HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٢٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ: قَرَأْتُ على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ. فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ. ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا، حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قال: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ. وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ. وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ. وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى ستة أعمدة. ثم صلى.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص95
ج ٢ ص ٩٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص١٥٢
(٣٠٨٣) - حدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ذَكَرَ رسولُ الله -ﷺ- صفيةَ، فقلنا: إنها قد حاضت، قال: «عَقْرَى حَلْقَى». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ، وَالصَّلَاةِ فِيهَا، وَالدُّعَاءِ فِي نَوَاحِيهَا كُلهَا) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣١] (١٣٢٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِي، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأغلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَألتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاَئةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيىَ بْنُ يَحْيىَ التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، ثقة ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) «تقدم في»المقدمة«٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ إمام دار الهجرة، أبو عبد الله، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين، الإمام المجتهد [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في«الإيمان»٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب، وهو عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٧٣) أو بعدها تقدم في«الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنف -﵀-، وهو (٢٠١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وقد دخلها. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد مطلقًا، كما نُقل عن الإمام البخاريّ -﵀-. ٥ - (ومنها): أنه فيه ابن عمر -﵄- أشدّ الناس اتّباعًا للأثر، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- دَخَلَ الْكَعْبَةَ) وكان ذلك في عام الفتح، كما بُيّن في رواية أيوب التالية، قال: «قَدِم رسول الله -ﷺ- يوم الفتح، فنزل بفناء الكعبة»، وفي رواية البخاريّ في «كتاب الجهاد» من طريق يونس بن يزيد، عن نافع: «أقبل النبيّ -ﷺ- يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته»، وفي رواية فُليح، عن نافع: «وهو مردف أسامة -يعني ابن زيد- على القصواء»، ثم اتفقا: «ومعه بلال، وعثمان بن طلحة، حتى أناخ في المسجد»، وفي رواية فليح: «عند البيت»، وقال لعثمان: «ائتنا بالمفتاح، فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب، فدخل»، ولمسلم، وعبد الرزاق من رواية أيوب، عن نافع: «ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمه- واسمها: سُلافة: بضم المهملة، والتخفيف، والفاء- فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه، أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى رسول الله -ﷺ-، ففتح الباب». فظهر من رواية فليح أن فاعل «فتح»، هو عثمان المذكور، لكن روى الفاكهيّ من طريق ضعيفة عن ابن عمر، قال: «كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله -ﷺ- المفتاح، ففتحها بيده». (هُوَ وَأُسَامَةُ) بن زيد بن حارثة -﵃-، حب رسول الله -ﷺ-، وابن حبه، هو، وأبوه، وجدّه صحابيون -﵃- مات بالمدينة سنة (٥٤ هـ) وهو ابن (٥٧) سنةً، وتقدمت ترجمته في تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ٢٨٤. (وَبِلَالٌ) ابن رباح، أبو عبد الله المؤذن، وأمه حمامة، مولى أبي بكر الصديق -﵁-، أحد السابقين إلى الإسلام، شَهِد بدرًا، وما بعدها، مات سنة (١٧)، وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في «الطهارة» ٢٣/ ٦٤٣. (وَعُثْمَانُ بْنُ طلحَةَ) بن أبي طلحة بن عثمان بن عبد العزى بن عبد الدار بن قُصَيّ بن كلاب العبدري، ويقال له: (الْحَجَبِيُّ) -بفتح المهملة، والجيم- ويقال لآل بيته: الْحَجَبة؛ لحجبهم الكعبة، يعرفون الآن بالشيبيون- نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عمّ عثمان هذا، لا ولده، وله أيضًا صحبة وروايةٌ، مات عثمان بن طلحة سنة (٤٢)، وقيل: استشهد بأجنادين، وأبطل ذلك العسكريّ، قاله في «الفتح»، و«تقريب التهذيب» . