HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٤٠

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ. وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صفر. وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ. وَعَفَا الْأَثَرْ. وَانْسَلَخَ صَفَرْ. حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ. مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً. فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الحل؟ قال «الحل كله».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص56
ج ٢ ص ٩٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٣١٧
وقوله: (وَرَجُلٌ آخَرُ) لم يسمّ ذلك الرجل، فالله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» (١/ ٢٤٠) فقال: (٢١٤١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ورَوْحٌ قالا: حدّثنا شعبة، قال روح: سمعت مسلمًا الْقُرّيَّ، وقال محمد: عن مسلم القُرّيّ، قال: سمعت ابن عباس يقول: أهلّ رسول الله -ﷺ- بالعمرة، وأهلّ أصحابه بالحجّ، قال روح: أهلّ رسول الله -ﷺ- وأصحابه بالحجّ، فمن لم يكن معه هديٌ أحلّ، وكان ممن لم يكن معه هديٌ طلحة، ورجل آخر، فأحلّا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٨) - (بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠١٠] (١٢٤٠) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنَا بَهْزٌ، حَدَّثنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أفجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّت الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: (الْحِلُّ كُلُّهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بَهْزُ) بن أسد، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) طاووس بن كيسان، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس -﵄- من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-) أنه (قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ) -بفتح أوله-: أي يعتقدون، قال النوويّ ﵀: الضمير في «يَرَون» يعود إلى الجاهليّة، ولابن حبّان من طريق أخرى عن ابن عباس -﵄-، قال: «والله ما أعمر رسول الله -ﷺ- عائشة في ذي الحجة، إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحيّ من قُريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون …»، فذكر نحوه، قال الحافظ ﵀: فعُرِف بهذا تعيين القائلين. انتهى. (أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ) أي من أفحش الفواحش. والفجور الانبعاث في المعاصي، يقال: فجر فجورًا، من باب نصر. وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة عن غير أصل (وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا) الموجود في النسخ الحاضرة عندي «صفرًا» بالألف، إلا ما وقع في نسخة شرح النوويّ، فإن فيها «صفر» بلا ألف، فقال النوويّ: هكذا هو في النسخ «صفر» من غير ألف بعد الراء، وهو منصوب مصروف بلا خلاف، وكان ينبغي أن يكتب بالألف، وسواء كُتب بالألف، أم بحذفها لا بدّ من قراءته هنا منصوبًا؛ لأنه مصروف؛ يعني والمشهور عن اللغة الربيعية كتابة المنصوب بغير ألف، فلا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يُصرف، فيقرأ بالألف، وسبقه عياض إلى نفي الخلاف فيه، لكن في «المحكم»: كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل له: إنه لا يمتنع الصرف حتى يجتمع علتان، فما هما؟، قال: المعرفة والساعة، وفسّره المطرّزيّ بأن مراده بالساعة أن الأزمنة ساعات، والساعة مؤنثة. انتهى. قال في «الفتح»: وحديث ابن عباس هذا حجة لأبي عبيدة. قال العلماء: المراد بجعلهم المحرّم صفرًا الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرّم صفرًا، ويُحلّونه، ويؤخّرون تحريم المحرّم إلى نفس صفر؛ لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة، فيضيق عليهم فيها ما اعتادوه من المقاتلة، والغارة بعضهم على بعض، فضلّلهم الله في ذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. وقال القرطبيّ: قوله: «ويجعلون المحرم صَفَر» أي يسمونه به، وينسبون تحريمه إليه؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهُر حُرُم، فتضيق عليهم بذلك أحوالهم. وحاصله أنهم كانوا يُحلّون من الأشهر الْحُرُم ما احتاجوا إليه، ويُحرّمون فكان ذلك غيره، وكان الذين يفعلون ذلك