HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٨١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وأبو الربيع وقتيبة. جميعا عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عمرو ابن دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، ذَا الْحُلَيْفَةِ. وَلِأَهْلِ الشَّامِ، الْجُحْفَةَ. وَلِأَهْلِ نَجْدٍ، قَرْنَ الْمَنَازِلِ. وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ، يَلَمْلَمَ. قَالَ: «فَهُنَّ لَهُنَّ. وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ. مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ. وَكَذَا فَكَذَلِكَ. حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص5
ج ٢ ص ٨٣٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص١٠٠
أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٨٠) و(١٢٠٨) و(١٥٣٦). والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْجعْ إِلَيْهِ) أي: لَمْ يردّ عليه الجواب. وقوله: (خَمَّرَهُ عُمَرُ - ﵁ - بِالثَّوْبِ) أي: غطّاه. وقوله: (فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ … الخ) قال النوويّ - ﵀ -: إدخال يعلى رأسه، ورؤيته النبيّ - ﷺ - في تلك الحال، وإذن عمر له في ذلك، محمول على أنهم عَلِموا من النبيّ - ﷺ - أنه لا يَكْرَه الاطلاع عليه في ذلك الوقت، وتلك الحال؛ لأن فيه تقويةَ الإيمان بمشاهدة حالة الوحي الكريم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) قال النوويّ - ﵀ -: ذكر مسلم - ﵀ - في هذا الباب ثلاثة أحاديث: حديث ابن عباس - ﵄ - أكملها؛ لأنه صَرَّح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله - ﷺ -، فلهذا ذكره مسلم في أول الباب، ثم حديث ابن عمر - ﵄ -؛ لأنه لَمْ يحفظ ميقات أهل اليمن، بل بلغه بلاغًا، ثم حديث جابر؛ لأن أبا الزبير قال: أحسب جابرًا رفعه، وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعًا. انتهى . وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٣] (١١٨١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: وَقتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، قَالَ: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَا فَكَذَلِكَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثَعْلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٥ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٦ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٧ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله - ﵄ -، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة: يحيي، وخلف، وأبي الربيع. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -) أنه (قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: حدّد، وأصل التوقيت: أن يُجْعَل للشيء وقت يختصّ به، ثم اتّسع فيه، فأُطلق على المكان أيضًا، قال ابن الأثير - ﵀ -: التوقيت، والتأقيت: أن يُجعل للشيء وقتٌ يختصّ به، وهو بيان مقدار المدّة، يقال: وَقّتَ الشيءَ - بالتشديد - يوقِّته، ووَقَتَ - بالتخفيف - يَقِته: إذا بيّن حدّه، ثمّ اتُّسِع فيه، فقيل للموضع: ميقات. انتهى . وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: قيل: إن التوقيت في الأصل ذكر الوقت، والصواب أن يقال: تعليق الحكم بالوقت، ثم استُعْمِل في التحديد للشيء مطلقًا؛ لأن التوقيت تحديد بالوقت، فيصير التحديد من لوازم الوقت. وقوله هنا: «وَقَّتَ» يَحْتَمِل أن يريد به التحديد؛ أي: حدّ هذه المواضع للإحرام. وَيحْتَمِل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بشرط إرادة الحجِّ، أو العمرة. انتهى . وقال القاضي عياض - ﵀ -: «وَقّت»؛ أي: حدّد، وقد يكون بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. انتهى. قال الحافظ - ﵀ -: ويؤيّده الرواية بلفظ: «فَرَضَ». انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: معنى وَقَّت: حدَّد وعيَّن، فظاهره يدلّ على أن هذه الحدود لا يتعداها مريد الإحرام حتى يحرم عندها، وقد أجمع المسلمون على أن المواقيت مواضع معروفة في الجهات التي يدخل منها إلى مكة . (لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي: مدينة النبيّ - ﷺ -؛ يعني سُكّانها، وكذا من مرّ على ميقاتهم، كما يأتي (ذَا الْحُلَيْفَةِ) - بضمّ الحاء المهملة، وفتح اللام - تصغير الْحَلَفَة - بفتح اللام، وكسرها -، وهي واحد الْحَلْفاء: وهو نبت معروف. و«ذو الحليفة»: موضع معروف بقرب المدينة، بينه وبينها نحو ستّة أميال، قاله النوويّ، وقبله الغزاليّ، والقاضي عياض، ثم قال: وقيل: سبعة أميال، وكذا قال الشافعيّ، كما في «المعرفة»، والمجد في «القاموس»، وياقوت الحمويّ في «معجم البلدان» . وقال ابن حزم: أربعة أميال، وذكر ابن الصبّاغ، وتبعه الرافعيّ من الشافعيّة أن بينهما ميلًا. قال المحبّ الطبريّ: وهو وهَم، والحسّ يردّ ذلك، وقال الإسنويّ في «المهمات»: الصواب المعروف المشاهد أنَّها ثلاثة أميال، أو تزيد قليلًا. قال وليّ الدين: والقائلون بما ذكرناه أولًا أتقن في ذلك، وذكره المحبّ الطبريّ عالم الحجاز، وصوّبه الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»، وهو من مَأمَنِ مياه بني جُشَم، بينهم وبين خَفَاجَةِ العقيليين، وهوأبعد المواقيت من مكّة، بينهما نحو عشر مراحل، أو تسع. وأما ذو الحليفة المذكور في حديث رافع بن خَدِيج: «كنا مع النبيِّ - ﷺ - بذي الحليفة من تهامة …»، فهو موضع آخر، قال الداوديّ: ليس هو المهل الذي بقرب المدينة، ذكره وفي الدين في «الطرح» . وقال السمهوديّ - ﵀ - في «وفاء الوفاء»: وقد اختبرت ذلك بالمساحة، فكان من عَتَبَة باب المسجد النبويّ المعروف بـ «باب السلام» إلى عَتَبَة باب مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع وسبعمائة ذراع واثنين وثلاثين ذراعًا ونصف ذراع بذراع اليد - وذراع اليد على ما ذكره المحبّ الطبريّ، والنوويّ، وغيرهما أربعة وعشرون إصبعًا، كلّ إصبع ستّ شَعِيرات مضمومة بعضها إلى بعض - وذلك خمسة أميال وثلثا ميل ينقص مائة ذراع. انتهى . وقال الحافظ - ﵀ -: ذو الحليفة مكان معروف، بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين، قاله ابن حزم في «المحلّى» ، وقال غيره: بينهما عشر مراحل، قال: وبها مسجد يُعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر، يقال لها: بئر عليّ. انتهى. وقال العينيّ - ﵀ -: وبذي الحليفة عدّة آبار، ومسجدان