HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢١٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ. وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ. وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ ﷿ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا. ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس [٢ /البقرة/ الآية ١٩٩].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص43
ج ٢ ص ٨٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٥٥
في أول طوافه، وأن يَرْمُل في ثلاث طوفات من السبع، وَيمْشِي في الأربع الأخيرة، وسيأتي هذا كله واضحًا حيث ذكر مسلم أحاديثه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١٩) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ - ﷾ -: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٥٤] (١٢١٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ، وَمَنْ دَانَ دِينَهَا، يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَة، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَب، يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الاسْلَامُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ - أَنْ يَأْتي عَرَفَاتٍ، فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبت إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق - ﵂ -، تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبي معاوية، فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -) أنها (قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ، وَمَنْ دَانَ دِينَهَا) ومن اعتقد اعتقادها، وأخذ مأخذها من قبائل العرب، كالأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وغزوان، وغيرهم، يقال: دان بالإسلام دِينًا بالكسر: تعبّد به، وتديّن به كذلك، فهو ديِّنٌ، مثلُ ساد، فهو سيّدٌ، قاله الفيّوميّ . (يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ) تَعْنِي أنهم لا يتجاوزونها، بل يفيضون منها إلى منى، وذلك لأن الشيطان استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وهذا من جملة ما غيّروه من دين إبراهيم - ﵇ -. (وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) - بضمّ، فسكون - جمع أحمس، والأحمس في اللغة: الشديد، قال في «القاموس»: حَمِسَ، كفرِحَ: اشتدّ، وصَلُبَ في الدين والقتال، فهو حَمِسٌ، وأحمس، وهم حُمْسٌ، والْحُمْسُ: الأمكنة الصّلْبة، جمع أحمس، وهو لقب قُريش، وكنانة، وجَدِيلة، ومن تابعهم في الجاهليّة؛ لتحمّسهم في دينهم، أو لالتجائهم بالحَمْساء، وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد. انتهى. وروى إبراهيم الحربيّ في «غريب الحديث» من طريق ابن جريج، عن مجاهد، قال: الحُمْس: قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل، كالأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وغزوان، وبني عامر، وبني صعصعة، وبني كنانة، إلا بني بكر، والأحمس في كلام العرب: الشديد، وسمّوا بذلك لما شدّدوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلّوا بحجّ، أو عمرة لا يأكلون لحمًا، ولا يضربون وَبَرًا، ولا شعرًا، وإذا قَدِموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. وذكر الحربيّ أيضًا في «غريبه» عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، قال: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، فدخل في الحمس من غير قريش ثقيف، وليث، وخزاعة، وبنو عامر بن صعصعة - يعني: وغيرهم - قال الحافظ: وعُرِف من هذا أن المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قريشية، لا جميع القبائل المذكورة. انتهى . (وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ) أي بقيّتهم غير الْحُمْس، ومن دان دينها (يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ) على العادة القديمة، والطريقة المستقيمة الموروثة عن إبراهيم - ﵇ - (فَلَمَّا جَاءَ الإسْلَامُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ - أَنْ يَأتيَ عَرَفَاتٍ، فَيَقِفَ بِهَا) اتِّباعًا لدين إبراهيم - ﵇ - (ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا) أي يدفع من عرفات إلى المزدلفة (فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ أي ادفعوا أنفسكم، أو مطاياكم يا معشر قريش. وقال في «الفتح»: وعُرف برواية عائشة - ﵂ - هذه أن المخاطب بقوله تعالى: ﴿أَفِيضُوا﴾ النبيّ - ﷺ -، والمراد: من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم. انتهى. (﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾) أي غيركم، وهو عرفات، والمقصود رجوعهم من ذلك المكان، ولا شكّ أن