يُسمَّون النَّسَأَة، وكانوا أشرافَهُم، وفي ذلك يقول شاعرهم [من الوافر]: أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ … شُهُورَ الْحِلّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا فردّ الله كلّ ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. وقال في «الفتح» في «سورة التوبة»، عند شرح حديث: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات، والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان» ما حاصله: وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من تأخير الأشهر الحرم، فقيل: كانوا يجعلون المحرم صفرًا، ويجعلون صفرًا المحرّم؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر، لا يتعاطون فيها القتال، فلذلك قال: «متواليات»، وكانوا في الجاهلية على أنحاء: منهم من يسمي المحرم صفرًا، فيُحلّ فيه القتال، ويحرم القتال في صفر، وشمميه المحرم، ومنهم من يجعل ذلك سنة هكذا، وسنة هكذا، ومنهم من يجعله سنتين هكذا، وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخّر صفرًا إلى ربيع الأول، وربيعًا إلى ما يليه، وهكذا، إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود، فيعيد العدد على الأصل. وقال أيضًا: قوله: «ورجب مضر» أضافه إليهم لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال: إن ربيعة كانوا يجعلون بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان ما ذكره في المحرم وصفر، فيحلّلون رجبًا، ويحرّمون شعبان، ووصفه بكونه بين جمادى وشعبان تأكيدًا، وكان أهل الجاهليّة قد نسئوا بعض الأشهر الحرم؛ أي أخّروها، فيحلون شهرًا حرامًا، ويحرّمون مكانه آخر بدله حتى رُفض تخصيص الأربعة بالتحريم أحيانًا، ووقع تحريم أربعة مطلقة من السنة. فمعنى الحديث: أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، وبطل النسيء. وقال الخطابيّ: كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل، والتحريم، والتقديم، والتأخير لأسباب تعرِض لهم، منها استعجال الحرب، فيستحلون الشهر الحرام، ثم يحرمون بدله شهرًا غيره، فتتحوّل في ذلك شهور السنة، وتتبدّل، فإذا أتى على ذلك عدة من السنين استدار الزمان، وعاد الأمر إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبيّ -ﷺ- عند ذلك. انتهى . [فائدة]: قال الكلبيّ: أول من نسأ القلمس، واسمه حذيفة بن عبيد الكنانيّ، ثم ابنه عباد، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية، وعليه قام الإسلام، وقيل: أول من نسأ نعيم بن ثعلبة، ثم جنادة، وهو الذي أدركه رسول الله -ﷺ-، وقيل: مالك بن كنانة. وقيل: عمرو بن طيّء. وقال ابن دريد: الصفران شهران من السنة، سمي أحدهما في الإسلام المحرم. وفي «المحكم»: قال بعضهم: سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقال بعضهم: سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا، ورَوَى رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون مَن لَقُوا صفرًا من المتاع، وذلك إذا كان صفر بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا صفرًا، فإذا جمعوه مع المحرّم قالوا: صفران، والجمع أصفار، وقال القزّاز: إنما سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يُخلون البيوت فيه لخروجهم إلى البلاد، يقال لها: الصفرية، يمتارون منها، وقيل: لأنهم كانوا يخروجون إلى الغارة، فتبقى بيوتهم صفرًا. وفي «العلم المشهور» لأبي الخطاب: العرب تقول: صفر، وصفران، وصفارين، وأصفار، قال: وقيل: إن العرب كانوا يزيدون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه صفرًا، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا، ولذلك قال -ﷺ-: «السنة اثنا عشر شهرًا». وكانوا يتطيّرون به، ويقولون: إن الأمور فيه منغلقة، والآفات فيه واقعة. انتهى . (وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ) بفتحتين، وآخره همزة، وتخفف بقلبها ألفًا (الدَّبَرْ) بفتح المهملة، والموحّدة: أي زال الجرح الذي كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها، ومشقّة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحجّ (وَعَفَا الْأَثَرْ) بهمزة، ومثلثة مفتوحتين: أي اندرس، وانمحى أثر الإبل، وغيرها في سيرها، فإنه ينمحي لطول مرور الزمان والأيام، هذا هو المشهور، وقال الخطابيّ: المراد أثر الدبر المذكور. وقال القرطبيّ: و«عفا» من الأضداد، يقال: عفا