HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣١٤

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هريرة، عن رسول الله ﷺ؛ أَنَّهُ قَالَ «نَنْزِلُ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ. حَيْثُ تَقَاسَمُوا على الكفر».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص86
ج ٢ ص ٩٥٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٧٣٣
«صحيحه» (٣٨٨٢ و٣٨٨٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٨٦)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٤٧٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣١٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٨٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٤٤) و«الصغرى» (٤/ ٢٥٧) و«المعرفة» (٤/ ١٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات طواف الإفاضة في الحجّ، وقد أجمع العلماء على أن هذا الطواف، وهو طواف ركن من أركان الحجّ، لا يصح الحجّ إلا به. ٢ - (ومنها): بيان استحباب فعل طواف الإفاضة يوم النحر، وأول النهار، واتفق العلماء على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق، فإن أخّره عنه، وفعله في أيام التشريق أجزأه، ولا دم عليه بالإجماع، فإن أخّره إلى ما بعد أيام التشريق، وأتى به بعدها أجزأه، ولا شيء عليه عند جمهور العلماء، وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا تطاول لزمه معه دم . ٣ - (ومنها): بيان شدّة حرص ابن عمر -﵄- في متابعة النبيّ -ﷺ- فيما يفعله، أو يتركه، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على اتّباعه -ﷺ-، ولا سيّما فيما حثّ بالاتّباع فيه، كقوله -ﷺ-: «لتأخذوا عني مناسككم»، وقوله -ﷺ-: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، فقد ضمن الله تعالى الهداية والفلاح في اتّباعه -ﷺ-، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٧] (١٣٠٩) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ عَقَلْتَهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ مَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ) هو: إسحاق بن يوسف بن مِرْداس الْمَخزوميّ الواسطيّ، ثقة [٩] (ت ١٩٥) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩١. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ) -بضم الراء، مصغّرًا- الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ الطائفيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] (ت ١٠٣) أو بعدها تقدم في «الجمعة» ١٥/ ٢٠١٠. ٥ - (أنس بن مالك) بن النضر الصحابيّ الخادم الشهير -﵁-، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: ليس لعبد العزيز بن رُفيع، عن أنس -﵁- في «الصحيحين» إلا هذا الحديث الواحد. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- من المكثرين السبعة، وهو آخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) الأسديّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) -﵁-، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن عبد العزيز بن رُفيع قال: خرجت إلى منى يوم التروية، فلقيت أنسًا -﵁- ذاهبًا على حمار، فقلت: أين صلى النبيّ -ﷺ- هذا اليوم الظهر؟، قال: انظر حيث يصلي أمراؤك فصلّ. (قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ، عَقَلْتَهُ) أي أدركته، وفهمته، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ «شيء» (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيةِ؟) أي في أيّ مكان صلّاها في اليوم الثامن من ذي الحجة؟. [تنبيه]: يوم التروية -بفتح التاء المثنّاة الفوقية، وسكون الراء، وكسر الواو، وتخفيف الياء- سُمي بذلك لأنهم كانوا يرْوُون فيها إبلهم، ويتروون بحمل الماء معهم من مكّة إلى عرفات؛ لأن تلك الأماكن لم تكن بها إذ ذاك آبار، ولا عيونٌ، وأما الآن فقد كثُرت جدًّا، واستغنوا عن حمل الماء، وقد رَوَى الفاكهيّ في «كتاب مكة» من طريق مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر: يا مجاهد إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها، فخذ حِذْرك، وفي رواية: فاعلم أن الأمر قد أظلك. وقيل في تسميته التروية أقوال أخرى شاذّةٌ، منها أن آدم ﵇ رأى فيه حواء، واجتمع بها، ومنها أن إبراهيم ﵇ رأى في ليلته أنه يذبح ابنه، فأصبح متفكرًا يتروى، ومنها أن جبريل ﵇ أرى فيه إبراهيم ﵇ مناسك الحج، ومنها أن الإمام يُعَلِّم الناس فيه مناسك الحج، ووجه شذوذها أنه لو كان من الأول لكان يوم الرؤية، أو الثاني لكان يوم التروِّي، بتشديد الواو، أو من الثالث لكان من الرؤيا، أو من الرابع لكان من الرواية، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: ذكره الجوهريّ -يعني يوم التروية- في باب رَوِي معتلّ العين واللام، وذكر فيه موادّ كثيرة، ثم قال: وسمي يوم التروية؛ لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعدُ، ويكون أصله من رَوِيت من الماء بالكسر أَرْوَى رَيًّا ورِيًّا، ورِوًى، مثل رِضًى، وتكون التروية مصدرًا، من باب التفعيل، تقول: روّيته الماء ترويةً، وأما قول من قال: لأن آدم ﵇ رأى فيه حوّاء، فغير صحيح من حيث الاشتقاق؛ لأن رأى الذي هو من الرؤية، مهموز العين، معتلّ اللام، نعم جاء من هذا الباب ترئية، وتريّة، ولم يجئ تروية، فالأول من قولك: رأت المرأة ترئية: إذا رأت الدم القليل عند الحيض، والثاني اسم الخرقة التي تعرف بها المرأة حيضها من طهرها، وأما بقية الأقوال، فكون أصلها من الرؤية غير مستبعد، ولكن لم يجئ لفظ التروية منها؛ لعدم المناسبة بينهما في الاشتقاق، وأما قول من قال: هو من الرواية، فبعيد جدًّا؛ لأنه لم يجئ تروية من هذا الباب؛ لعدم الاشتقاق بينهما. انتهى . (قَالَ) أنس -﵁- (بِمِنًى) الباء بمعنى «في»، متعلّق بفعل مقدّر يدلّ عليه السؤال، أي صلّاها في «منى» (قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟) بفتح النون، وسكون الفاء، وتُفتح: وهو الرجوع من منى بعد انقضاء أعمال الحجّ، وللحجاج نَفْران: الأول: هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني: هو اليوم الثالث منها، وهو الثالث عشر من ذي الحجة، وهو المراد هنا؛ لأنه الذي نَفَرَ فيه النبيّ -ﷺ- في حجته (قَالَ: بِالْأَبْطَحِ) أي صلّاها فيه، وهو مكان متّسع بين مكة ومنى، والمراد به المحصّب (ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ مَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) وفي رواية للبخاريّ: «فقال: انظر حيث يصلّي أمراؤك، فصلّ»، وإنما قال أنس -﵁- ذلك؛ لأنه لما بيّن له المكان الذي صلى فيه النبيّ -ﷺ- الظهر يوم التروية، وهو منى، خَشِي عليه أن يَحرص على ذلك، فيُنسَبَ إلى المخالفة، أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فقال له: صلّ مع الأمراء حيث يصلّون؛ لأن هذا ليس من النسك الواجبة، بل من مستحبّاتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفق عليه. [تنبيه]: قال الإمام الترمذيّ ﵀بعد أن أخرج هذا الحديث-: ما نصّه: صحيح يُستغرب من حديث إسحاق الأزرق، عن الثوريّ، قال الحافظ ﵀: يعني أن إسحاق تفرد به، وأظن أن لهذه النكتة أردفه البخاريّ بطريق أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز، ورواية أبي بكر، وإن كان قَصَّرَ فيها كما سنوضحه ، لكنها متابعة قويّة لطريق إسحاق. قال: وقد وجدنا له شواهد، منها ما وقع في حديث جابر الطويل في صفة الحج عند مسلم: «فلما كان يومُ التروية توجهوا إلى منى، فأهلّوا بالحج، وركب رسول الله -ﷺ-، فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر …» الحديث، وروى أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، والحاكم، من حديث ابن عباس -﵄- قال: «صلى النبيّ -ﷺ- بمنى خمس صلوات»، وله عن ابن عمر -﵄-: أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنى يوم التروية، وذلك أن رسول الله -ﷺ- صلى الظهر بمنى، وحديث ابن عمر في «الموطإ» عن نافع عنه موقوفًا، ولابن خزيمة، والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر، وما بعدها، والفجر بمنى، ثم يَغْدُون إلى عرفة. انتهى . [تنبيه آخر]: رواية أبي بكر بن عيّاش المذكورة أخرجها البخاريّ ﵀، فقال: (١٦٥٤) - حدّثنا عليّ ، سمع أبا بكر بن عياش، حدّثنا عبد العزيز، لقيت أنسًا (ح) وحدّثني إسماعيل بن أبان، حدّثنا أبو بكر ، عن عبد العزيز، قال: خرجت إلى منى يوم التروية، فلقيت أنسًا -﵁- ذاهبًا على حمار، فقلت: «أين صلى النبيّ -ﷺ- هذا اليوم الظهر؟ فقال: انظر حيث يصلي أمراؤك، فَصَلّ». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «انظر حيث يصلي أمراؤك، فَصَلِّ» هذا فيه اختصار، توضحه رواية سفيان، وذلك أنه في رواية سفيان بَيَّن له المكان الذي صلى فيه النبيّ -ﷺ- الظهر يوم التروية، وهو منى، كما تقدم، ثم خَشِيَ عليه أن يَحْرِص على ذلك، فيُنسَب إلى المخالفة، أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فقال له: صَلِّ مع الأمراء، حيث يصلّون. قال: ولما خلت رواية أبي بكر بن عياش عن القدر المرفوع، وقع في بعض الطرق عنه وَهَمٌ، فرواه الإسماعيليّ من رواية عبد الحميد بن بيان عنه، بلفظ: «أين صلى النبيّ -ﷺ- الظهر هذا اليوم؟ قال: صَلَّى حيث يصلي أمراؤك»، قال الإسماعيليّ: قوله: صَلَّى غلط. قال الحافظ: وَيحْتَمِل أن يكون كانت صَلِّ بصيغة الأمر، كغيرها من الروايات، فأَشبع الناسخ اللام، فكتب بعدها ياء، فقرأها الراوي بفتح اللام. وأغرب الحميديّ في «جمعه» فحذف لفظ: «فصَلِّ» من آخر رواية أبي بكر بن عياش، فصار ظاهره أن أنسًا أخبر أنه صلى حيث يصلي الأمراء، وليس كذلك، فهذا بعينه الذي أطلق الإسماعيليّ أنه غلط. وقال أبو مسعود في «الأطراف»: جَوَّد إسحاق، عن سفيان هذا الحديث، ولم يُجَوِّده أبو بكر بن عياش. قال الحافظ: وهو كما قال، وقد قدّمتُ عذر البخاريّ في تخريجه، وأنه أراد به دفع من يتوقف في تصحيحه؛ لتفرد إسحاق به، عن سفيان. قال: ووقع في رواية عبد الله بن محمد في هذا الباب زيادة لفظة، لم يتابعه عليها سائر الرواة، عن إسحاق، وهي قوله: «أين صلى الظهر والعصر»، فإن لفظ «العصر» لم يذكره غيره، فسيأتي في أواخر صفة الحجّ، عن أبي موسى، محمد بن المثنى عند البخاريّ، وكذا أخرجه ابن خزيمة، عن أبي موسى، وأخرجه أحمد في «مسنده»، عن إسحاق نفسه، وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب، وأبو داود، عن أحمد بن إبراهيم، والترمذيّ، عن أحمد بن مُنِيع، ومحمد بن وزير، والنسائيّ، عن محمد بن إسماعيل ابن علية، وعبد الرحمن بن محمد بن سلّام، والدارميّ، عن أحمد بن حنبل، ومحمد بن أحمد، وأبو عوانة في «صحيحه»، عن سعدان بن يزيد، وابنُ الجارود في «المنتقى» عن محمد بن وزير، وسَمُّويه في «فوائده» عن محمد بن بشار بندار، وأخرجه ابن المنذر، والإسماعيليّ من طريق بندار، زاد الإسماعيليّ: وزهير بن حرب، وعبد الحميد بن بيان، وأحمد بن منيع كلّهم، وهم اثنا عشر نفسًا عن إسحاق الأزرق، ولم يقل أحد منهم في روايته: «والعصرَ». وادَّعَى الداوديّ أن ذكر العصر هنا وَهَمٌ، وإنما ذكر العصر في النَّفْر. وتُعُقِّب بأن العصر مذكور في هذه الرواية في الموضعين، وقد تقدم التصريح في حديث جابر عند مسلم، بأنه صلى الظهر والعصر، وما بعد ذلك إلى صبح يوم عرفة بمنى، فالزيادة في نفس الأمر صحيحة، إلا أن عبد الله بن محمد تفرد بذكرها، عن إسحاق، دون بقية أصحابه. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ٣١٦٧] (١٣٠٩)، والبيخاريّ) في «الحجّ» (١٦٥٣ و١٦٥٤ و١٧٥٦ و١٧٦٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩١٢)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٦٤)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٤٩) و«الكبرى» (٢/ ٤١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٧٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٩٥٨ و٢٧٩٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٦٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٧٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ١٠٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان المكان الذي يصلي فيه الحجاج الظهر يوم التروية، وهو منى، فيستحبّ إقامة الظهر يوم التروية بمنى، بل يصلي فيه الصلوات الخمس؛ لأنه -ﷺ- خرج إلى منى، فصلى خمس صلوات، وذكر أبو سعيد النيسابوريّ في «كتاب شرف المصطفى» أن خروجه -ﷺ- يوم التروية كان ضحى، وفي «سيرة الملا» أنه -ﷺ- خرج إلى منى بعدما زاغت الشمس، وفي «شرح الموطا» لأبي عبد الله القرطبيّ: خرج -ﷺ- إلى منى عشيّة يوم التروية. ٢ - (ومنها): بيان شدّة اهتمام السلف -﵃- في السؤال عن سنن رسول الله -ﷺ- حتى يعملوا بها، كما حثّ الله ﷿ على ذلك بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾. ٣ - (ومنها): الإشارة إلى متابعة أُولي الأمر، والاحتراز عن مخالفة الجماعة، لأن أنسًا -﵁- قال: «صلّ حيث يصلي أمراؤك»، قال في «الفتح»: وفيه إشعار بأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمكان معين، فأشار أنس إلى أن الذي يفعلونه جائز، وإن كان الاتباع أفضل. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الظهر بمنى يوم التروية: قال في «الفتح»: وفي الحديث أن السنة أن يصلّي الحاجّ الظهر يوم التروية بمنى، وهو قول الجمهور، وروى الثوريّ في «جامعه» عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير صلّى الظهر يوم التروية بمكة، وقد روى القاسم عنه أن السنّة أن يصليها بمنى، فلعله فعل ما نقله عمرو عنه للضرورة، أو لبيان الجواز، وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس -﵄-، قال: «إذا زاغت الشمس، فليرح إلى منى». قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير: إن من السنة أن يصلي الإمام الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار، قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلّف عن منى ليلة التاسع شيئًا. ثم روى عن عائشة -﵂- أنها لم تخرج من مكّة يوم التروية حتى دخل الليل، وذهب ثلثه، قال ابن المنذر: والخروج إلى منى في كلّ وقت مباح، إلا أن الحسن، وعطاء، قالا: لا بأس أن يتقدّم الحاجّ إلى منى قبل يوم التروية بيوم، أو يومين، وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي، إلا إن أدركه وقت الجمعة، فعليه أن يصلّيها قبل أن يخرج. انتهى ما في «الفتح» . وقال في «العمدة» نقلًا عن النوويّ ﵀: ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة حتى يُصَلُّوا الظهر في أول وقتها، هذا هو الصحيح المشهور من منصوص الشافعيّ، وفيه قول ضعيف أنهم يصلّون الظهر بمكة، ثم يخرجون، وقال المهلّب: الناس في سعة من هذا، يخرجون متى أحبّوا، ويصلّون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس: «صلّ حيث يصلي أمراؤك»، والمستحبّ في ذلك ما فعله النبيّ -ﷺ-: «صلى الظهر والعصر بمنى»، وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف بالبيت سبعًا، ويركع، ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء، وكانت عائشة -﵂- تخرج ثلث الليل، وهذا يدلّ على التوسعة، وكذلك ترك المبيت بمنى ليلة عرفة ليس فيه حرج، إذا وافى عرفة ذلك الوقت الذي يخيّر، وليس فيه جبر كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف، أيام رمي الجمار، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التي تؤيّده الأدلة الصحيحة استحباب الصلوات الخمس في منى من ظهر يوم التروية إلى فجر عرفة، ففي حديث جابر -﵁- الطويل الذي تقدّم للمصنّف: «فلما كان يوم التروية توجّهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول الله -ﷺ-، فصلّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر …» الحديث. وروى أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، والحاكم، من حديث ابن عبّاس -﵄-، قال: «صلّى النبيّ -ﷺ- الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة بمنى»، ولأحمد من حديثه: «صلّى النبيّ -ﷺ- بمنى خمس صلوات»، ولابن خزيمة، والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، قال: «من سنة الحجّ أن يصلّي الإمام الظهر وما بعدها، والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة». فلا ينبغي للحاجّ أن يُهمل هذه السنة، فيتأخّرَ بمكة، وكذا لا ينبغي له أن يتقدّم قبل يوم التروية بيوم أو يومين، إذ هو مخالف للسنّة التي حثّ عليها النبيّ -ﷺ- حيث قال: «خذوا عني مناسككم»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ النُّزُولِ بِالْمُحَصَّبِ يَوْمَ النَّفْرِ، وَالصَّلَاةِ بِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٨] (١٣١٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو قبلها (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٢. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَأَبَا بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (وَعُمَرَ) بن الخطّاب -﵁- (كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ) هو الوادي المبطوح بالبطحاء، قال في «اللسان»: الأبطح: مَسِيل واسع فيه دُقَاق الحصى، وقيل: بطحاءُ الوادي ترابٌ ليِّنٌ مما جرّته السيولُ، والجمع بطحاوات، وبِطاحٌ، وقال أيضًا: البطحاءُ هو الحصى الصغار، وقال ابن الأثير: بطحاء الوادي، وأبطحه: حصاه الليّن في بطن المسيل. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وسيأتي بيان مسائله في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٩] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُويرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْحَصْبَةِ، قَالَ نَافِعٌ: قَدْ حَصَّبَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (صَخْرُ بْنُ جُوَيْريَةَ)، أبو نافع، مولى بني تميم، ويقال: مولى بني هلال، قال أحمد: ثقةٌ ثقةٌ، وقال القطّان: ذهب كتابه، ثم وجده، فتُكُلّم فيه لذلك [٧]. رَوَى عن أبي رجاء العُطَارديّ، وعائشة بنت سعد، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم. وروى عنه أيوب السختيانيّ، وهو أكبر منه، وأبو عمرو بن العلاء، وهو من أقرانه، وحماد بن زيد، وبشر بن المفضَّل، ويحيى القطان، وابن عُلَيّة، وابن مهديّ وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان مولى لبني تميم، وكان ثقةً ثبتًا، وقال عفانّ: كان أثبت في الحديث، وأعرف به من جويرية بن أسماء، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: لا بأس به، وقال أبو داود: تُكلِّم فيه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الذُّهليّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح، وذكر ابن أبي خيثمة في «تاريخه»، قال: رأيت في كتاب عليّ: قال يحيى بن سعيد: ذهب كتاب صخر، فبُعِث إليه من المدينة، وفيه أيضًا: سمعت ابن معين يقول: صخر بن جويرية ليس حديثه بالمتروك، إنما يُتَكَّلم فيه لأنه يقال: إن كتابه سقط. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٣١٠) و(١٧٣٥) و(٢١٢٤) و(٢٢٧١) و(٣٠٠٣). والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) -﵄- (كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً) أي يعتقد النزول بالْمُحصّب من سنن الحجّ، قال المجد ﵀: التحصيب: النوم بالْمُحصّب: الشِّعْب الذي مخرجه إلى الأبطح ساعةً من الليل، أو الْمُحصّب موضع رمي الجمار بمنًى. انتهى . (وَكَانَ) ابن عمر -﵄- (يُصَلِّي الظُّهْرَ) أي والعصر، والمغرب، والعشاء، كما في الرواية الأخرى، ففي رواية البخاريّ من طريق خالد بن الحارث الْهُجيميّ، عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر -﵄- كان يصلي بها -يعني المحصّب- الظهر والعصر -أحسبه قال: والمغرب، قال خالد: لا أشك في العشاء- ويهجع هجعةً، ويذكر ذلك عن النبيّ -ﷺ-. وقد أخرجه الإسماعيليّ بدون شكّ من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب، وعن عبيد الله بن عمر جميعًا عن نافع: «أن ابن عمر كان يصلي بالأبطح الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم يَهْجع هَجْعةً». وأخرج البخاريّ عن أنس بن مالك -﵁- عن النبيّ -ﷺ-: أنه صلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ورَقَد رقدة بالمحصّب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به. قال الجامع عفا الله عنه: قد دلّ حديثا ابن عمر، وأنس -﵃- المذكوران على أنه يستحبّ للحاج أن يصلي بالمحصّب الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ويبيت به بعض الليالي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَوْمَ النَّفْرِ) متعلّق بـ«يصلي»، وهو بفتح النون، وسكون الفاء، قال الفيّوميّ ﵀: نفر الحاجّ من منى -أي من بابي ضرب، وقعد- دَفَعُوا، وللحاجّ نَفْران، فالأول هو اليوم الثاني من أيّام التشريق، والنَّفْرُ الثاني هو اليوم الثالث منها. انتهى . (بِالْحَصْبَةِ) متعلّق بـ «يُصلّي»، وهو بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين: هي المحصّب، قال النوويّ ﵀: الْمُحَصَّب -بفتح الحاء والصاد المهملتين- والحصبة -بفتح الحاء، وإسكان الصاد- والأبطح، والبطحاء، وخَيف بني كنانة اسم لشيء واحد، وأصل الخيف: كل ما انحدر عن الجبل، وارتفع عن المسيل. انتهى . (قَالَ نَافِعٌ: قَدْ حَصَّبَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي نزل المحصّب (وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ) هذه الرواية ظاهرة في أن قوله: «حصّب رسول الله -ﷺ- … إلخ»، مرسل، ورواية أيوب السابقة صريحة في كونه متّصلًا؛ لأنه قال: «عن ابن عمر أن النبيّ -ﷺ- … إلخ»، وقد أخرج البخاريّ الرواية المرسلة من طريق خالد بن الحارث، فقال: «حدّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب، حدّثنا خالد بن الحارث، قال: سُئل عبيد الله عن المحصّب، فحدّثنا عبيد الله عن نافع، قال: نزل بها رسول الله -ﷺ-، وعمر، وابن عمر -﵄-». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «نزل بها رسول الله -ﷺ- … إلخ» هو عن النبيّ -ﷺ- مرسلٌ، وعن عمر منقطع، وعن ابن عمر موصولٌ، وَيحْتَمِل أن يكون نافع سمع ذلك من ابن عمر، فيكون الجميع موصولًا. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ٣١٦٨ و٣١٦٩] (١٣١٠)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٢١)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٠٦٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٨٩ و١٣٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٩٠ و٢٩٩٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٨٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالأبطح، والمحصّب في هذه الروايات: قال الحافظ وليّ الدين ﵀ في «شرح التقريب»: «الأبطح»: هو الوادي المبطوح بالبطحاء، و«الْمُحَصَّب» -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، والصاد المهملة المشددة- الذي فيه الحصباء، والبطحاء، والحصباء بمعنى واحد: الحصى الصغار، والمراد به هنا موضع مخصوص، وهو مكان مُتَّسِعٌ بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، وهو اسم لما بين الجبلين إلى المقبرة، قال القاضي عياض: وحدّه: من الحجون، ذاهبًا إلى منى، وزعم الدراورديّ أنه ذو طوى، ولم يقل شيئًا. قال النوويّ: المحصَّب -بفتح الحاء والصاد المهملتين- والحصبة -بفتح الحاء، وإسكان الصاد- والأبطح، والبطحاء، وخَيف بني كنانة اسم لشيء واحد، وأصل الخيف كل ما انحدر عن الجبل، وارتفع عن المسيل. وذكر ابن عبد البر أن الأبطح المذكور في حديث ابن عمر، وفي حديث عائشة هذا، وفي حديث أبي رافع الآتي ذكره غير المحصَّب، والبطحاء، وخَيف بني كنانة المذكور في حديث أبي هريرة الآتي ذكره، وأن المراد بالأول البطحاء التي بذي الحليفة، قال: وهذه البطحاء هي المعروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالْمُعَرَّس. انتهى. وهو مردود، والصواب ما ذكره النوويّ، من أن هذه المذكورات كلَّها عبارة عن شيء واحد، وَيرُدُّ ما ذكره ابن عبد البر أن لفظ حديث أبي رافع عند مسلم: «لم يأمرني رسول الله -ﷺ- أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت، فضربت قبته، فجاء، فنزل»، فهذا صريح في أن المراد بالأبطح المكان الذي عند منى. قال وليّ الدين: إذا تقرر أن الأبطح هو المحصَّب الذي عند منى، فكون عائشة -﵂- لم تكن تنزله عند النَّفْر يَحْتَمِل أن يكون لاعتقادها أنه ليس من المناسك، وإن كان سنةً مستقلةً، وَيحْتَمِل أنه لاعتقادها أنه ليس مستحبًّا أصلًا، وحينئذ فنزول النبيّ -ﷺ- به يَحْتَمِل أن يكون جرى اتفاقًا لا عن قصد، كغيره من منازل الحجّ، ويَحْتَمِل أنه مقصود، لكن لمصلحة دنيوية، ويؤيد الاحتمال الأول حديث أبي رافع المتقدم، فإنه ذكر فيه أنه -ﷺ- لم يأمره بذلك، ويؤيد الاحتمال الثاني قول عائشة -﵂- إنه -ﷺ- إنما نزله؛ لكونه أسمح لخروجه، فدلّ على أنه قصد ذلك لهذا المعنى، لا لكونه قربة، ويدلّ على أن النزول فيه كان بالقصد حديثُ أبي هريرة -﵁-، وهو في «الصحيحين» قال: قال رسول الله -ﷺ- من الغد يومَ النحر، وهو بمنى: «نحن نازلون غدًا بخيف كنانة، حيث تقاسموا على الكفر»، وفي «صحيح البخاريّ» أيضًا عن أسامة بن زيد، قال: قلت: يا رسول الله أين تنزل؟ وذلك في حجته، قال: «وهل تَرَكَ لنا عَقِيل منزلًا؟ نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر»، يعني بذلك المحصَّب. وحينئذ فنحتاج إلى الجواب عن حديث أبي رافع. وقد يجاب عنه بأنه إنما نَفَى أمر النبيّ -ﷺ- له بذلك، ولعله بلغه كلام النبيّ -ﷺ-، أو سمع كلامه، ففعل ذلك بغير أمره، أو وُفِّق لما أراده النبيّ -ﷺ- من غير أن يأمره به، وأيضًا، فإنه إنما نَفَى أمره بذلك حين خروجه من منى، فلعله أمره بذلك في وقت آخر، وهذا بعيد. [فإن قلت]: ففي رواية أخرى للبخاريّ من حديث أبي هريرة: «منزلنا - إن شاء الله- إذا فتح الله الخيفُ، حيث تقاسموا على الكفر»، وهذه تدلّ على أنه قاله في الفتح، وذكر البخاريّ في حديث أبي هريرة -﵁- أيضًا أن ذلك كان حين أراد النبيّ -ﷺ- حنينًا، فهذه تقتضي أن المراد نصره في حنين، لا في الفتح، وفي رواية للبخاريّ في حديث أسامة -﵁-: «منزلنا -إن شاء الله- إذا فتح الله الخيفُ». [قلت]: قد جَمَع بينها المحبّ الطبريّ ﵀ بأن ذلك جرى منه -ﷺ- مرّات، فقال: تكرر منه هذا القول في استقبال فتح مكة، وهو أول أوقات غلبة دين الله تعالى على الكفر، وتنكيس رأس الكفر بها، ثم قاله حين أراد غزو هوازن بحنين، ثم قاله في حجة الوداع، وقال ذلك في الأوقات المذكورة؛ شكرًا لله تعالى، وإظهارًا للدين، وحكم الإسلام، حيث تقاسموا على الكفر، وحيث أظهروا الكفر. انتهى. ومعنى قوله: «حيث تقاسموا على الكفر»: تحالفوا، وتعاهدوا عليه، وهو تحالفهم على إخراج النبيّ -ﷺ-، وبني هاشم، وبني المطلب من مكة إلى هذا الشعب، وهو خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة، وكتبوا أنواعًا من الباطل، وقطيعة الرحم والكفر، فأرسل الله تعالى عليها الأَرَضَة فأكلت كل ما فيها من كفر، وقطيعة رحم وباطل، وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى، فأخبر جبرائيل ﵇ النبيّ -ﷺ- بذلك، فأخبر به النبيّ -ﷺ- عمه أبا طالب، فجاء إليهم أبو طالب، فأخبرهم عنه -ﷺ- بذلك، فوجدوه كما أخبر، والقصة مشهورة، وهذا يقتضي أنه -ﷺ- فعل النزول هناك قصدًا؛ لهذه المصلحة الدينية، وهو الشكر لله تعالى على إظهار الدين، ودحض الكفر، وإعلاء كلمة الله تعالى، وإتمام نعمته على المسلمين، وقد تقدم كلام المحبّ الطبريّ في ذلك، وقال النوويّ: قال بعض العلماء: كان نزوله -ﷺ- هناك شكرًا لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء، وعلى إظهار دين الله تعالى. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال، وأدلّتها في هذه المسألة أن الأرجح القول بأن نزوله -ﷺ- بالمحصّب كان قصدًا؛ شكرًا لله تعالى، فينبغي للحجاج نزوله؛ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، وحرصًا على اتّباع السنّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم النزول بالمحصّب: قال الحافظ وليّ الدين ﵀: ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب للحاجّ إذا فرغ من الرمي، ونَفَر من منى أن يأتي المحصَّب، وينزل به، ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به ليلة الرابع عشر، وفي «صحيح البخاريّ» وغيره، عن أنس بن مالك -﵁-: أن النبي -ﷺ- صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رَقَدَ رَقْدَة بالمحصَّب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به، وفي «صحيح مسلم»، عن نافع، أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنةً، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة، قال نافع: قد حصب رسول الله -ﷺ-، والخلفاء بعده، وفي «صحيح البخاريّ» من رواية خالد بن الحارث، قال: سئل عبيد الله، عن المحصَّب، فحدّثنا عن نافع، قال: نزل بها رسول الله -ﷺ-، وعمر وابن عمر، وعن نافع، أن ابن عمر -﵄- كان يصلي بها -يعني المحصب- الظهر والعصر، أحسبه قال: والمغرب، قال خالد: لا أشك في العشاء، ويَهْجَعُ هَجْعَةً، ويَذْكُر ذلك عن النبيّ -ﷺ-، قالوا: ولو تَرَكَ النزول به فلا شيء عليه، ولا يؤثِّر في نسكه؛ لأنه سنة مستقلة، ليس من سنن الحجّ، قال: وما ذكرته من استحباب النزول به، هو قول الأئمة الأربعة، وتقدم من «صحيح مسلم» عن أبي بكر وعمر وابنه، أنهم كانوا يفعلون ذلك، وإن كانت تلك الرواية مرسلةً؛ لأنها من رواية سالم، فقد روى مسلم أيضًا من رواية نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ -ﷺ- وأبا بكر وعمر، كانوا ينزلون بالأبطح، ورواه الترمذيّ، وابن ماجه، وفيه زيادة ذكر عثمان، وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: أن عمر قال: يا آل خزيمة حَصِّبوا ليلة النفر، وعن الأسود أنه نزل بالأبطح، فسمع دعاءً، فنظر فإذا هو ابن عمر يرتحل، وعن سعيد بن جبير أنه لما نَفَر أتى الأبطح حين أقبل من منى. وعن إبراهيم النخعيّ: إذا انتهى إلى الأبطح، فليضع رحله، ثم لِيَزُر البيت، وليضطجع فيه هُنَيهةً، ثم لينفر، وعن طاوس أنه كان يُحَصِّب في شِعْب الخَور. وأنكر التحصيب جماعة من السلف، فروى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس -﵄- قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله -ﷺ-، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» أنه كان لا ينزل الأبطح، وقال: إنما فعله رسول الله -ﷺ-؛ لأنه انتظر عائشة، وعن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، أنهم كانوا لا يُحَصِّبون، وعن مجاهد أيضًا أنه أنكره. وقال ابن المنذر: كانت عائشة لا تُحَصِّب هي، ولا أسماء، وكان سعيد بن جبير يفعل ذلك، ثم تركه. وقال النوويّ: كان أبو بكر وعمر وابن عمر، والخلفاء -﵃- يفعلونه، وكانت عائشة، وابن عباس لا يقولان به، ويقولان: هو منزل اتفاقيّ، لا مقصودٌ، فحصل خلاف بين الصحابة -﵃-، ومذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور استحبابه، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه. انتهى. لكنه في «شرح المهذَّب» حَكَى عن القاضي عياض، أنه قال: النزول بالمحصَّب مستحب عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيين آكد منه عند الكوفيين، وأجمعوا على أنه ليس بواجب. انتهى، ولم يعترضه في نقل الاتفاق، وأخذ ذلك منه الحافظ زكيّ الدين عبد العظيم، فقال: وهو مستحب عند جميع العلماء، قال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: وفيما قاله نظرٌ؛ فإن الترمذيّ حَكَى استحبابه عن بعض أهل العلم، ثم حَكَى كلام النوويّ المتقدم، ثم قال: وهذا هو الصواب. وقال ابن عبد البرّ في «الاستذكار»: هو عند مالك، وجماعة من أهل العلم مستحبّ، إلا أنه عند مالك والحجازيين آكد منه عند الكوفيين، والكل مجمع على أنه ليس من مناسك الحج، وأنه ليس على تاركه فدية ولا دم، والظاهر أن القاضي عياضًا إنما أخذ كلامه المتقدم من ابن عبد البرّ، وسقطت عليه لفظة: «مِنْ»، فبقي: وجماعة أهل العلم، والخلاف في ذلك موجود، على أن بعض العلماء أوَّل كلام من أنكره، على أنه أنكر كونه من المناسك، لا أصل استحبابه، فحَكَى الترمذيّ عن الشافعيّ أنه قال: نزول الأبطح ليس من النسك في شيء، إنما هو منزل نزله رسول الله -ﷺ-، وقال العراقيّ في «شرح الترمذيّ: قول ابن عباس: ليس التحصيب بشيء، أي ليس بشيء من المناسك، كما هو مُفَسَّر في كلام الشافعيّ، فقد وعدهم النبيّ -ﷺ- أن ينزل به، كما في حديث أبي هريرة، وأسامة -﵄-. وقال ابن المنذر في كلام عائشة -﵂- المتقدم: فدل قولها هذا على أن نزول المحصَّب ليس من المناسك، ولا شيء على من تركه، من فدية، ولا غيرها. وحَكَى ابن عبد البرّ في الكلام عن حديث بطحاء ذي الحليفة عن بعض أهل العلم، أنه جعله من المناسك التي ينبغي للحاج نزولها، والمبيت فيها، وكلام صاحب «الهداية» من الحنفية يقتضي أنه من المناسك، فإنه صحح أن النزول به كان قصدًا أرى للمشركين لطيفَ صنع الله به، وقال: فصار سنةً، كالرمل في الطواف. وحَكَى أبو عمرو ابن الحاجب عن مالك، أنه وَسَّعَ في النزول بالمحصَّب على من لا يقتدي به، وكان يفتي به سرًّا، فحصل من ذلك أربعة مذاهب: إنكاره، واستحبابه نسكًا، أو غير نسك، والفرق بين المقتدي به وغيره. قال العراقيّ ﵀: إذا تقرر أن نزول المحصب لا تعلّق له بالمناسك، فهل لكل أحد أن ينزل فيه إذا مرّ به؟ يَحْتَمِل أن يقال باستحبابه مطلقًا، وَيحْتَمِل أن يقال باستحبابه للجمع الكثير، وإظهار العبادة فيه إظهارًا لشكر الله تعالى على رَدّ كيد الكفار، وإبطال ما أرادوه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول باستحباب النزول بالمحصّب مطلقًا هو الأرجح؛ اقتداء برسول الله -ﷺ-، والخلفاء الراشدين، وقد أسلفت تحقيقه في المسألة الماضية، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٠] (١٣١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قريبًا. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق -﵄-، تقدّمت أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهم؛ لاتحاد كفيّة الأخذ والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن هِشَام بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: نُزُولُ الْأَبْطَحِ) أي: عند النفر من منى، أي النزول فيه (لَيْسَ بِسُنَّةٍ) زاد في رواية أبي داود: «فمن شاء نزل، ومن شاء لم ينزل»، قال ابن المنذر ﵀: «ليس بسنّة: أي من أمر المناسك الذي يلزم فعله، وروى أحمد من طريق ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: ثم ارتحل حتى نزل الحصبة، قالت: والله ما نزلها إلا من أجلي. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت أن الحقّ أن التحصيب سنّة؛ اتِّباعًا للنبيّ -ﷺ-، والخلفاء الراشدين بعده، كما رواه مسلم في الباب. وقد جمع في«الفتح»بين الآثار المختلفة في الباب، فقال -عند الكلام على حديث ابن عبّاس -﵄- الآتي:«ليس التحصيب سنّة»-: من نفى أنه سنّة، كعائشة وابن عبّاس -﵃- أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته، كابن عمر﵄- أراد دخوله في عموم التأسّي بأفعاله -ﷺ-، لا الإلزام بذلك. انتهى . (إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ) أي: أسهل لمخرجه إلى المدينة؛ ليجتمع الناس إليه مدّة مُقَامه، ثم يرحلوا لرحيله، فليس ذاك لقصد النسك حتى يكون سنة (إِذَا خَرَجَ) أي: إذا أراد الخروج متوجّهًا إلى المدينة؛ يستوي في ذلك البطيء والمعتدل ويكون مبيتهم، وقيامهم في السحر، ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ٣١٧٠ و٣١٧١ و٣١٧٢] (١٣١١)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٧٦٥)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠٠٨)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٢٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٦٨)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٠٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤١ و١٩٠ و٢٠٧ و٢٣٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه، (٢٩٨٧ و٢٩٨٨)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(٢٠٨)، و(ابن راهويه) في»مسنده«(٢/ ١٧٣ و٣٢٩ و٣٥٨)، و(أبو نعيم) في»مستخرجه«(٣/ ٣٨٧ و٣٨٨)، و(البيهقيّ) في»الكبرى« (٥/ ١٦١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧١] (…) - (وَحَدَّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زْيدٍ) تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو كَامِلٍ) فضيل بن الحسين الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٥ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٦ - (حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ) أبو محمد البصريّ، مولى مَعْقل بن يسار، اختلف في اسم أبيه، فقيل: زائدة، وقيل: زيد، صدوقٌ [٦] (١٣٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ١١/ ٨٨٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ) يعني كلّ هؤلاء الثلاثة: حفص بن غياث، وحماد بن زيد، وحبيب المعلِّم. [تنبيه]: رواية حفص بن غياث عن هشام، ساقها ابن ماجه ﵀ في «سننه»، فقال: (٣٠٥٨) - حدّثنا هنّاد بن السّريّ، حدّثنا ابن أبي زائدة، وعبدة، ووكيع، وأبو معاوية (ح) وحدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا وكيع، وأبو معاوية (ح) وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إن نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله -ﷺ-؛ ليكون أسمح لخروجه. انتهى. وأما رواية حماد بن زيد، عن هشام، فساقها أبو نعيم ﵀، في «مستخرجه» (٣/ ٣٨٨) فقال: (٣٠٢٤) - وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو يعلى، ثنا أبو الربيع، ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إنما كان المحصب منزل نزله رسول الله -ﷺ-؛ ليكون أسمح لخروجه. انتهى. وأما رواية حبيب المعلّم، عن هشام، فساقها الترمذيّ ﵀ في «جامعه»، فقال: (٨٤٦) - حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا حبيب المعلِّم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إنما نزل رسول الله الأبطح؛ لأنه كان أسمح لخروجه، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٢] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنَ عُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم. ٥ - (سَالُمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكرا في هذا الباب، وقبله بباب. وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ … إلخ) هو موصول بالسند السابق، وليس معلّقًا. [تنبيه]: أثر سالم هذا منقطع بالنسبة لأبي بكر وعمر -﵄-؛ لأن الظاهر أنه لم يدرك القصّة، ومتّصل بالنسبة لابن عمر -﵄-؛ لأنه أدركها، والقاعدة أن من حكى قصّة، أو واقعة حضرها، فهو متّصل، وإن لم يحضرها فمنقطع، قال السيوطيّ ﵀ في «ألفيّة الحديث»: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى لكن تقدّم موصولًا من رواية نافع، عن ابن عمر: «أن النبيّ -ﷺ-، وأبا بكر، وعمر كانوا ينزلون الأبطح». وأما رواية الزهريّ، عن عروة هنا، فمتّصلة مرفوعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٣] (١٣١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديث. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب. ٦ - (عَمْرُو) بن دينار المكيّ، تقدّم قريبًا. ٧ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم أيضًا قريبًا. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) البحر الحبر -﵄-، تقدّم قبل باب، وشرح الحديث تقدّم مستوفًى في شرح حديث عائشة -﵂-. وقول سفيان بن عيينة: (عَنْ عَمْرٍو) وفي رواية البخاريّ: «قال عمرٌو»، قال الدارقطنيّ: هذا الحديث سمعه سفيان من الحسن بن صالح، عن عمرو بن دينار، يعني أنه دَلّسه هنا عن عمرو. وتُعُقِّب بأن الحميديّ أخرجه في «مسنده» عن سفيان، قال: حدّثنا عمرو، وكذلك أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي خيثمة، عن سفيان، فانتفت تُهْمَة تدليسه، قاله في «الفتح» . وقوله: (لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ) ظاهره أنه ليس بسنّة، لكن تقدّم أن بعض العلماء أوّله بأنه أنكر كونه من المناسك، لا أصل استحبابه، فحَكَى الترمذيّ، عن الشافعيّ أنه قال: نزول الأبطح ليس من النسك في شيء، إنما هو منزل نزله رسول الله -ﷺ-، وقال العراقي في «شرح الترمذيّ»: قول ابن عباس -﵄-: «ليس التحصيب بشيء»: أي ليس بشيء من المناسك، كما هو مُفَسَّر في كلام الشافعيّ، فقد وَعَدَهم النبيّ -ﷺ- أن ينزل به، كما في حديث أبي هريرة وأسامة -﵄-، وقال ابن المنذر في كلام عائشة -﵂- المتقدم: فدلّ قولها هذا على أن نزول المحصَّب ليس من المناسك، ولا شيء على من تركه من فدية، ولا غيرها، أفاده وليّ الدين ﵀ في «شرح التقريب» . فال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت فيما سبق أن الحقّ كون النزول بالمحصّب سنّة؛ لأنه -ﷺ- نزله قصدًا، وكذا الخلفاء الراشدون، فتنبّه، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ٣١٧٣] (١٣١٢)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٧٦٦)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٢٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤٢٠٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ١٩١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢١ و٣٥١ و٣٦٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٧٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٨٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٤] (١٣١٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى، وَلَكِنِّي جِئْتُ، فَضَرَبْتُ فِيهِ قُبَّتَهُ، فَجَاءَ فَنَزَلَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ صَالِحٍ: قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: قَالَ: عَنْ أَبِي رَافِعٍ، وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) تقدّم قبل باب. ٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة -﵄-، ثقةٌ فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٩. ٥ - (أَبُو رَافِعٍ) الْقِبطيّ مولى رسول الله -ﷺ-، اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، أو ثابتٌ، أو هُرْمُز، مات -﵁- في خلافة عليّ -﵁- على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٧. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْن يَسَارٍ) أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ) -﵁- (لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ) أي: لأضرب له قبّته (حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى) أي: إلى مكة يوم النفر الثاني (وَلَكِنِّي جِئْتُ) الأبطح (فَضَرَبْتُ فِيهِ قُبَّتَهُ) بضم القاف، وتشديد الموحّدة: هي من الخيام بيت صغير مستديرٌ، وهو من بيوت العرب، وقيل: هي البناء من الأَدَم خاصّة، مشتقّ من ذلك، والجمع قُبَبٌ وقِبَابٌ، قاله في «اللسان» . (فَجَاءَ) النبيّ -ﷺ- (فَنَزَلَ) ظاهر حديث أبي رافع -﵁- هذا أنه ينفي سنيّة النزول بالمحصّب؛ لأنه -ﷺ- إنما نزله دون قصد، بل لمّا وجد أبا رافع ضرب قبّته هناك نزلها. وقد أجاد الحافظ ﵀ حيث علّق على كلام أبي رافع هذا ما خلاصته: لكن لما نزله النبيّ -ﷺ- كان النزول به مستحبًّا؛ اتّباعًا له -ﷺ- لتقريره على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده، كما رواه مسلم. انتهى باختصار . وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ صَالِحٍ: قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في معظم النسخ، ومعناه: أن الرواية الأولى، وهي رواية قتيبة وزهير قالا فيها: «عن ابن عيينة، عن صالح، عن سليمان»، وأما رواية أبي بكر، ففيها: «عن ابن عيينة، عن صالح، قال: سمعت سليمان»، وهذه الرواية أكمل من رواية «عن»؛ لأن السماع يُحتجّ به بالإجماع، وفي العنعنة خلاف ضعيفٌ، وإن كان قائلها غير مدلِّس، وقد سبقت المسألة. قال: ووقع في بعض النسخ: «قال أبو بكر في رواية صالح»، وفي بعضها: «قال أبو بكر في رواية: عن صالح، قال: سمعت سليمان»، والصواب الرواية الأولى، وكذا نقلها القاضي عن رواية الجمهور، وقال: هي الصواب. انتهى . وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قَالَ: عَنْ أَبِي رَافِعٍ) يعني أنه وقع في رواية قتيبة، بلفظ: «قال: عن أبي رافع» بدل ما وقع في رواية الآخرين بلفظ: «قال: قال أبو رافع». (وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أي: كان أبو رافع -﵁- خادمًا للنبيّ -ﷺ-، حافظًا لمتاعه، وهو -بفتح الثاء والقاف-: هو متاع المسافر، وما يَحْمِله على دوابه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ الآية [النحل: ٧]، قاله النوويّ ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: الثَّقَلُ: المتاع، والجمع أَثْقالٌ، مثلُ سبب وأسباب، قال الفارابيّ: الثَّقَلُ: متاع المسافر، وحَشَمُهُ. انتهى . وقال المجد ﵀: الثَّقَلٌ محرّكةً: متاع المسافر، وحَشَمُهُ، وكلُّ شيء نفيسٍ مصونٍ، ومنه الحديث: «إني تارك فيكم الثَّقَلَين: كتابَ الله، وعِتْرتي» . انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي رافع -﵁- هذا من أفراد المصنف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ٣١٧٤] (١٣١٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠٠٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٨٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٥] (١٣١٤) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا قبل باب، وشرح الحديث ومسائله تأتي في الحديث التالي؛ وإنما أخّرتها إليه؛ لكونه أتمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٦] (…) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَني الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ بِمِنًى: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ»، وَذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشًا، وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، يَعْني بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٢ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه، نسائيّ، ثم بغداديّ، والباقيان شاميّان. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، فانتفى عنه تهمة تدليس الوليد. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة مشهور بكنيته، والصحيح أنها اسمه، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو أحد المكثرين السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: عن أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ بِمِنًى) جملة حاليّة، أي والحال أننا بمنى، وقوله: (نَحْنُ نَازِلُونَ) مقول «قال» (غَدًا) أي: في اليوم التالي، قال الفيّوميّ ﵀: الغد: اليوم الذي يأتي بعد يومك على أَثَرِهِ، ثم توسّعوا فيه حتى أُطلق على البعيد الْمُتَرَقَّب، وأصله غَدْوٌ، مثل فَلْسٍ، لكن حُذفت اللام، وجُعلت الدال حرف إعراب، قال الشاعر [من الرجز]: لَا تَقْلُوَاهَا وَادْلُوَاهَا دَلْوَا … إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ أَخَاهُ غَدْوَا وفي الرواية الماضية: «نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ»، فزاد المشيئة؛ تبرّكًا، وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (بِخَيْفِ بَنِي كنَانَةَ) أي: في خيفهم، فالباء بمعنى «في»، والخيف -بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتانيّة، آخره فاء- هو ما انحدر من الجبل، وارتفع عن المسيل، و«كنانة» بكسر الكاف، وتخفيف النون الأولى، قاله في «العمدة» . وقال الفيّوميّ ﵀: والخيف ساكن الياء: ما ارتفع من الوادي قليلًا عن مسيل الماء، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه بُني في خيف الجبل، والأصل مسجد خيف منى، فخُفّف بالحذف، ولا يكون خيفٌ إلا بين جبلين. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «قال النبيّ -ﷺ- من الغد يومَ النحر، وهو بمنى نحن نازلون … إلخ» وقوله: «يومَ النحر» منصوب على الظرفيّة، أي قال ذلك في غداة يوم النحر، قال الكرمانيّ ﵀: [فإن قلت]: النزول في المحصَّب هو في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، لا في اليوم الثاني من العيد الذي هو الغد حقيقه. [قلت]: تُجُوِّز عن الزمان المستقبل القريب بلفظ الغد، كما يُتَجَوَّز بالأمس عن الماضي. انتهى . (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) أي: تحالفوا (عَلَى الْكُفْرِ) بالله تعالى، وبرسوله -ﷺ-، قال النوويّ ﵀: ومعنى «تقاسموا على الكفر»: تحالفوا، وتعاهدوا عليه، وهو تحالفهم على مقاطعة بني هاشم، وبني المطلب حتى يُسلموا لهم النبيّ -ﷺ-، وكان ذلك التحالف في خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة، وكتبوا فيها أنواعًا من الباطل، وقطيعة الرحم والكفر، فأرسل الله تعالى عليها الأَرَضَة، فأكلت كل ما فيها من كفر، وقطيعة رحم وباطل، وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى، فأخبر جبريل النبيّ -ﷺ- بذلك، فأخبر به النبيّ -ﷺ- عمه أبا طالب، فجاء إليهم أبو طالب، فأخبرهم عن النبيّ -ﷺ- بذلك، فوجدوه كما أخبر، والقصة مشهورة، قال بعض العلماء: وكان نزوله -ﷺ- هنا شكرًا لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء، وعلى إظهار دين الله تعالى. انتهى ببعض تصرّف ، وستأتي القصّة مطوّلة قريبًا -إن شاء الله تعالى-. كما أشار إلى كيفيّته بقوله: (وَذَلِكَ) أي: كيفيّة تحالفهم على الكفر (إِنَّ قُرَيْشًا) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع الخبر، ووقع في بعض النسخ مضبوطًا بالقلم بكسرها، والظاهر الأول، فتأمل (وَبَنِي كِنَانَةَ) قال في «العمدة»: عَطَفَ كنانة على قريش مع أن قريشًا هم أولاد النضر بن كنانة، فيكون من باب التعميم بعد التخصيص، وَيحْتَمِل أن يراد بكنانة غير قريش، فقريش قسيم له، لا قسم منه، قيل: لم يُعْقِب النضر غير مالك، ولا مالك غير فِهْر، فقريش ولد النضر بن كنانة، وأما كنانة فأعقب من غير النضر، فلهذا وقعت المغايرة. انتهى. وقال في «الفتح»: قوله: «أن قريشًا وكنانة» فيه إشعار بأن في كنانة من ليس قرشيًّا؛ إذ العطف يقتضي المغايرة، فيترجح القول بأن قريشًا من ولد فهر بن مالك، على القول بأنهم ولد كنانة، نعم لم يُعْقِب النضرُ غيرَ مالك، ولا مالكٌ غيرَ فِهْر، فقريش ولد النضر بن كنانة، وأما كنانة فأعقب من غير النضر، فلهذا وقعت المغايرة. انتهى . (تَحَالَفَتْ) كان القياس فيه تحالفوا، ولكن أفرده بصيغة المفرد المؤنّث باعتبار الجماعة (عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ) يعني لا يقع بينهم عقد نكاح، بأن لا يتزوج قرشي وكناني امرأة من بني هاشم وبني عبد المطلب، ولا يزوجوا امرأة منهم إياهم، وكذلك المعنى في قوله: (وَلَا يُبَايِعُوهُمْ) بأن لا يبيعوا لهم، ولا يشتروا منهم، وفي رواية محمد بن مصعب، عن الأوزاعيّ عند أحمد: «أن لا يناكحوهم، ولا يخالطوهم»، وفي رواية الإسماعيليّ: «ولا يكون بينهم وبينهم شيء»، وهي أعم، وهذا هو المراد بقوله في الحديث: «على الكفر» (حَتَّى يُسْلِمُوا) بضمّ أوله، وإسكان السين المهملة، وكسر اللام، أي: حتى يدفعوا (إِلَيْهِمْ) أي: إلى قريش، وكنانة (رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) حتى يقتلوه، وسيأتي القصّة مطوّلة في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. وقوله: (يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ) أي: أراد النبيّ -ﷺ- بخيف بني كنانة الْمُحَصَّب، والعناية من بعض الرواة، ويَحْتَمل أن يكون أبا هريرة -﵁-، أو من دونه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ٣١٧٥ و٣١٧٦ و٣١٧٧] (١٣١٤)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٨٩ و١٥٩٠) و«مناقب الأنصار» (٣٨٨٢) و«المغازي» (٤٢٨٤ و٤٢٨٥) و«التوحيد» (٧٤٧٩)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠١١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٦٧)، و(ابن ماجه) ٢/ ٩٨١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٧ و٢٦٣ و٣٥٣ و٥٤٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٨١ و٢٩٨٢ و٢٩٨٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٦٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٨٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١/ ١٦٨) و«مسند الشاميين» (٤/ ١٧٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٦٠ و٦/ ٢١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب النزول بالمحصّب، وقد تقدّم أن الأرجح سنيّته، واستحبابه، فتنبّه. ٢ - (ومنها): إظهار الشكر لله تعالى في المحلّ الذي كان معدًّا للشرّ والشرك والضلال، قال القرطبيّ ﵀: نزوله -ﷺ- بخيف بني كنانة إنما كان شكرًا لله تعالى على ما أظهره على عدوّه المناكد له في ذلك الموضع، وإظهارًا لِمَا صدقه الله تعالى من وعده في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]. انتهى . ٣ - (ومنها): أنه ينبغي إذا أراد أن يفعل شيئًا في المستقبل أن يقول: إن شاء الله؛ امتثالًا لأمر الله ﷿ نبيّه -ﷺ- بذلك حيث قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. ٤ - (ومنها): بيان ما كانت عليه قريش من شدّة عداوة النبيّ -ﷺ-، وكيدهم له، ومحاولتهم قتله، حتى يستريحوا من دعوته إلى الله تعالى، إلا أن الله تعالى أخزاهم، ونصره عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر سبب قصّة تقاسم قريش وبني كنانة على بني هاشم وبني المطّلب: (اعلم): أن سبب ذلك -كما قال ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، وغيرهما، من أصحاب المغازي-: لما رأت قريش أن الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة، قد نزلوا أرضًا أصابوا بها أمانًا، وأن عُمَر أسلم، وأن الإسلام فَشَا في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله -ﷺ-، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله -ﷺ- شِعْبهم، ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه إلى ذلك، حتى كُفّارهم فعلوا ذلك حَمِيّةً على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك أجمعوا أن يكتبوا بينهم وبين بني هاشم والمطلب كتابًا أن لا يعاملوهم، ولا يناكحوهم، حتى يُسْلِموا إليهم رسول الله -ﷺ-، ففعلوا