لرسول اللَّه - ﷺ -، المسجد الكبير الذي يُحْرِم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد الْمُعَرَّس. انتهى. وقال صاحب «تيسير العلّام»: ذو الحليفة، وتسمّى الآن آبار عليّ، وتبعد عن مكّة بالمراحل (١٠) وبالفراسخ (٨٠) وبالأميال (٢٤٠) وبالكيلوات (٤٣٠) والمرحلة هي مسيرة يوم وليلة بسير الإبل المحمّلة الأثقال سيرًا معتادًا، ويقدّر بها العرب الأوائل، فأخذها عنهم العلماء. انتهى. وزاد في «توضيح الإحكام»: وتبلغ المسافة بينها وبين المسجد النبويّ (١٣) كيلًا، وهي أبعد المواقيت. انتهى . (وَلِأَهْلِ الشَّامِ) هي البلاد المعروفة، وهي من العَرِيش إلى بالس، وقيل: إلى الفرات، قاله النوويّ في «شرح سنن أبي داود»، وقال السمعانيّ: هي بلاد بين الجزيرة والغور إلى الساحل، ويجوز فيها التذكير والتأنيث، والهمز وتركه، وأما شآم بفتح الهمزة والمدّ، فأباه أكثرهم، إلَّا في النسب. انتهى . (الْجُحْفَةَ) يعني أن أهل الشام، وكذا من سلك طريقهم، كما يأتي من الموضع المسمّى بالجُحفة، وهي بضمّ الجيم، وإسكان الحاء المهملة، وفتح الفاء قرية كبيرة كانت عامرة، ذات مِنْبَرٍ، وهي الآن خربة، بينها وبين البحر الأحمر بالأميال (٦) وبالكيلوات (١٠). قال ابن حزم: وهي فيما بين المغرب والشمال من مكّة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلًا. وقال في «تيسير العلّام»: تبعد من مكة بالمراحل (٥) وبالفراسخ (٤) وبالأميال (١٢٠) وبالكيلوات (٢٠١) ويُحْرِم منها أهل مصر، والشام، والمغرب، ومَنْ وراءهم، من أهل الأندلس، والروم، والتكرور، قيل: إنها ذهبت أعلامها، ولم يبق إلَّا رسوم خفيّة، لا يكاد يعرفها إلَّا سكّان بعض البوادي، فلذا - واللَّه تعالى أعلم - اختار الناس الإحرام احتياطًا من المكان المسمّى برابغ - براء، وموحّدة، وغين معجمة، بوزن فَاعِل - لأنَّها قرية قبل حذائها بقليل، وقيل: لا يُحرمون من الجحفة لوخمها، وكثرة حُمّاها، فلا ينزلها أحد إلَّا حُمّ، وسمّاها رسول اللَّه - ﷺ - في حديث ابن عمر عند الشيخين: «مَهْيَعَة» - بفتح الميم، وإسكان الهاء، وفتح التحتانيّة، والعين المهملة، بوزن عَلْقَمة -. وقيل: - بكسر الهاء، مع إسكان الياء، على وزن لَطِيفة - والصحيح المشهور الأول. وسمّيت الجحفة لأن السيل أجحف بها، قال ابن الكلبيّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيل - بفتح الموحّدة - وهم إخوة عاد حرب، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعَة، فجاء سيل، فاجتحفهم؛ أي: استأصلهم، فسميت جحفة . (وَلِأَهْلِ نَجْدٍ) - بفتح النون، وإسكان الجيم، وآخره دال مهملة -: قال في «الصحاح»: هو ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق. وقال في «المشارق»: ما بين جُرَش إلى سواد الكوفة، وحدّه مما يلي المغرب الحجازُ، وعن يسار الكعبة اليمنُ، قال: ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال في «النهاية»: النجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاصّ لما دون الحجاز مما يلي العراق. وقال في «الفتح»: أما نجد، فهو كلّ مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة، واليمن، وأسفلها الشام، والعراق. انتهى . (قَرْنَ الْمَنَازِلِ) - بفتح القاف، وسكون الراء المهملة - بلا خلاف بين أهل العلم، من أهل الحديث، واللغة، والتاريخ، والأسماء، وغيرهم، كما قاله النوويّ، قال: وغَلِط الجوهريّ في «صحاحه» غلطتين فاحشتين، فقال: بفتح الراء، وزعم أن أويسًا القَرَنيّ - ﵀ - منسوب إليه، والصواب إسكان الراء، وأن أُويسًا منسوب إلى قبيلة معروفة، يقال لهم: بنو قَرَن، وهم بطن من مراد، القبيلة المعروفة، ينسب إليها المراديّ. قال الحافظ وليّ الدين: وحَكَى القاضي في «المشارق» عن تعليق القابسيّ أن من قال: قرن بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال: قرَن بالفتح أراد الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق مفترقة. انتهى، وهذا يدلّ على أن فيه خلافًا. ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب، قال النوويّ: وهو على مرحلتين من مكة، قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى مكة، وقال في «المشارق»: هو على يوم وليلة من مكة، وهو قريب مما مرّ عن النوويّ. قال وليّ الدين: وفيما حكاه النوويّ من أن قرنًا أقرب المواقيت إلى مكة نظر، فقد ذكر ابن حزم أن بينها وبين مكة اثنين وأربعين ميلًا، وأن بين يلملم ومكة ثلاثين ميلًا، فتكون يلملم أقرب المواقيت إلى مكة، واللَّه أعلم. انتهى. وقال في «الفتح» بعد أن نقل ما تقدّم عن تعليق القابسيّ ما نصّه: والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان، وحكى الرويانيّ عن بعض قدماء الشافعيّة أن المكان الذي يقال له: قرن موضعان: أحدهما في هبوط، وهو الذي يقال له: قرن المنازل، والآخر في صعود، وهو الذي يقال له: قرن الثعالب، والمعروف الأول، وفي «أخبار مكة» للفاكهيّ أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى، بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له: قرن الثعالب؛ لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت. وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبيّ - ﷺ - الطائف، يدعوهم إلى الإسلام، ورَدِّهِم عليه، قال: «فلم أَسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقرن الثعالب. . .» الحديث، ذكره ابن إسحاق في «السيرة النبويّة». ووقع في مرسل عطاء عند الشافعيّ: «ولأهل نجد قرن، ولمن سلك نجدًا من أهل اليمن، وغيرهم قرن المنازل». ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عبّاس هذا: «ولأهل نجد اليمنِ، ونجد الحجازِ قرن»، وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين: إحداهما طريق أهل الجبال، وهم يَصِلُون إلى قرن، أو يُحاذونه، فهو ميقاتهم، كما هو ميقات أهل المشرق. والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرّون بيلملم، أو يحاذونه، وهو ميقاتهم، لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم. انتهى ما في «الفتح» . وقال صاحب «توضيح الأحكام»: قرن المنازل، ويسمّى السيل الكبير، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة (٧٨) كيلو متر. انتهى . [تنبيه]: وقع في شرح النوويّ ما لفظه: «ولأهل نجد قرن» دون الإضافة إلى «المنازل»، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع في أكثر النسخ: «قرن» من غير ألف بعد النون، وفي بعضها «قرنًا» بالألف، وهو الأجود؛ لأنه موضع، واسم لجبل، فوجب