قال: فإني أجدني أقوى لذلك يا رسول الله، قال: «فصم صيام داود»، قال: وكيف كان داود يصوم يا رسول الله؟ قال: كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ولا يَفِرّ إذا لاقى«، قال: من لي بهذه يا نبي الله؟ قال عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد، فقال النبيّ - ﷺ -:»لا صام من صام الأبد«. هذا حديث الْبُرْسانيّ، وفي حديث عبد الرزاق: قال: إني أصوم أسرُد، وقال: فإما أرسل إليّ، وقال: إني أجدني أقوى من ذلك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيب، سَمِعَ أَبا الْعَبَّاسِ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ، وَنَهَكَتْ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، صَوْمُ ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (حَبِيبُ) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ١/ ١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ) بفتح الهاء والجيم، من باب قَعَد: أي غارت. وقوله: (وَنَهَكَتْ) - بفتح النون، وبفتح الهاء وكسرها، والتاء ساكنة -: ومعناه: ضَعُفت، وضبطه بعضهم «نُهِكْتَ» بضمّ النون، وكسر الهاء، وفتح التاء: أي نُهِكت أنت؛ أي ضَنِيتَ، وهذا ظاهر كلام القاضي . وقال الفيّوميّ -﵀-: نَهِكَته الْحُمّى نَهَكًا، من باب نَفَعَ، وتَعِبَ: هَزَلته، ونَهَكتُ الشيءَ نَهْكًا: بالغتُ فيه، ونَهَكه السلطان عقوبة أيضًا: بالغ في ذلك، وأنهكه بالألف لغةٌ، وانتهك الرجلُ الحرمةَ: تناولها بما لا يحِلّ. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٧] (…) - (وَحَدَّثناه أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «وَنَفِهَت النَّفْسُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا بلا واسطة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. ٣ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. و«حبيب بن أبي ثابت» ذُكر قبله. وقوله: (وَنَفِهَت النَّفْسُ) بفتح النون، وكسر الفاء، من باب سَمِعَ: أي أعيت، وكَلَّتْ، وضعُفت عن القيام بذلك، وحكى الإسماعيليّ أن أبا يعلى رواه له «تَفِهَت» بالتاء بدل النون، واستضعفه . [تنبيه]: رواية مِسْعر، عن حبيب بن أبي ثابت هذه ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: حدّثنا خَلَّادُ بن يحيى، حدثنا مِسْعَرٌ، حدثنا حَبِيبُ بن أبي ثَابِتٍ، عن أبي الْعَبَّاس، عن عبد اللهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ، قال: قال لي رسول اللهِ - ﷺ -: «أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ؟» فقلت: نعم، فقال: «فَإِنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلك هَجَمَتِ الْعَيْنُ، وَنَفِهَتِ النَّفْسُ، صُمْ من كل شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صوْمُ الدَّهْرِ، أو كَصَوْمِ الدَّهْرِ»، قلت: إني أَجِدُ بِي، قال مِسْعَرٌ: يَعْنِي قُوَّةً، قال: «فَصُمْ صوْمَ دَاوُدَ، وكان يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، ولا يَفِرُّ إذا لَاقَى». انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٨] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ألَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ؟» قُلْتُ: إِنِّي أفعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنَاكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، لِعَيْنِكَ حَقٌّ، وَبنَفْسِكَ حَقٌّ، وَلِأَهْلِكَ حَقٌّ، قُمْ، وَنَمْ، وَصُمْ، وَأَفْطِرْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار الْجُمحيّ مولاهم الأثرم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلَثهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ أَوْسِ) بن أبي أوس الثقفيّ الطائفيّ، تابعيّ كبير، ثقةٌ [٢] وهِمَ من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين (ع) تقدم في «صلاة المسافرين» ١٦/ ١٦٩٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ) قال المهلّب -﵀-: كان داود؛ يَجِمّ نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: «هل من سائل فأعطيَهُ سؤله»، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وهذا هو النوم عند السحر، وإنما صارت هذه الطريقة أحبّ من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يُخْشَى منها السآمة، وقد قال - ﷺ -: «إن الله لا يملّ حتى تملوا»، والله يحب أن يديم فضله، ويوالي إحسانه، وإنما كان ذلك أرفق؛ لأن النوم بعد القيام يريح البدن، ويذهب ضرر السهر، وذبول الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال، وأنه أقرب إلى عدم الرياء؛ لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون، سليم القُوَى فهو أقرب إلى أن يَخْفَى عمله الماضي على من يراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد. وحُكِيَ عن قوم أن معنى قوله: «أحب الصلاة» هو بالنسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب بذلك، وهو من يَشُقّ عليه قيام أكثر الليل، قال: وعُمدة هذا القائل افتضاء القاعدة زيادة الأجر بسبب زيادة العمل، لكن يعارضه هنا اقتضاء العادة والجبلّة