HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣١٧

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ. وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا. وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ منها. قال «نحن نعطيه من عندنا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص87
ج ٢ ص ٩٥٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٢٠
(٥٩) - (بَابٌ في الصَّدَقَةِ بِلُحُومِ الْهَدْيِ، وَجُلُودِهَا، وَجِلَالِهَا، وَلَا يُعْطِي الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨١] (١٣١٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ أقومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، قَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. ٣ - (عَبْدُ الْكَرِيمِ) بن مالك الْجَزَريّ، أبو سعيد الأمويّ مولاهم، الْخِضْرميّ ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥ ] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في «الصيام» ١٥/ ٢٦٠٩. ٤ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣ ] (ت ٨٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٦ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب الهاشميّ الخليفة الراشد، استُشهِد -﵁- في رمضان سنة (٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون، سوى شيخه، فنيسابوريّ، ومجاهد، فمكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله -ﷺ-، وزوج ابنته فاطمة -﵂-، وأول من أسلم من الصبيان، وأحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنة، ومات يوم مات وهو أفضل أهل الأرض من بني آدم بإجماع أهل السنّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) سيأتي في الرواية الرابعة من طريق الحسن بن مسلم: أن مجاهدًا أخبره، أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أخبره، أن عليّ بن أبي طالب أخبره، فوقع التصريح بالإخبار (عَنْ عَلِيٍّ) -﵁- أنه (قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ) بضمّتين، أو بضمّ، فسكون: جمع بدنة بفتحتين، قال الفيّوميّ ﵀: البدنة: جمعها بدنات، مثلُ قَصَبة وقَصَبَات، وبُدُنٌ أيضًا بضمّتين، وإسكانُ الدال تخفيفٌ، وأن البُدُن جمع بَدِينٍ تقديرًا، مثلُ نذير ونُذُرٍ. قال: والبدنة: قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ: أو بعير ذكر، قال: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية، سُمِّيت بذلك؛ لعظم بدنها، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسنة، وهو قوله -ﷺ-: «تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة»، ففرَّق الحديث بينهما بالعطف؛ إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطْلَق على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: «اشتركنا مع رسول الله -ﷺ- في الحج والعمرة سبعةٌ منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البُدُن، والمعنى في الحكم؛ إذ لو كانت البقرة من جنس البدن، لَمَا جَهِلها أهل اللسان، ولَفُهِمت عند الإطلاق أيضًا. وقال أيضًا: قالوا: وإذا أُطلقت البَدَنة في الفروع، فالمراد البعير ذكرًا كان أو أنثى. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ . وقال المجد ﵀: البدَنَةُ محرَّكةً من الإبل، والبقر، كالأضحيّة من الغنم تُهدى إلى مكة، للذكر والأنثى، جمعه ككُتُب. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: البدَنَةُ تقع على الجمل، والناقة، والبقرة، وهي بالإبل أشبه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما أسلفته من أقوال أهل اللغة أن البدنة هي الإبل، والبقر، فلا تُطلق على الغنم، فقول النوويّ في «شرحه»: وتُطْلَق على الإبل، والبقر، والغنم، هذا قول أكثر أهل اللغة، ففيه نظر لا يخفى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ) أي التي أرصدها للهدي، والمراد أنه يقوم عند نحرها للاحتفاظ بها، وَيحْتَمِل أن يريد ما هو أعمّ من ذلك، أي على مصالحها، في عَلْفها، ورَعْيها، وسَقْيها، وغير ذلك. ولم يقع في هذه الرواية عدد البُدن، ووقع في رواية البخاريّ من طريق سيف بن أبي سليمان، قال: «سمعت مجاهدًا، يقول: حدّثني ابن أبي ليلى أن عليًّا -﵁- حدّثه قال: أهدى النبيّ -ﷺ- مائة بدنة …» الحديث، ولأبي داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: نَحَرَ النبيّ -ﷺ- ثلاثين بدنةً، وأمرني، فنحرت سائرها. وأصح منه ما تقدّم عند مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه: «ثم انصرف النبيّ -ﷺ- إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنةً، ثم أعطى عليًّا، فنَحَر ما غَبَرَ، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بَدَنة