وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَاثِي اسْمًا … أَنِلْ إِتْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ
إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّثًا بَدَا … مُخْتَتَمًا بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا
وَسَكِّنِ التَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ … خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلًّا قَدْ رَوَوَا
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٣٩] (١٢٥٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُنَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟» قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا، وَابْنُهَا عَلَى نَاضِح، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا، نَنْضِحُ عَلَيْهِ، قَالَ: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) تقدّم قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن فيه التحديث، والإخبار، والسماع، والعنعنة، وفيه
تصريح ابن جريجٍ بالإخبار، وهو معروف بالتدليس، فأمن من تدليسه.
٣ - (ومنها): أن فيه ابن عباس - ﵄ - الحبر البحر ترجمان القرآن، أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ جُرَيْجٍ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (يُحَدِّثُنَا) جملة في محلّ نصب على الحال (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِامْرَأَةٍ مِنَ الأنصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا) القائل: نسيت اسمها هو ابن جريجٍ، بخلاف ما يتبادر إلى الذهن من أن القائل عطاء، وإنما قلنا ذلك؛ لما في الرواية الثانية عند المصنّف من طريق حبيب المعلّم، عن عطاء، من تسميتها، حيث قال: «عن ابن عبّاس: أن النبيّ - ﷺ - قال لامرأة من الأنصار، يقال لها: أم سنان: ما منعكِ أن تكوني حججت معنا …؟» الحديث، أفاده الحافظ - ﵀ -.
قال: وَيحْتَمل أن عطاء كان ناسيًا لاسمها لَمّا حدث به ابنَ جريجٍ، وذاكرًا له لما حدّث به حبيبًا.
وقد خالفه يعقوب بن عطاء، فرواه عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: جاءت أم سليم إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: حجّ أبو طلحة، وابنه، وتركاني، فقال: «يا أمّ سُليم، عمرة في رمضان تعدل حجة معي»، أخرجه ابن حبّان، وتابعه محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلي، عن عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة، وتابعهما مَعقِل الجزريّ، لكن خالف في الإسناد، قال: عن عطاء، عن أم سُليم، فذكر الحديث دون القصّة، فهؤلاء ثلاثة يبعد أن يتّفقوا على الخطإ، فلعلّ حبيبًا لَمْ يحفظ اسمها كما ينبغي، لكن رواه أحمد بن منيع في «مسنده» بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن امرأة من الأنصار، يقال لها: أم سنان أنَّها أرادت الحجِّ … فذكر الحديث نحوه، دون ذكر قصّة زوجها.
وقد وقع شبيه بهذه القصّة لأم معقل، أخرجه النسائيّ في «الكبرى» من طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث، عن امرأة من بني أسد، يقال لها: أم معقل، قالت: أردت الحجِّ، فاعتلّ بعيري، فسألت النبيّ - ﷺ -؟ فقال: «اعتمري في شهر رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة».
وقد اختلف في إسناده، فرواه مالك، عن سميّ، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، قال: جاءت امرأة … فذكره مرسلًا، وأبهمها، ورواه النسائيّ أيضًا من طريق عمارة بن عمير وغيره، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أمّ معقل، ورواه أبو داود من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن رسول مروان، عن أم معقل.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا لامرأتين، فعند أبي داود من طريق عيسى بن معقل، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أم معقل، قالت: لما حجّ رسول الله - ﷺ - حجة الوداع، وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض، فهلك أبو معقل، فلما رجع رسول الله - ﷺ - من حجته جئت، فقال: «ما منعك أن تحجي معنا؟»، فذكرت ذلك له، فقال: «فهلا حججت عليه؟، فإن الحجِّ من سبيل الله، فأما إذا فاتك، فاعتمري في رمضان، فإنها كحجة».
ووقعت لأم طليق قصّة مثل هذه، أخرجها أبو عليّ بن السكن، وابن منده في «الصحابة»، والدولابيّ في «الكنى» من طريق طلق بن حبيب: أن أبا طليق حدثه، أن امرأته قالت له - وله جمل، وناقة -: أعطني جملك أحجّ عليه، قال: جملي حبيس في سبيل الله، قالت: إنه في سبيل الله أن أحجّ عليه، فذكر الحديث، وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: «صدقت أم طليق»، وفيه: ما يعدل الحجِّ؟ قال: «عمرة في رمضان».
وزعم ابن عبد البرّ أن أمّ معقل هي أم طليق، لها كنيتان، وفيه نظر؛ لأن أبا معقل مات في عهد النبيّ - ﷺ -، وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين، فدلّ على تغاير المرأتين.