التقصير في حقوق يعارضها طول القيام، ومقدار ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير معلوم لنا، فالأولى أن يُجْرَى الحديثُ على ظاهره وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة، فمقدار تأثير كل واحد منهما في الحثّ أو المنع غير محقَّق لنا، فالطريق أننا نُفَوِّض الأمر إلى صاحب الشرع، ونَجْرِي على ما دل عليه اللفظ، مع ما ذكرناه من قوة الظاهر هنا، والله أعلم. انتهى. [تنبيه]: قال ابن التين -﵀-: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره، فهو في حقّ الأمة، وأما النبيّ - ﷺ -، فقد أمره الله تعالى بقيام أكثر الليل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١ -]. انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظر؛ لأن هذا الأمر قد نُسِخ، وقد تقدم في حديث ابن عباس - ﵄ -: «فلما كان نصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل»، وهو نحو المذكور. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٤٠] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْقُدُ آخِرَهُ، يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ»، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَعَمْرُو بْنُ أَوْسٍ، كَانَ يَقُولُ: «يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: ستةٌ، وكلهم ذُكروا في الباب. وقوله: (قال ابن جريج: قلت لعمرو بن دينار … إلخ) قال في «الفتح»: ظاهره أن تقدير القيام بالثلث من تفسير الراوي، فيكون في الرواية الأولى إدراج، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: «عمرو بن أوس ذكره» أي بسنده، فلا يكون مدرجًا. وفي رواية ابن جريج من الفائدة ترتيب ذلك بـ «ثُمّ»، ففيه ردّ على من أجاز في حديث الباب أن تحصل السنّة بنوم السدس الأول مثلًا، وقيام الثلث، ونوم النصف الأخير، والسبب في ذلك أن الواو لا ترتب. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٤١] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيحِ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمِ، حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ لِي: «أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّام؟» قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «خَمْسًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «سَبْعًا»، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «تِسْعًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَحَدَ عَشَرَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ، شَطْرُ الدَّهْرِ، صِيَامُ يَوْمٍ، وَإِفْطَارُ يَوْمٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمنْ بن يزيد الطحّان الواسطيّ الْمُزَنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ٤٠٧٨. ٣ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان الْحَذّاء، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ، يُرسل، وتغيّر لَمَّا قَدِم من الشام (٥) (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، وفيه نَصْبٌ يسيرٌ [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٥ - (أَبُو الْمَلِيحِ) بن أُسامة بن عُمير، أو عامر بن حُنيف بن ناجية الْهُذليّ، اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) أو (١٠٨) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٦/ ٣٧٣. والصحابيّ ذُكر قبله. وقوله: (دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ) ووقع عند البخاريّ في «الاستئذان»: «مع أبيك زيد»، وهو والد أبي قلابة عبد الله بن زيد بن عمرو، وقيل: عامر الْجَرْميّ، قاله في «الفتح» . وقوله: (ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي) بالبناء للمفعول، وتقذم أن الذي ذكر له هو أبوه عمرو بن العاص. وقوله: (فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً) بكسر الواو: الْمِخَدّة، والجمع وِسادات، ووسائد، والوِسَاد بغير هاء كلُّ ما يُتوسّد به من قُمَاشٍ، وتُراب، وغير ذلك، والجمع: وُسُدٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، ويقال: الوِساد لغة في الوِسادة . وقوله: (مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين: الْجِلْد، وقال في «القاموس»: الأَدِيم: الجلد، أو أحمره، أَو مدبوغه، جمعه أسدمةٌ، وأُدُمٌ، وآدامٌ، والأَدَمُ: اسم للجمع. انتهى . وقوله: (حَشْوُهَا لِيفٌ) «الْحَشْو» بفتح، فسكون: أي ما يُجعل فيها، وليف النخل بالكسر: معروف. وقوله: (فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) فيه بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من التواضع، وترك الاستئثار على جليسه، وفي كون الوسادة من أدم حشوها ليف بيان ما كان عليه الصحابة في غالب أحوالهم في عهده - ﷺ - من الضيق؛ إذ لو كان عنده أشرف منها لأكرم بها نبيّه - ﷺ - . وقوله: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ» أي قلت له: يا رسول الله زدني. وقوله: «خَمْسًا» أي صم خمسًا، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: «خمسة» وكذا في البواقي، فمن