صرفه، والذي وقع بغير ألف يُقرأ منونًا، وإنما حذفوا الألف كما جرت عادة بعض المحدثين يكتبون، يقول: سمعت أنسًا، بغير ألف، ويُقرأ بالتنوين، ويَحْتَمِل على بُعْدٍ أن يُقرأ قرن منصوبًا بغير تنوين، ويكون أراد به البقعة، فيترك صرفه. انتهى . (وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ) المراد بعض أهل اليمن، وهو تهامة، فأما نجد، فإن ميقاته قرن؛ وذلك لأن اليمن يشمل نجدًا وتهامة، فأُطلق اليمن، وأريد بعضه، وهو تهامة منه خاصة، وقوله فيما مضى: «نجد» تناول نجد الحجاز، ونجد اليمن، وكلاهما ميقاته قرن، قاله وليّ الدين - ﵀ - . (يَلَمْلَمَ) - بفتح التحتانيّة، واللام، وسكون الميم، بعدها لام مفتوحة، ثم ميم، وهو جبل من جبال تهامة، على مرحلتين من مكة، وقال ابن حزم: هو جنوب من مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا، وفي «شرح المهذّب»: يُصرف، ولا يُصرف، قال العينيّ: إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة، فغير منصرف البتّة، بخلاف قرن، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل سكون وسطه، ويقال فيه «ألملم» بالهمزة، وهو الأصل، والياء تسهيل لها، وحكى ابن سِيدَهْ فيه: «يَرمرم» براءين بدل اللامين. وقال صاحب «تيسير العلام»: وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠). انتهى. [تنبيه]: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة؛ أي: ممن له ميقات معيّن، ذكره في «الفتح». وقد نظم بعضهم هذه المواقيت في بيتين، فقال [من الكامل]: عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنِ … وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِي لِلشَّامِ جَحْفَةُ إِنْ مَرَرْتَ بِهَا … وِلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ فَاسْتَبِنِ (قَالَ) - ﷺ - («فَهُنَّ لَهُنَّ) أي: المواقيت المذكورة للجماعات المذكورة، أو لأهلهنّ، على حذف مضاف. وقال القاضي عياض - ﵀ -: كذا جاءت الرواية في«الصحيحين»وغيرهما عند أكثر الرواة، قال: ووقع عند بعض رواة البخاريّ، ومسلم:«فهنّ لهم»، وكذا رواه أبو داود، وغيره، وكذا ذكره مسلم من رواية ابن أبي شيبة، وهو الوجه؛ لأنه ضمير أهل هذه المواضع، قال: ووجه الرواية المشهورة، أن الضمير في«لهنّ»عائد على المواضع، والأقطار المذكورة، وهي المدينة، والشام، واليمن، ونجد؛ أي: هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد لأهلها، فحَذَف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«هُنّ»: ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل، وقد يعاد على مما لا يعقل، وأكثر ذلك في العشرة فما دونها، فإذا جاوزوها قالوه بهاء المؤنث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]، ثم قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ ومعنى ذلك الكلام: أنها محدودة؛ لا يتعداها أحد يريد الإحرام بأحد النُّسُكَين. واختلف فيمن مرَّ على واحد من هذه المواقيت مريدًا للإحرام فجاوزه، فعن مالك: يرجع ما لم يحرم، أو يشارف مكة، فإذا رجع لم يلزمه دم، فلو أحرم لم يرجع ولزمه الدم. وبه قال ابن المبارك، والثوري على خلاف عنه. وجماعة من الفقهاء منهم أبو حنيفة يأمرونه بالرجوع؛ فإن رجع سقط عنه الدم. فأما من جاوز الميقات غير مريد للإحرام، ثم بدا له في النسك، فجمهور العلماء: على أنه يحرم من مكانه، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق: يرجع إلى الميقات. فأما من مرَّ على الميقات قاصدًا دخول مكة من غير نسك، وكان ممن لا يتكرر دخوله إلى مكة، فهل يلزمه الإحرام منه؟ أو لا يلزمه؟ وإذا لم يلزمه، فهو على الاستحباب، ثم إذا لم يفعله، فهل يلزمه دم أو لا يلزمه؟ اختلف فيه أصحابنا. وظاهر الحديث: أنه إنما يلزم الإحرام من أراد مكة لأحد النُّسكين خاصة. وهو مذهب الزهري، وأبي مصعب وجماعة من أهل العلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: مذهب الزهريّ - ﵀ - ومن قال بقوله هو الحقّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى -. (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ) يعني أن هذه المواقيت تكون محلّ إحرام لكلّ شخص أتى عليها من غير أهل البلاد المذكورة. قال في «الفتح»: ويدخل في ذلك من دخل بلدًا ذات ميقات، ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه، إذا لم يكن له ميقات معيّن، والذي يدخل فيه خلاف؛ كالشاميّ إذا أراد الحجّ، فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصليّ، فإن أخّر أساء، ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النوويّ الاتفاق، ونفى الخلاف في «شرحيه لمسلم، والمهذّب» في هذه المسألة، فلعلّه أراد في مذهب الشافعيّ، وإلا فالمعروف عند المالكيّة أن للشاميّ مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصليّ، وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قالت الحنفيّة، وأبو ثور، وابن المنذر من الشافعيّة . قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: قوله: «لأهل الشام الجحفة» يشمل من مرّ من أهل الشام بذي الحليفة، ومن لم يمرّ، وقوله: «ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ» يشمل الشاميّ إذا مرّ بذي الحليفة وغيره، فههنا عمومان قد تعارضا. انتهى ملخّصًا . قال الحافظ - ﵀ -: ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله: «هنّ لهنّ» مفسّر لقوله مثلًا: «لأهل المدينة ذو الحليفة»، وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها، ومن سلك طريق سفرهم، فمرّ على ميقاتهم، ويؤيّده عراقيّ خرج من المدينة، فليس له مجاوزة ميقات المدينة غير محرم، ويترجّح بهذا قول الجمهور، وينتفي التعارض. انتهى . وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ - بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد - ﵀ - ما نصّه: لو سلك ما ذكرته أوَّلًا من أن المراد بأهل المدينة من سلك طريق سفرهم، ومرّ على ميقاتهم، لم يَرِد هذا الإشكال، ولم يتعارض هنا دليلان، ومن المعلوم أن من ليس بين يديه ميقات لأهل بلده التي هي محلّ سكنه؛ كاليمني من المدينة، ليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم، وذلك يدلّ على ما ذكرناه أنه ليس المراد بأهل المدينة سُكّانها، وإنما المراد بأهلها من حجّ منها، وسلك طريق أهلها، ولو حملناه على سكانها لوردت هذه الصورة، وحصل الاضطراب في هذا، فنفرّق في الغريب الطارئ على المدينة مثلًا بين أن يكون بين يديه ميقات لأهل بلده أم لا، فنحمل أهل