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «الْحَجَبيّ» -بفتح الحاء والجيم-: منسوب إلى حجابة الكعبة، وهي ولايتها، وفتحها، وإغلاقها، وخدمتها، ويقال له ولأقاربه: الْحَجَبيّون، وهو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ القرشيّ الْعَبْدريّ، أسلم مع خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص في هُدْنة الحديبية، وشَهِد فتح مكة، ودفع النبيّ -ﷺ- مفتاح الكعبة إليه، وإلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وقال: «خذوها يا بني طلحة خالدةً تالدةً، لا ينزعها منكم إلا ظالم»، ثم نزل المدينة، فأقام بها إلى وفاة النبيّ -ﷺ-، ثم تحوّل إلى مكة، فأقام بها حتى تُوُفّي سنة اثنتين وأربعين، وقيل: إنه استُشْهِد يوم أجنادين -بفتح الدال، وكسرها- وهي موضع بقرب بيت المقدس، كانت غزوته في أوائل خلافة عمر بن الخطاب -﵁-. وثبت في «الصحيح» قوله -ﷺ-: «كل مأثرة كانت في الجاهلية، فهي تحت قدمي إلا سقاية الحاجّ، وسِدانة البيت». قال القاضي عياض: قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم، قال: وهي ولاية لهم عليها من رسول الله -ﷺ-، فتبقى دائمة لهم، ولذرياتهم أبدًا، ولا ينازَعون فيها، ولا يشارَكون ما داموا موجودين صالحين لذلك، والله أعلم. انتهى . تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا حديث الباب. قال المهلّب شارح البخاريّ: إدخال النبيّ -ﷺ- معه هؤلاء الثلاثة لمعان تخص كل واحد منهم، فأما دخول عثمان، فلخدمته البيت في الغَلْق، والفتح، والكَنْس، ولو لم يُدخله لغلْق بابها، لتوهّم الناس أنه عَزَله، وأما بلال، فمؤذّنه، وخادم أمْر صلاته، وأما أسامة، فمتولي خدمة ما يحتاج إليه، وهم خاصته، فللإمام أن يخص خاصته ببعض ما يستتر به عن الناس. انتهى. ويأتي للمصنّف من رواية سالم، عن أبيه زيادة: «ولم يدخلها معهم أحد»، ووقع عند النسائيّ في «مناسك الحجّ» من طريق ابن عون، عن نافع: «ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال» فزاد الفضل. ولأحمد من رواية مجاهد، عن ابن عباس -﵄-، قال: حدثني أخي الفضل -وكان معه حين دخلها- أن النبيّ -ﷺ- لم يصلّ في الكعبة، ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين، ثم جلس يدعو. قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -﵀-: وهذه الرواية شاذّة من وجهين: دخول الفضل معهم، والاقتصار على السجود. انتهى . (فَأغْلَقَهَا) أي: أغلق عثمان بن طلحة الكعبة؛ أي: بابها على النبيّ -ﷺ-، فالفاعل ضمير عثمان، وقد جاء في رواية عبد الله بن عون، عن نافع: «وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب»، وكان ذلك بأمره -ﷺ-، ففي رواية أيوب، عن نافع الآتية: «وأَمَرَ بالباب، فأُغلق». وزاد في رواية حسان بن عطية، عن نافع، عند أبي عوانة: «من داخل». ووقع في «الموطإ» بلفظ: «فأغلقاها»، فالضمير لعثمان وبلال، وفي رواية للشيخين: «فأغلقوا»، والجمع بين الروايات أن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه من وظيفته، وأما ضم بلال فلعله ساعده في ذلك، ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك والراضي به. (عَلَيْهِ) أي: على النبيّ -ﷺ-، وفي الرواية الآتية: «عليهم» وهو ظاهر، وإنما أُغلق الباب؛ لئلا يزدحم الناس عليه؛ لتوافر دواعيهم على مراعاة أفعاله -ﷺ- ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، وقيل: لئلا يكثر الناس فيصلّوا بصلاته، ويكون ذلك عندهم من المناسك كما فعل في صلاة الليل في رمضان. وقال في «الطرح»: قال ابن بطال: وأما غلق الباب -والله تعالى أعلم- حين صلى في البيت؛ لئلا يَظُنّ الناس أن الصلاة فيه سنّة، فيلزمون ذلك. وقال النوويّ: إنما أغلقها عليه -ﷺ-، ليكون أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، ولئلا يجتمع الناس، ويدخلوه، أو يزدحموا، فينالهم ضرر، ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم. انتهى. قال وليّ الدين: وما ذكره النووي أظهر، وأما ما ذكره ابن بطال، فضعيف، فإنه -ﷺ- لا يخفي صلاته في البيت، وقد شاهدها جماعة، ونقلوها، وقيل: إنما أغلقها ليصلي إلى جميع جهاتها، فإن الباب إذا كان مفتوحًا، وليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح الصلاة، حكاه المحب الطبري، انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ -﵀- أوضح، كما قال وليّ الدين، والقولان الآخران ليسا بشيء، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقد استَدَلَّ البخاري بحديث ابن عمر -﵄- هذا على جواز اتخاذ الغَلَق للمساجد؛ لأجل صونها عما لا يصلح فيها، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي العادية. (ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا) - بضم الكاف، وفتحها-، يقال: مَكَثَ مَكْثًا، من باب نَصَرَ: أقام، وتلَبّث، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢]، باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَل فيه . وفي رواية ابن عون، عن نافع الآتية في الباب: «فمكث فيها مَلِيًّا»، وفي رواية عبيد الله، عن نافع: «فأجافوا عليهم الباب طويلًا»، وفي رواية أيوب، عن نافع: «فمكث فيها ساعةً». وفي رواية يونس، عن ابن شهاب: «فمكث نهارًا طويلًا»، وفي رواية فُليح: «زمانًا»، بدل «نهارًا»، وفي رواية جويرية، عن نافع عند البخاريّ في «الصلاة»: «فأطال»، وللنسائيّ من طريق ابن أبي مليكة: «فوجدت شيئًا، فذهبتُ، ثم جئت سريعًا، فوجدت النبيّ -ﷺ- خارجًا منها». (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) -﵄- (فَسَألتُ بِلَالًا) -﵁- (حِينَ خَرَجَ) أي: من البيت، وفي رواية أيوب التالية: «ثم فُتح الباب، فقال عبد الله: فبادرت الناس، فتلقّيتُ رسول الله -ﷺ- خارجًا، وبلالٌ على إِثْره، فقلت لبلال: هل صلّى فيه رسول الله -ﷺ-»؟، وفي رواية عبيد الله: «ثم فُتح، فكنت أوّل من دخل، فلقيت بلالًا، فقلت: أين صلى رسول الله -ﷺ-؟»، وفي رواية عبد الله بن عون: «ثم فُتح الباب، فخرج النبيّ -ﷺ-، ورَقِيتُ الدرجة، فدخلت البيت، فقلت: أين صلّى النبيّ -ﷺ-؟»، وفي رواية فُليح عن البخاريّ: «ثم خرج، فابتدر الناس الدخول، فسبقتهم»، وفي رواية أيوب: «وكنت رجلًا شابًّا قويًّا، فبادرت الناس، فبدرتهم»، وفي رواية جويرية: «كنت أول الناس ولج على إثره»، وفي رواية مجاهد، عن ابن عمر: «وأجد بلالًا قائمًا بين البابين». وأفاد الأزرقيّ في «كتاب مكة»: «أن خالد بن الوليد كان على الباب، يَذُبّ عنه الناس»، وكأنه جاء بعدما دخل النبيّ -ﷺ-، وأُغلِق . (مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟) «ما» استفهامية؛ أي: أيَّ شيء صنع في داخل البيت، أصلّى فيه، أم لا؟ وفي رواية جويرية، ويونس، وجمهور أصحاب نافع: «فسألت بلالًا أين صلى؟»، اختصروا أول السؤال، وثبت في رواية سالم حيث قال: «هل صلى فيه؟ قال: نعم»، وكذا في رواية مجاهد، وابن أبي مليكة، عن ابن عمر: «فقلت: أصلى النبيّ -ﷺ- في الكعبة؟ قال: نعم». فظهر أنه استثبت أوّلًا، هل صلى أَوْ لا؟ ثم سأل عن موضع صلاته من البيت. ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب الآتية في الباب: «فأخبرني بلالٌ، أو عثمان بن طلحة» على الشك، والمحفوظ أنه سأل بلالًا، كما في رواية الجمهور. ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن ابن عمر: «أنه سأل بلالًا، وأسامة بن زيد حين خرجا، أين صلى النبيّ -ﷺ- فيه؟ فقالا: على جهته»، وكذا أخرج البزار نحوه، ولأحمد، والطبرانيّ من طريق أبي الشعثاء، عن ابن عمر قال: «أخبرني أسامة أنه صلى فيه ها هنا». ويأتي لمسلم، والطبرانيّ من وجه آخر: «فقلت: أين صلى النبيّ -ﷺ-؟ قالوا»، فإن كان محفوظًا حُمِل على أنه ابتدأ بلالًا بالسؤال، كما تقدم تفصيله، ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل عثمان أيضًا، وأسامة، ويؤيد ذلك قوله في رواية ابن عون الآتية: «ونسيت أن أسألهم كم صلى؟» بصيغة الجمع. قال الحافظ -﵀-: وهذا أولى من جزم عياض بوهم الرواية التي أشرنا إليها من عند مسلم، وكأنه لم يقف على بقية الروايات. قال: ولا يعارض قصته مع قصة أسامة ما أخرجه مسلم أيضًا من حديث ابن عباس؛ أن أسامة بن زيد أخبره: «أن النبيّ -ﷺ- لم يُصَلِّ فيه، ولكنه كبّر في نواحيه»، فإنه يمكن الجمع بينهما بأن أسامة حيث أثبتها اعتَمَد في ذلك على غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه؛ لكونه لم يره -ﷺ- حين صلى، وسيأتي مزيد بسط فيه في الكلام على حديث ابن عباس -﵄- إن شاء الله تعالى- . (قَالَ) بلال -﵁- (جَعَلَ) النبيّ -ﷺ- (عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَاره، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاَثَه أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ) كذا في هذه الرواية، ولا إشكال فيها، ووقع في رواية للبخاريّ: «جعل عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة»، ولا يخفى ما فيها من الإشكال؛ إذ في قوله: «وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة»، إشعار بكون ما عن يمينه أو يساره اثنين. وأجيب بأن التثنية بالنظر إلى ما كان عليه البيت في زمن النبيّ -ﷺ-، والإفراد بالنظر إلى ما صار إليه بعدُ، ويؤيده قوله: «وكان البيت يومئذ»؛ لأن فيه إشعارًا بأنه تغير عن هيئته الأولى. أو يقال: لفظ العمود جنس يَحْتَمِل الواحد والاثنين، فهو مُجْمَل بيّنته رواية: عمودين، أو لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل عمودان متسامتان، والثالث على غير سمتهما، ولفظ «المقدمين» في الرواية الأخرى ليشعر به، أو كان هناك ثلاثة أعمدة مصطفّة، فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال: عمودين اعتبره. [تنبيه]: قال البخاريّ بعد الرواية المذكورة: وقال لنا إسماعيل: حدّثني مالك، وقال: «عمودين عن يمينه»، عكس رواية يحيى بن يحيى، عن مالك هنا، وإسماعيل هو ابن أبي أويس. قال في «الفتح»: وقد ذكر الدارقطنيّ الاختلاف على مالك فيه، فوافق الجمهور عبد الله بن يوسف في قوله: «عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره»، ووافق إسماعيل في قوله: «عمودين عن يمينه»: ابن القاسم، والقعنبيّ، وأبو مصعب، ومحمد بن الحسن، وأبو حُذافة، وكذا الشافعيّ، وابن مهديّ في إحدى الروايتين عنهما، وقال يحيى بن يحيى النيسابوريّ فيما رواه عنه مسلم: «جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه»، عكس رواية إسماعيل، وكذلك قال الشافعيّ، وبشر بن عمر في إحدى الروايتين عنهما. وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين باحتمال تعدد الواقعة، وهو بعيدٌ؛ لاتحاد مخرج الحديث، وقد جزم البيهقيّ بترجيح رواية إسماعيل، ومن وافقه. قال: وفيه اختلاف رابع، قال عثمان بن عمر، عن مالك: «جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره»، قال: ويمكن توجيهه بأن يكون هناك أربعة أعمدة: اثنان مجتمعان، واثنان منفردان، فوقف عند المجتمعين، لكن يعكر عليه قوله: «وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة»، بعد قوله: «وثلاثة أعمدة وراءه»، وقد قال الدارقطنيّ: لم يتابع عثمان بن عمر على ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: يُستفاد مما ذكره الدارقطنيّ من تفرّد عثمان بن عمر بهذه الرواية المخالفة لروايات الجمهور، وهي قوله: «جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره» أنها رواية شاذّة مردودة للمخالفة المذكورة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ) إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يُهْدَم، ويُبْنَى في زمن ابن الزبير -﵄-، وأما الآن فعلى ثلاثة أعمدة. (ثُمَّ صَلَّى) أي: متوجهًا إلى الجدار الغربيّ المقابل للجدار الشرقيّ الذي فيه الباب تقريبًا بينه -ﷺ- وبين الجدار الغربي ثلاثة أذرع. وفي الحديث مشروعية الدخول في الكعبة، واستحبابه، وفيه استحباب الصلاة فيها، وهو ظاهر في النفل، وَيلتحق به الفرض؛ إذ لا فرق بينهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٦٦/ ٣٢٣١ و٣٢٣٢ و٣٢٣٣ و٣٢٣٤ و٣٢٣٥ و٣٢٣٦ و٣٢٣٧، (١٣٢٩)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٥٠٥)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠٢٣)، و(النسائيّ) في «القبلة» (٢/ ٦٣) و«الكبرى» (١/ ٢٧١)، و(مالك) في «الموطّإ» (١/ ٣٩٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٣ و٥٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٢٠٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١/ ٣٤٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧) و«المعرفة» (٢/ ١٦٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): رواية المصنف هنا: «جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه»، وفي رواية أيوب: «قال: بين العمودين تلقاء وجهه»، وفي رواية عبيد الله: «بين العمودين المقدّمين»، وفي رواية سالم، عن أبيه: «صلّى بين العمودين اليمانيين»، وكلّها عند المصنّف. وفي رواية للبخاريّ: «جَعَل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه». قال الحافظ ولي الدين العراقيّ -﵀-: قوله: «جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه»، كذا في رواية البخاريّ عن إسماعيل بن أبي أويس، وكذا في رواية أبي داود عن القعنبي، كلاهما عن مالك، وفي رواية البخاريّ، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك: «جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه». ونقل ابن عبد البر في «التمهيد» اللفظ الأول عن الأكثر من رواة «الموطإ»: منهم يحيى بن يحيى الأندلسيّ، والقعنبيّ، وابن القاسم، وأبو مصعب، وابن بُكير، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن سليمان، وأحمد بن إسماعيل، وابن مهديّ، من رواية أحمد بن سنان القطّان عنه، والشافعيّ، من رواية أبي يحيى، محمد بن سعيد العطار، عنه. ونقل اللفظ الثاني عن إسحاق بن الطبّاع، ومكيّ بن إبراهيم، وأبي قلابة، عن بشر بن عمر، وبندار، عن ابن مهديّ، كلهم عن مالك. ونقل اللفظ الثالث عن يحيى بن يحيى النيسابوريّ، وبندار، عن بشر بن عمر، والربيع، عن الشافعيّ، كلهم عن مالك، قال: ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، فقال فيه: «جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره»، وقال: ولم يُتَابَع على هذه الرواية، قال: والرواية الأولى أولى بالصواب، إن شاء الله. وصحح البيهقيّ أيضًا هذه الرواية. وقال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: وهي موافقة لكونه مقابل الباب، وفي رواية في «الصحيح» أيضًا: «صلى بين العمودين اليمانيين». وإذا تقرر ترجيح الرواية الأولى، فلا ينافيها قوله في الرواية الثانية: «عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره»؛ لأن معناها: صلى بين عمودين، وإن كان بجانب أحد العمودين عمود آخر، ولا قوله في الرواية الأخيرة: «بين العمودين اليمانيين»، فإن العَمَد الثلاثة، أحدها يمانيّ، وهو الأقرب إلى الركن اليمانيّ، والآخر، وهو الأقرب إلى الحجر شاميّ، والأوسط بينهما، إن قُرن بالأول، قيل: اليمانيان، وإن قرن بالثاني، قيل: الشاميان، ذكره المحبّ الطبريّ، وهو واضح. وأما الرواية الثالثة، فإنه يَتَعَذَّر الجمع بينها، وبين الأولى، فهي ضعيفة؛ لشذوذها، ومخالفتها رواية الأكثرين، كما تقدم. وأما الرواية الرابعة، فهي مقطوع بوهمها؛ إذ ليس هناك أربعة أعمدة، حتى يكون عن يمينه اثنان، وعن يساره اثنان. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب دخول الكعبة، لكنه مشروط بأن لا يؤذي أحدًا، وسيأتي البحث فيه في المسألة الخامسة- إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان جواز الصلاة في الكعبة، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة السادسة -إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): رواية الصحابيّ، عن الصحابيّ، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به. ٤ - (ومنها): الاحتجاج بخبر الواحد. ٥ - (ومنها): اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة. ٦ - (ومنها): السؤال عن العلم، والحرص فيه. ٧ - (ومنها): فضيلة ابن عمر -﵄- حيث كان شديد الحرص على تتبع آثار النبيّ -ﷺ-؛ ليعمل بها. ٨ - (ومنها): أن الفاضل من الصحابة -﵃- قد يغيب عن النبيّ -ﷺ- في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره من هو دونه، فيَطَّلِع على ما لم يَطَّلع عليه؛ لأن أبا بكر وعمر -﵄- وغيرهما، ممن هو أفضل من بلال -﵁-، ومن ذكر معه، لم يشاركوهم في ذلك. ٩ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ -﵀- استَدَلّ بهذا الحديث على أن الصلاة إلى مقام إبراهيم غير واجبة، وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير جماعة. ١٠ - (ومنها): ما قيل: إن السترة إنما يشرع اتخاذها حيث يخشى المرور، فإنه -ﷺ- صلى بين العمودين، ولم يصلّ إلى أحدهما، لكن هذا -كما قال الحافظ- فيه أنه إنما ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار؛ إذ كان بين مصلاه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع، ولذلك استَدَلّ النسائيّ به على مقدار الدنوّ من السترة. ١١ - (ومنها): أن قول العلماء: تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة؛ لكونه -ﷺ- جاء، فأناخ عند البيت، فدخله، فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة، إما لكون الكعبة كالمسجد المستقلّ، أو هو تحية المسجد العامّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر الحافظ -﵀-، ولي فيه نظر؛ إذ تحية المسجد الحرام ركعتان، كسائر المساجد؛ لأنه داخل في عمومها، وأما ما ثبت من أنه -ﷺ- أول ما بدأ به في حجه الطواف، فلا يتنافى معه؛ لأنه طاف، ثم صلى ركعتين، والنهي إنما جاء عن الجلوس قبل الركعتين. والحاصل: أن السنة لمن أحرم بأحد النسكين أن يبدأ بالطواف، ومعلوم أن الطواف بعده ركعتان، وأما غيره فإن أراد أن يطوف طاف، وصلى ركعتين، وإلا صلى ركعتين، بدليل حديث الباب، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢ - (ومنها): بيان مشروعية إغلاق الكعبة، ويقاس عليها غيرها من المساجد، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]: إن المراد إغلاقها في غير وقت الصلاة. وبوّب الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه» على هذا الحديث: «باب الأبواب، والغَلَق للكعبة والمساجد». وقال ابن بطال -﵀-: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب؛ لِتُصان عن مكان الرِّيَبِ، وتنزّه عما لا يصلح فيها في غير الطاعات، قاله وليّ الدين: -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: ويدلّ له حديث عائشة -﵄-، قالت: «أمر رسول الله -ﷺ- ببناء المساجد في الدور، وأن تُنَظَّف، وتُطَيَّب»، وهو حديث صحيح رواه أصحاب السنن إلا النسائيّ، وعن سمرة بن جندب -﵁-، قال: «أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نتخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها». رواه أحمد بإسناد صحيح، والترمذي، وصححه، والمراد بالدار: المحلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في هذا الحديث استحباب دخول الكعبة، اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، وهذا متَّفقٌ عليه، وقد ورد الترغيب فيه في حديث رواه البيهقيّ، من حديث ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة مغفورًا له»، قال البيهقيّ: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف. وقال المحب الطبريّ: هو حديث حسنٌ غريبٌ. قال الجامع عفا الله عنه: كيف يكون حسنًا، وقد تفرّد عبد الله بن المؤمّل، وهو ضعيف؟ والحقّ أنه ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ومحلّ استحبابه إذا لم يؤذ بدخوله أحدًا لزحمة ونحوها، قال الشافعيّ -﵀-: وأستحب دخول البيت إن كان لا يؤذي أحدًا بدخوله، ورَوَى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن عائشة -﵂- قالت: خرج النبيّ -ﷺ- من عندي، وهو قرير العين، طيِّب النفس، فرجع إليّ، وهو حزين، فقلت له، فقال: «إني دخلت الكعبة، ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي»، لفظ الترمذيّ، وقال: حسن صحيح، ورواه الحاكم في «مستدركه»، وصححه، ولعلّ معناه: إتعابهم بتجشم المشقة في الدخول، مع تعسّر ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: قول الترمذيّ: «حسن صحيح»، وكذا تصحيح الحاكم فيه نظر، بل هو ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن عبد الملك، قال عنه أحمد: منكر الحديث. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن ابن عباس -﵄- أنه قال: يا أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شيء، وعن إبراهيم النخعيّ في الحاج: إن شاء دخل الكعبة، وإن شاء لم يدخلها، وعن خيثمة: لا يضرك والله أن لا تدخله، وعن عطاء: إن شئت فلا تدخله، قال وليّ الدين -﵀-: وما ذكره هؤلاء لا ينافي استحباب دخوله، وإنما ذكروا ذلك؛ لئلا يتوهم وجوبه أيضًا، فإنه ليس من جملة المناسك، بل هو مستحبّ مستقل، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: وحَكَى القرطبيّ عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج. وردّه بأن النبيّ -ﷺ- إنما دخله عام الفتح، ولم يكن محرمًا. قال: وأما ما رواه أبو داود، والترمذي، وصححه هو، وابن خزيمة، والحاكم عن عائشة -﵂-: أنه خرج من عندها وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب، فقال: «دخلت الكعبة، فأخاف أن أكون شققت على أمتي»، فقد يُتَمَسّك به لصاحب هذا القول المحكيّ؛ لكن عائشة لم تكن معه في الفتح، ولا في عمرته، بل ثبت أنه لم يدخل في الكعبة في عمرته، فتعيّن أن القصة كانت في حجته، وهو المطلوب، وبذلك جزم البيهقيّ، وإنما لم يدخل في الكعبة في عمرته؛ لِما كان في البيت من الأصنام، والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها، بخلاف عام الفتح. ويَحْتَمِل أن يكون -ﷺ- قال ذلك لعائشة -﵂- بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، ونُقل عن جماعة من العلماء أنه لم يدخل الكعبة في حجته، أفاده في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الذي ذكره الحافظ بأنه قال لها ذلك في المدينة، وأنه ليس في السياق ما يمنعه، عندي بعيد، بل السياق يأباه، إلا بتكلف، فإن قوله: «خرج من عندها، وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب» ظاهر في كون ذلك في مكة، والقول بأنه لم يدخل في حجته البيت لا دليل عليه، فالظاهر ما جزم به البيهقيّ، من أنه دخل في حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في الكعبة: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -﵀- ما حاصله: في هذا الحديث جواز الصلاة في الكعبة، وهذه الصلاة، وإن كانت نافلة، فالفريضة في معناها؛ لأن الأصل استواء الفرض والنفل في الأركان والشرائط، إلا ما استثني بدليل. وبهذا قال الشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور، كما حكاه النوويّ. وقال الترمذيّ: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة باسًا، وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة، وكَرِه أن تصلى المكتوبة في الكعبة، وقال الشافعيّ: لا بأس أن تصلى المكتوبة، والتطوع في الكعبة؛ لأن حكم المكتوبة والنافلة في الطهارة والقبلة سواء. انتهى. وقال