ويدلّ عليه تغاير السياقين أيضًا، ولا معدل عن تفسير المبهمة في حديث ابن عباس بأنها أم سنان، أو أم سليم؛ لما في القصّة التي في حديث ابن عباس من التغاير للقصّة التي في حديث غيره؛ ولقوله في حديث ابن عباس: إنها أنصاريّة، وأما أم معقل، فإنها أسديّة، ووقعت لأم الهيثم أيضًا، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
(مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟) وفي رواية للبخاريّ: «أن تحجين» بإثبات النون، وهو لغة، كما في قول الشاعر [من البسيط]:
أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ ويحَكُمَا … مِنِّي السَّلَامَ وَأَنْ لَا تُشْعِرَا أَحَدَا
والى هذه اللغة أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» بقوله:
وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ «أَنْ» حَمْلًا عَلَى … «مَا» أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا
(قَالَتْ) تلك المرأة (لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ) تثنية ناضح - بضاد معجمة، ثم مهملة - أي: بعيران، قال ابن بطال - ﵀ -: الناضح البعير، أو الثور، أو الحمار الذي يُسْتَقَى عليه، لكن المراد به هنا البعير؛ لتصريحه في رواية بكر بن عبد الله المزنيّ، عن ابن عباس، في رواية أبي داود بكونه جملًا.
(فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا، وَابْنُهَا) قال في «الفتح»: إن كانت هي أم سنان، فيَحْتَمِل أن يكون اسم ابنها سنانًا، وإن كانت هي أم سليم، فلم يكن لها يومئذ ابن يمكن أن يحجّ سوى أنس، وعلى هذا فنسبته إلى أبي طلحة بكونه ابنه مجازٌ. انتهى.
وقولها: (عَلَى نَاضِحٍ) متعلّق بـ«حجّ» (وَتَرَكَ لنَا نَاضِحًا، نَنْضِحُ عَلَيْهِ) بكسر الضاد، من باب ضرب، يقال: نَضَحَ البعير الماء: حمله من نهر، أو بئر، لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه ينضح العطش؛ أي يَبُلّه بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعْمِل الناضح في كلّ بعير، وإن لَمْ يَحمِل الماء، قاله الفيّوميّ - ﵀ - .
(قَالَ) - ﷺ - («فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ) وفي رواية البخاريّ:»فإذا كان رمضان«، و»كان«فيه تامّة (فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ) الفاء تعليليّة؛ أي لأن عمرة في رمضان (تَعْدِلُ حَجَّةً») بكسر الدال المهملة: أي تقوم مقام حجة في الأجر والثواب، لا في إسقاط الفرض عن الذمّة، فإن فريضة الحجِّ لا تسقط بأداء العمرة إجماعًا.
قال الإمام ابن خزيمة - ﵀ -: في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء،
ويُجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني، لا جميعها؛ لأن العمرة لا يُقضَى بها فرض الحجِّ ولا النذر.
وقال ابن بطّال - ﵀ -: فيه دليل على أن الحجِّ الذي ندبها إليه كان تطوّعًا لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة.
وتعقّبه ابن المنيّر - ﵀ - بأن الحجة المذكورة هي حجة الوداع، قال: وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام فرضًا؛ لأن حجّ أبي بكر كان إنذارًا، قال: فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحجِّ.
واعترض عليه الحافظ - ﵀ - بأن ما قاله غير مسلّم؛ إذ لا مانع أن تكون حجت مع أبي بكر، وسقط عنها الفرض بذلك، لكنه بنى على أن الحجِّ إنما فُرض في السنّة العاشرة حتى يسلم مما يرد على مذهبه من القول بأن الحجِّ على الفور، وعلى ما قاله ابن خزيمة فلا يحتاج إلى شيء مما بحثه ابن بطّال.
فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجّة في الثواب، لا أنَّها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حجّ الفرض.
ونقل الترمذيّ عن إسحاق ابن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن.
وقال ابن العربيّ: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحجِّ بانضمام رمضان إليها.
وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القصد.
وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون المراد: عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة.
وقال ابن التين: قوله: «كحجة» يَحتَمِل أن يكون على بابه، ويَحْتَمل أن يكون لبركة رمضان، ويَحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة.
قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدّمين، ففي رواية أحمد بن منيع المذكورة، قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلَّا لهذه المرأة وحدها، ووقع عند أبي داود من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أم معقل في آخر
حديثها: «قال: فكانت تقول: الحجِّ حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا رسول الله - ﷺ - لي، فما أدري الي خاصّة؟»، تعني أو للناس عامة. انتهى.