المدينة تارة على سكانها، وتارة على سكانها والواردين عليها، ويصير هذا تفريقًا بغير دليل، وإذا حملنا أهل المدينة على ما ذكرناه لم يحصل في ذلك اضطراب، ومشى اللفظ على مدلول واحد في الأحوال كلّها، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين - ﵀ - حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وقال صاحب «مرعاة المفاتيح» - بعد ذكر ما تقدّم -: وقد عُلم مما ذكرنا أن ههنا ثلاث صور، أو ثلاث مسائل: (إحداها): أن يمرّ من ليس ميقاته بين يديه؛ كاليمنيّ، والعراقيّ، والنجديّ يمرّ أحدهم بذي الحليفة، وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة أنه يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له المجاوزة عنها بغير إحرام؛ لأنه ليس ميقاته بين يديه، وعليه حملت المالكيّة: «ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ». (والثانية): أن يمرّ من ميقاته بين يديه؛ كالشاميّ مثلًا بذي الحليفة، واختلفوا فيه، فقالت الشافعيّة، والحنابلة، وإسحاق: يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له التأخير إلى ميقاته؛ أي: الجحفة؛ لظاهر الحديث، خلافًا للمالكية، والحنفيّة، وأبي ثور، وابن المنذر. (والثالثة): أن المدنيّ إذا جاوز عن ميقاته إلى الجحفة، فهل يجوز له ذلك، أم لا؟ وبالأول قالت الحنفيّة، كما في كتب فروعهم، وبالثاني قال الجمهور، وهو القول الراجح المُعَوَّلُ عليه عندنا. انتهى كلام صاحب «المرعاة» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصواب عندي أن من مرّ على أيّ ميقات من المواقيت المحدّدة شرعًا، وهو مريد لأحد النسكين، لا يجوز له أن يتجاوزها بغير إحرام، مطلقًا، سواء كان من أهل تلك المواقيت، أم من غيرهم، وسواء كان ميقاته أمامه، أم لا، عملًا بظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) وفيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحجّ، أو العمرة، وهذا هو المذهب الصحيح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، في محلّه «بَابُ جواز دخول مكة بغير إحرام» - إن شاء اللَّه تعالى -. (فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَا فَكَذَلِكَ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح، ومعناه: وهكذا، فهكذا من جاوز مسكنه الميقات، حتى أهل مكة يُهِلُّون منها. انتهى . ولفظ عبد الله بن طاوس: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ»، قال في «الفتح»؛ أي: فميقاته من حيث أنشأ الإحرام؛ إذِ السفرُ من مكانه إلى مكة، وهذا متّفق عليه، إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكّة. انتهى، قال ابن عبد البرّ: إنه قول شاذّ. وقال العينيّ: الفاء في جواب الشرط؛ أي: فمُهَلُّهُ من حيث قصد الذهاب إلى مكة؛ يعني أنه يهلّ من ذلك الموضع. انتهى. وقال القاري: ولم يذكر النبيّ - ﷺ - حكم أهل المواقيت نفسها، والجمهور على أن حكمها حكم داخل المواقيت، خلافًا للطحاويّ، حيث جعل حكمها حكم الآفاقيّ. انتهى. (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا») ولفظ البخاريّ:«حتى أهل مكة من مكة»، قال العينيّ: يجوز في لفظ«أهل»الجرّ؛ لأن«حتى»تكون حرفًا جارًّا بمنزلة«إلى»، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره:«حتى أهل مكة يهلون من مكة»، كما في قولك: جاء القوم حتى المشاة؛ أي: حتى المشاة جاءوا. انتهى. ولفظ النسائيّ:«حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ»يعني أن الحكم المذكور، وهو إنشاء الإحرام من مكانه يكون على أهل مكة؛ أي فليس لهم أن يؤخّروا الإحرام عن مكّة. قال في«الفتح»: قوله: حتى أهل مكة من مكة؛ أي: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يُحرمون من مكة؛ كالآفاقيّ الذي بين الميقات، ومكة، فإنه يُحرم من مكانه، ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليُحرم منه. وهذا خاصّ بالحاجّ، وأما المعتمر فلا بدّ له من الخروج إلى أدنى الحلّ؛ كالتنعيم، ونحوه. قال المحبّ الطبريّ: لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة، فتعيّن حمله على القارن. واختلف في القارن، فذهب الجمهور إلى أن حكمه حكم الحاجّ في الإهلال من مكة. وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحلّ. ووجهه أن العمرة إنما تندرج في الحجّ فيما محلّه واحدٌ؛ كالطواف والسعي، عند من يقول بذلك، وأما الإحرام فمحله فيهما مختلف. وجواب هذا الاستشكال أن المقصود من الخروج إلى الحلّ في حقّ المعتمر أن يَرِدَ على البيت الحرام من الحلّ، فيصحّ كونه وافدًا عليه، وهذا يحصل للقارن لخروجه إلى عرفة، وهي من الحلّ، ورجوعه إلى البيت لطواف الإفاضة، فحصل المقصود بذلك أيضًا. [تنبيه]: الأفضل في كلّ ميقات أن يُحرم من طرفه الأبعد من مكة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: كون الأفضل الإحرام من الطرف الأبعد يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٨٠٣ و٢٨٠٤] (١١٨١)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٢٤ و١٥٢٦ و١٥٢٩ و١٥٣٠ و١٨٤٥)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٣٧)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٢٦) وفي «الكبرى» (٢/ ٣٢٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١١٤ - ١١٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٢٦٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٣٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٣٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٩٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٧٩٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٢٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٦٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١١٠)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٥/ ١٦٥) و«الكبير» (١١/ ٢١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٩) و«الصغرى» (٣/ ٥٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مواقيت الحجّ والعمرة لأهل هذه البلاد، وغيرها ممن أتى عليها. ٢ - (ومنها): أنه لا يجوز لأحد يريد مكة للحج والعمرة أن يتجاوز هذه المواقيت إلا متلبّسًا بالإحرام منها. ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أنه لا يجوز تأخير الإحرام من هذه المواضع المحدّدة، وفيه ردّ على الحنفيّة حيث جوّزوا لمن كان داخل الميقات التأخير إلى آخر الحلّ، ولأهل مكّة إلى آخر الحرم، فإنه مخالف لصريح قوله - ﷺ - في هذا الحديث: «فمن كان دونهنّ، فمن أهله، وكذا كذلك، حتى إن أهل مكة يُهلّون منها». ٤ - (ومنها): أنه لا يجوز لأحد أن ينشئ الإحرام قبل هذه المواقيت، حيث إن النبيّ - ﷺ - حدّها له، فلذا لا يرى بعض المحققين؛ كالبخاريّ، جواز الإحرام قبلها أصلًا، وهو الأرجح عندي؛ لظواهر النصوص. ٥ - (ومنها): أن في التحديد المذكور تعظيم شأن هذا البيت، وتشريفه بجعل هذا الْحِمَى الذي لا يتجاوزه حاجّ، أو معتمر، حتى يأتي بهذه الهيئة، خاشعًا لله تعالى، معظّمًا لشعائره، ومحارمه. ٦ - (ومنها): أن في تعدّد هذا التحديد رحمةً من الله تعالى بخلقه، وتسهيلًا لهم، إذ لو كان الميقات واحدًا لجميع البلدان لشقّ ذلك على مريدي النسك. ٧ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث حدّد النبيّ - ﷺ - هذه المواقيت قبل إسلام أهلها؛ إشارة إلى أنهم سيدخلون في الإسلام، وأنهم سيحجّون، فيضطرّون إلى مواقيت ينشؤون منها الإحرام، فجاء الأمر كما أشار إليه - ﷺ -. ٨ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك، فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يُحرِم من حيث تجدّد له القصد، ولا يرجع إلى الميقات؛ لقوله: «فمن حيث أنشأ». ٩ - (ومنها): أنه استدلّ به ابن حزم - ﵀ - على أن من ليس له ميقات، فميقاته من حيث شاء، قال في «الفتح»: ولا دلالة فيه؛ لأنه يختصّ بمن دون الميقات؛ أي: إلى جهة مكة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لولا أثر عمر بن الخطّاب - ﵁ - عنه في تحديد ذات عرق بمحاذاة الميقات، لكان لما قاله ابن حزم وجه، لكن الحقّ هو ما عليه الجمهور؛ لما ذُكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تقديم الإحرام على المواقيت المذكورة: ذهب الجمهور إلى أن تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز، وإن كان خلاف الأولى، بل ادَّعَى ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، ولكن يردّه وجود الخلاف فيه، كما سيأتي. وذهبت طائفة إلى أن التقديم لا يجوز، نقل ذلك عن إسحاق، وداود، وابن حزم، وغيرهم، وهو مذهب البخاريّ. قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب فرض مواقيت الحجّ والعمرة». ١٥٢٢ - حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زُهير، قال: حدثني زيد بن جُبَير، أنه أتى عبد الله بن عمر - ﵄ - في منزله، وله فُسطاط، وسُرادق، فسألتُهُ من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: «فرضها رسول الله - ﷺ -، لأهل نجد قرنًا، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشأم الجحفة». قال الحافظ - ﵀ -: ومعنى فرض: قدّر، وأوجب، وهو ظاهر نصّ المصنّف، وأنه لا يُجيز الإحرام بالحجّ والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي بعد قليل، حيث قال: «باب ميقات أهل المدينة، ولا يُهلّون قبل ذي الحليفة»، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نُقل عن إسحاق، وداود، وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيّده القياس على الميقات الزمانيّ، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدّم عليه. انتهى المقصود من كلام الحافظ - ﵀ -. وقد اعترض العينيّ على كلام الحافظ هذا كعادته بما لا يُلتفت إليه؛ حيث إنه مجرّد تحامل، وتعصّب، فالحقّ هو الذي قرّره الحافظ بأن مذهب الإمام البخاريّ أنه لا يجوز أن يحرم قبل الميقات، فقوله: «ولا يهلّون قبل ذي الحليفة» صريح في كونه لا يرى جواز الإحرام قبل الميقات، وهو الظاهر، وأما ادّعاء الإجماع فقد عرفت أنه باطل، فقد خالف فيه جماعة من أهل العلم. قال الصنعانيّ - ﵀ -: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: نعم؛ لأن قول الصحابة: وقّت رسول الله - ﷺ - لأهل المدينة ذا الحليفة، يقضي بالإهلال من هذه المواقيت، ويقضي بنفي النقص، والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرّمة، فلا أقلّ من أن يكون تركها أفضل، ولولا ما قيل من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه؛ لأدلّة التوقيت. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق أن ادّعاء الإجماع غير صحيح، فتنبّه. قال: ولأن الزيادة على المقدّرات، من المشروعات، كأعداد الصلاة، ورمي الجمار، لا تُشرع؛ كالنقص منها، وإنما لم نجزم بتحريم ذلك؛ لما ذكرنا من الإجماع؛ ولأنه روي عن عدّة من الصحابة تقديم الإحرام على الميقات، فأحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عبّاس من الشام، وأهلّ عمران بن حصين من البصرة، وأهلّ ابن مسعود من القادسيّة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاستدلال من الصنعاني عجيب، كيف يحتجّ هنا بما نُقل عن ابن عباس، وغيره في معارضة الأحاديث المرفوعة، ويردّ قوله: من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم بأنه أثر موقوف، لا يقاوم المرفوع، مع أنه يوافق المرفوع في كونه - ﷺ - أعمر عائشة من التنعيم؟ وكذا ردّه قول المحبّ الطبريّ: إنه لا يعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة، فقال: جوابه أنه - ﷺ - جعلها ميقاتًا لها بهذا الحديث؟ فهلا قال هنا: إن هذه الآثار عن الصحابة لا تقاوم المرفوع، إن هذا تناقض عجيب. قال: وورد في تفسير الآية أن الحجّ والعمرة تمامهما بهما من دُويرة أهلك عن عليّ، وابن مسعود، وإن كان قد تُؤُوّل بأن مرادهما أن ينشأ لهما مفردًا من بلده، كما أنشأ - ﷺ - لعمرة الحديبية والقضاء سفرًا من بلده، ويدلّ لهذا التأويل أنّ عليًّا - ﵁ - لم يفعل ذلك، ولا أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يُحرموا بحجّ، ولا عمرة إلا من الميقات، بل لم يفعله - ﷺ -، فكيف يكون ذلك تمام الحجّ، ولم يفعله - ﷺ -، ولا أحد من الخلفاء، ولا جماهير الصحابة؟. قال: نعم، الإحرام من بيت المقدس بخصوصه ورد فيه حديث أم سلمة - ﵂ -، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أهلّ من المسجد الأقصى بعمرة، أو بحجّة، غُفر له ما تقدّم من ذنبه» ، وله ألفاظ عند أبي داود، وابن ماجه. قال: فيكون هذا مخصوصًا ببيت المقدس، فيكون الإحرام منه خاصّة أفضل من الإحرام من المواقيت، ويدلّ له إحرام ابن عمر منه، ولم يفعل ذلك من المدينة، على أن منهم من ضعّف الحديث، ومنهم من تأوّله بأن المراد ينشئ لهما السفر من هنالك. انتهى كلام الصنعانيّ - ﵀ - . وقال العلامة ابن قدامة - ﵀ - ما ملخّصه: أما ما نُقل عن عمر، وعليّ - ﵄ - أنهما قالا: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك، فمعناه أن تنشئ لها سفرًا من بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك، قال أحمد: كان سفيان يفسّره بهذا، وكذلك فسره به أحمد، ولا يصحّ أن يفسّر بنفس الإحرام، فإن النبيّ - ﷺ -، وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله تعالى بإتمام العمرة، فلو حمل على ذلك لكان النبيّ - ﷺ -، وأصحابه تاركين لأمر الله، ثم إن عمر وعليًّا ما كانا يُحرمان إلا من الميقات، أفتراهما يريان أن ذلك ليس بإتمام لها، ويفعلانه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهّمه أحد، ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من البصرة، واشتد عليه. انتهى كلام ابن قدامة بتصرف، واختصار . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث المذكور في الإحرام من بيت المقدس، فإنه ضعيف، لا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة؛ لتفرّد حُكيمة بنت أميّة الأخنسية به، قال عنها في «التقريب»: مقبولة؛ أي لا بدّ لها من متابع، وليس لها متابع، والراوي عنها يحيى بن أبي سفيان قال عنه أبو حاتم: ليس بالمشهور. وأعله المنذريّ في «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٢٨٥ بالاضطراب ، قال: وقد اختلف الرواة في متنه، وإسناده اختلافًا كثيرًا، وكذا أعلّه الحافظ ابن كثير بالاضطراب ، فلا يعارض أحاديث المواقيت الصحاح . قال الجامع: وعلى تقدير صحته فليس دليلًا على مسألتنا هذه، فإنه لم يقل: من أهلّ منها، وإنما قال: «الحجة منها أفضل إلخ»، وهذا لا يستلزم الإحرام منها، وإنما هو بيان لفضل الحجّة من تلك البلدة، فتنبّه. فتبيّن بهذا أنه لا يصحّ في إباحة تقديم الإحرام على المواقيت شيء. والحاصل أنه ليس لمن قال بإباحة تقديم الإحرام على الميقات دليلٌ، لا من نصّ، ولا من إجماع، بل هي اجتهادات ممن فعله، تُعارض ما صحّ عن الشارع الحكيم تحديده، مع أنه قد ثبت إنكار غيرهم عليهم فعلهم ذلك، فلا يُعارض به ما صحّ عن رسول الله - ﷺ -؛ إذ الحجة في فعله، وقوله، لا في فعل غيره، أو قوله. فالقول الراجح هو ما ذهب إليه من قال بعدم جواز تقديم الإحرام على المواقيت المحدّدة، كإسحاق، والبخاريّ، وداود الظاهريّ، وابن حزم، كما تقدم، كما أنه لا يجوز تقديمه على المواقيت الزمانيّة بالإجماع، فكذا هذا، إذ لا فرق بينهما. وما أحسن ما قال الشاطبيّ - ﵀ - في كتابه «الاعتصام»، ومن قبله الهرويّ في «ذمّ الكلام» عن الزبير بن بكّار: قال: حدّثني ابن عُيينة، قال: سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، من أين أُحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله - ﷺ -، فقال: إني أريد أن أُحرم من المسجد، من عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: فأيّ فتنة في هذه؟ إنما هي أميالٌ أزيدها، قال: وأيّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله - ﷺ -، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. انتهى . فالواجب على المسلم أن يحرص على موافقة حجه، وعمرته أمر الشارع الحكيم؛ ليقع على الوجه المطلوب شرعًا، ولا يخالف بعلّة أن فلانًا قال كذا، وأن فلانًا فعل؛ إذ الحجة هو الذي صحّ عمن قال الله تعالى في حقّه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم مجاوزة الميقات من غير إحرام: (اعلم): أنهم اختَلَفوا فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك، فلم يُحْرِم، فقال الجمهور: يأثم، ويلزمه دم، فأما لزوم الدم فبدليل غير هذا، وأما الإثم فلترك الواجب، وورد الحديث من طريق ابن عمر بلفظ: «فرضها»، وسيأتي بلفظ: «يُهِلّ»، وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر لا يَرِدُ بلفظ الخبر، إلا إذا أريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب، وعند البخاريّ في «كتاب العلم» بلفظ: «من أين تأمرنا أن نُهِلّ؟»، ويأتي للمصنّف من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: «أمر رسول الله - ﷺ - أهل المدينة. . .» الحديث. وذهب عطاء، والنخعيّ إلى عدم الوجوب، ومقابله قول سعيد بن جبير: لا يصحّ حجه، وبه قال ابن حزم. وقال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم، قال أبو حنيفة: بشرط أن يعود ملبيًا، ومالك: بشرط أن لا يَبْعُد، وأحمد: لا يسقط بشيء، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مجاوزة الميقات من غير إحرام لمن أراد النسك لا يجوز؛ لمخالفته أمر النبيّ - ﷺ - الوارد في الأحاديث الصحيحة، وأن ما ذهب إليه الجمهور من سقوط الدم عمن جاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات هو الأرجح؛ لزوال السبب الموجب له، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في ميقات أهل مكة للعمرة: ذهب الجمهور إلى أن أهل مكة يجب عليهم الخروج إلى أدنى الحلّ؛ كالتنعيم، عملًا بقصّة عائشة - ﵂ -، حيث أمرها النبيّ - ﷺ - بالخروج إلى التنعيم للعمرة. قال الإمام أبو محمد بن حزم - ﵀ -: ومن أراد العمرة - وهو بمكة - إما من أهلها، أو من غير أهلها، ففَرْضٌ عليه أن يخرج للإحرام بها إلى الحلّ، ولا بدّ، فيخرج إلى أي الحلّ شاء، ويهلّ بها؛ فلأن رسول الله - ﷺ - أمر عبد الرحمن بن أبي بكر بالخروج من مكة إلى التنعيم ليعتمر بها منه، واعتمر - ﵇ - من الجعرانة، فوجب ذلك في العمرة خاصّة. انتهى . وقال العلّامة ابن قدامة عند قول الخرقيّ - رحمهما الله تعالى -: «وأهل مكة إذا أرادوا العمرة، فمن الحلّ، وإذا أرادوا الحجّ فمن مكة» ما حاصله: أهل مكة من كان بها، سواء كان مقيمًا بها، أو غير مقيم؛ لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتًا له، فكذلك كلّ من كان بمكة، فهي ميقاته للحجّ؛ وإن أراد العمرة، فمن الحلّ، لا نعلم في هذا خلافًا، ولذلك أمر النبيّ - ﷺ - عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمر عائشة - ﵂ - من التنعيم. متّفق عليه، وكانت بمكة يومئذ، والأصل في هذا قول النبيّ - ﷺ -: «حتى أهل مكة يهلّون منها»، يعني للحج، وقال أيضًا: «ومن كان أهله دون الميقات، فمن حيث يُنشئ، حتى يأتي ذلك على أهل مكة»، وهذا في الحج، فأما في العمرة فميقاتهم في حقّهم الحلّ، من أي الجوانب شاء؛ لأن النبيّ - ﷺ - أمر بإعمار عائشة من التنعيم، وهو أدنى الحلّ إلى مكة. وقال ابن سيرين: بلغني أن النبيّ - ﷺ - وقّت لأهل مكة التنعيم. وقال ابن عبّاس - ﵄ -: يا أهل مكة من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه وبينها بطن محسّر، يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة. وإنما لزم الإحرام من الحلّ ليجمع في النسك بين الحلّ والحرم، فإنه لو أحرم من الحرم لَمَا جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحجّ، فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة، فيجتمع له الحلّ والحرم، والعمرة بخلاف ذلك. ومن أيّ الحلّ أحرم جاز، وإنما أعمر النبيّ - ﷺ - عائشة من التنعيم لأنه أقرب الحلّ إلى مكة. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ميقات أهل مكة للعمرة هو الحلّ، سواء كان التنعيم، أو غيره، فيكون معنى قوله - ﷺ -: «حتى أهل مكة من مكة للحجّ والعمرة» محمول على الحج المفرد، والقران، لا على العمرة، بدليل عمرة عائشة - ﵂ - من التنعيم؛ ولم يخالف في هذا أحد من أهل العلم. وأما ما قاله الصنعاني - بعد أن نقل كلام المحبّ الطبريّ أنه لا يعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة في حقّ المكيّ -: ما حاصله جوابه أنه - ﷺ - جعلها ميقاتًا لها بهذا الحديث، ثم ذكر أثر ابن عباس المتقدم، وقوله أيضًا: «من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم»، قال: فأجاب عنه بأنها آثار موقوفة لا تقاوم المرفوع. قال: وأما ما ثبت من أمره - ﷺ - لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتحرم بعمرة، فلم يُرد إلا تطييب قلبها بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها إلى آخر كلامه، فجوابه كما يلي: أما قوله: جوابه أنه - ﷺ - جعلها ميقاتًا إلخ، فجوابه نعم، إنه - ﷺ - جعلها ميقاتًا للمفرد بالحج، وللقارن، وأما العمرة فجعل الحلّ ميقاتًا لها، بدليل حديث عائشة - ﵂ -، يؤيد ذلك أثر ابن عباس - ﵄ -، وما أخرجه الفاكهيّ وغيره عن محمد بن سيرين، قال: بلغنا: «أن رسول الله - ﷺ - وقّت لأهل مكة التنعيم»، وعن عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها، فليخرج إلى التنعيم، أو إلى الجعرانة، فليُحرم منها. وأثر ابن سيرين وإن كان مرسلًا إلا أنه اعتضد بقول ابن عباس، وبقول أهل العلم كافّة، كما تقدم عن المحبّ الطبريّ أنه لا يعلم في ذلك خلافًا، والمرسل إذا اعتضد يكون حجة، كما هو معلوم في مصطلح أهل الحديث. وأما قوله: إنه - ﷺ - أعمر عائشة من التنعيم تطييبًا لقلبها، فمما لا ينبغي لمثله أن يقوله، فهل النبيّ - ﷺ - يطيّب قلبها بخلاف ما شرعه الله تعالى؟ كلّا، ثم كلّا، فلو لم يكن الاعتمار من التنعيم هو المشروعَ لَمَا أمرها به. وحاصل أمر عائشة - ﵂ -، أنها ممن شمله التوقيت المتقدّم؛ لأننا إن قلنا: إنها آفاقية، فميقاتها ذو الحليفة، وإن قلنا: إنها مكية - وهو الحقّ؛ لأن قوله - ﷺ -: «حتى أهل مكة من مكة» يشمل المقيم بها، والوارد إليها، بدليل أن الصحابة الذين فسخوا الحج بعمل العمرة من أهل المدينة أهلّوا من مكة بأمره - ﷺ - فميقاتها مكة، فلما أمرها بالإحرام من التنعيم علمنا أن ميقات أهل مكة للعمرة هو الحلّ، وإنما لم نقل بتعيّن التنعيم ميقاتًا، لقول عائشة - ﵂ -، كما رواه الطحاويّ، من طريق ابن أبي مليكة عنها، أنها قالت: «وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه»، فدلّ على أن المقصود هو الخروج إلى الحلّ مطلقًا. والحاصل أن ميقات أهل مكة للعمرة المفردة من التنعيم، أو غيره من الحلّ، لا يجوز غير ذلك، وأما المفرد بالحجّ، أو القارن، فميقاتهم مكة؛ عملًا بما صحّ لدينا من الأحاديث في كلّ ذلك، دون أن يكون هناك اختلاف بينها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلفوا هل يتعيّن التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ قال الطحاويّ - ﵀ -: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته، كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحجّ. وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحلّ، وإنما أمر النبيّ - ﷺ - عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه كان أقرب الحلّ من مكة، ثم روى من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قال: «وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه»، فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحلّ، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء. ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ: «هُنَّ لَهُمْ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ، مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ) أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة، ووقع في رواية أخرى بلفظ: «هنّ لهنّ» أي: المواقيت للجماعات المذكورة، أو لأهلهن على حذف المضاف، والأول هو الأصل، ووقع أيضًا بلفظ: «هنّ لأهلهنّ»، وقوله: «هنّ» ضمير جماعة المؤنث، وأصله لمن يعقل، وقد استُعْمِل فيما لا يعقل، لكن فيما دون العشرة، قاله في «الفتح» . وقوله: (وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ، مِنْ غَيْرِهِنَّ) ولكلّ من أتى عليهنّ أي: على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة. وقوله: (مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام. وقوله: (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) أي: بين الميقات ومكة. وقوله: (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أي: فميقاته من حيث أنشأ الإحرام؛ إذ السفر من مكانه إلى مكة، وهذا متفق عليه، إلا ما رُوي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ»؛ أي: من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فيحرم من منزله، فخفف عنه الخروج إلى الميقات، وحينئذ يصير منزله ميقاتًا خاصًّا به؛ إذا ابتدأ الإحرام منه، فلو مرَّ من منزله بعد المواقيت بميقات من المواقيت المعينة العامة، وهو يريد الإحرام، وجب عليه أن يحرم منه، ولا يؤخر الإحرام إلى بيته لقوله - ﷺ -: «هن لهن، ولكل آت أتى عليهن من غيرهن»، ويخالف هذا من كان ميقاته الجحفة ومرَّ بذي الحليفة؛ فإن له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة؛ لأن الجحفة ميقات منصوب نصبًا عامًا، لا يتبدل، بخلاف المنزل، فإنه إضافي، يتبدل بتبدل الساكن، فانفصلا، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) يجوز في «أهلِ» الرفع والجرّ، كما سبق. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «حتى أهل مكة من مكة»؛ يعني: أنهم يهلون منها، ولا يخرجون إلى ميقات من المواقيت المذكورة، فأما الإحرام بالحج فيصح من البلد نفسه ومن أي موضع كان من الحل أو الحرم، وأما العمرة فلا بدَّ فيها من الجمع بين الحل والحرم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٤٠)

