HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٢٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وابن بشار. قال ابن المثنى: حدثنا محمد بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: قال عبد الله ابن شَقِيقٍ: كَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ. وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا. فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ كَلِمَةً. ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: أَجَلْ. وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ.
ج ٢ ص ٨٩٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٨٤
(٢١) - (بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٦٢] (١٢٢٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ: كَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَن الْمُتْعَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ كَلِمَةً، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا كنَّا خَائِفِينَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٤/ ٤٥٠. ٣ - (عَلِيّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أحد الخلفاء الراشدين، أبو الحسن، استُشهد -﵁- في رمضان سنة (٤٠) وله (٦٣) سنةً على الأرجح (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. والباقون ذُكروا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه، ثم فصّل؛ لاختلافهما في ذلك. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عبد الله بن شقيق، فما أخرج له البخاريّ في «الصحيح». ٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى عليّ -﵁-، فمدنيّ، ثم كوفيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ النبيّ -ﷺ-، وزوج ابنته، وأول من أسلم من الصبيان، أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، ومات يوم مات وهو أفضل أهل الأرض من بني آدم -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدُوسيّ أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ (كَانَ عُثْمَانُ) ابن عفّان بن أبي العاص بن أميّة الأمويّ أحد الخلفاء الراشدين -﵃-، استُشهد سنة (٣٥) وعمره (٨٠) وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ١٠/ ١٤٣. (يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا) وفي رواية سعيد بن المسيّب التالية: أن اختلافهما كان بعُسفان، ولفظه: «قال: اجتمع عليّ وعثمان ببعُسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله -ﷺ- تنهى عنه؟، فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى عليّ ذلك أهلّ بهما جميعًا». قال النوويّ ﵀: المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان -﵁- هي التمتع المعروف في الحجّ، وكان عمر وعثمان -﵄- ينهيان عنها نهي تنزيه، لا تحريم، وإنما نَهَيا عنها؛ لأن الإفراد أفضل، فكان عمر وعثمان يأمران بالإفراد؛ لأنه أفضل، وينهيان عن التمتع نهيَ تنزيه؛ لأنه مأمور بصلاح رعيته، وكان يرى الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: اختَلَف المتأولون في هذه المتعة التي اختَلَف فيها عثمان وعليّ -﵄- هل هي فسخ الحج في العمرة، أو هي التي يُجْمَع فيها بين حجّ وعمرة في عام واحد، وسفر واحد؟ فمن قال بالأول صَرَفَ خلافهما إلى أن عثمان كان يراها خاصَّة بمن كان مع النبيّ -ﷺ- في حجة الوداع، وكان عليّ لا يرى خصوصيتهم بذلك. ويُسْتَدَلُّ على هذا بقول عثمان -﵁-: «أجل؛ ولكنا كنا خائفين» أي من فسخ الحج في العمرة، فإنه على خلاف الإتمام الذي أمر الله تعالى به، وفيه بُعدٌ، والأظهر القول الثاني، وعليه فخلافهما إنما كان في الأفضل، فعثمان -﵁- كان يعتقد أن إفراد الحج أفضل، وعلي -﵁- كان يعتقد أن التمتع أفضل؛ إذ الأمة مجمعة على أن كل واحد منهما جائز، وعليه فقوله: «ولكنَّا كنَّا خائفين» أي من أن يكون أجر مَن أفرد أعظم من أجر من تمتع منهم، فالخوف من التمتع، ولما ظنَّ عليّ أن ذلك يُتَلَقَّى من عثمان، ويُقْتَدَى به، فيؤدي ذلك إلى ترك التمتع والقِران أَهَلَّ بالقران؛ ليبيّن أن كل واحد منهما مُسَوَّغٌ، أو لأنهما عنده أفضل من الإفراد، من حيث إن كل واحدة منهما في عملين، والمفرد في عمل واحد، والله تعالى أعلم. انتهى. وهذا الذي ظهر لعثمان -﵁- هو الذي كان ظهر لعمر -﵁- من قبله، كما قال عمران بن حصين -﵄-، فإنه ظهر من استدلال عمر -بأن رسول الله -ﷺ- جَمَع بين حج وعُمْرة- أنَّ الذي منعه عمر هو ما عدا الإفراد، وهذا منه محمول على أنَّه كان يعتقد أن الإفراد أفضل من التمتع والقِرَان، وكان عمران يعتقد أن الإفراد أفضل، ولذلك قال: «قال رجل برأيه ما شاء» يعني به عمر، بعد أن روى أن النبيّ -ﷺ- قرن، وليست هذه المتعة التي منعها عمر هنا هي التي منعها هو في حديث ابن الزبير، بل تلك فَسخ الحج في العمرة، كما تقدَّم. وعلى الجملة: فأحاديث هذا الباب كثيرة الاختلاف والاضطراب، وما ذكرناه أشبهُ بالصواب. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وفي رواية النسائيّ: «أن عثمان نهى عن المتعة، وأن يجمع الرجل بين الحجّ والعمرة»، قال في «الفتح»: قوله: «وأن يجمع بينهما» يَحْتَمِل أن تكون الواو عاطفة، فيكون نهى عن التمتّع والقران معًا، ويَحْتَمِل أن يكون عطفًا تفسيريًّا، وهو على ما تقدّم أن السلف كانوا يطلقون على القران تمتّعًا، ووجهه أن القارن يتمتّع بترك النَّصَبِ بالسفر مرّتين، فيكون المراد أن يجمع بينهما قرانًا، أو إيقاعًا لهما في سنة واحدة بتقديم العمرةَ على الحجّ. وقد رواه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب بلفظ: «نهى عثمان عن التمتّع»، وزاد فيه: «فلبّى عليّ، وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال له عليّ: ألم تسمع رسول الله -ﷺ- تمتّع؟، قال: بلى»، وله من وجه آخر: «سمعت رسول الله -ﷺ- يلبّي بهما جميعًا»، زاد مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، عن عثمان، قال: «أجل، ولكنا كنّا خائفين». (فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ) -﵄- (كَلِمَةً) وفي رواية أحمد: «فقال عثمان لعليّ: إنك كذا وكذا»، وفي رواية النسائيّ، والإسماعيليّ: «فقال عثمان: تراني أنهى الناس، وأنت تفعله؟، فقل: ما كنت أدع». وقال القرطبيّ ﵀ قوله: «قال كلمةً»: يعني كلمة أغلظ له فيها، ولعلّها التي قال في الرواية الأخرى: «دعنا منك»، فإن فيها غِلَظًا وجفاءً بالنسبة إلى أمثالها، والله تعالى أعلم. انتهى . (ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ) -﵁- (لَقَدْ عَلِمْتَ) بتاء الخطاب، وهو لعثمان -﵁- (أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ) عثمان -﵁- (أَجَلْ) كنعم وزنًا ومعنًى (وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ) زاد أحمد من طريق روح، عن شعبة: قال شعبة: فقلت لقتادة: ما كان خوفهم؟ قال: لا أدري. انتهى . وقال النوويّ ﵀: لعله أشار إلى عمرة القضيّة سنة سبع، لكن لم يكن في تلك السنة حقيقة تمتّع، إنما كان عمرة وحدها. قال الحافظ ﵀: هي رواية شاذّة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم، وسعيد بن المسيّب، وهما أعلم من عبد الله بن شقيق، فلم يقولا ذلك، والتمتّع إنما كان في حجة الوداع، وقد قال ابن مسعود -كما ثبت عنه في «الصحيحين»-: «كنّا آمن ما يكون الناس». وقال القرطبيّ: قوله: «كنا خائفين» أي من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتّع. كذا قال، وهو جمع حسن، ولكن لا يخفى بُعده. ويَحْتَمِل أن يكون عثمان أشار إلى أن الأصل في اختياره -ﷺ- فسخ الحجّ إلى العمرة في حجة الوداع دفع اعتقاد قريش منع العمرة في أشهر الحجّ، وكان ابتداء ذلك بالحديبية؛ لأن إحرامهم بالعمرة كان في ذي القعدة، وهو من أشهر الحجّ، وهناك يصحّ إطلاق كونهم خائفين؛ أي من وقوع القتال بينهم وبين المشركين، وكان المشركون صدّوهم عن الوصول إلى البيت، فتحلّلوا من عمرتهم، وكانت أول عمرة وقعت في أشهر الحجّ، ثم جاءت عمرة القضيّة في ذي القعدة أيضًا، ثم أراد -ﷺ- تأكيد ذلك بالمبالغة فيه، حتى أمرهم بفسخ الحجّ إلى العمرة. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن التمتّع الذي كان ينهى عنه عثمان -﵁- هو التمتّع المعروف، وهو أن يأتي بالعمرة من الميقات في أشهر الحجّ، ثم يحج، فقد صرّح بذلك في رواية أحمد في «مسنده»، ولفظه: حدثنا يحيى ، عن ابن حرملة ، قال: سمعت سعيدًا؛ يعني ابن المسيِّب، قال: خرج عثمان -﵁- حاجًّا، حتى إذا كان ببعض الطريق، قيل لعليّ -﵁-: إنه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عليّ -﵁- لأصحابه: إذا ارتحل فارتحلوا، فأهلّ علي وأصحابه بعمرة، فلم يكلمه عثمان -﵁- في ذلك، فقال له عليّ -﵁-: ألم أُخْبَر أنك نَهَيت عن التمتع بالعمرة، قال: فقال: بلى، قال: فلم تسمع من رسول الله -ﷺ- تمتع؟ قال: بلى . وفي رواية له عن سعيد بن المسيِّب قال: حج عثمان حتى إذا كان في بعض الطريق أُخْبِر عليّ أن عثمان نهى أصحابه عن التمتع بالعمرة إلى الحجّ، فقال عليّ لأصحابه: إذا راح فروحوا، فأهلّ علي وأصحابه بعمرة، فلم يكلمهم عثمان، فقال عليّ -﵁-: ألم أُخْبَر أنك نهيت عن التمتع؟ ألم يتمتع رسول الله -ﷺ-؟ قال: فما أدري ما أجابه عثمان -﵁- . فبيّن بهذا أن التمتّع الذي كان ينهى عنه عثمان -﵁-، هو التمتّع المشهور، ويكون نهيه من باب الأفضليّة، حيث يرى أن الإفراد أفضل من التمتّع، ويكون معنى قوله: «ولكنا كنا خائفين»، إن صحّت الزيادة ما تقدّم عن القرطبيّ، وهو خوفهم أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتّع. وبالجملة فما رآه عمر وعثمان -﵄- هو اجتهاد منهما، وإنما الفضل والثواب الكثير فيما سنّه النبيّ -ﷺ-، واختاره، كما أشار إليه عليّ -﵁-، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢/ ٢٩٦٢ و٢٩٦٣ و٢٩٦٤] (١٢٢٣)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٦٣ و١٥٦٩)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٢٧٢٢ و٢٧٢٣ و٢٧٣٣) وفي «الكبرى» (٣٧٠٢ و٣٧٠٣ و٣٧١٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٦١ و٥٧ و٩٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٩٢٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٢٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية التمتّع. ٢ - (ومنها): إشاعة العالم ما عنده من العلم، وإظهاره للناس، ومناظرة ولاة الأمور، وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك؛ لقصد مناصحة المسلمين. ٣ - (ومنها): البيان بالفعل مع القول؛ ليكون أبلغ، فقد أهلّ عليّ -﵁- متمتّعًا. ٤ - (ومنها): جواز الاستنباط من النصّ؛ لأن عثمان -﵁- لم يخف عليه أن التمتّع والقران جائزان، وإنما نهى عنهما؛ ليُعمل بالأفضل في ظنّه، وهو الإفراد، كما وقع لعمر -﵁-، لكن خشي عليّ -﵁- أن يَحْمِل غيرُهُ النهيَ على التحريم، فأشاع جواز ذلك، وكلّ منهما مجتهد مأجور. ٥ - (ومنها): ما ذكره ابن الحاجب، من كون حديث عثمان -﵁- هذا دليلًا لمسألة اتفاق أهل العصر الثاني بعد اختلاف أهل العصر الأول، فقال: وفي «الصحيح» أن عثمان كان نهى عن المتعة، قال البغويّ: ثم صار إجماعًا. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن نهي عثمان عن المتعة إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، فلم يستقرّ الإجماع عليه؛ لأن الحنفيّة يخالفون فيه، وإن كان المراد به فسخ الحجّ إلى العمرة، فكذلك الحنابلة يخالفون فيه، ثم وراء ذلك أن رواية النسائيّ السابقة مشعرة بأن عثمان رجع عن النهي، فلا يصحّ التمسّك به. ولفظ البغويّ بعد أن ساق حديث عثمان في «شرح السنّة»: هذا خلاف عليّ، وأكثر الصحابة على الجواز، واتفقت عليه الأئمة بعدُ، فحمله على أن عثمان نهى عن التمتّع المعهود، والظاهر أن عثمان ما كان يبطله، وإنما كان يرى أن الإفراد أفضل منه، وإذا كان كذلك، فلم تتفق الأئمة على ذلك، فإن الخلاف في أيّ الأمور الثلاثة أفضل باق، والله أعلم. ٦ - (ومنها): أن المجتهد لا يُلزِمُ مجتهدًا آخر بتقليده؛ لعدم إنكار عثمان على عليّ -﵄- ذلك، مع كون عثمان الإمامَ؛ إذ ذاك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٦٣] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. و«شعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٦٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ -﵄- بِعُسْفَانَ، فَكَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَن الْمُتْعَةِ، أَوْ الْعُمْرَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- تَنْهَى عَنْهُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْنَا مِنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَستَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ، فَلَمَّا أَنْ رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابد، رمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٥/ ٤٥٢. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ٩٤) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ -﵄- بِعُسْفَانَ) -بضمّ العين، وسكون السين المهملتين-: موضع بين مكة والمدينة، ويُذكّر ويؤنّث، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقوله: (عَن الْمُتْعَةِ، أَوْ الْعُمْرَةِ) الظاهر أن «أو» للشكّ من الراوي، وجعل بعضهم التردّد من ابن المسيِّب، قال: تردّد في التعبير عن منهيّ عثمان، فإن المراد بالمتعة كما في شروح البخاريّ: العمرة في أشهر الحجّ، سواء كانت في ضمن الحجّ، أو متقدّمة عنه منفردة، وسبب تسميتها متعةً ما فيه من التخفيف الذي هو تمتّع.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٠٢.

٢. «المفهم» ٣/ ٣٤٩، ٣٥٠.

٣. «المفهم» ٣/ ٣٥١.

٤. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ٦١.

٥. راجع: «الفتح» ٤/ ٤٦٠ - ٤٦١.

٦. يحيى هو القطّان.

٧. هو عبد الرحمن بن حرملة الأسلميّ المدنيّ.

٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ٥٧.

٩. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ٦٠.

١٠. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٩.