بجواز الصلاة مطلقًا في الكعبة من المالكية: أشهب، وصححه منهم ابن العربيّ، وابن عبد البرّ، والمشهور من مذهب مالك جواز صلاة النافلة فيها، والمنع من الفرض، والسنن؛ كالوتر، وركعتي الفجر، وركعتي الطواف. وقَيّد ابن بطال عنه ذلك بالطواف الواجب، وإطلاق الترمذيّ عن مالك تجويز النافلة تبعه عليه ابن العربيّ، فَيَحْتَمِل أنه مقيَّد بما حكيته، ويَحْتَمِل أن الرواية عن مالك في ذلك مختلفة. وقد حُكي عن عطاء بن أبي رباح تجويز النفل فيها، دون الفرض، فإن كان يقول به على إطلاقه، فهو (مذهب ثالث) في المسألة. وفيها (مذهب رابع)، وهو منع الصلاة فيها مطلقًا، حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وهو أحد القولين عن مالك، كما حكاه ابن العربي، وقال به من أصحابه: أصبغ، وحكاه ابن بطال عن محمد بن جرير الطبريّ، وبه قال بعض الظاهرية. وتمسك هؤلاء بأن الله أمر باستقباله، والمصلي فيه مستدبر لبعضه. ورَوَى الأزرقيّ أن ابن عباس قال لسماك الحنفيّ: ائتم به كله، ولا تجعلن شيئًا منه خلفك، قال ابن عبد البرّ: لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين: إما الصحة مطلقًا، أو الفساد مطلقًا، والصواب عندي قول الصحة مطلقًا، ثم بسط ذلك. وفيه (مذهب خامس): وهو أن التفريق بين الفرض والنفل إنما هو في الاستحباب، فلو صلى الفرض فيها صح، وارتكب خلاف الأولى. و(مذهب سادس): وهو التفريق في الفرض بين التعمد والنسيان، فيصح مع النسيان دون التعمد. وتردد الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» عن مالك، فقال: كره الفرض، أو منعه، وعلل تجويز النفل بأنه مظنة التخفيف في الشروط. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- ببعض اختصار . وقال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ: -﵀-: اختلف الفقهاء في الصلاة في الكعبة الفريضة والنافلة، فقال مالك: لا يُصَلَّى فيها الفرضُ، ولا الوترُ، ولا ركعتا الفجر، ولا ركعتا الطواف، ويصلَّى فيها التطوع، وذكر ابن خواز منداد عن مالك وأصحابه، فيمن صلى في الكعبة الفريضة، أو صلى على ظهرها: أعاد ما دام في الوقت في المسألتين جميعًا، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ: يصلي في الكعبة الفرض والنوافل كلها، وقال الشافعيّ: إن صلى في جوفها مستقبلًا حائطًا من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب، والباب مفتوح فصلاته باطلة؛ لأنه لم يستقبل منها شيئًا. وقال مالك: من صلى على ظهر الكعبة مكتوبةً أعاد في الوقت، وقد رُوي عن بعض أصحاب مالك: يُعيد أبدًا، وقال أبو حنيفة: من صلى على ظهر الكعبة فلا شيء عليه، واختَلَف أهل الظاهر فيمن صلى في الكعبة، فقال بعضهم: صلاته جائزة، وقال بعضهم: لا صلاة له في نافلة ولا فريضة؛ لأنه قد استدبر بعض الكعبة، واحتج قائل هذه المقالة بقول ابن عباس -﵄-: أُمر الناس أن يصلّوا إلى الكعبة، ولم يؤمروا أن يصلّوا فيها. قال أبو عمر: لا يصحٍ في هذه المسألة إلا أحد قولين: إما أن يكون من صلى في الكعبة صلاته تامة، فريضة كانت أو نافلة؛ لأنه قد استقبل بعضها، وليس عليه إلا ذلك، أو تكون صلاته فاسدةً، فريضةً كانت أو نافلةً من أجل أنه لم يحصل له استقبال بعضها، إذا صلى داخلها إلا باستدبار بعضها، ولا يجوز ذلك عند من ذهب إلى أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده في كل باب، والصواب من القول في هذا الباب عندي قول من أجاز الصلاة كلها في الكعبة، إذا استقبل شيئًا منها؛ لأنه قد فَعَلَ ما أُمر به، ولم يأت ما نُهِي عنه؛ لأن استدبارها ههنا ليس بضدّ استقبالها؛ لأنه ثابت معه في بعضها، والضد لا يثبت مع ضده، ومعلوم أن المأمور باستقبال الكعبة لم يؤمر باستقبال جميعها، وإنما توجه الخطاب إليه باستقبال بعضها، والمصلي في جوفها قد استقبل جهة منها، وقطعةً وناحيةً، فهو مستقبل لها بذلك، وقد ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه صلى فيها ركعتين، وهو المبيّن عن الله مراده، وكل موضع يجوز فيه صلاة النافلة جازت فيه صلاة الفريضة قياسًا ونظرًا؛ إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، على أنه لا يجب لأحد أن يتعمد صلاة الفريضة فيها، ولو صلى فيها ركعتين نافلة لم يكن بذلك بأس، فإن صلى أحد فيها فريضة فلا حرج، ولا إعادة. [فإن قيل]: إن النافلة قد تجوز على الدابة للمسافر إلى غير القبلة، ولا تجوز كذلك الفريضة، فلم قيست النافلة على الفريضة؟ [قيل له]: ذلك موضع خصوص بالسنّة؛ لضرورة السفر، كما تجوز صلاة الفريضة للخائف المطلوب راكبًا، مستقبل القبلة، وغير مستقبلها؛ لضرورة الخوف، وليس ذلك بمبيح له الصلاة المفروضة على الدابة في حال الأمن من غير ضرورة، ولا بمبيح ذلك له ترك استقبال القبلة من غير ضرورة، وكذلك الصلاة على الدابة للمتطوع المسافر ليس ذلك بمبيح له الصلاة النافلة، ولا الفريضة على الأرض إلى غير القبلة في الحضر؛ لأنها في السفر حال ضرورة خُصَّت بالسنة، والإجماع، وأما غير ذلك مما تنازع فيه العلماء من هذا الباب، فالواجب أن لا يُفَرَّق فيه بين صلاة النافلة والفريضة، كما أنها لا تفترق في الطهارة، واستقبال القبلة، وقراءة القرآن، والسهو، وسائر الأحكام، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الإمام ابن عبد البرّ -﵀- في هذا البحث، وأعطى المسألة حقّها بما لا مجال للتعليق عليه. والحاصل أن ما صححه -﵀- من تصحيح الصلاة في الكعبة مطلقًا، كما هو رأي الجمهور هو الصواب الذي لا محيد عنه؛ لقوّة حجته، وأما الأقوال الأخرى فمما لا دليل عليها، فلا ينبغي الالتفات إليها، ولا الاشتغال بها، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف الروايات في إثبات صلاته -ﷺ- في الكعبة: (اعلم) أن هذه الرواية فيها إثبات صلاته -ﷺ- فيها. وفي «الصحيحين» عن ابن عباس -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- دخل البيت، فكبّر في نواحيه، ولم يصلّ فيه»، ولفظ مسلم: «ودعا، ولم يصلّ». وإنما تلقى ابن عباس ذلك عن أسامة بن زيد، ففي «صحيح مسلم» عنه: أخبرني أسامة بن زيد: «أن النبيّ -ﷺ- لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصلّ فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة». والعمل على الإثبات، فإنه مقدم على النفي، قال ابن بطال: الآثار أنه صلى أكثر، ولو تساوت في الكثرة، لكان الأخذ بالمثبت أولى من النافي، فقد رَوَى أنه -ﷺ- صلى في البيت غيرَ بلال جماعةٌ، منهم: أسامة بن زيد، وعمر بن الخطاب، وجابر، وشيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، من طُرُق حِسَان، ذكرها الطحاوي كلها في «شرح معاني الآثار». وقال ابن عبد البرّ: رواية أنه صلى أولى من رواية أنه لم يصلّ؛ لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال: لم يفعل بشهادة. وقال النوويّ: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت، فمعه زيادة عِلم، فوجب ترجيحه، وكذا حَكَى ابن العربي عن العلماء، ثم قال: وهذا إنما يكون لو كان الخبر عن اثنين، فأما وقد اختلف قول ابن عمر، فأثبت مرة، ونفى أخرى، وقول النفي رواية ابن عباس، فلا أدري ما هذا؟ انتهى. قال وليّ الدين -﵀-: وفيه نظر من وجهين: [أحدهما]: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر عن واحد، أو اثنين، فالإثبات مقدم، ولو كان الاختلاف على واحد. [الثاني]: أن ذِكر ابن عمر سهو، فإنه لم يرد عنه النفي، ولعله أراد أسامة، فسبق قلمه إلى ابن عمر. فأما نفي أسامة، فقد سبق، وأما إثباته، فروى الإمام أحمد في «مسنده» عن أبي الشعثاء، قال: خرجت حاجًّا، فجئت حتى دخلت البيت، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزمت الحائط، فجاء ابن عمر، فصلى أربعًا، فلما صلى، قلت له: أين صلى رسول الله -ﷺ- من البيت؟ فقال: أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى ههنا، فقلت: كم صلى؟ فقال: على هذا أجدني ألوم نفسي، إني مكثت معه عمرًا، فلم أساله، كم صلى؟ «. ويوافق هذه الرواية لفظ رواية مسلم من رواية عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فإن فيها بعد ذكر أسامة، وبلال، وعثمان:«فقلت: أين صلى النبيّ -ﷺ-؟ قالوا: ههنا، قال: ونسيت أن أسألهم، كم صلى؟ »ومقتضاها نسبة ذلك إلى جميعهم، والمشهور عن أسامة النفي، كما تقدم . وقال القاضي عياض -﵀-: إن أهل الحديث وهّنوا هذه الرواية، فقال الدارقطنيّ: وَهِمَ ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده. قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق، إلا أن في رواية حرملة، عن ابن وهب:«فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة». هكذا هو عند عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ:«وعثمان»، قال: وهذا يَعْضِد رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال برواية ذلك. [فإن قلت]: كيف الجمع بين إثبات بلال، ونفي أسامة، مع دخولهما مع النبيّ -ﷺ- في مرة واحدة؟ [قلت]: أجيب عنه بأوجه: [أحدها]: قال النوويّ: وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبيّ -ﷺ- يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبيّ -ﷺ- في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبيّ -ﷺ-، فرآه بلال؛ لقربه، ولم يره أسامة؛ لبُعده واشتغاله، وكانت صلاته خفيفة، فلم يرها أسامة، لإغلاق الباب مع بُعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنه، وأما بلال فتحققها، فأخبر بها. [الثاني]: أنه يَحْتَمِل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم يشهد صلاته. أجاب به الشيخ محب الدين الطبريّ. انتهى . قال الحافظ: ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسيّ في «مسنده»، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: «دخلت على رسول الله -ﷺ- في الكعبة، فرأى صُوَرًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور»، فهذا إسناد جيّد. قال القرطبيّ: فلعله استَصْحَب النفي لسرعة عوده. انتهى، وهو مفرعّ على أن هذه القصة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد روى عمر بن شبة في «كتاب مكة»، من طريق علي بن بَذِيمة، وهو تابعيّ، وأبوه- بفتح الموحدة، ثم معجمة، بوزن عظيمة- قال: «دخل النبيّ -ﷺ- الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة، قد احتبى، فأخذ بحبوته، فحلّها …» الحديث، فلعله احتبى، فاستراح، فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها، مستصحبًا للنفي، لقصر زمن احتبائه، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر. هذا جمع بطريقة الترجيح. ومنهم من جمع بينهما بغير ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك من أوجه: [أحدها]: حمل الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضًا ونفلًا، وقد تقدم البحث فيه، ويردّ هذا الحمل ما تقدم في بعض طرقه، من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد بها الشرعية، لا مجرد الدعاء. قال الحافظ أبو عمر -﵀- في «التمهيد» بعد أن أورد آثارًا، ما نصّه: فهذه آثارٌ تَشْهَد لصحة قول ابن عمر عن بلال: إن رسول الله -ﷺ- صلى فيها الصلاة المعهودة، لا الدعاء. انتهى . [ثانيها]: قال القرطبيّ: يمكن حمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدم البحث فيها. [ثالثها]: قال المهلّب شارح