الرجوع منه يستلزم الوقوف فيه؛ لأنه مسبوق به، فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس، وهو عرفة . واختلف المفسّرون في المراد بالناس، فقيل: سائر الناس، غير الحُمْس، وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الضحّاك أن المراد به هنا إبراهيم الخليل، ويؤيّده حديث يزيد بن شيبان ، وعنه: المراد به الإمام، وقيل: آدم - ﵇ -، ويؤيّده القراءة في الشواذّ: «الناسي» بكسر السين، بوزن القاضي، من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]. والأول أصحّ. نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم - ﵇ -، كما سيأتي في حديث يزيد بن شيبان الآتي قريبًا، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصّة بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، بل هو أعمّ من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة - ﵂ -. وأما الإتيان في الآية بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ فقيل: هي بمعنى الواو، وهذا اختيار الطحاويّ، وقيل: لقصد التأكيد، لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس، لا من حيث كنتم تُفيضون، قال الزمخشريّ: وموقع «ثم» هنا موقعها من قولك: أَحْسِنْ إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتي «ثم» لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بَيَّنَ لهم مكان الإفاضة، فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ ولتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب، والأخرى خطأ. وقال الخطابيّ: تضمّن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ والأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال، وزاد: وبَيَّنَ الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ - في «المفهم»: قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ «أي: تفرَّقوا، والإفاضة: التفرق في كثرة، من إفاضة الماء، قال الشاعر [من الكامل]: فأَفَضْن بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ … مِنْ ذِي الأَبارِقِ إِذْ رَعَيْنَ حَفِيلا وقال الأصمعي: الإفاضة: الدَّفعة، ومنه: فيض الدمع. وقال الخطابي: أصل الفيض: السيلان، واختلف المفسّرون فيمن المراد بـ«الناس»؛ فقيل: المراد: آدم - ﵇ -، وقيل: إبراهيم - ﵇ -، وقيل: سائر الناس غير الْحُمْس، وهم قريش، ومن ولدت، وكنانة وجَدِيلة، وسُمُّوا حُمْسًا؛ لأنهم تحمَّسوا في دينهم؛ أي: تشدَّدوا، ولذلك كانوا إذا ابتدعوا أمرًا أدانت لهم العرب به. وقال الحربي: سُمُّوا حمسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء؛ حجرها أبيض يضرب إلى السَّواد. وكان مِمَّا ابتدعته الْحُمْس: أنه لا يطوف أحدٌ بالبيت وعليه أثوابه إلا الْحُمْس، فكان الناس يطوفون عراة إلا الْحُمْس، أو من يعطيه أحمسي ثوبًا، فإن طاف أحدٌ في ثوبه ألقاه بالأرض، ولم يعد له، ولا يأخذه أحدٌ، لا هو، ولا غيره، ولا ينتفع به، وكانت تُسمِّي تلك الثياب: اللُّقى؛ لإلقائها بالأرض، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾، وقال رسول الله - ﷺ -: «لا يطوف بالبيت عُريان»، وكذلك كانوا يُفيضون من مزدلفة، والناس من عرفة، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، فأحكم الله آياته، والله تعالى أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٩٥٤ و٢٩٥٥] (١٢١٩)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٦٦٥) و«التفسير» (٤٥٢٠)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩١٠)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٨٨٤)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٣٠١٣) و«الكبرى» (٤٠١٣)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣ - ١٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٠٥٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣١٩)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ١٩٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): وجوب الوقوف بعرفة، وأنّ الحجّ لا يتمّ إلا به. ٢ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة، وذلك حيث امتنعت قريش من الوقوف بعرفة؛ لكونه خارج الحرم، فأُمروا به، فالمراد بالإفاضة الإفاضة من عرفة، وإن كان ظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة؛ لأنها ذكرت بلفظة «ثم» بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام. وأجاب بعض المفسّرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر؛ لما ورد منه على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا، ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس، لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام، فاذكروا