١. «شرح النوويّ» ٨/ ٨٠.

٢. «شرح النوويّ» ٨/ ٨١.

٣. راجع: «النهاية» ٥/ ٢١٢.

٤. «إحكام الأحكام» ٣/ ٤٥٧ بنسخة الحاشية «العدّة».

٥. «الفتح» ٥/ ٣٩٤.

٦. «المفهم» ٣/ ٢٦٢.

٧. راجع: «مرعاة المفاتيح» ٨/ ٣٤٢.

٨. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ٩.

٩. «وفاء الوفاء» (ص ١١٩٤).

١٠. راجع: «المحلى» ٧/ ٧٠.

١١. «توضيح الإحكام» ٣/ ٢٧٥.

١٢. راجع: «طرح التثريب» ٥/ ٩ - ١٠.

١٣. راجع: «الفتح» ٤/ ١٦١.

١٤. «الفتح» ٤/ ١٦٢.

١٥. «الفتح» ٤/ ١٦٢.

١٦. «توضيح الأحكام» ٣/ ٢٧٦.

١٧. «شرح النوويّ» ٨/ ٨٣.

١٨. «طرح التثريب» ٥/ ١١.

١٩. «شرح النوويّ» ٨/ ٣٢٣.

٢٠. «المفهم» ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤.

٢١. عدّ ابن المنذر من مقلدي الشافعيّ غير صحيح، بل هو مجتهد مستقلّ غير مقلّد، تشهد بذلك كتبه، ومخالفته للشافعي لا تقلّ عن مخالفته للأئمة الآخرين، ومجرد كونه انتسب إلى الشافعي في أول أمره، لا يستلزم أن يكون دائمًا كذلك، وإلا للزم كون الشافعي نفسه مالكيًا، فإنه تلميذه، ومن الآخذين عنه، وكذا كون أحمد شافعيًا، فإنه ممن أخذ عنه، وهكذا، فتأمّل بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.

٢٢. إحكام الأحكام ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢، بنسخة الحاشية.

٢٣. «الفتح» ٤/ ١٦٣.

٢٤. «مرعاة المفاتيح» ٨/ ٣٥٠ - ٣٥١.

٢٥. «شرح النوويّ» ٨/ ٨٤.

٢٦. «الفتح» ٤/ ١٦٤.

٢٧. حديث ضعيفٌ، كما سيأتي قريبًا، فلا يصلح للاحتجاج به، كما زعمه الصنعانيّ، فتنبّه.

٢٨. «سبل السلام» ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦.

٢٩. «المغني» ٥/ ٦٨.

٣٠. هذا هو الصواب، وقد صحح الحديث في «الترغيب والترهيب» ٢/ ١١٩ و١٢٠، قال: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. وتصحيحه هذا غير صحيح؛ لما عرفت من اضطرابه، وجهالة حكيمة. فتنبّه. نبه على ذلك الشيخ الألباني في «الضعيفة» ١/ ٢٤٨ رقم ٢١١.

٣١. وأما تضعيف ابن قدامة له في «مغنيه» بابن أبي فُديك، وابن إسحاق، فليس كذلك، فإن الكلام فيهما لا يعلّ الحديث، فإنهما من رجال الصحيح، وإنما علة الحديث ما ذكرنا، فتنبّه.

٣٢. راجع: «نيل الأوطار» ٤/ ٢٥٣.

٣٣. «الاعتصام» ١/ ١٦٧.

٣٤. «الفتح» ٥/ ٣٩٨.

٣٥. راجع: «المحلّى» ٧/ ٩٨ - ٩٩.

٣٦. راجع: «المغني» ٥/ ٥٩ - ٦٠.

٣٧. «الفتح» ٤/ ٤٤٣.

٣٨. «الفتح» ٥/ ٣٩٦.

٣٩. «المفهم» ٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥.

٤٠. «المفهم» ٣/ ٢٦٥.