HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٠١

وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ) عَنْ أَيُّوبَ. ح وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كعب بْنِ عُجْرَةَ ﵁. قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ (قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ: قِدْرٍ لِي. وقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: بُرْمَةٍ لِي) وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ «فَاحْلِقْ. وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ. أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً». قَالَ أَيُّوبُ: فَلَا أَدْرِي بِأَيِّ ذلك بدأ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص98
ج ٢ ص ٨٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٣٣١
رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذًى، وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ لِحَلْقِه، وَبَيَانِ قَدْرِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٧] (١٢٠١) - (وَحَدَّثَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيع، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - ﵁ - قَالَ: أتى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَة، وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ - قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ: قِدْرٍ لِي، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيع: بُرْمَةٍ لِي -، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ نَسِيكَةً»، قَالَ أَيُّوبُ: فَلَا أَدْرِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الجهضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. ٤ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود العتكيّ الزَّهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٥ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٧ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ، أبو محمد المدنيّ الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - بعد (٥٠) وله نيّف و(٧٠) سنة (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٣/ ٦٤٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع، فسيأتي قول مجاهد: حدّثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدّثني كعب بن عجرة - ﵁ -. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) صرح سيف في روايته الآتية عن مجاهد بسماعه من عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبأن كعبًا حدث به عبد الرحمن. [تنبيه]: قال في «الفتح»: قال ابن عبد البرّ في رواية حميد بن قيس: كذا رواه الأكثر عن مالك. وروه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عُفير عن مالك بإسقاط عبد الرحمن بين مجاهد، وكعب بن عجرة. قال الحافظ: ولمالك فيه إسنادان آخران في «الموطإ» أحدهما: عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، وفي سياقه ما ليس في سياق حميد بن قيس، وقد اختلف فيه على مالك أيضًا على العكس مما اختلف على طريق حميد بن قيس. قال الدارقطنيّ: رواه أصحاب «الموطأ» عن مالك، عن عبد الكريم، عن عبد الرحمن، لم يذكروا مجاهدًا، حتى قال الشافعيّ: إن مالكًا وَهِم فيه. وأجاب ابن عبد البرّ: بأن ابن القاسم، وابن وهب في «الموطإ»، وتابعهما جماعة عن مالك، خارج «الموطإ»، منهم بشر بن عمر الزهرانيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإبراهيم بن طهمان، والوليد بن مسلم أثبتوا مجاهدًا بينهما. قال الحافظ: وهذا الجواب لا يردّ على الشافعيّ، وطريق ابن القاسم المشار إليها عند النسائيّ، وطريق ابن وهب عند الطبريّ، وطريق عبد الرحمن بن مهديّ عند أحمد، وسائرها عن الدارقطنيّ في «الغرائب». والإسناد الثالث لمالك فيه عن عطاء الخراسانيّ، عن رجل من أهل الكوفة، عن كعب بن عجرة. قال ابن عبد البرّ: يَحْتَمِل أن يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى، أو عبد الله بن معقل، ونقل ابن عبد البرّ عن أحمد بن صالح المصريّ، قال: حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها، لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلى، وابن معقل، قال: وهي سنة أخذها أهل المدينة، عن أهل الكوفة، قال الزهريّ: سألت عنها علماءنا كلهم، حتى سعيد بن المسيب، فلم يبيّنوا كم عدد المساكين. قال الحافظ: فيما أطلقه ابن صالح نظر، فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، عند الطبريّ، والطبرانيّ، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور، وابن عمر عند الطبريّ، وفَضَالة الأنصاريّ، عمن لا يتّهَم من قومه، عند الطبريّ أيضًا. ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين: أبو وائل، عند النسائيّ، ومحمد بن كعب القرظيّ، عند ابن ماجه، ويحيى بن جعدة، عند أحمد، وعطاء، عند الطبريّ، وجاء عن أبي قلابة، والشعبيّ أيضًا، عن كعب، وروايتهما عند أحمد، لكن الصواب أن بينهما واسطة، وهو ابن أبي ليلى على الصحيح. وقد أورد البخاريّ حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأوردها أيضًا في «المغازي»، و«الطبّ»، و«كفّارات الأيمان» من طرق أخرى، مدار الجميع على ابن أبي ليلى، وابن معقل، فيقيّد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة، فإن بقية الطرق التي ذكرتها لا تخلو عن مقال، إلا طريق أبي وائل، وسأذكر ما في هذه الطرق من فائدة زائدة - إن شاء الله تعالى. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وسأذكر أنا أيضًا في هذا الشرح ما ذكره الحافظ من الفوائد في شرحه، فإن شرحي هذا نسخة من شرحه ﵀ مع ما يفتح الله تعالى عليّ فيه من غيره، ولذا كثيرًا ما أقول: لولا فتح الباري ثم «فتح الباري» ما قضيت أوطاري. (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - ﵁ -) أنه (قَالَ: أتى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) أي: زمن صلح الحديبية، وفي رواية: «أن رسول ألله - ﷺ - وقف عليه، ورأسه يتهافت قملًا»، وفي رواية: «أن النبيّ - ﷺ - مرّ به، وهو بالحديبية»، وفي رواية: «أتيت رسول الله - ﷺ -، فقال: ادنه، فدنوت، فقال: ادنه، فدنوت»، وفي أخرى: «فحُملت إلى رسول الله - ﷺ -، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى»، وفي أخرى: لأ أنه خرج مع النبيّ - ﷺ - محرمًا، فقمل رأسه، ولحيته، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فأرسل إليه، فدعا الحلّاق، فحلق رأسه«. والجمع بين هذا الاختلاف أن يقال: مرّ به أولًا، وهو يوقد تحت قدر، فرآه على تلك الصورة رؤية إجمالية عن بُعْد يسير، وقال: أتؤذيك هوامّك هذه؟ ولكنه لم يقدّر قَدْر ما بلغ به من الوجع الشديد، ثم بلغه ما هو فيه من البلاء، وشدّة الأذى، فأرسل إليه، واستدعاه، حتى أتاه محمولًا، فاستدناه، فدنا، كما في رواية ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى الآتية، وحك رأسه بإصبعه الكريمة، كما في رواية أبي وائل، عن كعب، عند النسائيّ، فخاطبه، وقال له: «ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى»، ودعا الحلّاق، فحَلَق رأسه بحضرته، فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر. وقال في «الفتح» عند قوله: «عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: لعلك»، ما نصّه: في رواية أشهب المقدَّم ذكرها: «أن رسول الله - ﷺ - قال له»، وفي رواية عبد الكريم: «أنه كان مع رسول الله - ﷺ -، وهو محرم، فآذاه القمل»، وفي رواية سيف: «وقف عليّ رسول الله - ﷺ - بالحديبية، ورأسي يتهافت قَمْلًا، فقال: أيؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك …» الحديث، وفيه: «قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٨٤]»، زاد في رواية أبي الزبير، عن مجاهد، عند الطبرانيّ: «أنه أهل في ذي القعدة»، وفي رواية مغيرة، عن مجاهد، عند الطبريّ: «أنه لقيه، وهو عند الشجرة، وهو محرم»، وفي رواية أيوب، عن مجاهد: «أتى عليّ النبي - ﷺ -، وأنا أوقد تحت بُرْمَة، والقمل يتناثر على رأسي»، زاد في رواية ابن عون، عن مجاهد: «فقال: ادنُ، فدنوت، فقال: أيؤذيك؟»