الله عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس، قاله في «الفتح» . ٣ - (ومنها): أن الوقوف بها كان من شريعة إبراهيم - ﵇ -، فكانت العرب متمسّكة به، إلا ما كان من قريش، فهدى الله تعالى نبيّه - ﷺ - إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كرَيْبٍ، حَدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كَانَت الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، إِلَّا الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ، وَمَا وَلَدَتْ، كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً ، إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُم الْحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ، وَكَانَت الْحُمْسُ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَة، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ، قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَني أَبِي عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أنزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَة، يَقُولُونَ: لَا نُفِيضُ إِلَّا مِنَ الْحَرَم، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: كتب الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ الغسّانيّ - ﵀ - في «تقييده» بعد ذكر هذا الإسناد ما نصّه: هكذا عند أبي أحمد، والكسائيّ في إسناد هذا الحديث، وعند أبي العلاء بن ماهان: «حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة»، جَعَلَ «ابن أبي شيبة» بدل أبي كُريب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: كونه عن أبي كريب هو الذي مشى عليه الحافظ المزيّ - ﵀ - في «تحفة الأشراف» (١٢/ ١٣٩)، ولم يُشر إلى الاختلاف المذكور، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. وقوله: (كانَت الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً) جمع عَارٍ، كقُضَاة جمع قاضٍ، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في «تطوف». قال النوويّ - ﵀ -: هذا من الفواحش التي كانوا عليها في الجاهلية، وقيل: نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾، ولهذا أمر النبيّ - ﷺ - في الحجة التي حجها أبو بكر - ﵁ - سنة تسع أن ينادي مناديه: «أن لا يطوف بالبيت عُرْيان». انتهى . وقوله: (إِلا الْحُمْسَ) تقدّم تفسيره في الحديث الماضي. وقوله: (وَمَا وَلَدَتْ) أي وأولادهم، واختار كلمة «ما» على كلمة «مَنْ» لعمومها. وقيل: المراد به والدهم، وهو كنانة؛ لأن الصحيح أن قريشًا هم أولاد النضر بن كنانة، وزاد معمر هنا: وكان ممن ولدت قريش: خزاعةُ، وبنو كنانة، وبنو عامر بن صعصعة، قاله في «العمدة» . وقوله: (يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ) قال في «العمدة»: هو عَلَم للموقف، وهو منصرف؛ إذ لا تأنيث فيها، قاله الكرمانيّ، والتحقيق فيه ما قاله الزمخشريّ: [فإن قلت]: هلا مُنِعَت الصرف، وفيه السببان: التعريف والتأنيث؟. [قلت]: لا يخلو التأنيث، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة، كما في سُعَاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو؛ لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث، فأبت تقديرها. انتهى. وسُمِّيت عرفات بهذا الاسم، إما لأنها وُصِفت لإبراهيم - ﵊ - فلما أبصرها عرَفها، أو لأن جبريل - ﵊ - حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها، فقال: قد عرفتُ، أو لأن آدم - ﵊ - هبط من الجنة بأرض الهند، وحواء - ﵇ - بجُدّة فالتقيا ثَمَّة، فتعارفا، أو لأن الناس يتعارفون بها، أو لأن إبراهيم - ﵇ - عَرَف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثَمَّة، أو لأن الخلق يعترفون فيها بذنوبهم، أو لأن فيها جبالًا،
مصادر المؤلف (١٢)

١. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩٦.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٠٥.

٣. «الفتح» ٤/ ٦٠٥ - ٦٠٧.

٤. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٥/ ٢٥٥.

٥. هو ما أخرجه النسائيّ - ﵀ - في «سننه»، عن يزيد بن شيبان، قال: كنا وُقُوفًا بعرفة مكانًا بعيدًا من الموقف، فأتانا ابن مِرْيَم الأنصاريّ، فقال: إني رسول رسول الله - ﷺ - إليكم، يقول: «كونوا على مَشَاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم». انتهى، وهو حديث صحيح.

٦. «الفتح» ٤/ ٦٠٧، ٦٠٨؛ و«عمدة القاري» ٨/ ١٦٢.

٧. «المفهم» ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٦.

٨. «الفتح» ٤/ ٦٠٦.

٩. وفي نسخة: «كانوا يطوفون بالبيت عُراةً».

١٠. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٤٠.

١١. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩٧.

١٢. «عمدة القاري» ١٠/ ٤.