الشيء: كثُر، وقلّ، وظهر، وخفي مثله. انتهى . وفي رواية النسائيّ: «وَعَفَا الْوَبَرْ»؛ أي كثر وَبَرُ الإبل الذي قلعته رحال الحجّ، و«الوَبَر» -بفتحتين-: للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل: مصدرٌ، من باب تعب، وبَعِيرٌ وَبِز بالكسر كثير الوَبَر، وناقةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثل سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ. (وَانْسَلَخَ صَفَرْ) أي خرج شهر صفر الذي جعلوه بدل المحرّم (حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ) أي صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يحرم بها جائزًا. [فائدة]: قال النوويّ ﵀: هذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويوقف عليها؛ لأن مرادهم السجع. وقال الكرمانيّ: ما وجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار في أشهر الحجّ الذي هو المقصود من الحديث، والمحرم، وصفر ليسا من أشهر الحجّ؟. فأجاب بقوله: لما سمّوا المحرم صفرًا، وكان من جملة تصرفاتهم جعل السنة ثلاثة عشر شهرًا، صار صفر على هذا التقدير آخر السنة، وآخر أشهر الحجِّ؛ إذ لا برء في أقلّ من هذه المدة غالبًا، وأما ذكر انسلاخ صفر الذي من الأشهر الحرم بزعمهم فلأجل أنه لو وقع قتال في الطريق، وفي مكة لقدروا على المقاتلة، فكأنه قال: إذا انقضى شهر الحج، وأثره، والشهر الحرام جاز الاعتمار، أو يراد بالصفر المحرم، ويكون «إذا انسلخ صفر» كالبيان، والبدل لقوله: «إذا برأ المدبر»، فإن الغالب أن البرء من أثر صفر الحج لا يحصل إلَّا في هذه المدة، وهي ما بين أربعين يومًا إلى خمسين ونحوه. انتهى . (فَقَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَأَصْحَابُهُ) أي دخلوا مكة (صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ) أي صباح الليلة الرابعة من شهر ذي الحجة، وذلك يوم الأحد (مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ) منصوب على الحال؛ أي حال كونهم مهلّين بالحجّ وفي رواية: «وهم يلبّون بالحجّ»، وهي مفسّرة لقوله: «مهلّين»، واحتجّ به من قال: كان حجّ النبيّ - ﷺ - مُفْرِدًا، وأجاب من قال: كان قارنًا - وهو الصواب - بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة (فَأَمَرَهُمْ) أي النبيّ - ﷺ - أصحابه - ﵃ - (أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) أي يقلبوا الحجة التي قدموا مهلين بها عمرة، فيتحللوا بأفعال العمرة (فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ) وفي رواية: «فكبر ذلك عندهم»: أي شقّ عليهم ما أمرهم به؛ لما كانوا يعتقدونه أَوّلًا (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْحِلِّ) كأنهم كانوا يعرفون أن للحجّ تحلّلين، فأرادوا بيان ذلك، فبيّن لهم النبيّ - ﷺ - فـ (قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ») يعني أن المطلوب منهم أن يتحلّلوا كلّ الحلّ، حتى غشيان النساء، وذلك تمام الحلّ؛ لأن العمرة ليس لها إلَّا تحلّل واحد. ووقع في رواية الطحاويّ: «أيَّ الحلّ نحلّ؟، قال: الحلّ كله»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٣٠١٠ و٣٠١١ و٣٠١٢ و٣٠١٣ و٣٠١٤] (١٢٤٠)، و(البخاريّ) في «الجمعة» (١٠٨٥) و«الحج» (١٥٦٤) و«المناقب» (٣٨٣٢)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٩٠ و١٧٩١ و١٧٩٢)، و(النسائيّ) في «المنا سك» (٥/ ١٨٠) وفي «الكبرى» (٣٧٩٠ و٣٧٩٦ و٣٧٩٧ و٣٨٥٣ و٣٨٥٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٥٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٥٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٤٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١١/ ٢٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة العمرة في أشهر الحجِّ. ٢ - (ومنها): بيان مشروعية فسخ الحج بأعمال العمرة. ٣ - (ومنها): استحباب دخول مكة نهارًا، وهو المرويّ عن ابن عمر - ﵄ -، وبه قال عطاء، والنخعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وهو أصحّ الوجهين لأصحاب الشافعيّ، والوجه الثاني أن دخولها ليلًا أو نهارًا سواء، لا فضيلة لأحدهما على الآخر، وهو قول طاوس، والثوريّ، وعن عائشة - ﵂ -، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز: دخولها ليلًا أفضل من النهار، وقال مالك: يستحب دخولها نهارًا، فمن جاء ليلًا فلا بأس به، قال: وكان عمر بن عبد العزيز يدخلها لطواف الزيارة ليلًا. ٤ - (ومنها): أنه احتجّ به من قال: إنه - ﷺ - حج مفردًا، والصحيح - كما تقدم - أنه حج قارنًا، وتأويل قول ابن عباس - ﵄ -: «مهلّين بالحجّ» أي مع العمرة، ولا بدّ من التأويل؛ لئلا يتعارض مع حديث عمر - ﵁ - في قصّة مجيء الملك إليه - ﷺ -، وأمره له بالإهلال بهما معًا، فقال له: «قل: عمرة في حجة»، رواه البخاريّ. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من اتباع الهوي، وتشريع ما لَمْ يأذن به الله - ﷿ -، فيُحلّون ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، فلذلك عنّفهم، وضللَّهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ [التوبة: ٣٧]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠١١] (…) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵄ - يَقُولُ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْحَجِّ، فَقَدِمَ لِأَرْبَع مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، وَقَالَ - لَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ -: «مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، امتنع من القضاء [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر الْجَهضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦. ٣ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (أَبُو الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءُ) بتشديد الراء البصريّ، اسمه زياد، وقيل: كُلثوم، وقيل: أُذينة، وقيل: ابن أُذينة، ثقةٌ [٤] (ت ٩٠) (خ م س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤٢/ ١٤٦٩. [تنبيه]: قوله: «البرّاء» بتشديد الراء، كما أسلفته آنفًا، سُمي به لأنه كان يبري النَّبْلَ، وهو غير أبي العالية الرِّياحيّ، وقد اشتركا في الرواية عن ابن عبّاس - ﵄ -. قاله في «الفتح» . والباقيان ذكرا في الإسنادين الماضيين. وقوله: (أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْحَجِّ) تقدّم أن المراد بالحجّ معه العمرة؛ لأن الصحيح أنه - ﷺ - كان قارنًا من أول الأمر؛ لصريح حديث عمر - ﵁ - المتقدّم، فتنبّه. وقوله: (فَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) أي لأربع ليال مضين من شهر ذي الحجة، وفي رواية البخاريّ: «قدم النبيّ - ﷺ -، وأصحابه لصبح رابعة يلبّون بالحجّ»؛ أي في صبح ليلة رابعة لشهر ذي الحجة، وكان ذلك صباح يوم الأحد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠١٢] (…) - (وَحَدَّثَنَاه إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْمُبَارَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا رَوْحٌ، وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، فَقَالا كَمَا قَالَ نَصْرٌ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْحَجِّ، وَأمَّا أَبُو شِهَابٍ، فَفِي رِوَايَتِهِ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولي اللهِ - ﷺ -، نُهِلُّ بِالْحَجِّ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، خَلَا الْجَهْضَمِيَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (م) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٢. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ الْمُبَارَكِيُّ) سليمان بن داود، ويقال: ابن محمد بن سليمان، أبو داود المباركيّ، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبي شهاب عبد ربه بن نافع، وأبي حفص الأبّار، وحماد بن دُلَيل، وإسماعيل بن عياش، ومحمد بن حرب الصنعاني، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم حديثًا واحدًا في الحجِّ، وروى له النسائيّ بواسطة أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزيّ، وحدّث عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، ويحيى بن يعقوب المباركيّ، وخلف بن هشام البزار قرينه، وغيرهم. قال أبو زرعة، عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: هو ثقةٌ شيخٌ، كان يكون ببغداد، وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال أبو القاسم البغويّ: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، زاد غيره: في ذي القعدة. قال الحافظ: وقع في كلام بعضهم: ثنا سليمان أبو داود المباركيّ، فصحّفها آخر: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن محمد، فقد جزم بذلك الحاكم أبو عبد الله، ورجحه أبو إسحاق الحبّال وغيره، وقال ابن قانع: أبو داود المباركيّ صالح، وقال أبو عوانة في «صحيحه»: ثنا محمد بن علي بن داود، ثنا سليمان أبو داود المباركيّ، وكان من أصحاب الحديث. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. [تنبيه]: قوله: «المبارَكيّ» بفتح الراء: منسوب إلى المبارك، وهي بُليدة بقرب واسط، بينها وبين بغداد، وهي على طرف دجلة، قاله النوويّ - ﵀ - . ٣ - (أَبُو شِهَابٍ) عبد ربّه بن نافع الكنانيّ الحناط الكوفيّ، نزيل المدائن، وهو أبو شهاب الأصغر، صدوقٌ يَهِمُ [٨]. روى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وعاصم بن بَهْدلة، وعاصم الأحول، وعوف الأعرابيّ، وابن إسحاق، ويونس بن عبيد، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن آدم، ومحمد بن الصلت الأسديّ، وسعيد بن سليمان الوسطىّ، وأبو داود المباركيّ، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، وغيرهم. قال عليّ، عن يحيى: لَمْ يكن بالحافظ، قال: ولم يرض يحيى أمره، وقال الميمونيّ، عن أحمد: كان كوفيًّا، ما علمت إلَّا خيرًا، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما بحديثه بأس، فقلت: إن يحيى بن سعيد قال: ليس بالحافظ، فلم يرض بذلك، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: أبو شهاب أحب إلي من أبي بكر بن عياش في كلّ شيء، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً، وكان كثير الحديث، وكان رجلًا صالحًا لَمْ يكن بالمتين، وقد تكلموا في حفظه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال العجليّ: لا بأس به، وقال مرةً: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، قال عبد الله بن أحمد، عن أبي داود المباركيّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، شك عبد الله، وقال مسلم، عن أحمد بن حنبل: مات سنة (١٧١). رواه إسحاق القَرَاب في «تاريخه»، وقال الساجيّ: صدوق يهم في حديثه، وكذا قال الأزديّ، وزاد: يخطئ، وقال ابن نمير: ثقةٌ صدوقٌ، وقال البزار: ثقةٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذكره في الطبقة السابعة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. ٤ - (يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ) بن درهم الْعَنْبريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الزكاة» ١٦/ ٢٣٣٢. والباقون ذُكروا في هذا الباب والذي قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ) يعني الثلاثة، وهو: روح بن عبادة، وأبو شهاب الحنّاط، ويحيى بن كثير. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) «في» بمعنى الباء؛ أي بهذا الإسناد السابق. [تنبيه]: رواية روح، عن شعبة هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده» (٢/ ٢٧٦) فقال: (٣١٢٥) - حدّثنا الصغانيّ، وأبو أمية، قالا: نا روح بن عبادة، نا شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية البرّاء، عن ابن عباس، أنه قال: أهلّ رسول الله - ﷺ - بالحجّ، فقَدِم لأربع مَضَين من ذي الحجة، فصلى الصبح بالبطحاء، ثم قال: «من شاء أن يجعلها عمرة، فليجعلها». انتهى. وأما رواية أبي شهاب، عن شعبة، فساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه» (٩/ ١٠٤) فقال: (٣٧٩٤) - أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفيّ، حدّثنا سليمان بن محمد أبو داود المباركيّ، حدّثنا أبو شهاب، عن شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - نُهِلّ بالحجّ، فقَدِمَ لأربع من ذي الحجة، فصلى رسول الله - ﷺ - الصبح بالبطحاء، فلما صلى، قال: «من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها». انتهى. وأما رواية يحيى بن كثير، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠١٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّدُوسِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَأَصْحَابُهُ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ، وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّدُوسِيُّ) المعروف بعارم، أبو النعمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر في الآخر، من صغار [٩]. رَوَى عن جرير بن حازم، ومهديّ بن ميمون، ووهيب بن خالد، والحمادين، وأبي هلال الراسبيّ، وعبد الوارث بن سعيد، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، ثم روى هو والباقون عنه بواسطة عبد الله بن