، وفي رواية ابن بشر، عن مجاهد فيه: «قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حَصَرَنا المشركون، وكانت لي وَفْرَ، فجعلت الهوامّ تتساقط على وجهي، فقال: أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قلت: نعم، فأُنزلت هذه الآية»، وفي رواية أبي وائل، عن كعب: «أحرمتُ، فكثر قمل رأسي، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فأتاني، وأنا أطبخ قِدْرًا لأصحابي»، وفي رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «رآه، وإنّه ليسقط القمل على وجهه، فقال؟ أيؤذيك هوامّك؟ قال: نعم، فأمره أن يحلق، وهم بالحديبية، ولم يُبَيِّن لهم أنهم يَحِلُّون، وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية»، وأخرجه الطبرانيّ من طريق عبد الله بن كثير، عن مجاهد بهذه الزيادة، ولأحمد، وسعيد بن منصور، في رواية أبي قلابة: «قملتُ حتى ظننت أن كل شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها إلى فرعها»، زاد سعيد: «وكنت حسن الشعر»، وأول رواية عبد الله بن مَعْقِل عند البخاريّ: «جلست إلى كعب بن عجرة، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول الله - ﷺ -، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى»، زاد مسلم من هذا الوجه: «فسألته عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ الآية». ولأحمد من وجه آخر في هذه الطريق: «وقع القمل في رأسي، ولحيتي حتى حاجبي وشاربي فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فأرسل إليّ، فدعاني، فلما رآني قال: لقد أصابك بلاءٌ، ونحن لا نشعر، ادعُ إليّ الحجام، فحلقني». ولأبي داود من طريق الحكم بن عُتيبة، عن ابن أبي ليلى، عن كعب: «أصابتني هوامّ حتى تخوفت على بصري»، وفي رواية أبي وائل، عن كعب عند الطبريّ: «فحك رأسي بإصبعه، فانتثر منه القمل»، زاد الطبريّ من طريق الحكم: «إن هذا لأذى، قلت: شديد يا رسول الله». قال الحافظ ﵀: والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى، عن كعب: «أن النبيّ - ﷺ - مَرّ به، فرآه»، وفي قول عبد الله بن معقل: «أن النبيّ - ﷺ - أرسل إليه فرآه»، أن يقال: مرّ به أولًا فرآه على تلك الصورة فاستدعى به إليه، فخاطبه، وحَلَق رأسه بحضرته، فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر، ويوضحه قوله في رواية ابن عون السابقة، حيث قال فيها: «فقال: ادنُ، فدنوت»، فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه إذ مرَّ به، وهو يوقد تحت القدر. انتهى. وقال الطبريّ ﵀: يحتمل أن يكون وقف عليه - ﷺ -، وأمره بذلك، ثم حُمِل إليه لمّا كثر عليه، فأمره ثانيًا، فلا يكون بين قوله: «فحُملت إلى رسول الله - ﷺ -»، وبين قوله: «مرّ به» تضادّ. وقال العينيّ ﵀ بعد ذكر اختلاف الروايات: لا تعارض في شيء من ذلك، ووجهه: أنه مرّ به، وهو محرم في أول الأمر، وسأله عن ذلك، ثم حُمل إليه ثانيًا بإرساله إليه، وأما إتيانه فبعد الإرسال، وأما رؤيته فلا بدّ منها في الكلّ. انتهى باختصار يسير. (وَأَنَا أُوقِدُ) جملة في محلّ نصب على الحال (تَحْتَ - قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ) شيخه الأول (قِدْرٍ لِي) «الْقِدر» بكسر القاف، وسكون الدال: إناء يُطبَخ فيها، وهي مؤنّثةٌ، ولهذا تدخل الهاء في التصغير، فيقال: قُديرةٌ، وجمعها قُدُورٌ، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول . (وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ) شيخه الثاني (بُرْمَةٍ لِي) «الْبُرْمة» بضمّ الموحّدة، وسكون الراء: القِدْرُ من الحجارة، والجمع: بُرَمٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، وبِرَامٌ، قا له في «المصباح» ، وفي «القاموس»: جمعه بُرْمٌ - أي: بضمّ، فسكون - وكَصُرَد - أي: بضمّ، ففتح - وجِبَال. انتهى . (وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) أي: يتساقط القمل من كثرته على وجهي، و«القَمْلُ» بفتح القاف، وسكون الميم: معروفٌ، الواحدة قَمْلةٌ، وقَمِلَ قَمَلًا، فهو قَمِلٌ، من باب تَعِبَ: كَثُرَ عليه القمل . وفي رواية: «فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأسِهِ»، وفي رواية لأحمد، وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة: «قَمِلت حتى ظننت أن كلّ شعرة من رأسي فيها القمل، من أصلها إلى فرعها»، زاد سعيد: «وكنت حسن الشعر»، وفي رواية لأحمد من وجه آخر: «وقع القمل في رأسي، ولحيتي، حتى حاجبي، وشاربي، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فأرسل إليّ، فدعاني، فلما رآني، قال: لقد أصابك بلاء، ونحن لا نشعر …». (فَقَالَ) - ﷺ -: («أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ) قال القرطبيّ ﵀: هذا سؤال عن تحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم، فلما أخبره بالمشقة التي نالته خَفّف عنه. و«الْهَوَامّ» بتشديد الميم: جمع هامّة، وهي ما يَدُبّ من الأخشاش، والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان غالبًا إذا طال عهده بالتنظيف، وقد عُيِّن في كثير من الروايات أنها القمل، واستُدِلّ به على أن الفدية مرتبة على قتل القمل. وتُعُقِّب بذكر الحلق، فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه، وهما وجهان عند الشافعية، يظهر أثر الخلاف فيما لو حَلَق، ولم يقتل قملًا. (قَالَ) - ﷺ - «(فَاحْلِقْ) وفي رواية لأحمد:»ادع إليّ الحجام، فحلقني«. قال ابن قدامة ﵀: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق، سواء كان بموسى، أو مِقَصّ، أو نُورة، أو غير ذلك، وأغرب ابن حزم، فأخرج النتف عن ذلك، فقال: يلحق جميع الإزالات بالحلق إلا النتف، قاله في«الفتح». (وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ) وفي رواية سيف الآتية:«أو تصدّق بفَرَق بين ستة مساكين»، وفي رواية ابن أبي نَجيح ومن معه:«وأطعم فرقًا بين ستّة مساكين»، والفرق: ثلاثة آصع، وسيأتي ما يدلّ على أن التفسير من ابن عيينة. وفي رواية أبي قلابة:«أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين»، وفي رواية عبد الله بن معقل:«أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكلّ مسكين»، وللطبرانيّ:«لكل مسكين نصف صاع تمر»، ولأحمد عن بهز، عن شعبة:«نصف صاع طعام»، وفي رواية:«نصف صاع حنطة»، وفي رواية:«يطعم فرقًا من زبيب، بين ستة مساكين». قال ابن حزم ﵀: لا بدّ من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنها قصّة واحدة، في مقام واحد، في حقّ رجل واحد. قال الحافظ ﵀: المحفوظ رواية شعبة أنه قال في الحديث:«نصف صاع من طعام»، والاختلاف عليه في كونه تمرًا، أو حنطة لعله من تصرّف الرواة، وأما الزبيب، فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجة في المغازي، لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر، فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة، ولم يختلف فيه على أبي قلابة، وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الشعبيّ، عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهانيّ، ومن طريق أشعث، وداود عن الشعبيّ، عن كعب، وكذا في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبرانيّ. وعُرِف بذلك قُوّة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة، وأن الواجب ثلاثة آصع، لكلّ مسكين نصف صاع. ولمسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، وغيره، عن مجاهد في هذا الحديث: «وأطعم فرقًا