HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٩٣

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ؛ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا. وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ (أَوْ بِوَدَّانَ) فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَلَمَّا أَنْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا فِي وَجْهِي، قَالَ «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلَّا أنا حرم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص13
ج ٢ ص ٨٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٢٣٥
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٤٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - يَقُولُ: لَأَنْ أُصْبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ -، فَأَخْبَرْتُهَا بِقَوْلِهِ، فَقَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَطَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الْهِلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. والباقون ذُكروا في الباب، و«سفيان» هو: الثوريّ. وقوله: (مُطَّلِيًا) بضمّ الميم، وتشديد الطاء، وتخفيف الياء، بصيغة اسم الفاعل من اطّلى، بوزن افتَعَل، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح الميم، وسكون الطاء، وتشديد الياء، اسم مفعول من طَلَى، ثلاثيًّا، كرَمَى، كما تقدّم تحقيقه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٤٥] (١١٩٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄ -، تقدّم قريبًا. ٦ - (الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ) هو: الصعب بن جَثّامة بن قيس بن عبد الله بن يعمر الليثيّ الحجازيّ، أخو مُحَلِّم. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه عبد الله بن عباس، قال أبو حاتم: هاجر إلى النبيّ - ﷺ -، وكان ينزل بِوَدَّان، ومات في خلافة أبي بكر الصديق، وقال خليفة: اسم جَثّامة وهب، وأمه فاختة بنت حرب بن أمية، وقال ابن حبان: مات في آخر ولاية عمر بن الخطاب، وقال ابن منده: كان فيمن شهد فتح فارس. انتهى، وفارس كان فتحها زمن عثمان. قال الحافظ: ويدلّ على ذلك ما رواه ابن السكن، من طريق بَقِيّة بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، حدّثني راشد بن سعد، قال: لَمّا فُتِحَت إصطخر نادى منادٍ: ألا إن الدجال قد خرج، فرجع الناس، فلقيهم الصعب بن جَثّامة، فقال: لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى يترك الأئمة ذكره على المنابر»، قال ابن السكن: هذا حديث صالح الإسناد، قال الحافظ: إنما أشار بقوله: صالح الإسناد إلى ثقة رجاله، لكنّ راشدًا لم يُدرك زمن الصعب، والغرض أنه عاش بعد أبي بكر. ومما يؤيِّد ذلك أن يعقوب بن سفيان قال في «تاريخه»: ثنا عمار، عن سلمة، عن ابن إسحاق، حدّثني عمر بن عبد الله، عن عروة، قال: لَمّا ركب أهل العراق في الوليد - يعني ابن عقبة - كانوا خمسة، منهم الصعب بن جثامة، قال: وقد أخطأ من قال: مات الصعب في خلافة أبي بكر خطأ بَيِّنًا. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١١٩٣) و(١٧٤٥) وكرّره ثلاث مرّات، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا ثلاثة أحاديث: هذا عنهم إلا أبا داود، وحديث: «سئل النبيّ - ﷺ - عن ذراريّ المشركين يُبيّتون. . .» عندهم جميعًا، وحديث: «لا حمى إلا لله ولرسوله - ﷺ -» عند البخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ في «الكبرى»، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) قال في «الفتح»: لم يُختَلف على مالك في سياقه معنعنًا، وأنه من مسند الصعب - ﵁ -، إلا ما وقع في «موطأ ابن وهب»، فإنه قال في روايته: «عن ابن عباس، أن الصعب بن جثّامة أهدى»، فجعله من مسند ابن عبّاس. نبّه على ذلك الدارقطنيّ في «الموطّآت»، وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «أهدى الصعب»، والمحفوظ في حديث مالك الأول، وللبخاريّ في «كتاب الهبة» من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: «أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عباس أخبره، أنه سمع الصعب - وكان من أصحاب النبيّ - ﷺ - يخبر أنه أهدى. . .» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بْنِ عُتْبَةَ بن مسعود (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (عَنِ الصَّعْبِ) بفتح الصاد، وسكون العين المهملتين، بعدهما موحّدة (ابْنِ جَثَّامَةَ) - بجيم مفتوحة، ثم ثاء مثلّثة مشدَّدة - ﵁ - (اللَّيْثيّ) - بفتح اللام، وسكون الياء، آخره ثاء مثلّثة -: نسبة إلى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان ابن أخت أبي سفيان بن حرب، أمه زينب بنت حرب بن أُميّة، وكان النبيّ - ﷺ - آخى بينه وبين عوف بن مالك، قاله في «الفتح» . (أَنَّهُ أَهْدَى) بالبناء للفاعل (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا) قال في الفتح«: لم تَخْتَلف الرواة عن مالك في ذلك، وتابعه عامّة الرواة عن الزهريّ، وخالفهم ابن عيينة، عن الزهريّ، فقال:»لحم حمار وحش«، أخرجه مسلم، لكن بيّن الحميديّ، صاحب سفيان أنه كان يقول في هذا الحديث:»حمار وحش«، ثم صار يقول:»لحم حمار وحش«، فدلّ على اضطرابه فيه. وقد توبع على قوله:»لحم حمار وحش«من أوجه فيها مقال، منها: ما أخرجه الطبرانيّ من طريق عمرو بن دينار، عن الزهريّ، لكن إسناده ضعيف. وقال إسحاق في«مسنده»: أخبرنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن الزهريّ، فقال:«لحم حمار»، وقد خالفه الواسطيّ، عن محمد بن عمرو، فقال:«حمار وحش»، كالأكثر. وأخرجه الطبرانيّ من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ، فقال:«رجل حمار وحش»، وابن إسحاق حسن الحديث، إلا أنه لا يُحتجّ به إذا خولف. ويدلّ على وهم من قال فيه عن الزهريّ ذلك أن ابن جريج قال: قلت للزهريّ: الحمار عقير؟ قال: لا أدري، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في«صحيحيهما». وقد جاء عن ابن عباس من وجه آخر أن الذي أهداه الصعب لحم حمار، فأخرجه مسلم من طريق الحَكَمِ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:«أهدى الصعب إلى النبيّ - ﷺ - رجل حمار»، وفي رواية عنده:«عجز حمار وحش، يقطر دمًا»، وأخرجه أيضًا من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، قال تارة:«حمار وحش»، وتارةً:«شقّ حمار»، ويقوّي ذلك ما أخرجه مسلم أيضًا من طريق طاوس، عن ابن عباس، قال: قدم زيد بن أرقم، فقال له عبد الله بن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أُهدي لرسول الله - ﷺ -، وهو حرام؟ قال: أُهدي له عضو من لحم صيد، فردّه، وقال:«إنا لا نأكله، إنا حُرُم». وأخرجه أبو داود، وابن حبان من طريق عطاء، عن ابن عباس، أنه قال:«يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله - ﷺ -»، فذكره. واتفقت الروايات كلها على أنه ردّه عليه، إلا ما رواه ابن وهب، والبيهقيّ من طريقه بإسناد حسن، من طريق عمرو بن أُميّة:«أن الصعب أهدى للنبيّ - ﷺ - عجز حمار وحش، وهو بالجحفة، فأكل منه، وأكل القوم»، قال البيهقيّ: إن كان هذا محفوظًا، فلعله رَدَّ الحيّ، وقبل اللحم. قال الحافظ: وفي هذا الجمع نظر؛ لما بيّنته، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله ردّه حيًّا؛ لكونه صِيد لأجله، وردّ اللحم تارة؛ لذلك، وقبله تارة أخرى، حيث عَلِم أنه لم يصده لأجله. وقد قال الشافعيّ في«الأمّ»: إن كان الصعب أهدى له حمارًا حيًّا، فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيّ، وإن كان أهدى له لحمًا، فقد يَحْتَمِل أن يكون عَلِم أنه صِيد له. ونقل الترمذيّ عن الشافعيّ أنه رده لظنه أنه صِيدَ من أجله، فتركه على وجه التنزّه. ويَحْتَمِل أن يُحْمَل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه - ﷺ - من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة، وفي غيرها من الروايات بالأبواء، أو بودّان. وقال القرطبيّ: يَحْتَمِل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثم قطع منه عُضْوًا بحضرة النبيّ - ﷺ -، فقدّمه له، فمن قال: أهدى حمارًا، أراد بتمامه مذبوحًا، لا حيًّا، ومن قال: لحم حمار، أراد ما قدّمه للنبيّ - ﷺ -، قال: ويَحْتَمِل من قال: حمارًا أَطلق، وأراد بعضه مجازًا. قال: ويَحْتَمِل أنه أهداه له حيًّا، فلما ردّه عليه ذكّاه، وأتاه بعضو منه، ظانًّا أنه إنما ردّه عليه لمعنى يختصّ بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكلّ، قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات. وقال النوويّ: ترجم البخاريّ بكون الحمار حيًّا، وليس في سياق الحديث تصريحٌ بذلك، وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك، وهو باطلٌ؛ لأن الروايات التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح. انتهى. قال الحافظ: وإذا تأملت ما تقدّم لم يحسن إطلاق بطلان التأويل المذكور، ولا سيما في رواية الزهريّ التي هي عمدة هذا الباب، وقد قال الشافعيّ في «الأم»: حديث مالك أن الصعب أهدى حمارًا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار، وقال الترمذيّ: روى بعض أصحاب الزهريّ في حديث الصعب: «لحم حمار وحش»، وهو غير محفوظ. انتهى ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ) جملة في محل نصب على الحال، من الفاعل، أو المفعول، و«الأبواء» - بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، وبالمدّ -: جبل من عمل الْفُرُع - بضم الفاء، وسكون الراء، بعدها مهملة - قيل: سمي الأبواء لوبائه على القلب، وقيل: لأن السيول تتبوّؤه؛ أي: تحمله. وقال الفيّوميّ: و«الأبواء» على أفعال - بفتح الهمزة -: منزل بين مكة والمدينة، قريب من الجحفة، من جهة الشمال، دون مرحلة. انتهى. (أَوْ بِوَدَّانَ) «أو» للشكّ من الراوي، وهو بفتح الواو، وتشديد الدال، آخره نون: موضع بقرب الجحفة، وفي حديث عمرو بن أميّة أنه كان بالجحفة، وودّان أقرب إلى الجحفة من الأبواء، فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلًا، ومن ودّان إلى الجحفة ثمانية أميال، وبالشك جزم أكثر الرواة، وجزم ابن إسحاق، وصالح بن كيسان، عن الزهريّ بودّان، وجزم معمر، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومحمد بن عمرو بالأبواء. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الشكّ فيه من ابن عباس - ﵄ -؛ لأن الطبرانيّ أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشكّ أيضًا. انتهى . [فائدة]: ودّان هذه قريةٌ من نواحي الفُرْع، بينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال، قريبة من الجحفة، أكثر نُصَيب من ذكرها في شعره، فقال لسليمان بن عبد الملك [من الطويل]: أَقُولُ لِرَكْبٍ قَافِلِينَ عَشِيَّةً … قِفَا ذَاتَ أَوْشَالٍ وَمَوْلَاكَ قَارِبُ قِفُوا خَبِّرُونِي عَنْ سُلَيْمَانَ إِنَّنِي … لِمَعْرُوفِهِ مِنْ آلِ وَدَّانَ رَاغِبُ فَعَاجُوا فَأثْنَوْا بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ … وَلَوْ سَكَتُوا أَثْنَتْ عَلَيْكَ الْحَقَائِبُ (فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: ردّ ذلك الحمار على الصعب بن جثّامة - ﵁ - (قَالَ) الصعب (فَلَمَّا أَنْ) «أن» زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] . (رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا فِي وَجْهِي) وفي رواية البخاريّ عن عبد الله بن يوسف، عن مالك: «فلما رأى ما في وجهه»، وفي رواية الليث، عن الزهريّ، عند الترمذيّ: «فلما رأى ما في وجهه من الكراهية»، وكذا لابن خزيمة من طريق ابن جريج المذكورة. (قَالَ) - ﷺ - («إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق شعيب، وابن