ببَضْعَة، فجُعِلت في قِدْر، فطُبِخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها»، فعُرِف بذلك أن البُدن كانت مائة بدنة، وأن النبيّ -ﷺ- نحر منها ثلاثًا وستين، ونحر عليّ -﵁- الباقي، والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق أنه -ﷺ- نَحَر ثلاثين، ثم أَمَرَ عليًّا أن ينحر، فنَحَرَ سبعًا وثلاثين مثلًا، ثم نَحَر النبيّ -ﷺ- ثلاثًا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع، وإلا فما في «الصحيح»، أصحّ، أفاده في «الفتح» . (وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا) بفتح الهمزة، وكسر الجيم، هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية بلفظ: «جِلالها»، وهو الموافق لما في كتب اللغة، ففي «القاموس»: «الجلّ بالضمّ، والفتح: ما تُلبَسُهُ الدابّة لِتُصان به، وقد جلّلتها، وجلَلْتُها، جمعه جِلالٌ، وأَجْلالٌ. انتهى . وفي«المصباح»: وجُلُّ الدابّة: كثوب الإنسان يَلبسه يَقِيه البردَ، والجمع جِلالٌ، وأَجْلالٌ. انتهى . ولعله -كما قال بعضهم-: جمع جِلال، الذي هو جمع جُلّ، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ:«أن النبيّ -ﷺ- أمره أن يقوم على بُدنه، وأن يقسم بُدنه كلّها، لحومها، وجلودها، وجِلالها»، زاد ابن خزيمة:«على المساكين»، قال ابن خزيمة: المراد بقوله:«يَقسمها كلها على المساكين»أي إلا ما أَمَر به من كل بدنة بِبَضْعة، فطُبِخت كما في حديث جابر -يعني الطويل الذي تقدّم عند مسلم . (وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا) أي وأمرني بعدم إعطاء أجرة الجزّار منها. وفي الرواية الآتية:«ولا يُعطيَ في جِزارتها منها شيئًا»، وفي رواية البخاريّ:«ولا أُعطي عليها شيئًا في جِزارتها»، وفي لفظ:«ولا يعطي في جزارتها شيئًا»، قال في«الفتح»: ظاهرهما أن لا يعطي الجزار شيئًا البتة، وليس ذلك المراد، بل المراد أن لا يعطي الجزار منها شيئًا، كما وقع عند مسلم، وظاهره مع ذلك غير مراد، بل بَيَّن النسائيّ في روايته، من طريق شعيب بن إسحاق، عن ابن جريج، أن المراد منع عطية الجزار من الهدي عوضًا عن أجرته، ولفظه:«ولا يُعطِي في جزارتها منها شيئًا». وقال ابن خزيمة ﵀: النهي عن إعطاء الجزار: المراد به أن لا يُعْطَى منها عن أجرته، وكذا قال البغويّ في«شرح السنة»، قال: وأما إذا أُعطي أجرته كاملة، ثم تُصُدّق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدق على الفقراء، فلا بأس بذلك. وقال غيره: إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع؛ لكونه معاوضةً، وأما إعطاؤه صدقة، أو هدية، أو زيادة على حقه فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يُفْهَم منه منع الصدقة؛ لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه، فيرجع إلى المعاوضة. قال القرطبيّ: ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسن البصريّ، وعبد الله بن عُبيد بن عُمير. انتهى . واختُلِف في الْجزارة، فقال ابن التين: الجزارة بالكسر اسم للفعل، وبالضم اسم للسواقط، فعلى هذا فينبغي أن يقرأ بالكسر، وبه صحّت الرواية، فإن صحت بالضم جاز أن يكون المراد: لا يعطى من بعض الجزور أجرة الجزار. وقال ابن الجوزيّ، وتبعه المحبّ الطبريّ: الجزارة بالضم اسم لما يُعْطَى، كالْعُمَالة وزنًا ومعنًى، وقيل: هو بالكسر كالحجامة، والخياطة، وجَوَّز غيره الفتح. وقال ابن الأثير: الجزارة بالضم، كالعمالة: ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير: الرأس، واليدان، والرجلان، سُمِّيت بذلك؛ لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- («نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا») أي نعطي الجزّار أجرته مما لدينا من المال، غير الجزور. قال القرطبيّ ﵀: هذا مبالغة في سدّ الذريعة، وتحقيق للجهة التي تجب عليها أجرة الجازر؛ لأنه لما كان الهدي منفعته له تعينت أجرة الذي تتم به تلك المنفعة عليه. وقال أبو بكر الجصّاص ﵀ في «أحكامه»: ولما منع النبيّ -ﷺ- أن يعطى الجازر من الهدي شيئًا في جزارتها، وقال: إنا نعطيه من عندنا، دلّ ذلك على معنيين: أحدهما: أن المحظور من ذلك أن يعطيه منها على وجه الأجرة؛ لأن في بعض ألفاظ حديث عليّ -﵁-: «وأمرني أن لا أعطي أجر الجزار منها»، وفي بعضها: «أن لا أعطيه في جزارتها منها شيئًا»، فدل على أنه جائز أن يُعْطَى الجازر من غير أجرته، كما يُعْطَى سائر الناس، وفيه دليل على جواز الإجارة على نحر البدن؛ لأن النبيّ -ﷺ- قال: «نحن نعطيه من عندنا»، وهو أصل في جواز الإجارة على كل عمل معلوم، قال: وأجاز أصحابنا -يعني الحنفيّة- الإجارة على ذبح شاة، ومنع أبو حنيفة الإجارة على قتل رجل بقصاص، والفرق بينهما أن الذبح عمل معلوم، والقتل مبهم، غير معلوم، ولا يُدرى أيقتله بضربة، أو ضربتين، أو أكثر. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩/ ٣١٨١ و٣١٨٢ و٣١٨٣ و٣١٨٤ و٣١٨٥] (١٣١٧)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٧٠٧ و١٧١٦ و١٧١٧ و١٧١٨) و«الوكالة» (٢٢٩٩)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٦٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٥٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٢١٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ٢٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٧٩ و١٢٣ و١٣٢ و١٤٣ و١٥٤ و١٥٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩١٩ و٢٩٢٠ و٢٩٢٢ و٢٩٢٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣١٤ و٣١٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٩١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٢٩)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ٢١٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٢٥٥ و٤٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٤١ و٩/ ٢٩٤) و«الصغرى» (٤/ ٤٤٦) و«المعرفة» (٤/ ٢٦٤ و٧/ ٢٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب سوق الهَدْي. ٢ - (ومنها) بيان جواز النيابة في نحره، والقيامِ عليه، وتفرقته. ٣ - (ومنها): بيان أنه يتصدق بلحومها، وجلودها، وجلالها. ٤ - (ومنها): بيان أنها تُجَلَّل، واستحبوا أن يكون جُلًّا حسنًا، قال القاضي عياض ﵀: التجليل سنة، وهو عند العلماء مختصّ بالإبل، وهو مما اشتَهَر من عمل السلف، قال: وممن رآه مالكٌ، والشافعيّ، وأبو ثور، وإسحاق، قالوا: ويكون بعد الإشعار؛ لئلا يتلطخ بالدم، قالوا: ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدي، وكان بعض السلف يُجَلِّل بالوشي، وبعضهم بالْحِبَرة، وبعضهم بالقباطيّ. انتهى . ٥ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز أن يُعْطَى الجزّار منها؛ لأن عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها، وذلك لا يجوز. ٦ - (ومنها): بيان جواز الاستئجار على النحر، ونحوه. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على منع بيع الجلد، قال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن جلود الهدي، وجلالها لا تباع؛ لعطفها على اللحم، وإعطائها حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع، فكذلك الجلود، والجلال، وأجازه الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويُصْرَف ثمنه مَصْرِف الأضحية، واستَدَلَّ أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه. قال الحافظ ﵀: وأقوى من ذلك في رد قوله ما أخرجه أحمد، من حديث قتادة بن النعمان -﵁- مرفوعًا: «ولا تبيعوا لحوم الهدي، والأضاحيّ، وتصدّقُوا، وكلوا، واستمتعوا بجلودها، ولا تبيعوا، وإن أُطْعِمتم من لحومها، فكلوا إن شئتم» . انتهى . وقال النوويّ ﵀: مذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الهدي، ولا الأضحية، ولا شيء من أجزائهما، لا بما يُنتفع به في البيت، ولا بغيره، سواء كانا تطوعًا، أو واجبتين، لكن إن كانا تطوعا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره، ولا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا بسبب جزارته، هذا مذهبنا، وبه قال عطاء، والنخعيّ، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وحَكَى ابن المنذر عن ابن عمر، وأحمد، وإسحاق أنه لا بأس ببيع جلد هديه، ويتصدق بثمنه، قال: ورَخّص في بيعه أبو ثور، وقال النخعيّ، والأوزاعيّ: لا بأس أن يشتري به الْغِربال، والْمُنْخُل، والفأس، والميزان، ونحوها، وقال الحسن البصريّ: يجوز أن يعطى الجزار جلدها، وهذا منابذ للسنة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. والباقون تقدّموا في الباب والبابين قبله. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن عبد الكريم هذه ساقها أبو داود في «سننه»، فقال: (١٥٠٦) - حدّثنا عمرو بن عون، أخبرنا سفيان -يعني ابن عيينة- عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ -﵁- قال: أمرني رسول الله -ﷺ- أن أقوم على بُدنه، وأَقسم جلودها، وجِلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئًا، وقال: «نحن نعطيه من عندنا». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكئالب قال: [٣١٨٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ-، وَلَيْسَ في حَدِيثِهِمَا أَجْرُ الْجَازِرِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٤ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربمًا دلّس [٦] تقدم في «الجنائز» ٦/ ٢١٣٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة. وقوله: (وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه، وليس هذا تعليقًا، بل هو موصول، وقد خالف فيه عادته، فهانه يقول في شيوخه: «حدّثنا»، أو «أخبرنا»، والتعبير بـ «قال فلان» يستعملها بعضهم في المنقطع، وراجع تفصيل المسألة في شرحي على «ألفيّة الحديث» للسيوطيّ ﵀ عند قوله: وَمَا عَزَا لِشَيْخِهِ بِـ «قَالَا» … فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالَا وقوله: (كِلَاهُمَا عَن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) ضمير التثنية لسفيان بن عيينة، وهشام الدستوائيّ. [تنبيه]: رواية سفيان، عن ابن أبي نَجِيح هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى» ٢/ ٤٥٦ فقال: (٤١٤٧) - أنبأ إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأ سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ، قال: أمرني رسول الله -ﷺ- أن أقوم على بُدنه، وأمرني أن أَقْسِم جلودها، وجلالها. انتهى. وأخرجه الحميديّ في «مسنده» ١/ ٢٤، وزاد في آخره: قال الحميديّ: قال سفيان: لم يزدني ابن أبي نَجيح على هذا، فأما عبد الكريم، فحدّثنا أتمّ من هذا . انتهى. وأما رواية هشام الدستوائيّ، عن ابن أبي نَجِيح، فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- أمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، لُحُوَمَهَا، وَجُلُودَهَا، وَجِلَالَهَا في الْمَسَاكِينِ، وَلَا يُعْطيَ فِي جِزَارَتهَا مِنْهَا شَيْئًا). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ) هو: محمد بن محمد بن مرزوق بن بكير بن البهلول الباهليّ، أبو عبد الله البصريّ، ابن بنت مَهْديّ بن ميمون، نُسب لجدّه، صدوقٌ له أوهام [١١]. رَوَى عن أبي عامر العَقَديّ، وسالم بن نوح، ورَوح بن عُبادة، ومحمد بن بَكر الْبُرْسانيّ، وحاتم بن ميمون، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وحرب بن إسماعيل الكرمانيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وعبدان الأهوازيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ووثقه الخطيب، وأورد له ابن عديّ حديثه عن الأنصاريّ، عن أبيه، عن ثُمامة، عن أنس، مرفوعًا: «ليس الخبر كالمعاينة»، وعن الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إذا أكل ناسيًا في رمضان، فلا قضاء عليه، ولا كفارة»، قال ابن عديّ: لم أر له أنكر منهما، وهو لَيِّنٌ، وأبوه ثقة. قال ابن حبّان، وابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط ، برقم (١٣١٧)، و(٢١٦٠)، و(٢٧٥٦)، و(٢٩٢٠). ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ) بن يَنّاق المكيّ، ثقةٌ [٥] مات قديمًا بعد المائة بقليل (خ م د س ق) تقدم في «صلاة العيدين» ١/ ٢٠٤٤. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا إلخ) قال القرطبيّ ﵀: وأمره -ﷺ- بالتصدق بلحوم البدن، وجلودها، وأجلتها؛ دليل: على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع؛ لأنه عطفها على اللحم، وحكم لها بحكمه، وقد اتفق على أن لحمها لا يُباع، فكذلك الجلود والجلال. وكان ابن عمر -﵄- يكسو جلالها الكعبة، فلما كُسيت الكعبة تصدق بها؛ أخذًا منه بهذا الحديث. انتهى . وقوله: (وَجِلَالَهَا) بكسر الجيم، جمع جُلّ بضم الجيم، وفتحها، قال القرطبيّ ﵀: وفيه دليل على تجليل البدن، وهو ما مضى عليه عمل السلف، ورآه أئمة العلماء: مالك، والشافعي، وغيرهما، وذلك بعد إشعار الهدي؛ لئلا تتلطَّخ الجلال، وهي على قدر سعة الهدي؛ لأنها تطوع غير لازم، ولا محدود، قال ابن حبيب: منهم من كان يُجلِّل الوشي، ومنهم من يُجلِّل الْحِبَر، والقباطي، والملاحف، والأُزُر، وتجليلها: ترفيه لها، وصيانة، وتعظيم لحرمات الله، ومباهاة على الأعداء من المخالفين، والمنافقين، وقال مالك: وتُشَقّ على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن؛ لئلا تسقط، وما علمتُ من تركَ ذلك إلا ابن عمر استبقاءً للثياب؛ لأنه كان يُجلِّل الجلال المرتفعة من الأنماط، والبرود، والحِبَر، قال مالك: أما الجِلال فتنزع؛ لئلا يخرقها الشوك، قال: وأحب إليّ إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقُّها، ولا يجللها حتى تغدو من عرفات، ولو كانت بالثمن اليسير فتُشَقّ من حيث يُحْرم، وهذا في الإبل، والبقر دون الغنم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقوله: (وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتهَا مِنْهَا شَيْئًا) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها؛ لأن الجزار إذا عمل عمله استحقّ الأجرة على عمله، فإن دُفع له شيء منها كان ذلك عوضًا على فعله، وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها، وهي الجزر، والجمهور على أنه لا يعطي الجازر منها شيئًا، تمسُّكًا بالحديث، وكان الحسن البصريّ، وعبد الله بن عبيد بن عمير لا يريان بأسًا أن يعطى الجزار الجلد. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٢٣)

١. بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين: نسبة إلى قرية باليمامة.

٢. جعله في «التقريب» من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة؛ لأنه رأى أنسًا -﵁-، كما في «تهذيب التهذيب»، فتنبّه.

٣. جعله في «التقريب» من الثانية، والظاهر أنه من الثالثة، كما يظهر من «تت».

٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٩.

٥. «القاموس المحيط» ٤/ ٢٠٠.

٦. «النهاية» ١/ ١٠٨.

٧. «الفتح»٤/ ٦٦٨، ٦٦٩.

٨. «القاموس المحيط»٣/ ٣٥٠.

٩. «المصباح المنير»١/ ١٠٥، ١٠٦.

١٠. راجع:«الفتح»٤/ ٦٧٠.

١١. «المفهم» ٣/ ٤١٦، و«الفتح» ٤/ ٦٧٠.

١٢. «الفتح» ٤/ ٦٦٩.

١٣. «أحكام القرآن» للجصاص ٥/ ٧٢، ٧٣.

١٤. «شرح النوويّ» ٩/ ٦٥.

١٥. لكن الحديث ضعيف؛ ففي إسناده ابن جريج، وأبو الزبير مدلسان، ولم يصرّحا بالسماع، فاستدلال القرطبيّ بكونه معطوفًا على اللحم المتّفق على منع بيعه أشبه، والله تعالى أعلم.

١٦. «الفتح» ٤/ ٦٧٠.

١٧. وفي نسخة: «وقال إسحاق: أخبرنا».

١٨. «إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفيّة الأثر» ١/ ١٧٦ - ١٨٠.

١٩. تقدّمت رواية سفيان، عن عبد الكريم في التنبيه الذي ذكرته في الحديث الماضي.

٢٠. هكذا في برنامج الحديث، وقال في «تهذيب التهذيب»: وفي «الزهرة»: روى عنه مسلم سبعة أحاديث، وذكره منسوبًا إلى جدّه. انتهى. والظاهر أن ما في البرنامج أقرب إلى الصواب. فتنبّه.

٢١. «المفهم» ٣/ ٤١٦.

٢٢. «المفهم» ٣/ ٤١٧.

٢٣. «المفهم» ٣/ ٤١٦.