بين ستة مساكين»، والفرق: ثلاثة آصع، وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، فقال فيه: «قال سفيان: والفرق: ثلاثة آصع»، فأشعر بان تفسير الفرق مدرج، لكنه مقتضى الروايات الأخر، ففي رواية سليمان بن قَرْم، عن ابن الأصبهانيّ عند أحمد: «لكل مسكين نصف صاع»، وفي رواية يحيى بن جَعْدة عند أحمد أيضًا: «أو أطعم ستة مساكين مُدّين مُدّين». وأما ما وقع في بعض النسخ عند مسلم، من رواية زكريا، عن ابن الأصبهانيّ: «أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع»، فهو تحريف ممن دون مسلم، والصواب ما في النسخ الصحيحة: «لكل مسكينين» بالتثنية، وكذا أخرجه مسدَّدٌ في «مسنده» عن أبي عوانة، عن ابن الأصبهاني على الصواب، قاله في «الفتح» . (أَو انْسُكْ نَسِيكَةً») - بفتح النون، وكسر الكاف -: الذبيحة وزنًا ومعنى، يقال: نِسَكَ لله يَنْسُك، من باب نَصَر: تطوّع بقربة، و«النُّسُك»بضمتين: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية [الأنعام: ١٦٢]، و«الْمَنْسِك» بفتح السين وكسرها: يكون زمانًا ومصدرًا، ويكون اسم المكان الذي تذبح فيه النَّسِيكة، وفي التنزيل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: ٣٤] بالفتح والكسر في السبعة، ومناسك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات، ومن فعل كذا فعليه نُسُكٌ؛ أي: دم يُريقه، ونَسَكَ: تزهد، وتعبد، فهو ناسك، والجمع نُسّاك مثل عابد وعُبّاد . وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: النُّسُك: جمع نَسِيكة، وهي الذبيحة يَنسِكها العبد لله تعالى، ويُجمع أيضًا على نسائك، والنسك: العبادة في الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: متعبداتنا، وقيل: إن أصل النسك في اللغة الغَسْلُ، ومنه نَسَكَ ثوبه: إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة، وقيل: النسك سبائك الفضة، كلُّ سبيكة منها نسيكة، فكأن العابد خَلَّص نفسه من دنس الآثام وسَبَكها. أنتهى . وفي رواية ابن أبي نجيح: «أو اذبح شاةً»، وللبخاريّ: «أَوِ انْسُكْ شَاةً»، وفي رواية: «بشاة» بزيادة الموحدة، فعلى الأول «شاة» مفعول به لما قبله؛ أي: اذبح شاة، وعلى الثاني التقدير: تقرب بشاة، إذ النسك يطلق على العبادة، وعلى الذبح المخصوص. وقال النوويّ ﵀: قوله: «انسك نسيكةً»، وفي رواية: «ما تيسر»، وفي رواية: «شاةً»: الجميع بمعنى واحد، وهو شاة، وشرطها أن تجزئ في الأضحية، ويقال للشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية: نسيكةٌ، ويقال: نَسَكَ يَنسُك، وَينسِك، بضم السين وكسرها في المضارع، والضم أشهر. انتهى . وقال في «الفتح»: وفيه أن المراد بالنسك المذكورة في الآية في قوله تعالى: ﴿أَو نُسُكٍ﴾ شاةٌ، وروى الطبري من طريق مغيرة، عن مجاهد في آخر هذا الحديث: «فأنزل الله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، والنسك شاة»، ومن طريق محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب: «أمرني أن أحلق، وأفتدي بشاة». قال القاضي عياض، ومن تبعه، تبعًا لأبي عمر بن عبد البرّ: كلّ من ذكر النسك في هذا الحديث مفسّرًا، فإنما ذكروا شاةً، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قال الحافظ: يَعْكُر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة - ﵁ - «أنه أصابه أذى، فحلق، فأمره النبيّ - ﷺ - أن يُهدي بقرة»، وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بُخْت، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يفتدي، فافتدى ببقرة»، ولعبد بن حُميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «افتدى كعب من أذى كان برأسه، فحلقه ببقرة، قلّدها، وأشعرها»، ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن سليمان بن يسار: «قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة». فهذه الطرف كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصحّ منها، من أن الذي أُمِر به كعب، وفَعَلَه في النسك إنما هو شاة. وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من طريق المقبريّ، عن أبي هريرة: «أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه»، وهذا أصوب من الذي قبله. واعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار، فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبيّ - ﷺ - فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق، وزاد، ففيه أن من أُفتي بأيسر الأشياء، فله أن يأخذ بأرفعها، كما فعل كعب. قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت؛ لما قدّمته. انتهى كلام الحافظ ﵀ . (قَالَ أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ (فَلَا أَدْرِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأَ) يعني أنه لم يستحضر ما بدأ به شيخه مجاهد في ذكر الأشياء الثلاثة: الصوم، أو الإطعام، أو النسك، ولكنه لا يضرّ؛ لأن الأمر فيه على التخيير. وفي «الموطّإ»، وأبي داود، والنسائيّ من طريق عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد: «أيَّ ذلك فعلتَ أجزأ عنك». قال في «الفتح»: رواية عبد الكريم هذه صريحة في التخيير بين الثلاثة، وكذلك رواية أبي داود التي فيها: «إن شئت، وإن شئت»، ووافقتها رواية عبد الوارث، عن ابن أبي نجيح، أخرجها مسدّد في «مسنده»، ومن طريقه الطبرانيّ، لكن رواية عبد الله بن معقل عند البخاريّ أنما هو بين الإطعامِ والصيامِ لمن لم يجد النسك، ولفظه: «أتجد شاة؟»، قال: لا، قال: «فصم، أو أطعم»، ولأبي داود في رواية أخرى: «أمعك دم؟»، قال: لا، قال: «فإن شئت، فصم»، ونحوه للطبراني من طريق عطاء، عن كعب، ووافقهم أبو الزبير، عن مجاهد، عند الطبرانيّ، وزاد بعد قوله: ما أجد هديًا: قال: «فأطعم»، قال: ما أجد، قال: «صم»، ولهذا قال أبو عوانة في «صحيحه»: فيه دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم. يعني ولا يطعم. قال: لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء، إلا ما رواه الطبريّ، وغيره، عن سعيد بن جبير، قال: النسك شاة، فإن لم يجد قُوّمت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا، فتصدّق به، أو صام لكلّ نصف صاع يومًا، أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم، فقال: سمعت علقمة مثله، فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه: (منها): ما قال ابن عبد البرّ ﵀: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه. (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: ليس المراد أن الصيام، أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقدي الهدي، بل المراد أنه استخبره: هل معه هدي، أم لا؟ فإن كان واجده أعلمه أنه مخيّر بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخيّر بينهما. ومحصّله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه؛ لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم. (ومنها): ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبيّ - ﷺ - لَمّا أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يكفّر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه - ﷺ -، أو بوحي غير متلوّ، فلما أعلمه أنه لا يجد، نزلت الآية بالتخيير بين الذبح، والإطعام، والصيام، فخيّره حينئذ بين الصيام، والإطعام؛ لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام؛ لكونه لم يكن معه ما يطعمه. ويوضّح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور، حيث قال: «أتجد شاة؟»، قلت: لا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم»، وفي رواية عطاء الخراسانيّ قال: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين»، قال: «وكان قد عَلِم أنه ليس عندي ما أنسك به»، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السرّ فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهًا بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإطعام. وعُرف من رواية أبي الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام. ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح؛ لأن لفظه: «صم، أو أطعم، أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي، ونسكت»، وروى الطبرانيّ من طريق ضعيفة عن عطاء، عن كعب في آخر هذا الحديث: «فقلت: يا رسول الله، خِرْ لي، قال: أطعم ستة مساكين». انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث كعب بن عجرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢٨٧٧ و٢٨٧٨ و٢٨٧٩ و٢٨٨٠ و٢٨٨١ و٢٨٨٢ و٢٨٨٣ و٢٨٨٤] (١٢٠١)، و(البخاريّ) في «الحج» (١٨١٤ و١٨١٥ و١٨١٦ و١٨١٧ و١٨١٨)، و«المغازي» (٤١٥٩ و٤١٩٠ و٤١٩١)، و«التفسير» (٤٥١٧)، و«المرضى» (٥٦٦٥)، و«الطبّ» (٥٧٠٣)، و«كفارات الأيمان» (٦٧٠٨)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٥٦ و١٨٥٧ و١٨٥٩ و١٨٦٠)، و(الترمذيّ) في «الحج» (٩٥٣)، و«التفسير» (٢٩٧٣ و٢٩٧٤)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٢٨٥٢ و٢٨٥٣)، وفي «الكبرى» (٣٨٣٤ و٣٨٣٥)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٠٧٩ و٣٠٨٠)، و(مالك) في «الموطإ» في (٩٥٤ و٩٥٥ و٩٥٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٠٦٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٣١٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٤١ و٢٤٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٧٦ و٢٦٧٧ و٢٦٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٩٧٨ و٣٩٨٠ و٣٩٨١ و٣٩٨٢ و٣٩٨٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤١٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٩١ و٢٩٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٧/ ٩١)، و«الكبير» (١٩/ ١٠٧ و١١٠ و١١١ و١١٢ و١١٤ و١١٥)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢/ ٢٣١ و٢٣٢)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٢٩٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٥/ ٦٩ و١٨٧ و٢١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم المحرم الذي يؤذيه القمل، وهو أنه يجوز له أن يحلق رأسه، ويفدي بإحدى هذه الأشياء الثلاثة: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدّان، أو ذبح شاة. ٢ - (ومنها): تحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل، أو غيره من الأوجاع. ٣ - (ومنها): تلطّف الكبير بأصحابه، وعنايته بأحوالهم، وتفقّده لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضررًا سأل عنه، وأرشد إلى المخرج منه. ٤ - (ومنها): أن السنّة مبيّنة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن، وتقييدها بالسنة. ٥ - (ومنها): أنه استَنْبَط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمّد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثمّ قال الشافعيّ، والجمهور: لا يتخيّر العامد، بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتجّ لهم القرطبيّ بقوله في حديث كعب: «أو اذبح نسكًا»، قال: فهذا يدلّ على أنه ليس بهدي، قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء. قال الحافظ: لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نُسُكًا، أو نَسِيكة أن لا تسمى هديًا، أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية عند البخاريّ، حيث قال: «أو تُهدي شاة»، وفي رواية مسلم: «وأَهْدِ هديًا»، وفي رواية للطبريّ: «هل لك هدي؟ قلت: لا أجد»، فظهر أن ذلك من تصرّف الرواة، ويؤيده قوله في رواية مسلم: «أو اذبح شاة». ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين. وقال الحسن: تتعين مكة، وقال مجاهد: النسك بمكة، ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، وقريب منه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة: الدم، والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء؛ إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم، وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر بن الجهم من المالكية الإطعام بالصيام. ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الحجّ على التراخي؛ لأن حديث كعب دلّ على أن نزول قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كان ذلك بالحديبية، وهي في سنة ست، قال في «الفتح»: وفيه بحث . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدلال عندي واضح، وقد ذكر البيهقيّ ﵀ ذلك في «السنن»، فأخرج بإسناده عن الشافعيّ ﵀ قال: نزلت فريضة الحجّ على النبيّ - ﷺ - بعد الهجرة، وافتتح رسول الله - ﷺ - مكة في شهر رمضان، وانصرف عنها في شوال، واستَخْلَف عليها عَتّاب بن أَسِيد - ﵁ -، فأقام الحج للمسلمين بأمر رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - بالمدينة قادرٌ على أن يحج، وأزواجه، وعامة أصحابه، ثم انصرف رسول الله - ﷺ - عن تبوك، فبعث أبا بكر - ﵁ -، فأقام الحج للناس سنة تسع، ورسول الله ﵇ بالمدينة قادر على أن يحجّ، لم يحج هو، ولا أزواجه، ولا أحد من أصحابه، حتى حج سنة عشر، فاستدللنا على أن الحج فرضه مرةً في العمر، أوله البلوغ، وآخره أن يأتي به قبل موته. قال البيهقيّ ﵀: وهذا الذي ذكره الشافعيّ ﵀ موجود في الأخبار والتواريخ، أما ما ذكره من نزول فريضة الحج بعد الهجرة، فكما قال، واستَدَلّ أصحابنا بحديث كعب بن عجرة - ﵁ - المذكور هنا على أنها نزلت زمن الحديبية، ثم أخرج حديث كعب - ﵁ -. انتهى كلام البيهقيّ ﵀ ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أنه وقع في رواية للبخاريّ من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: «فأمره أن يَحْلِق، وهو بالحديبية، ولم يتبيّن لهم أنهم يُحِلّون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة». قال في «الفتح»: هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان استباحة محظور بسبب الأذى، لا لقصد التحلل بالحصر، وهو واضح، قال ابن المنذر: يؤخذ أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييأس من الوصول فيحلّ، واتفقوا على أن من يئس من الوصول، وجاز له أن يحلّ، فتمادى على إحرامه، ثم أمكنه أن يصل أن عليه أن يمضي إلى البيت ليُتمّ نسكه. وقال المهلَّب وغيره ما معناه: يستفاد من قوله: «ولم يتبيّن لهم أنهم يحلّون» أن المرأة التي تعرف أوان حيضها، والمريض الذي يعرف أوان حُمّاه بالعادة فيهما إذا أفطرا في رمضان مثلًا في أول النهار، ثم انكشف الأمر بالحيض، والحمّى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان في علم الله أنهم يحلّون بالحديبية لم يُسْقِط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلّ قبل أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفاه بالعادة، فيجب القضاء عليهما لذلك، قاله في «الفتح» ، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: وقد تبيّن بمجموع روايات هذا الحديث: أنهْ كان محرمًا، وأنه لما أباح له الحلق أعلمه بما يترتب على ذلك من الفدية، وأنها ثلاثة أنواع مخيَّر بينها، وأن الصيام ثلاثة أيام، وأن الإطعام لستة مساكين: مُدَّين، مُدَّين لكل مسكين، وأن النسك شاة، فصار هذا الحديث مفسرًا لما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا …﴾ الآية، من مجمل، وصار هذا الحديث مع الآية أصلًا: في أن المحرم إذا استباح شيئًا من ممنوعات الإحرام التي لا تفسده، فانتفع بذلك، لزمته الفدية. قال أحمد بن صالح: حديث كعب بن عجرة معمول به عند الجميع. قال القاضي عياض: ولم يقع في شيء منه خلاف إلا في الإطعام، فروي عن أبي حنيفة، والثورى: أن الصاع إنما هو في التمر والشعير، وأما البر: فنصف صاع، وعن أحمد رواية: مُدّ من