والجبال هي الأعراف، وكل عالٍ فهو عَرْف. انتهى .
وقوله: (كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ) أصله من إفاضة الماء، وهو صَبّه بكثرة، وقال الزمخشريّ: أفضتم: دفعتم من كثرة الماء.
وقوله: (رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ) أي رجعوا إلى ما كان عليه دين إبراهيم - ﵇ - من الوقوف بعرفات، والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٦] (١٢٢٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْس، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتٌ حافظ فقيهٌ إمامٌ حجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) النوفليّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة عارف بالنسب [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في «الصلاة» ٣٦/ ١٠٤٠.
٦ - (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ - ﵁ -، كان عارفًا بالأنساب، مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين (ع) تقدّم في «الحيض» ١٠/ ٧٤٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي) أي فقدته، يقال: ضلّ البعير: إذا غاب، وخَفِيَ موضعه، وأضللته بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأضللت الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدّابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْته، ولا تقل: أضللته بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أضلّني كذا بالألف: إذا عَجَزتَ عنه، فلم تقدر عليه، وقال في «البارع»: ضَلَّني فلانٌ، وكذا في غير الإنسان يَضِلُّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيوانًا، فأخطأت مكانه، ولم تَهْتَدِ إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْته، وقال الفارابيّ: أضللتُهُ بالألف: أضعته، قاله الفيّوميّ - ﵀ - .
(فَذَهَبْتُ أطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) وفي رواية النسائيّ: «فذهبت أطلبه بعرفة يوم عرفة» فيكون الجارّ، والظرف متعلقان بـ «أطلب» يعني أنه ذهب لطلب بعيره في الموضع المسمّى بعرفة، في يوم بعرفة (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِن هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ) إشارة إلى النبيّ - ﷺ -، وهذا تعجب
من جبير بن مطعم، وإنكار منه لَمّا رأى النبيّ - ﷺ - واقفًا بعرفة مخالفًا لعادة قريش، ولذلك قال: (فَمَا شَأْنهُ هَا هُنَا؟) أي في عرفة (وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنْ الْحُمْسِ) تقدّم معناه قريبًا، أي فما باله يقف بعرفة، والحمس لا يقفون بها؛ لأنهم لا يخرجون من الحرم.
وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وابن أبي عمر جميعًا عن سفيان: «فما له خرج من الحرم».
[تنبيه]: قوله: «وكانت قريش تُعدّ من الحمس»، هذه الزيادة ليست في رواية البخاريّ، قال في «الفتح» بعد ذكر هذه الزيادة عند مسلم ما نصّه: هذه الزيادة توهم أنها من أصل الحديث، وليس كذلك، بل هي من قول سفيان، بيّنه الحميديّ في «مسنده» عنه، ولفظه متّصلًا بقوله: «فما شأنه ههنا؟» قال سفيان: والأحمس الشديد على دينه، وكانت قريش تُسمّى الحمس، وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم، استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم. ووقع عند الإسماعيليّ من طريقيه بعد قوله: «فما له خرج من الحرم؟» قال سفيان: الحمس - يعني قريشًا - وكانت تسمّى الحمس، وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله، لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. انتهى.
وروى ابن خزيمة، وإسحاق ابن راهويه في «مسنده» موصولًا من طريق ابن إسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عمّه نافع بن جبير، عن أبيه، قال: «كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت رسول الله - ﷺ - في الجاهليّة يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا»، ولفظ يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في «المغازي» مختصرًا، وفيه: «توفيقًا من الله له»، وأخرجه إسحاق أيضًا عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء أن جبير بن مطعم، قال: «أضللت حمارًا لي في الجاهليّة، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن الله وفّقه لذلك».
قال الحافظ: وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يُسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير أيضًا، كما تقدّم.
وتضمّن ذلك التعقيب على السهيليّ حيث ظنّ أن رواية جبير لذلك كانت في الإسلام في حجة الوداع، فقال: انظر كيف أنكر جبير هذا، وقد حجّ بالناس عتّاب سنة ثمان، وأبو بكر سنة تسع، ثم قال: إما أن يكونا وقفا بجمع، كما كانت قريش تصنع، وإما أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم.
وقال الكرمانيّ: وقفة رسول الله - ﷺ - بعرفة كانت سنة عشر، وكان جبير حينئذ مسلمًا؛ لأنه أسلم يوم الفتح، فإن كان سؤاله عن ذلك إنكارًا، أو تعجبًا، فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة عما كانت عليه الحمس، فلا إشكال، ويَحْتَمِل أن يكون لرسول الله - ﷺ - وقفة بعرفة قبل الهجرة. انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمد كما بيّنته قبلُ بدلائله، وكأنه تبع السهيليّ في ظنّه أنها حجة الوداع، أو وقع له اتفاقًا. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جبير بن مطعم - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٩٥٦] (١٢٢٠)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٦٦٤)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٣٠١٤) و«الكبرى» (٤٠٠٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٥٥٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٨٠ و٨٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٠٦٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٧٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٧٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٢٠)، و(البزّار) في