ذلك، وعَلَّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصَيّ، فَشُلّت أصابعه، ويقال: إن الذي كتبها النضر بن الحارث، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدريّ. قال ابن إسحاق: فانحازت بنو هاشم، وبنو المطلب إلى أبي طالب، فكانوا معه كلهم، إلا أبا لهب، فكان مع قريش، وقيل: كان ابتداء حصرهم في المحرم سنة سبع من المبعث، قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين، أو ثلاثًا، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين، حتى جَهِدوا، ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات، الا خُفْيةً، حتى كانوا يؤذون من اطَّلَعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئًا من الصِّلات، إلى أن قام في نقض الصحيفة نفرٌ، من أشدّهم في ذلك صنيعًا هشام بن عمرو بن الحارث العامريّ، وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوجها جدّه، فكان يصلهم، وهم في الشِّعْب، ثم مشى إلى زُهير بن أبي أمية، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فكلمه في ذلك، فوأفقه، ومشيا جميعًا إلى الْمُطْعِم بن عديّ، وإلى زَمْعة بن الأسود، فاجتمعوا على ذلك، فلما جلسوا بالحجر تكلموا في ذلك، وأنكروه، وتواطئوا عليه، فقال أبو جهل: هذا أمر قُضِيَ بليل، وفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة، فمزّقوها، وأبطلوا حكمها. وذكر ابن هشام أنهم وجدوا الأَرَضَة قد أكلت جميع ما فيها إلا اسم الله تعالى، وأما ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، وعروة، فذكروا عكس ذلك أن الأَرَضة لم تدع اسما لله تعالى إلا أكلته، وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة، فالله أعلم. وذكر الواقديّ أن خروجهم من الشِّعب كان في سنة عشر من المبعث، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات أبو طالب بعد أن خرجوا بقليل، قال ابن إسحاق: ومات هو وخديجة في عام واحد، فنالت قريش من رسول الله -ﷺ- ما لم تكن تَنَلْهُ في حياة أبي طالب، ذكره في «الفتح» . وقال في «العمدة»: ذكر في «الطبقات» أنهم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وقال بعضهم: بل كانت عند أمّ الجلاس بنت مخربة الحنظلية، خالة أبي جهل، وحَصَرُوا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلةَ هلال المحرم سنة سبع، من حين النبوة، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شعبه، وخرج أبو لهب إلى قريش، فظاهرهم على بني هاشم، وبني المطلب، وقطعوا عنهم اْلِميرة والمارّة، فكانوا لا يخرجون إلَّا من موسم إلى موسم، حتى بلغهم الْجَهْد، فأقاموا فيه ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله -ﷺ- على أمر صحيفتهم، وأن الأَرَضَة أكلت ما كان فيها من جَوْر وظلم، وبقي ما كان فيها من ذكر الله ﷿، وفي لفظ: ختموا على الكتاب ثلاثة خواتيم، فذكر ذلك النبيّ -ﷺ- لأبي طالب، فقال أبو طالب لكفار قريش: إن ابن أخي أخبرني، ولم يَكْذِبني قط أن الله تعالى قد سَلَّطَ على صحيفتكم الأَرَضَة، فلَحَسَتْ ما كان فيها من جَوْر وظلم، وبقي فيها كل ما ذكر به الله تعالى، فإن كان ابنُ أخي صادقًا نزعتم عن سُوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته إليكم، فقتلتموه، أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فإذا هي كما قال رسول الله -ﷺ-، فسُقِطَ في أيديهم، ونُكِسُوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب: علام نُحْبَس، ونُحْصَر، وقد بان الأمر، فتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، منهم: مُطْعِم بن عديّ، وعديّ بن قيس، وزَمْعة بن الأسود، وأبو الْبُحْتُريّ بن هاشم، وزُهير بن أبي أمية، ولبسوا السلاح، ثم خرجوا إلى بني هاشم، وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم، ففعلوا، فلما رأت قريش ذلك سُقِطَ في أيديهم، وعَرَفُوا أن لن يُسْلِموهم، وكان خروجهم من الشِّعْب في السنة العاشرة. انتهى . وقد لخّص هذه القصة مع بيان الهجرة إلى الحبشة الحافظ العراقيّ ﵀ في «ألفية السيرة» حيث قال: لَمَّا فَشَا الإِسْلَامُ وَاشْتَدَّ عَلَى … مَنْ أَسْلَمَ الْبَلَاءُ هَاجَرُوا إِلَى أَصْحَمَةٍ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ … خَمْسٍ مَضَتْ لَهُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ خَمْسٌ مِنَ النِّسَاءِ وَاثْنَا عَشَرَا … مِنَ الرِّجَالِ كُلُّهُمْ قَدْ هَاجَرَا إلى أن قال: وَخَرَجَتْ قُرَيشُ فِي الآثَارِ … لَمْ يَصِلُوا مِنْهُمْ لأَخْذِ الثَّارِ فَجَاوَرُوهُ فِي أَتَمِّ حَالِ … ثُمَّ أَتَوْا مَكَّةَ فِي شَوَّالِ مِنْ عَامِهِمْ إِذْ قِيلَ أَهْلُ مَكَّةِ … قَدْ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَكُنْ بِالثَّبِتِ فَاسْتَقْبَلُوهُمْ بِالأَذَى وَالشِّدَّةِ … فَرَجَعُوا لِلْهَجْرَةِ الثَّانِيَةِ فِي مائَةٍ عَدُّ الرِّجَالِ مِنْهُمُ … وَاثْنَانِ مِنْ بَعْدِ الثَّمَانِينَ هُمُ فَنَزَلُوا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ عَلَى … أَتَمِّ حَالٍ وَتَغَيَّظَ الْمَلَا عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى أَصْحَابِهِ … وَكَتَبَ الْبَغِيضُ فِي كِتَابِهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ الصَّحِيفَهْ … وَعُلِّقَتْ بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَهْ أن لَا يُنَاكِحُهُمُ وَلَا وَلَا … وَحُصِرُوا فِي الشِّعْبِ حَتَّى أَقْبَلَا أَوَّلُ عَامِ سَبْعَةٍ لِلْبَعْثِ … قَاسَوْا بِهِ جَهْدًا بِشَرِّ مَكْثِ وَسُمِعَتْ أَصْوَاتُ صِبْيَانِهِمِ … فَسَاءَ ذَاكَ بَعْضَ أَقْوَامِهِمِ وَأُطْلِعَ النَّبِيُّ أَنَّ الأَرَضَهْ … أَكَلَتِ الصَّحِيفَةَ الْمُبَغَّضَهْ مَا كَانَ مِنْ جَوْرٍ وَظُلْمٍ ذَهَبَا … وَبَقِي الذِّكْرُ كَمَا قَدْ كُتِبَا فَوَجَدُوا ذَاكَ كَمَا قَالَ وَقَدْ … شُلَّتْ يَدُ الْبَغِيضِ وَاللهِ الصَّمَدْ فَلَبِسُوا السِّلَاحَ ثُمَّ أُخْرِجُوا … مِنْ شِعْبِهِمْ وَكَانَ ذَاكَ الْمَخْرَجَ فِي عَامِ عَشرَةٍ بِغَيْرِ مَيْنِ … وَقِيلَ كَانَ مُكْثُهُمْ عَامَيْنِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْزِلُنَا إِنْ شَاءَ اللهُ إِذَا فَتَحَ اللهُ الْخَيْفُ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خُراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان، مولى بني فَزَارة، ثقةٌ حافظٌ رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور، [٧] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ٩٩٩. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: («مَنْزِلُنَا) مبتدأ خبره قوله:»الخيفُ«، وقوله: (إِنْ شَاءَ اللهُ) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وكذا قوله:»إذا فتح الله«. قوله: (إِذَا فَتَحَ اللهُ) هذا ظاهر في أن قوله -ﷺ- هذا كان في زمن الفتح، لا في حجة الوداع، وما تقدّم صريح في أنه -ﷺ- قاله في منى، ويُجاب بأنه قاله في الوقتين، وقد روى البخاريّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، بلفظ:«قال رسول الله -ﷺ- حين أراد حُنينًا: منزلنا غدًا -إن شاء الله تعالى- بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر»، قال في«الفتح»: هكذا أورده مختصرًا، وقد تقدم في«الحج»من طريق شعيب، عن ابن شهاب الزهريّ بهذا الإسناد، بلفظ:«قال حين أراد قدوم مكة»، وهذا لا يعارض ما في الباب؛ لأنه يُحْمَلُ على أنه قال ذلك حين أراد دخول مكة في غزوة الفتح، وفي ذلك القدوم غزا حُنينًا، ولكن تقدم أيضًا من طريق شعيب، عن الزهريّ، بلفظ:«قال رسول الله -ﷺ- من الغد يومَ النحر، وهو بمنى: نحن نازلون غدًا … »الحديث، وهذا ظاهر في أنه قاله في حجة الوداع، فيُحْمَل قوله في رواية الأوزاعيّ:«حين أراد قدوم مكة» أي: صادرًا من منى إليها لطواف الوداع، وَيحْتَمِل التعدد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأظهر في الجمع هو الحمل على التعدّد، أعني أنه -ﷺ- قال هذا الكلام زمن الفتح، وقاله أيضًا عام حجة الوداع، وفي كلّ منهما نزل ذلك المكان؛ ليتذكّر ما كانوا عليه من العداوة له، فيشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه من الفتح العظيم، وتمكّنه من دخول مكة ظاهرًا على رغم أنف من سعى في إخراجه منها، ومبالغةً في الصفح عن الذين أساءوا، ومقابلتهم بالمنّ والإحسان، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثالث والعشرين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» بعد صلاة العصر من يوم الأربعاء المبارك التاسع من شهر جمادى الأولى ٩/ ٥/ ١٤٢٩ هـ الموافق ٦ مايو ٢٠٠٨ م. أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [سورة الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [سورة الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الرابع والعشرون مفتتحًا بـ (٥٧) - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمَنًى لأَهْلِ السِّقَايَةِ) رقم الحديث [٣١٧٨] (١٣١٥). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
مصادر المؤلف (٤١)