البر، ونصف صاع من غيره، وكذلك روي عن الحسن، وعن بعض السَّلف: أن الإطعام لعشرة مساكين، والصيام عشرة أيام، ولم يتابعوا عليه. واتفق غير هؤلاء وكل من جاء بعدهم: على إطعام ستة مساكين، وصيام ثلاثة أيام. قال القرطبيّ: وتلك الأقوال كلها مخالفة لنص الحديث المتقدم، وهو حجة على كل من خالفه. قال: ويستوي عندنا لزوم الفدية في حق العامد، والناسي، والمخطئ، وخالف في الناسي الشافعي في أحد قوليه، وداود وإسحاق؛ فقالا: لا دم عليه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الصوم والإطعام في فدية الأذى: قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: كل من ذَكَر النسك في هذا الحديث مُفَسَّرًا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه، فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام، وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة - ﵁ - هذا. وجاء عن الحسن، وعكرمة، ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار، ولا أئمة الحديث، وقد جاء من رواية أبي الزبير، عن مجاهد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عُجرة، أنه حدّثه أنه كان أهلّ في ذي القعدة، وأنه قَمِلَ رأسه، فأتى عليه النبيّ - ﷺ -، وهو يوقد تحت قِدْر له، فقال له: «كأنك يؤذيك هوام رأسك؟» فقال: أجل، قال: «احلق، وأهد هديًا»، فقال: ما أجد هديًا، قال: «فأطعم ستة مساكين»، فقال: ما أجد، قال: «صم ثلاثة أيام». قال ابن عبد البرّ: كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب، وليس كذلك، ولو صح هذا كان معناه الاختيار أوّلًا فأولًا، وعامة الآثار عن كعب بن عجرة - ﵁ - وردت بلفظ التخيير، وهو نصُّ القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار، وفتواهم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الإطعام في فدية الأذى: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم: الإطعام في ذلك مُدّان بمدّ النبيّ - ﷺ - ، وهو قول أبي ثور، وداود. ورُوي عن الثوريّ أنه قال: في الفدية من البرّ نصف صاع، ومن التمر والشعير والزبيب صاع، ورُوي عن أبي حنيفة أيضًا مثله، جَعَل نصف صاع برّ عدل صاع تمر. قال ابن المنذر: وهذا غلطٌ؛ لأن في رواية مسلم من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى، عن كعب أن النبيّ - ﷺ - قال له: «أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين». وقال أحمد بن حنبل مرةً كما قال مالك، والشافعيّ، ومرةً قال: إن أطعم بُرًّا فمُدّ لكل مسكين، وإن أطعم تمرًا فنصف صاع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح هو ما قاله الأولون من أن الواجب مُدّان لكل مسكين؛ لوضوح النصّ فيه، وأما المخالفون له، فلم يأتوا بحجة مقنعة، فتبصّر. [تنبيه]: لا يجزئ أن يُغَدِّي المساكين، ويُعَشِّيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مُدّين بمد النبيّ - ﷺ -، وبذلك قال مالك، والثوريّ، والشافعيّ، ومحمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: يجزيه أن يغدِّيهم ويُعَشِّيهم ، وهو مخالف لظاهر النصّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في موضع الفدية المذكورة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام، أو صيام فحيث شاء، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي، وعن الحسن: أن الدم بمكة، وقال طاوس، والشافعيّ: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء؛ لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد قال الله ﷾: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، رفقًا لمساكين جيران بيته، فالإطعام فيه منفعة، بخلاف الصيام، والله أعلم. وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، وهو الصحيح من القول، وهو قول مجاهد، والذبح هنا عند مالك نُسُك، وليس بهدي؛ لنص القرآن والسنة، والنسك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلا بمكة . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الأولون من أن الدم يتعيّن كونه بمكة هو الأرجح، لأن النبيّ - ﷺ - صحّ عنه أنه سمّاه هديًا، فقد وقع في رواية البخاريّ: «أو تُهد شاةً»، وفي رواية لمسلم: «وأهد هديًا»، وفي رواية للطبرانيّ: «هل لك هدي؟»، قاله في «الفتح»، وقد قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، فالحقّ ما قالوه من تعيّنه بمكة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٨] (…) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُلَيَّةَ، عَن أَيُّوبَ، في هَذَا الْإِسْنَاد، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ) الدورقيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ عُلَيّةَ) إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في السند الماضي والباب الذي قبله. [تنبيه]: رواية ابن عُليّة، عن أيوب هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى» (٢/ ٤٤٧) فقال: (٤١١٠) - أخبرني عليّ بن حُجْر، قال: أنبأ إسماعيل، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية، وأنا أُوقد تحت قدر، والقمل يتناثر على جبهتي، أو حاجبي، فقال: «أتؤذيك هوامّك؟» فقلت: نعم، قال: «فاحلق رأسك، وانسِك نَسِيكةً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين»، قال: لا أدري ما بهن بدأ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - ﵁ - قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ - ﷺ -: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟» قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَني بِفِدْيَةٍ، مِنْ صِيَامٍ، أَو صَدَقَةٍ، أَو نُسُكٍ مَا تيَسَّرَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: («ادْنُهْ) فعل أمر من دنا يدنو دُنُوًّا، والهاء للسكت، كما قال في»الخلاصة«: وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ«أَعْطِ مَنْ سَأَلْ»وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَـ«عِ»أَو … كَـ«يَعِ»مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَاعَوْا وقوله: («أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ») بتشديد الميم: جمع هامّة، وهي ما يدِبّ من الأحشاش، وهو القمل هنا. وقوله: (قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: نَعَمْ) الضمير في«أظنّه»، وفي«قال: نعم»لكعب بن عُجرة - ﵁ -، وأشار ابن عون بذلك إلى أنه شكّ في هذا دون ما قبله. وقوله: (أَو نُسُكٍ مَا تَيَسَّرَ) بجرّ نسك عطفًا على«صيام»، وهو منوّن، وليس مضافًا إلى«ما تيسّر»، والمراد بما تيسّر هنا هي الشاة، كما في فُسّر في الروايات الأخرى. قال النوويّ ﵀ بعد إيراد روايات الباب: هذه روايات الباب، وكلها متفقة في المعنى، ومقصودها أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر، من قمل، أو مرض، أو نحوهما فله حلقه في الإحرام، وعليه الفدية، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، وبَيَّن النبيّ - ﷺ - أن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، وهي شاة تجزئ في الأضحية، ثم إن الآية الكريمة، والأحاديث متفقة على أنه مُخَيَّر بين هذه الأنواع الثلاثة، وهكذا الحكم عند العلماء، أنه مخير بين الثلاثة، وأما قوله في رواية: «هل عندك نسك؟» قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، فليس المراد به أن الصوم لا يجزئ إلا لعادم الهدي، بل هو محمول على أنه سال عن النسك، فإن وجده أخبره بأنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن عَدِمه فهو مخير بين الصيام والإطعام. قال: واتفق جماهير العلماء على القول بظاهر هذا الحديث، إلا ما حُكي عن أبي حنيفة، والثوريّ أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة، فأما التمر والشعير وغيرهما، فيجب صاع لكل مسكين، وهذا خلاف نصّه - ﷺ - في هذا الحديث ثلاثة آصع من تمر. وعن أحمد بن حنبل روايةٌ أنه لكل مسكين مُدّ من حنطة، أو نصف صاع من غيره، وعن الحسن البصريّ، وبعض السلف أنه يجب إطعام عشرة مساكين، أو صوم عشرة أيام، وهذا ضعيفٌ، منابذٌ للسنة، مردودٌ. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنِي كعْبُ بْنُ عُجْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَفَ عَلَيْه، وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ»، قَالَ: فَفِئ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ، بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ مَا تيَسَّرَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (سَيْفُ) بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، سكن البصرة أخيرًا [٦] مات بعد (١٥٠) (خ م د س ق) تقدم في «الصلاة» ١٦/ ٩٠٦. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره. وقوله: (وَقَفَ عَلَيْهِ) أي: اطّلع على كعب - ﵁ -. وقوله: (يَتَهَافَتُ قَمْلًا) أي: يتساقط، و«قَمْلًا» تمييز محوّلٌ عن الفاعل، والأصل يتهافت قمل رأسه. قال الفيّوميّ ﵀: هَفَتَ الشيءُ يَهْفِتُ، من باب ضرب: خَفّ، وتطاير، وتهافت الْفَرَاشُ في النار من ذلك: إذا تطاير، وتهافت الناس على الماء: إذا ازدحموا، قال ابن فارس: التهافتُ: التساقطُ شيئًا بعد شيء، وقال الجوهريّ: التهافتُ: التساقط قطعةً قطعةً. انتهى . وقوله: (بِفَرَقٍ) بفتح الفاء والراء، وقد تسكن، قاله ابن فارس، وقال الأزهريّ: كلام العرب بالفتح، والمحدِّثون قد يسكنونه، وآخره قاف: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلًا، ووقع في رواية ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عند أحمد وغيره: «الفرق ثلاثة آصع»، وفي الرواية الآتية بعد حديث من طريق أبي قلابة، عن ابن أبي ليلى: «أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين»، وإذا ثبتٌ أن الفَرَق ثلاثة آصع، اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث، خلافًا لمن قال: إن الصاع ثمانية أرطال، أفاده في «الفتح» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨١] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَيُّوبَ، وَحُمَيْدٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِه، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَة، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِه، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هَذِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ رَأسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ - وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ - أَو صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو انْسُكْ نَسِيكَةً»، قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: «أَو اذْبَحْ شَاةً»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) بن أبي يحيى العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت ١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في «الجنائز» ٦/ ٢١٣٤. ٤ - (وَحُمَيْدُ) بن قيس الأعرج القارئ الأسديّ مولاهم، وقيل: مولى عفراء، أبو صفوان المكيّ، ليس به بأس [٦]. رَوَى عن مجاهد، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعمرو بن شعيب، والزهريّ، ومحمد بن المنكدر، وصفية بنت أبي عبيد، وغيرهم. ورَوَى عنه السفيانان، ومالك، وأبو حنيفة، ومعمر، وجعفر الصادق، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وجماعة. قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وكان قارئ أهل مكة، وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه، فقال: هو ثقةٌ، هو أخو سندل، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس هو بالقويّ في الحديث، وقال المفضل الغلابيّ، عن ابن معين: ثَبْتٌ، روى عنه مالك، وأخوه سندل لبس بثقة، وقال الدُّوريّ وغيره، عن ابن معين: حميد بن قيس الأعرج ثقة، وحميد الذي رَوَى عنه خلف بن خليفة ليس بشيء، وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقةٌ، وقال أبو حاتم: مكيّ ليس به بأس، وابن أبي نجيح أحبّ إلي منه، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حميد بن قيس من الثقات، وقال أبو داود: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ صدوقٌ، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ، وقال الترمذيّ في «العلل الكبير»: قال البخاريّ: هو ثقةٌ، وكذا قال يعقوب بن سفيان، وقال ابن عديّ: لا بأس بحديثه، وإنما يؤتى مما يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه. قال ابن حبان: مات سنة (١٣٠)، وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي العباس. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٠١) و(١٥٣٦): «نهى النبيّ - ﷺ - عن بيع السنين»، و(١٥٥٤): «أمر بوضع الجوائح». ٥ - (عَبْدِ الْكَرِيمِ) بن مالك الْجَزَريّ الأمويّ مولاهم، أبو سعيد الْخِضْرميّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في «الصيام» ١٥/ ٢٦٠٩. والباقون ذُكروا في الباب، و«أيوب» هو: السختيانيّ. وقوله: (وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) أي: مقسومة على ستة مساكين. وقوله: (وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ) قال النوويّ ﵀: «الآصع»: جمع صاع، وفي الصاع لغتان: التذكير والتأنيث، وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثًا بالبغداديّ، هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: يسع ثمانية أرطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد. قال: وهذا الذي قدّمناه من أن الآصع جمع صاع صحيح، وقد ثبتٌ استعمال الآصع في هذا الحديث الصحيح، من كلام رسول الله - ﷺ -، وكذلك هو مشهور في كلام الصحابة، والعلماء بعدهم، وفي كتب اللغة، وكتب النحو والتصريف، ولا خلاف في جوازه وصحته. وأما ما ذكره ابن مكيّ في كتابه «تثقيف اللسان»: أن قولهم في جمع الصاع: آصع لحنٌ من خطأ العوامّ، وأن صوابه أَصْوُعٌ فغلط منه، وذُهُول وعجبٌ قوله هذا مع اشتهار اللفظة في كتب الحديث واللغة والعربية، وأجمعوا على صحتها، وهو من باب المقلوب، قالوا: فيجوز في جمع صاع آصُعٌ، وفي دار آدُرٌ، وهو باب معروف في كتب العربية؛ لأن فاء الكلمة في آصع صاد، وعينها واوٌ، فقُلِبت الواو همزة، ونقلت إلى موضع الفاء، ثم قُلِبت الهمزة ألفًا حين اجتمعت هي وهمزة الجمع، فصار آصُعًا، ووزنه عندهم أَعْفُل، وكذلك القول في آدُر ونحوِه. انتهى . وقوله: (أَو انْسُكْ نَسِيكَةً) وفي رواية: «ما تَيَسَّر»، وفي رواية: شاةً، والجميع بمعنى واحد، وهو شاةٌ، وشرطها أن تجزئ في الأضحية، ويقال للشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية: نَسِيكة، ويقال: نِسَكَ يَنْسِك: بضم السين وكسرها في المضارع، والضم أشهر. وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أَو اذْبَحْ شَاةً) أشار به إلى الاختلاف الواقع بين شيوخ ابن عيينة الأربعة، فقد اتّفق الثلاثة: أيوب السختيانيّ، وحُميد بن قيس، وعبد الكريم الجزريّ، على: «أو انسك نسيكة»، وخالفهم ابن أبي نجيح، فقال: «أو اذبخ شاةً»، والمعنى واحد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨٢] (…) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - ﵁ -: أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَة، فَقَالَ لَهُ: «آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «احْلِقْ رَأسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَو صُمْ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ، أَو أَطْعِمْ ثَلَاَثةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، عَلَى سِتَّةِ مَسَاكينَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٢ - (خَالِدُ) بن مِهْران الْحَذّاء، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ يرسل، تغيّر حفظه لَمّا قَدِمَ من الشام [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نَصْبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨٣] (…) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْأَصبَهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كعْبٍ - ﵁ -، وَهُوَ فِي الْمَسْجِد، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، فَقَالَ كعْبٌ - ﵁ -: نَزَلَتْ فِيَّ، كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأسِي، فَحُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى أَن الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى، أتجِدُ شَاةً؟» فَقُلْتُ: لَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، قَالَ: «صَوْمُ ثَلَاَثةِ أيَّامٍ، أَو إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ»، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِفي خَاَصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْأَصبَهَانِيِّ) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهانيّ الجهنيّ، ويقال الجدليّ، كان يتّجر إلى أصبهان الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أنس، وأبي حازم الأشجعيّ، وعكرمة، وزيد بن وهب، وأبي صالح السمّان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبيّ، وعبد الله بن مَعْقل بن مُقَرِّن، وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه محمد بن سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وهو من أقرانه، وابن إسحاق، وشعبة، والثوريّ، وشريك، وأبو عوانة، وابن عيينة، وجماعة. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث، وقال العجليُّ: ثقةٌ، وقال البخاريّ في «التاريخ الكبير»: أصله من أصبهان حين افتتحها أبو موسى، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات في إمارة خالد القَسْريّ على العراق. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم (١٢٠١) وأعاده بعده، وحديث (٢٦٣٤): «ما منكن من امرأة تُقدّم بين يديها من ولدها ثلاثةً …». ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلِ) - بفتح أوله، وسكون المهملة، بعدها قاف - ابن مُقَرِّن المزنيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٨) (ع) تقدم في «الزكاة» ٢٠/ ٢٣٤٧. والباقون ذُكروا في الباب والذي قبله. وقوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ) قال في «الفتح»: ولشعبة في هذا الحديث إسناد آخر، أخرجه الطبرانيّ، من طريق حفص بن عُمر، عنه، عن أبي بِشْر، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب - ﵁ -. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ) في رواية أحمد: سمعت عبد الله بن معقل، أخرجه عن عفان، وعن بهز، فَرّقَهما عن شعبة، حدّثنا عبد الرحمن، وهو بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر القاف، هو ابن مُقَرِّن بالقاف، وزن محمد، لكن بكسر الراء، لأبيه صحبة، وهو من ثقات التابعين بالكوفة، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وأخر عن عديّ بن حاتم، وله عند مسلم ثلاثة أحاديث، حديث كعب هذا، وحديث عديّ بن حاتم: «من استطاع منكم أن يستتر من النار، ولو بشقّ تمرة …»، وحديث الضحاك بن ثابت في المزارعة، مات سنة ثمان وثمانين من الهجرة. [تنبيه]: عبد الله بن مَعْقِل هذا يلتبس بعبد الله بن مُغَفَّل بالغين المعجمة، وزن محمد، ويجتمعان في أن كلًّا منهما مُزَنيّ، لكن يفترقان بأن الراوي عن كعب تابعيّ، والآخر صحابيّ، وفي التابعين من اتفق مع الراوي عن كعب في اسمه واسم أبيه ثلاثة: أحدهم يروي عن عائشة - ﵂ -، وهو محاربيّ، والآخر يروي عن أنس - ﵁ - في المسح على العمامة، وحديثه عند أبي داود، والثالث أصغر منهما، أخرج له ابن ماجه، قاله في «الفتح» . وقوله: (قَعَدْتُ إِلَى كعْبٍ - ﵁ -) ولفظ البخاريّ: «جلست إلى كعب بن عجرة». وقوله: (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) ولأحمد عن بهز: «قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد»، وزاد في رواية سليمان بن قَرْم، عن ابن الأصبهانيّ: «يعني مسجد الكوفة». وفيه الجلوس في المسجد، ومذاكرة العلم، والاعتناء بسبب النزول؛ لما يترتب عليه من معرفة الحكم، وتفسير القرآن. وقوله: (مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى) «أُرَى» الأولى بضم الهمزة؛ أي: أظن، و«أَرَى» الثانية بفتح الهمزة من الرؤية، والجهد بالفتح: المشقة، قال النوويّ: والضم لغة في المشقة أيضًا، وكذا حكاه عياض عن ابن دُريد، وقال صاحب «العين»: بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، فيتعين الفتح هنا بخلاف لفظ الجهد الماضي في حديث بدء الوحي، حيث قال: «حتى بلغ مني الجهد»، فإنه محتمل للمعنيين. وفي رواية البخاريّ: «ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أَرى، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك»، وهو شكّ من الراوي، هل قال: الوجع، أو الجهد، وفي رواية المستملي والحمويّ: «يبلغ بك». وقوله: (نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ) وللبخاريّ: «لكل مسكين نصف صاع»، كررها مرتين، وللطبرانيّ: «لكل مسكين نصف صاع تمر»، ولأحمد: «نصف صاع طعام»، وفي رواية:، نصف صاع حنطة«، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنه نصف صاع من زبيب، فإنه قال:»يطعم فرقًا من زبيب بين ستة مساكين«. قال ابن حزم: لا بُدّ من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد، وقد تقدّم وجه التوفيق، وبالله تعالى الوفيق. وقوله: (قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيِّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً) أشار كعب بن عُجرة - ﵁ - بهذا إلى القاعدة المشهورة، وهي أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فإن الآية تنزل بسبب قضيّة شخص واحد، أو أشخاص معيَّنين، فيكون حكمها عامًّا لجميع الأمة. والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨٤] (…) - (وَحَذَثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدثنَا عَبْد الرَّحْمنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيّ، حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ، حَدَّثَني كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ - ﵁ -: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُحْرِمًا، فَقَمِلَ رَأسُهُ وَلِحْيَتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النبِيَّ - ﷺ -، فَأَرْسَلَ إِلَيْه، فَدَعَا الْحَلَّاقَ، فَحَلَقَ رَأسَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «هَلْ عِنْدَكَ نُسُكٌ؟» قَالَ: مَا أَقْدِرُ عَلَيْه، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاَثةَ أَيَّام، أَو يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ، فَأَنزَلَ اللهُ فِيهِ خَاصَّةً: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾، ثُمَّ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فَيْرُوز الْهَمْدانيّ الوَادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (خَرَجَ مَعَ النَّبِي - ﷺ - مُحْرِمًا) أي: بالعمرة زمن الحديبية. وقوله: (فَقَمِلَ رَأسُهُ وَلحْيَتُهُ) تقدّم أنه من باب تَعِب؛ أي: كثُر قملهما. وقوله: (هَلْ عِنْدَكَ نُسُكٌ؟) أي: شاة تذبحها فدية للأذى. وقوله: (لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ) بصيغة التثنية، وقد تقدّم أنه تصحّف في بعض النسخ إلى: لكلّ مسكين بالإفراد، وهو غلط. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٥)