جريج، عن الزهريّ:»ليس بنا ردٌّ عليك«، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عند الطبرانيّ:»إنا لم نردّه عليك كراهيةً له، ولكنا حُرُمٌ«، وفي رواية النسائيّ:»أما إنه لم نردّه عليك«. قال القاضي عياض - ﵀ -: ضبطناه في الروايات«لم نردّه»بفتح الدال، وردّه محقّقو مشايخنا من أهل العربيّة، وقالوا:«لم نردُّهُ»بضم الدال، وهكذا وجدته بخطّ بعض الأشياخ أيضًا، وهو الصواب عندهم، على مذهب سيبويه في مثل هذا في المضاعف، إذا دخله الهاء أن يُضمّ ما قبلها في الأمر، ونحوه من المجزوم، مراعاة للواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها، لخفاء الهاء، فكأن ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا، قال: وليس الفتح بغلط، بل ذكره ثعلب في«الفصيح». نعم تعقّبوه عليه بأنه ضعيف، وأوهم صنيعه أنه فصيح، وأجازوا أيضًا الكسر، وهو أضعف الأوجه. هذا في المذكر، وأما في المؤنث، مثل«لم تردها»مفتوح الدال، مراعاة للألف. وقال العينيّ - ﵀ -: في مثل هذه الصيغة قبل دخول الهاء عليها أربعة أوجه: الفتح؛ لأنه أخف الحركات، والضمّ؛ إتباعًا لضمة عين الفعل، والكسر؛ لأنه الأصل في تحريك الساكن، والفكّ. وأما بعد دخول الهاء فيجوز فيه غير الكسر. انتهى . قال الحافظ: ووقع في رواية الكشميهنيّ بفكّ الإدغام:«لم نردُدْهُ»بضمّ الأولى، وسكون الثانية، ولا إشكال فيه. انتهى . [تنبيه]: قال ابن حمدون - ﵀ - في«حاشيته على شرح المكودي لألفية ابن مالك - ﵀ -»في«باب الإدغام»، ما نصه: (تتمة): حكاية جرت عادتهم بذكرها هنا، لمناسبتها، نَقَلَها صاحبُ«الأنيس المطرب» عن الفقيه البوعصامي في ترجمته، وذلك أن بعضهم سأل الفقيه المذكور عن حركة آخر الفعل المضارع المجزوم المضعف الآخر، وعن الأمر منه، نحو لم يَشُدّ، وشُدّ؟ فقال: إن لهذه المسألة قصةً اتفقت للراعي - ﵀ - مع بعض أصحابه. قال الراعي: كان لي صاحب في خواص الملك، فسألني يومًا عن الفعل المضارع المجزوم المضعف، وعن الأمر منه؟ فلما شرعت في الجواب، فَهِمتُ منه، كأنه إنما سألني مختبرًا ما عندي، وأنه غير محتاج إلى جوابي، فسكت عنه، فأعاد السؤال مرارًا، فحلفت يمينًا مغلظة أن لا أخبره حتى ينزل من موضع عالٍ هو به، ويقعد على الأرض وسط المدرسة من غير حائل بينه، وبين الأرض، ويخضع لي، كما يخضع الصبيّ لمؤدبه، وإلا فهؤلاء العلماء فيهم كفاية عني في هذه المسألة وغيرها. فردّد الأمر في نفسه مرارًا، وأطرق، ثم قال: لا بأس بالذلّ في طلب العلم، فإنه عِزّ على الحقيقة، ثم فعل ما طُلب منه، والطَّلَبَةُ ينظرون. فقلت: يا عبد الله لم تجئني هذه المسألة رَخِيصَة، وسأحدثك كيف استوفيتها. اعلم أني رَحَلتُ يومًا لشيخنا وسيدنا أبي الحسن علي بن محمد الأندلسي الْغَرْنَاطيّ - ﵀ -، وكان فقيرًا مُقِلًّا، وكان أبوه، وأخوه يعيشان من نقل الحطب على حمارين لهما، وكان أبي تاجرًا في سوق القُمَاش. فكنت أخدم الشيخ خدمة العبيد الناصحين، فأتيت له صبيحة يوم بارد، فقلت: هل من حاجة؟ قال: نعم، ليس عندنا ماء، ثم أخرج إليّ سَطْلًا من نحاس وقُلَّةً يسعان أربعين رطلًا من الماء، والماء من بيته على مسافة بعيدة، فأتيت بنحو اثنتي عشرة نَقْلَة حتى امتلأ الزِّير، وجميع أواني الدار. ثم سلمت عليه، وأردت الخروج، وأنا في غاية التعب، قد ابْتَلَّتْ ثيابي، وامتلأت بالطين، وأنا أرتعد من البرد، فلما رأى ما بي، قال: اقعُد حتى أعطيك مسألة جليلة، فقعدت معه. فقال: ذكر صاحب «الدرّ المكنون» أنه وصل رجل إلى أشبيلية يقصد قراءة الحديث على أبي بكر الحافظ، فلما قرأ عليه قوله - ﷺ -: «ما لم تصفَرِّ الشمس»، وفي الحلقة جماعة من الطلبة، فيهم أبو بكر الشلوبين، فقال الشيخ: كيف تضبطون الراء من قوله: «ما لم تصفرِّ الشمس»، فقالوا بأجمعهم بالفتح، ما عدا أبا بكر، فإنه بقي ساكتًا. فأنشد الشيخ: أوْرَدَها سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ … مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الإبِلْ ثم التفت إلى أبي بكر، وقال: ما تقول أنت؟ فقال: إن العرب على ثلاث فِرَقٍ: مُتْبِعُون، وكاسرون، وفاتحون. فالمتبعون، يتبعون الحرف المضعّف لحركة الحرف الذي قبله؛ فإن كانت ضمة ضموه، نحو: لم يردُّ، ورُدُّ، وإن كانت فتحة، أو ألفًا فتحوا، نحو: لم يَعَضَّ، وعَضَّ، وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإن كانت كسرة كسروه، نحو لم يفِرّ، وفِرّ يا عمرو، إلا في ثلاث مواضع، فإنهم لا يتبعون لما قبله. (أحدها): إذا اتصل بالفعل ضمير مذكر غائب، فإن المتبعين إنما يتبعون لحركة الضمير، فيقولون: لم يَفِرُّهُ، وفِرُّهُ، بضم الراء فيهما، ولم يَعَضُّهُ، بضم الضاد، وعليه يخرج قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] إن قلنا: إن «لا ناهية»، لا نافية. (ثانيها): إذا اتَّصَل بالفعل ضمير مؤنث غائب، نحو رُدَّهَا، ولم يَرُدَّهَا، وفرّها، بفتح الحرف المدغم فيه اتباعًا لحركة الهاء، وإنما أتبعوا حركة الهاء في الموضعين لخفة الهاء، فلم يعتدوا بها فاصلًا، فكأن الضمةَ باشرت واو الصلة، والفتحةَ باشرت ألف الصلة. (ثالثها): إن لقي آخرَ الفعل ساكنٌ من كلمة أخرى، لامُ تعريف، أو غيرُها، فيرجع المتبعون هنا للكسر، نحو غُضّ الطرفَ، وعليه يقال: «ما لم تصفرِّ الشمس» بكسر الراء، لا غير. [والفرقة الثانية]: الكاسرون؛ يَكسِرُون آخرَ الفعل مطلقًا على أصل التقاء الساكنين، فيقولون: ردِّ زيدًا، ولم يردّ، بكسر الدال فيهما، فعلى هذه اللغة، إنما يقال: «ما لم تصفرّ» بالكسر أيضًا، وهذه اللغة لغة كعب، ونُمَير. [والفرقة الثالثة]: الفاتحون، وهم على قسمين: فُصَحاء، وغير فصحاء، فالفصحاء ينتقلون إلى الكسر إذا عارضهم ساكن من كلمة أخرى، فيقولون: مُدّ الحبل، وشُدّ الرَّحْلَ، بكسر المدغم فيه منها، فيقال حينئذ: «ما لم تصفرِّ» بالكسر أيضًا، وغير الفصحاء لا يزالون على أصلهم من الفتح، ولو لقي آخرَ الفعل ساكنٌ؛ وعليه فيقال: «ما لم تصفرَّ» بفتح الراء، وعليه فجميع العرب يكسرون آخر الفعل إذا لقيه ساكن، إلا غير الفصحاء، ممن لغتهم الفتح، فإنهم يفتحونه. فلما فرغ الشلوبين، أنشد الشيخ [من الخفيف]: ذُو المَعَالِي فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تَعَالَى … هَكَذَا هَكَذَا وَإلَّا فَلَا لَا وقد نظم هذا التفصيل العلامة القاضي الولي الصالح أبو العباس سيدي أحمد بن الحاجّ، فقال [من الرجز]: إنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا … آخِرُهُ كَلا تَضُرَّ أَحَدَا فَاكْسِرهُ مُطْلَقًا لِقَوْمٍ وافْتَحَا … لآخَرِينَ ثُمَّ إنَّ الفُصَحَا مِنْ هَؤلاءِ حَيْثُ يَلْقَى ساكِنَا … يَأْتُونَ بِالْكَسْرِ كَسُرِّ الْحَزَنَا ثَالِثَةُ اللُّغَاتِ أنْ يُتْبَعَ مَا … يَلِي فَإثْرَ ضَمَّةٍ لَهُ اضْمُمَا وَافْتَحْهُ بَعْدَ فَتْحَةٍ أوْ أَلِفِ … وبَعْدَ كسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي إلا بِنَحْوِ مُسَّهُ وَفِرُّهُ … فَالضَّمُّ عِنْدَهُمْ كَلا تُمِرَّهُ وَنَحْوُ رُدَّهَا وَحُبَّهَا افْتَحَا … لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ أُوضِحَا وَنَحْوُ غُضِ الطَّرْفَ عَضِ اللَّحْمَا … فَاكْسِرْهُ لِلسَّاكِنِ فَابغِ الْعِلْمَا انتهى . (إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ») همزة«أنا»مفتوحة، على تقدير لام التعليل؛ أي: لأنّا، و«حُرُم»بضمتين: جمع حَرَام؛ أي: محرمون. وفي رواية صالح بن كيسان الآتي بعد هذا:«إنا حرم، لا نأكل الصيد». وفي رواية شعيب، وابن جريج عند البخاريّ:«ليس بنا ردّ عليك». وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عند الطبرانيّ:«إنا لم نردّه عليك كراهية له، ولكنا حُرُم». وفي رواية سعيد، عن ابن عباس:«لولا أنا محرمون لقبلناه منك». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث الصعب بن جَثّامة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٨٤٥ و٢٨٤٦ و٢٨٤٧] (١١٩٣)، و(البخاريّ) في«الحج»(١٨٢٥)، و«الهبة»(٢٥٧٣ و٢٥٩٦)، و(الترمذيّ) في«الحج»(٨٤٩)، و(النسائيّ) في«المناسك»(٥/ ١٨٣)، و«الكبرى»(٢/ ٣٧٠)، و(ابن ماجه) في«المناسك»(٣٠٩)، و(مالك) في«الموطأ»(١/ ٣٥٣)، و(الشافعيّ) في«مسنده»(١/ ٣٢٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٣٧ و٣٨)، و(الدارميّ) في«سننه»(١٨٢٨)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(٢/ ١٧٠)، و(الطبراني) في«الكبير»(٧٤٤١)، و(ابن حبّان) في«صحيحه» (٣٩٦٩)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ٢٨٠)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(١/ ١١٥)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٥/ ١٩١)، و«الصغرى»(٤/ ١١٢)، و«المعرفة» (٤/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد، وهو الذي صاده الحلال لأجل المحرم، وبهذا تجمع الأحاديث في هذا الباب، فيُحْمَل حديث أبي قتادة الآتي الدالّ على الإباحة على ما إذا لم يصده الحلال للمحرم، وحديث الصعب هذا على أنه قصد المحرم بصيده، وتحمل الآية الكريمة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية [المائدة: ٩٦] على الاصطياد، وعلى لحم ما صِيد للمحرم، للأحاديث المذكورة المبيّنة للمراد من الآية. وهذا مذهب الشافعي، وجماعة، كما تقدّم، وهو الراجح، وسيأتي تفاصيل المذاهب في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. وقد حَمَل البخاريّ - ﵀ - حديث الصعب - ﵁ - على أنه كان حيًّا، حيث ترجم في «الصحيح» بقوله: «باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يَقْبَل». لكن روايات حديث الصعب لا تؤيّد هذا التأويل. قال النوويّ - ﵀ -: وحكي هذا التأويل أيضًا عن مالك، وغيره، وهو تأويل باطل، وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وإنما أهدى بعض لحم صيد، لا كله. انتهى . ٢ - (ومنها): أن النبيّ - ﷺ - كان يقبل الهدية، وإنما الممنوع عليه قبول الصدقة لنفسه. ٣ - (ومنها): استحباب قبول الهديّة، إذا لم يكن هناك مانع من قبولها. ٤ - (ومنها): جواز ردّها بعد القبول لسبب اقتضى ذلك. ٥ - (ومنها): جواز الحكم بعلامة، لقوله: «فلما رأى ما في وجهي. . . إلخ». ٦ - (ومنها): الاعتذار عن ردّ الهدية؛ تطييبًا لقلب المهدي. ٧ - (ومنها): أن الهدية لا تدخل في الملك إلا بالقبول. ٨ - (ومنها): تحريم الاصطياد على المحرم. ٩ - (ومنها): تحريم تملكه، بشراء، أو هدية، أو نحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف. ١٠ - (ومنها): أن المحرم إذا ملك صيدًا وجب عليه إرساله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان حكم الصيد للمحرم: قال العلامة ابن قدامة - ﵀ -: يحل للمحرم صيد البحر، اصطياده، وأكله، وبيعه، وشراؤه، وصيد البحر: الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض فيه، ويَفْرُخ فيه، كالسمك، والسلحفاة، والسرطان، ونحو ذلك، فإن كان جنس من الحيوان نوع منه في البحر، ونوع في البرّ، كالسلحفاة، فلكلّ نوع حكم نفسه، كالبقر منها الوحشيّ محرم، والأهليّ مباح. انتهى. وأما صيد البر فقد أجمع العلماء على منعه للمحرم بحجّ، أو عمرة، وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشيّ، كالظبي، والغزال، ونحو ذلك، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - الآتي. قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد، واصطياده على المحرم، وقد نصّ الله تعالى عليه في كتابه، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه، قال: ولا تحلّ له الإعانة عليه بشيء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أنه لا اختلاف بين أهل العلم في حلّ صيد البحر بجميع أنواعه؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ الآية [المائدة: ٩٦]، وكذلك لا خلاف بينهم في تحريم صيد البرّ بجميع أصنافه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل لحم الصيد للمحرم: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب: (الأول): أنه لا يجوز له الأكل مطلقًا، وهو قول عليّ، وابن عباس، وابن عمر، والليث ابن سعد، والثوريّ، وإسحاق ابن راهويه، وطاوس، وجابر بن زيد. واحتجّ لهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بناء على أن المراد بالصيد الحيوان المصيد. وبحديث الصعب بن جثّامة - ﵁ - هذا، وبحديث زيد بن أرقم - ﵁ - الآتي: أن النبيّ - ﷺ - أُهدي له عضو من لحم صيد، فرده، فقال: «إنا لا نأكله، إنا حرم». وبما أخرجه أبو داود، وغيره من حديث عليّ - ﵁ - أنه قال لناس من أشجع: أتعلمون أن رسول الله - ﷺ - أُهدي له رجل حمار وحشٍ، وهو محرم، فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم. (الثاني): أنه يجوز له الأكل مطلقًا؛ أي: وإن صِيد لأجله، إذا لم يكن بإذنه وإعانته، أو دلالته، وإشارته، وإليه ذهب أبو حنيفة، وحكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، والزبير بن العوّام، وعائشة، وطلحة بن عبيد الله، وكعب الأحبار، ومجاهد، وسعيد بن جبير. واحتُجّ لهم بحديث أبي قتادة المذكور هنا، وحديث طلحة بن عبيد الله الآتي، وحديث البهزيّ حيث أهدى للنبيّ - ﷺ - حمار وحش صاده، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، وغيره. (الثالث): التفصيل بين ما صاده الحلال لأجل المحرم، وما صاده لا لأجله، فيمنع الأول، دون الثاني، وهو مذهب الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وحكي ذلك عن عثمان بن عفان، وعطاء، وأبي ثور، وإسحاق في رواية. وهذا المذهب هو الراجح، كما يأتي قريبًا. (الرابع): ما نُقِل عن مالك، وهو التفصيل بين ما صِيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه، أو بعد إحرامه فلا. (الخامس): ما نُقل عن عثمان، وهو التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين، فيمتنع عليه، ولا يمتنع على محرم آخر. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي هو التفصيل الذي تقدم عن الجمهور، وهو أنه إن صاده الحلال لأجل المحرم، مُنِعَ، وما صاده لا لأجله، لم يُمْنَع؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب. قال في «الفتح»: جمع الجمهور بين ما اختلف من هذه الأحاديث، بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الردّ محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم. قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صِيد له إلا إذا كان محرمًا، فبيّن الشرط الأصليّ، وسكت عما عداه، فلم يدلّ على نفيه، وقد بيّنه في الأحاديث الأُخر. قال الحافظ: ويؤيّد هذا الجمع حديث جابر - ﵁ -، مرفوعًا: «صَيْدُ البرّ لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يُصَدْ لكم»، أخرجه الترمذيّ، وابن خزيمة . وفي رواية النسائيّ في حديث الصعب - ﵁ -: «إنا حرم، لا نأكل الصيد»، فبيّن العلتين جميعًا، قاله في «الفتح». والحاصل أن الأرجح تحريم لحم الصيد للمحرم إذا صاده الحلال له، وجوازه إذا لم يصده له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تكملة]: لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه، فقتله دفعًا، فيجوز، ولا ضمان عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَهْدَيْتُ لَهُ حِمَارَ وَحْشٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَصَالِحٍ: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَخْبَرَهُ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف، تغيّر في الآخر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٧ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الخلّال نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٨ - (يَعْقُوبُ) ابن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٩ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ١٠ - (صَالِحُ) بن