قال: «خمسة» أراد الأيام، ومن قال: «خمسًا» أراد الليالي، وفيه تجوّز؛ لأن الصوم في الأيام، لا في الليالي. وقوله: «شَطْرُ الدَّهْرِ» بالرفع على القطع، ويجوز النصب على إضمار فعل، والجرّ على البدل من «صوم داود». وقوله: «صيام يوم، وفطر يوم» يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، على الوجه الذي ذكرته في سابقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٤٢] (…) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «صُمْ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ»، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْنِ، وَلَكَ أجْرُ مَا بَقِيَ»، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ»، قَالَ: إِنِّي أُطيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ»، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ عِنْدَ اللهِ، صَوْمَ دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (زَيادُ بْنُ فَيَّاضٍ) الْخُزَاعيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦]. رَوَى عن أبي عياض عمرو بن الأسود، وخيثمة بن عبد الرحمن، وتميم بن سلمة، وجماعة. وروى عنه الأعمش، وشريك، وشعبة، ومِسْعَر، والثوريّ، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وهو أحب إلي من زياد بن عِلاقة، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقةٌ ثقةٌ، وقال ابن خلفون: وثقه ابن نُمير، وعليّ ابن المدينيّ، وغيرهما، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائة. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (أَبُو عِيَاضٍ) عمرو بن الأسود الْعَنْسيّ، ويقال: الْهَمْدانيّ، أبو عياض، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقيّ، ويقال: الحمصيّ، سَكَن دَارِيا، وهو عمير بن الأسود، مخضرمٌ ثقةٌ عابدٌ، من كبار التابعين [٢]. رَوَى عن عُمَر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، والعرباض بن سارية، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجنادة بن أبي أمية، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حرام بنت ملحان، وجماعة. وروى عنه ابنه حكيم بن عمير، ومجاهد، وخالد بن معدان، وشُريح بن عبيد، وكثير بن أبي كثير، ونصر بن علقمة، وزياد بن فياض على خلاف في ذ لك، وغيرهم. قال ضمرة بن حبيب: مَرّ عمرو بن الأسود على عمر بن الخطاب، فقال: مَن سَرّه أن ينظر إلى هدي محمد - ﷺ - فلينظر إلى هدي هذا، وقال محمد بن عوف: عمرو بن الأسود يكنى أبا عياض، وهو والد حكيم بن عمير. وقيل: إن أبا عياض الذي يروي عنه زياد بن فياض، والعراقيّون رجل آخر، كذا حَكَى ابن أبي حاتم، عن أبيه، وقال: اسمه مسلم بن نُذَير، وقيل: إن أبا عياض اسمه قيس بن ثعلبة، حكاه النسائيّ في «الكنى»، والحاكم، أبو أحمد، وقال ابن حبان في «الثقات»: عمير بن الأسود كان من عُبّاد أهل الشام وزهادهم وكان يقسم على الله فيبرّه، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وروى الحاكم في «الكنى» من طريق مجاهد، قال: حدّثنا أبو عياض في خلافة معاوية. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات، مات في خلافة معاوية، وذكره أبو موسى المدينيّ في «ذيل الصحابة»، وحكاه عن ابن أبي عاصم أنه ذكره فيهم، قال أبو موسى: وليس بصحابيّ، إنما يروي عن الصحابة، وحكى ابن أبي خيثمة عن مجاهد، أنه قال: ما رأيت بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض، وروى الحسن بن عليّ الحلوانيّ في «كتاب المعرفة» هذا الكلام عن مجاهد أيضًا بإسناد صحيح، وروى الطبراني في «مسند الشاميين» من طريق أرطاة بن المنذر، ثنا زُريق أبو عبد الله الألهانيّ أن عمرو بن الأسود قَدِمَ المدينة فرآه عبد الله بن عمر يصلي، فقال: من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله - ﷺ -، فلينظر إلى هذا. قال الحافظ: ومما يؤيد أن عمير بن الأسود هو عمرو بن الأسود ما أخرجه البخاريّ عن يحيى بن إسحاق بن يزيد، والطبراني عن أحمد بن المعلَّى، عن هشام بن عمار، كلاهما عن يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عمير بن الأسود، عن أم حرام … الحديث، هذه رواية البخاريّ، وفي رواية الطبرانيّ: عمرو بن الأسود. انتهى . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١١٥٩)، و(٢٠٠٠): «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن النبيذ في الأوعية …». والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (صُمْ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ) أي صم من كلّ عشرة أيام يومًا واحدًا، ولك أجر عشرة أيام. قال الحافظ: هذا يقتضي أنه أمره بصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كلّ شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن أوصله إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخر، ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو عند أبي داود: «فلم يزل يناقصني، وأناقصه». انتهى . وقد استُشكل قولُهُ: «صم من كلّ عشرة أيام يومًا، ولك أجر ما بقي» مع قوله: «صم من كل عشرة أيام يومين، ولك أجر ما بقي إلخ»؛ لأنه