والظاهر حمله على العموم كما تقدّم، والسبب في التوفيق استشكال ظاهره، وقد صحّ جوابه، والله أعلم. انتهى.
[فائدة]: لَمْ يعتمر النبيّ - ﷺ - إلَّا في أشهر الحجِّ، وقد ثبتٌ فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيهما أفضل؟، قال الحافظ: والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبيّ - ﷺ - أفضل، وأما في حقّه فما صنعه هو الأفضل؛ لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الردّ عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروهًا لغيره لكان في حقّه أفضل.
وقال صاحب «الهدي»: يَحْتَمِل أنه - ﷺ - كان يشتغل في رمضان من العبادة بما هوأهمّ من العمرة، وخَشِي من المشقّة على أمته؛ إذ لو اعتمر في رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقّة في الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمله؛ خشية على أمته، وخوفًا من المشقّة عليهم. انتهى ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله - ﷾ - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: حديث ابن عباس - ﵄ - هذا مُتّفقٌ عليه.
المسألة الئانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٣٠٣٩ و٣٠٤٠] (١٢٥٦)، و(البخاريّ) في «العمرة» (١٧٨٢) و«جزاء الصيد» (١٨٦٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٩٠)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٣٠) و«الكبرى» (٢٤٢٠)، و(الترمذيّ) في «الحجِّ» (٣/ ٢٧٦)، و(ابن ماجة) في «المناسك» (٢٩٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ١٥٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢٩ و٢٠٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٧٨٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٠٧٧)، و(ابن حبّان) في
«صحيحه» (٣٧٠٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١١٢٩٩ و١١٣٢٢) و«الأوسط» (٤/ ٣٥٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٤٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٣٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٤٦ و٦/ ١٦٤)، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل العمرة في رمضان، حيث إنها تعدِل ثواب الحجِّ، بل ثبتٌ أنَّها كحجة مع النبيّ - ﷺ -، كما سيرد عند المصنّف في الرواية التالية، وأخرج سمّويه من حديث أنس - ﵁ - بلفظ: «عمرة في رمضان كحجة معي»، وهو حديث صحيح.
٢ - (ومنها): بيان فضل رمضان، حيث كان العمل فيه يضاعف أجره.
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من تفقّد أحوال أصحابه رجالًا ونساء.
٤ - (ومنها): بيان جواز مخاطبة المرأة الأجنبيّة، وأن صوتها ليس بعورة.
٥ - (ومنها): بيان جواز استعمال لفظ «رمضان» من غير إضافة لفظ «شهر» إليه، وعليه بوّب النسائيّ، فقال: «الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان»، ثم أورد الحديث.
وأما الحديث الذي رواه أبو معشر، نَجِيح المدنيّ، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان»، أخرجه ابن عديّ في «الكامل»، فقد ضعّفه هو بأبي معشر، قال البيهقيّ: قد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد، والحسن من طريقين، وقد استوفيت البحث في هذه المسألة في أوائل «كتاب الصيام»، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٤٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ:
نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلانٍ زَوْجِهَا، حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ) أبو محمد البصريّ، مولى مَعْقِل بن يسار، اختُلف في اسم أبيه، فقيل: زائدة، وقيل: زيد، صدوقٌ [٦] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ١١/ ٨٨٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (زَوْجِهَا) بالجرّ بدل من «أبي فلان»، أو عطف بيان له.
وقولها: (حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا) تعني أنه لَمْ يبق لها محلّ الرديف حتى تحجّ معه.
وقولها: (وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي … إلخ) تعني أن الناضح الثاني نسقي عليه النخيل، وليس لنا ثالثٌ حتى أحجّ عليه.
وقولها أيضًا: (يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا) ووقع في شرح النوويّ بلفظ: «يسقي غلامنا»، فقال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية عبد الغافر الفارسيّ، وغيره، قال: وفي رواية ابن ماهان: «يسقى عليه غلامنا»، قال القاضي عياض: وأرى هذا كله تغييرًا، وصوابه «نَسقي عليه نخلًا لنا»، فتصحف منه «غلامنا»، وكذا جاء في البخاريّ على الصواب، ويدُلّ على صحته قوله في الرواية الأولى: «ننضح عليه»، وهو بمعنى نسقي عليه. انتهى كلام القاضي.
فتعقّبه النوويّ، فقال: والمختار أن الرواية صحيحة، وتكون الزيادة التي ذكرها القاضي محذوفة مقدرةً، وهذا كثير في الكلام. انتهى كلام النووي - ﵀ - ، وهو تعقّب وجيه، والله تعالى أعلم.