كيسان، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَن الزُّهْرِيِّ) أي: كلُّ هؤلاء الثلاثة: الليث بن سعد، ومعمر بن راشد، وصالح بن كيسان رووه عن الزهريّ بسنده السابق بلفظ: «أهديتُ له حمار وحش. . .». بِهَذَا الْإِسْنَادِ: (أَهْدَيْتُ لَهُ حِمَارَ وَحْشٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَصَالِحٍ: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَخْبَرَهُ). [تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» (٣/ ٢٨٠) فقال: (٢٧٣١) - حدّثنا أحمد بن يوسف، ثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، ثنا يحيى بن بكير، حدّثني الليث بن سعد (ح) وثنا أبو علي بن الصواف، وحبيب بن الحسن، قالا: ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا أحمد بن يونس (ح) وثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا قتيبة، قالا: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنه أخبره: أن الصعب بن جَثّامة أخبره، أن رسول الله - ﷺ - مَرّ بالأبواء، أو بوَدّان، فأهديتُ له حمارًا وحشيًّا، فردّه عليّ رسول الله - ﷺ -، فلما رأى في وجهي الكراهية، قال: «إنه ليس بنا رَدٌّ عليك، ولكنا حُرُمٌ»، لفظ يحيى بن بكير. انتهى. وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها الطبرانيّ في «المعجم الكبير» (٨/ ٨٣) فقال: (٧٤٢٩) - حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرَيّ، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب بن جَثّامة، قال: مَرَّ بي رسول الله - ﷺ -، وأنا بالأبواء، فأهديتُ له حمار وحش، فرَدّه عليّ، فلما رأى الكراهية في وجهي، قال: «إنه ليس بنا رَدٌّ عليك، ولكنا حُرُمٌ». انتهى. وأما رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ، فساقها أيضًا الطبرانيّ في «المعجم الكبير» (٨/ ٨٥) فقال: (٧٤٤٠) - حدّثنا أحمد بن زهير التستريّ، ثنا عبيد الله بن سعد، ثنا عَمَّي، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن الصعب بن جَثّامة بن قيس أخبره، أنه أهدى لرسول الله - ﷺ - حمار وحش، وهو بِوَدّان، فَرَدَّه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: أَهْدَيْتُ لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى» (٥/ ١٩٢) فقال بعد ذكر رواية مالك، وشعيب بن أبي حمزة، والليث بن سعد، وغيرهم عن الزهري، كما رواه المصنّف هنا، ما نصّه: وخالفهم ابن عيينة، فرواه كما أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أنا حاجب بن أحمد، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أخبره الصعب بن جثامة، أنه أهدى إلى النبيّ - ﷺ - لحم حمار وحش، فردّه، فرأى الكراهية في وجهه، فقال: «ليس بنا رَدّ عليك، ولكنا حُرُمٌ». قال البيهقيّ: رواه مسلم في «الصحيح» عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، عن سفيان، وقال في الحديث: «أهديت له من لحم حمار وحش». ورواه الحميديّ، عن سفيان، على الصحة كما رواه سائر الناس، عن الزهريّ. (٩٧١٠) - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، ثنا سفيان، قال: سمعناه من الزهريّ عَوْدًا وبَدْءًا عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أخبرني الصعب بن جَثّامة،
مصادر المؤلف (١١)

١. «الفتح»٥/ ٩٤ - ٩٥.

٢. «الفتح» ٥/ ٩٦.

٣. «الفتح» ٥/ ٩٦ - ٩٧.

٤. مصغّرًا، كزُبير: اسم شاعر، قاله في«القاموس»١/ ١٣٣.

٥. راجع:«مغني اللبيب عن كتب الأعاريب»١/ ٧٥.

٦. «عمدة القاري» ٨/ ٣٥٨.

٧. «الفتح» ٥/ ٩٧.

٨. «الفتح الودودي على المكودي»٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.

٩. «شرح النوويّ» ٨/ ٣٤٤.

١٠. كذا وقع في «الكبرى» للنسائيّ، والمشهور في الرواية: «أو يصاد» بألف بعد الصاد، راجع: «شرحي على النسائيّ» ٢٤/ ٣٨٧.

١١. لكن الحديث ضعيف، وقد بيّنت ذلك في «شرح النسائيّ» ٢٤/ ٣٨٥ برقم ٢٨٢٨، فراجعه.