١. «شرح النوويّ» ٩/ ٥٨.

٢. وفي نسخة: «بشيء».

٣. «الفتح» ٤/ ٥٩٣.

٤. «الفتح» ٤/ ٥٩١، ٥٩٢.

٥. «عمدة القاري» ٨/ ١٤٩، ١٥٠.

٦. سيأتي توضيحه في التنبيه التالي، فتنبّه.

٧. «الفتح» ٤/ ٥٩٢.

٨. قال الحافظ ﵀: الذي يظهر لي أنه ابن المدينيّ.

٩. هو ابن عيّاش.

١٠. «الفتح» ٤/ ٥٩٢، ٥٩٣.

١١. «الفتح» ٤/ ٥٩٢.

١٢. «الفتح» ٤/ ٥٩٤.

١٣. «عمدة القاري» ٨/ ١٥١.

١٤. «لسان العرب» ٢/ ٤١٣.

١٥. «القاموس المحيط» ١/ ٥٥.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٧.

١٧. «شرح النوويّ» ٩/ ٥٩.

١٨. «الفتح» ٤/ ٧٢٧.

١٩. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٧٥ - ١٧٧.

٢٠. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٧٧.

٢١. «الفتح» ٤/ ٧٢٥.

٢٢. ساقه بأسانيد متعدّدة، لكنه قال في آخره: «لفظ أبي الربيع»، يعني أن هذا اللفظ لفظ أبي الربيع الزهرانيّ، عن حماد بن زيد، ولذا اقتصرت عليه، فتنبّه.

٢٣. «الفتح» ٤/ ٧٢٥.

٢٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٧٩.

٢٥. راجع: «لسان العرب» ١/ ٦٥٩.

٢٦. راجع: «الفتح» ٤/ ٧٢٥.

٢٧. «شرح النوويّ» ٩/ ٦٠، ٦١.

٢٨. «شرح النوويّ» ٩/ ٦١.

٢٩. «المصباح المنير» ١/ ٨٣.

٣٠. حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ.

٣١. «القاموس المحيط» ٣/ ٣٤٢.

٣٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٣.

٣٣. «عمدة القاري» ٩/ ٢٢٩.

٣٤. «المصباح المنير» ١/ ١٨٦.

٣٥. راجع: «عمدة القاري» ٩/ ٢٢٩.

٣٦. «شرح النوويّ» ٩/ ٦١، ٦٢.

٣٧. «الفتح» ٤/ ٥٠٥.

٣٨. «المفهم» ٣/ ٤١١، ٤١٢.

٣٩. «الفتح» ٨/ ٦١١، ٦١٢، كتاب مناقب الأنصار، رقم (٣٨٨٢).

٤٠. «عمدة القاري» ٩/ ٢٢٩، ٢٣٠.

٤١. «الفتح» ٨/ ٦١٢، كتاب مناقب الأنصار، رقم (٣٨٨٢).