يقتضي الزيادة في العمل، والنقص من الأجر. وأجيب بأن المراد: لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف، قال عياض: قال بعضهم: معنى «صم يومًا، ولك أجر ما بقي» أي من العشرة، وقوله: «صم يومين، ولك أجر ما بقي» أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحَمَله على ذلك استبعاد كثرة العمل، وقلّة الأجر. وتعقّبه عياض بأن الأجر إنما اتحد في كلّ ذلك؛ لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر، فلما منعه - ﷺ - من ذلك إبقاءً عليه لما ذكر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلًا، أو كثيرًا، كما تأوله في حديث: «نية المرء خير من عمله»؛ أي إن أجره في نيّته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيّته بما لا يقدر على عمله. انتهى. قال الحافظ: والحديث المذكور ضعيف، وهو في «مسند الشهاب»، والتأويل المذكور لا بأس به. وَيحْتَمِل أيضًا إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقّة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوّتها مشقّة الصوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك. على أن قوله في نفس الخبر: «صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي» يردّ الحمل الأول، فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير: ولك أجر أربعين، وقد قيّده في نفس الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين. وكذلك قوله في رواية النسائيّ من طريق الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن عبد الله بن عمرو بلفظ: «صم من كل عشرة أيام يومًا، ولك أجر تلك التسعة»، ثم قال: «صم من كلّ تسعة أيام يومًا، ولك أجر تلك الثمانية»، ثم قال: «من كلّ ثمانية أيام يومًا، ولك أجر السبعة»، قال: فلم يزل، حتى قال: «صم يومًا، وأفطر يومًا»، وله من طريق شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن جدّه بلفظ: «صم يومًا، ولك أجر عشرة»، قلت: زدني، قال: «صم يومين، ولك أجر تسعة»، قلت: زدني، قال: «صم ثلاثة، ولك أجر ثمانية». فهذا يدفع في صدر التأويل الأول، والله أعلم، أفاده في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأقرب حمل الحديث على ظاهره، وهو الاحتمال الأخير الذي مرّ آنفًا في عبارة «الفتح»، وإنما نقص الأجر مع زيادة العمل؛ لِمَا ذُكِر من ترتّب تفويت بعض العبادات بسبب مشقّة الصوم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٤٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَبعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، صُمْ، وَأَفْطِرْ، صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِن بِي قُوَّةً، قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ، صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا»، فَكَانَ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي أَخَذْتُ بِالرُّخْصَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام ناقد بصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٢ - (سَلِيمُ -بفتح السين المهملة، وكسر اللام- ابْنُ حَيَّانَ) الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (خ م د ت سي ق) تقدَم في «الجنائز» ٢١/ ٢٢٥٧. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) -بالمدّ والقصر، والقصر أشهر- مولى الْبَخْتريّ بن أبي ذُباب، أبو الوليد الحجازيّ المكيّ، أو المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د ت ق) تقدم في «الجنائز» ٢١/ ٢٢٠٧. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَكَانَ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي أَخَذْتُ بِالرُّخْصَةِ) هذا كان يقوله بعدما كَبِر سنّه، وضَعُفَ. وفي رواية البخاريّ من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو: فليتني قبلت رخصة رسول الله - ﷺ -، وذاك أني كَبِرْتُ وضَعُفتُ، فكان يقرأ على بعض أهله السُّبُعَ من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يَعْرِضه من النهار؛ ليكون أخفّ عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا، وأحصى وصام مثلهنّ؛ كراهيةَ أن يترك شيئًا فارق النبيّ ﷺ - عليه. انتهى. [تنبيه]: في قصّة عبد الله بن عمرو - ﵄ - المذكورة في أحاديث الباب من الفوائد بيان أن أفضل الصيام صيام يوم، وفطر يوم، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في جواز صوم الدهر، وكراهته، أوأنه جائز، وأفضل من صوم داود، مع بيان القول الراجح، وهو تحريم صوم الدهر؛ للأدلة الواضحة في ذلك، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. وفيه بيان رفق رسول الله - ﷺ - بأمته، وشفقته عليهم، هارشاده إياهم إلى ما يصلحهم، وحثه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمُّق في العبادة؛ لما يُخْشَى من إفضائه إلى الملل المفضي إلى الترك، أو ترك البعض، وقد ذمّ الله تعالى قومًا لازموا العبادة، ثم فَرّطوا فيها. وفيه الندب إلى الدوام على ما وَظَّفه الإنسان على نفسه من العبادة. وفيه جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الرياء.
مصادر المؤلف (٧٦)