محمد المسنديّ، وأبي داود السنجيّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وحجاج بن الشاعر، وهارون بن عبد الله الحمّال، وعبد بن حميد، وغيرهم. قال الذهليّ: ثنا عارم، وكان بعيدًا من العرامة، وقال ابن وَارة: ثنا عارم بن الفضل الصدوق المأمون، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: إذا حدثك فاختم عليه، وعارم لا يتأخر عن عفّان، وكان سليمان بن حرب يُقَدِّم عارمًا على نفسه؛ إذا خالفه عارم رجع إليه، وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد ابن مهديّ، قال: وسئل أبي في عارم، وأبي سلمة، فقال: عارم أحب إليّ، قال: وسئل أبي عنه، فقال: ثقةٌ، قال: وسمعت أبي يقول: اختلط عارم في آخر عمره، وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط، فسماعه صحيح، وكتبت عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة، ولم أسمع منه بعدما اختلط، فمن سمع منه قبل سنة عشرين فسماعه جيّد، وأبو زرعة لقيه سنة اثنتين وعشرين، وقال أبو عليّ محمد بن أحمد بن خالد الزُّريعيّ: ثنا عارم قبل أن يختلط، وقال البخاريّ: تغير في آخر عمره، قال: وجاءنا نعيه سنة أربع وعشرين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كنت عند عارم فحدّث عن حماد، عن هشام، عن أبيه أن ماعزًا الأسلميّ سأل عن الصوم في السفر، فقلت له: حمزة الأسلميّ، يعني أن عارمًا قال هذا، وقد زال عقله، وقال أبو داود: بلغنا أنه أنكر سنة ثلاث عشرة، ثم راجعه عقله، ثم استَحْكَم به الاختلاط سنة ست عشرة، وقال أبو داود، عن الْمُقَدَّميّ: مات في صفر سنة أربع، وفيها أرّخه غير واحد، وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وقال أبو داود: سمعت عارمًا يقول: سماني أبي عارمًا، وسمّيت نفسي محمدًا، وقال سليمان بن حرب: إذا ذكرتَ أبا النعمان فاذكر ابن عون وأيوب، وقال العقيليّ: قال لنا جدّي: ما رأيت بالبصرة أحسن صلاة منه، وكان أخشع من رأيت، وقال النسائيّ: كان أحد الثقات قبل أن يختلط، قال: وقال سليمان بن حرب: إذا وافقني أبو النعمان فلا أبالي من خالفني، وقال الدارقطنيّ: تغير بآخره، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقةٌ، وقال ابن حبان: اختلط في آخره عمره وتغير، حتى كان لا يدري ما يُحَدّث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإن لَمْ يُعْلَم هذا ترك الكلّ، ولا يُحتج بشيء منها. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: لَمْ يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثًا منكرًا، والقول فيه ما قال الدارقطنيّ، وقال العقيليّ: سماع عليّ البغوي من عارم سنة سبع عشرة؛ يعني بعد الاختلاط، وقال سعيد بن عثمان الأهوازيّ: ثنا عارم ثقةٌ، إلَّا أنه اختلط، وقال الخطيب: سماع الْكُديميّ منه قبل اختلاطه، وقال الذهليّ: ثنا محمد بن الفضل عارم، وكان بعيدًا من العرامة، صحيح الكتاب، وكان ثقةً، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ رجل صالحٌ، وليس يُعْرَف إلَّا بعارم، وفي «الزهرة»: روى عنه البخاريّ أكثر من مائة حديث. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط برقم (١٢٤٠) و(١٤٠٦) و(١٥٣٦) و(١٨٥٢) و(١٩٦١) و(٢٠٥٣) و(٢١٢٠) و(٢٤٨٢) و(٢٨٧٧). ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ) أي مضين من عشر ذي الحجة، وهو بمعنى قوله الماضي: «لأربع مضين من ذي الحجة». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠١٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصُّبْحَ بِذِي طَوًى، وَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُحَوِّلُوا إِحْرَامَهُمْ بِعُمْرَةٍ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِذِي طَوًى) قال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح الطاء، وضمها، وكسرها، ثلاث لغات، حكاهنّ القاضي وغيره، والأصح الأشهر الفتح، ولم يذكر الأصمعيّ، وآخرون غيره، وهو مقصورٌ منونٌ، وهو وادٍ معروف بقرب مكة، قال القاضي: ووقع لبعض الرواة في البخاريّ، بالمد وكذا ذكره ثابت. انتهى .
مصادر المؤلف (٧)

١. «الفتح» ٩/ ٢٢٠ - ٢٢٢، كتاب التفسير، سورة التوبة.

٢. «عمدة القاري» ٨/ ٣٥، ٣٦.

٣. «المفهم» ٣/ ٣٦٣.

٤. «عمدة القاري» ٨/ ٣٦.

٥. «الفتح» ٣/ ٤٦٢، كتاب الجمعة، رقم (١٠٨٥).

٦. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٢٦.

٧. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٢٧.