١. فتح الباري الأول هو ما يفتح الله، عليّ من الفوائد العلميّة، والثاني هو الكتاب المشهور للحافظ ابن حجر ﵀.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٥.

٣. «المصباح»١/ ٤٥.

٤. «القاموس المحيط»٤/ ٧٨.

٥. «المصباح»٢/ ٥١٦.

٦. «الفتح» ٥/ ٧٢.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤.

٨. «الجامع لأحكام القرآن» ٢/ ٣٨٦.

٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٢٣.

١٠. «الفتح» ٥/ ٧٣.

١١. «الفتح» ٥/ ٦٨ - ٦٩.

١٢. «الفتح» ٥/ ٧٤.

١٣. «السنن الكبرى» للبيهقيّ ﵀ ٤/ ٣٤١.

١٤. «الفتح» ٥/ ٧٤ - ٧٥.

١٥. «المفهم» ٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨.

١٦. قدّر العلماء المعاصرون الصاع النبويّ بالمعيار المعاصر، فقال الشيخ البسّام ﵀ في «توضيح الأحكام» ٣/ ٧٨: الصاع النبويّ (٢٥٠٠) غرامًا من الحنطة الرزينة الجيّدة. انتهى.

١٧. «الجامع لأحكام القرآن» ٢/ ٣٨٤.

١٨. راجع: «الجامع لأحكام القرآن» ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦.

١٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٢١.

٢٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩.

٢١. «الفتح» ٥/ ٧٠.

٢٢. «شرح النوويّ» ٨/ ١٢٢.

٢٣. وفي نسخة: «بلغ بك».

٢٤. «الفتح» ٥/ ٧١.

٢٥. وفي نسخة: «بلغ بك».