١. عدلت عن ترجمة الشرّاح، كالنوويّ وغيره إلى هذه الترجمة؛ لكونها مختصرة، وبنحوها ترجم القرطبيّ -﵀- في «مختصره»، فقال: «كراهية سرد الصوم، وبيان أفصل الصوم»، وأيضًا في ترجمة الشراح زيادة: «لمن تضرَر به، أو فوّت به حقًّا، أو لم يُفطر العيدين والتشريق إلخ»، وهذه الزيادات ليست في نصوص أحاديث الباب، وإنما هي من توجيهات العلماء في بيان سبب النهي، فلا يليق أن تذكر في الترجمة؛ لأن التراجم إنما تؤخذ من نصوصّ الأحاديث الواردة في الباب، فليُتنبّه لذلك.

٢. وفي نسخة:«أكثر من ذلك».

٣. راجع:«الفتح»٥/ ٣٩٢.

٤. «الفتح»٥/ ٣٩٣ - ٣٩٤.

٥. «الفتح»٥/ ٣٩٧.

٦. بكسر المعجمة، وتشديد الراء: النشاط.

٧. «مرقاة المفاتيح»٤/ ٤٨٤.

٨. «مرقاة المفاتيح»٤/ ٤٨٤.

٩. [تنبيه]: ما اشتهر على الألسنة من ضم نون«نَم»، وكذا في الماضي«نُمتُ»، وفي المضارع«أنُوم»فمن الأغلاط الشائعة، فليُحذَر.

١٠. «الفتح»٥/ ٣٩٧.

١١. «الفتح»٥/ ٣٩٧.

١٢. وفي نسخة:«أكثر من ذلك».

١٣. حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد - ﵁ -، ولفظه:«نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكلٌّ يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملًا نار في قلبه نور».

١٤. «الفتح»٥/ ٣٩٥ - ٣٩٦.

١٥. «المفهم» ٣/ ٢٢٧.

١٦. «الفتح» ٥/ ٣٩٨.

١٧. أخرجه الإمام أحمد بن حنبل -﷿- في«مسنده» (٢/ ١٥٨) مطوّلًا، فقال:

١٨. «المفهم» ٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨.

١٩. ليس المراد فوائد هذا المتن الذي شرحته الآن، بل فوائد الحديث بجميع طرقه المختلفة التي ذكرها المصنّف، أو زيدت في الشرح.

٢٠. «المفهم» ٣/ ٢٢٤.

٢١. «الفتح» ١٠/ ٣٧٤.

٢٢. انظر: «المغني» ٣/ ٦٧.

٢٣. حديث صحيح، أخرجه النسائيّ (٢٣٨٥).

٢٤. «السنن الكبرى» ٤/ ٣٠٠.

٢٥. «مجمع الزوائد» ٣/ ١٩٣.

٢٦. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ٢/ ٨٠ - ٨٣.

٢٧. أخرجه أحمد بلفظ: «إني لم أبعث باليهودية، ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة …» الحديث. وفي سنده ليّن الحديث، وعلي بن يزيد الألهاني ضعيف.

٢٨. «السيل الجرّار على حدائق الأزهار» ٢/ ١٤٢ - ١٤٣.

٢٩. وفي نسخة «عبد الله الرومي».

٣٠. في«التقريب»قال: صدوق، والحقّ أنه ثقةٌ، إلا أنه يضعّف في يحيى بن أبي كثير.

٣١. «الفتح»٥/ ٤٠٥.

٣٢. «الفتح» ٣/ ٣٥٠.

٣٣. «شرح النوويّ» ٨/ ٤٣ - ٤٤.

٣٤. «المفهم»٣/ ٢٢٥.

٣٥. «المفهم»٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦.

٣٦. «المفهم» ٣/ ٢٢٦.

٣٧. ٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩.

٣٨. أبو فروة اسمه عروة بن الحارث، الهمدانيّ الكوفيّ ثقةٌ من الخامسة.

٣٩. «الفتح» ١١/ ٣٠٣.

٤٠. «الفتح» ١١/ ٣٠٤ كتاب «فضائل القرآن» رقم (٥٠٥٢).

٤١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٣.

٤٢. راجع: «تاج العروس من جواهر القاموس» ٣/ ٥١٤، وما كتبه نصر الهورينيّ في هامش «القاموس» ٢/ ١٢٤.

٤٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٣.

٤٤. هو شيخ صاحب «التاج»، وهو المناويّ.

٤٥. القائل صاحب «التاج».

٤٦. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢/ ٥٢٩.

٤٧. «الفتح» ٣/ ٥٦٢ كتاب «التهجّد» رقم (١١٥٣).

٤٨. ورد من حديث عائشة - ﵂ -: «أن النبيّ - ﷺ - كان لا يختم الفرآن في أقلّ من ثلاث». أخرجه ابن سعد في «الطبقات»، وصححه الشيخ الألبانيّ -﵀-، راجع: «السلسلة الصحيحة» ٥/ ٦٠٠.

٤٩. «الفتح» ١١/ ٣٠٣ كتاب «فضائل القرآن» رقم (٥٠٥٤).

٥٠. وفي نسخة «لا تكن مثل فلان».

٥١. «عمدة القاري» ٧/ ٢١٠.

٥٢. وفي نسخة: «فقال لي: ألم أخبر».

٥٣. وفي نسخة: «فإن لعينيك».

٥٤. وفي نسخة:«لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد»مرتين.

٥٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٣، و«الصحاح» ٢/ ٤٢٤.

٥٦. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢/ ٣٧٥.

٥٧. «المفهم» ٣/ ٢٢٤.

٥٨. «المفهم»٣/ ٢٢٥.

٥٩. «المفهم»٣/ ٢٢٦.

٦٠. «شرح النوويّ»٨/ ٤٥.

٦١. «الفتح»٥/ ٣٩٩.

٦٢. «المفهم»٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧.

٦٣. راجع: «شرح العمدة» ٣/ ٤٠٩ - ٤١٢ بنسخة الحاشية.

٦٤. «المحلى» ٧/ ١٦.

٦٥. «الفتح» ٥/ ٤٠٣ - ٤٠٤.

٦٦. «شرح النوويّ» ٨/ ٤٥.

٦٧. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٨.

٦٨. «الفتح» ٣/ ٥٦٢ كتاب «التهجّد» رقم (١١٥٣).

٦٩. «الفتح» ٣/ ٥٢٦ - ٥٢٧ كتاب «التهجّد» رقم (١١٣١).

٧٠. «الفتح» ٥/ ٤٠٥.

٧١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٨.

٧٢. «القاموس المحيط» ٤/ ٧٣.

٧٣. «الفتح» ٥/ ٤٠٥.

٧٤. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧.

٧٥. «الفتح» ٤/ ٧٣٩.

٧٦. «الفتح» ٤/ ٧٣٩.