البخاريّ: يَحْتَمِل أن يكون دخول البيت وقع مرتين، صلى في إحداهما، ولم يصلّ في الأخرى. وقال ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يُجعل الخبران في وقتين، فيقال: لمّا دخل الكعبة في الفتح صلى فيها، على ما رواه ابن عمر، عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابنُ عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، وإلى أسامة أيضًا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض. قال الحافظ: وهذا جمع حسن، لكن تعقبه النوويّ بأنه لا خلاف أنه -ﷺ- دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في «كتاب مكة» عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنه -ﷺ- إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة: وحدة السفر، لا الدخول، وقد وقع عند الدارقطنيّ من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع، والله تعالى أعلم. قال: ويؤيد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في «كتاب مكة» من طريق حماد، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: «قلت له: كيف أصلي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبّح، وتكبّر، ولا تركع، ولا تسجد»، وسنده صحيح. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة عندي جواب من حمل نفي أسامة على نفي علمه، فلا ينافي إثبات بلال، وأما ابن عباس، فنفيه مستند إلى غيره، فجوابه جواب مستنده، وأما ما نُقِل من إثبات أسامة، فإن صح، فجوابه ما أجاب به ابن حبان، من تعدد الواقعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): لم يبيّن في رواية المصنف هنا، ولا في أكثر الروايات عدد ركعات صلاته -ﷺ-، بل في حديث ابن عمر -﵄- أنه قال: ونسيت أن أسأله -يعني بلالًا- كم صلى؟ لكن في أوائل الصلاة من «صحيح البخاريّ» عن مسدد، عن يحيى، عن سيف، عن مجاهد، قال: «أُتي ابن عمر -﵄-، فقيل له: هذا رسول الله -ﷺ- دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت، والنبيّ -ﷺ- قد خرج، وأجد بلالًا قائمًا بين البابين، فسألت بلالًا، فقلت: صلى رسول الله -ﷺ- الكعبة؟ قال: نعم؛ ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره، إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين». وقد أعادها البخاري في «باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى»، رواها عن أبي نعيم، عن سيف، وليس فيها هذه الزيادة، وهي أن صلاته في الكعبة كانت ركعتين، نعم رواها النسائيّ من رواية أبي نعيم، وفيها ذكر الركعتين، وروى النسائي أيضًا عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر، قال: «دخل رسول الله -ﷺ- الكعبة …» الحديث، وفيه: «فسألت بلالًا، هل صلى رسول الله -ﷺ- في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين». قال وليّ الدين العراقيّ -﵀-: ولم يستحضر النوويّ -﵀- في «شرح مسلم» رواية البخاري، فاقتصر على ذكر ما في «سنن أبي داود» بإسناد فيه ضعف، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: «قلت لعمر بن الخطاب -﵁-: كيف صنع رسول الله -ﷺ- حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين»، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» من هذا الوجه، عن صفوان، أو ابن صفوان: «أن النبيّ -ﷺ- صلى في البيت ركعتين حين دخله». قال وليّ الدين: ولم أتوقف في رواية البخاري لاستغراب كونه -ﷺ- صلى ركعتين، فإن هذا هو المعروف من عادته، إنما توقفت فيها لقول ابن عمر: ونسيت أن أسأله، كم صلى؟ وهو في «الصحيحين»، قال: وقال والدي: يَحْتَمِل أنه لم يسأله عن ذلك، وإنما أخبره به بلال بغير سؤال، وفيه بُعد؛ لأنه لم يكن حينئذ يلوم نفسه على ترك السؤال؛ لحصول مقصوده بدونه، وَيحْتَمِل أن ابن عمر حُدّث به من قبل أن يسأل بلالًا، ثم سال بلالًا بعد ذلك، أو حدّث به بلال بعد ذلك، فذكر فيه أنه صلى ركعتين، وفيه بُعد أيضًا؛ لأن بعض من حدثه عنه بكونه لم يسأل بلالًا عن ذلك إنما سمع منه بعد وفاة بلال. ويَحْتَمِل أن ابن عمر، وإن سمع من بلال أنه صلى ركعتين، لم يكتف بذلك في أنه لم يصلّ غيرهما؛ لأن من صلى أربعًا أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين على القول بأن مفهوم العدد ليس بحجة، كما هو المرجح في الأصول، فيكون الذي نسي أن يسأله عنه، هل زاد على الركعتين شيئًا، أم لا؟ انتهى كلام وليّ الدين -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: ولا يخفى بُعد الاحتمال الأخير أيضًا، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ -﵀-: وقد استَشكَل الإسماعيليّ، وغيره هذا -يعني قوله: صلى ركعتين- مع أن المشهور عن ابن عمر من طريق نافع، وغيره، عنه؛ أنه قال: «ونسيت أن أسأله كم صلى»، فدل على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله عنها. والجواب عن ذلك أن يقال: يَحْتَمِل أن ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية: «ركعتين» على القدر المتحقق له، وذلك أن بلالًا أثبت له أنه صلى، ولم يُنقل أن النبيّ -ﷺ- تنفّل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققًا وقوعهما، لِما عُرف بالاستقراء من عادته. فعلى هذا، فقوله: «ركعتين» من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال، وقد وجدت ما يؤيد هذا، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شبة في «كتاب مكة» من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، في هذا الحديث: «فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع رسول الله -ﷺ- ههنا؟ فأشار بيده؛ أي: صلى ركعتين بالسبابة والوسطى». فعلى هذا، فيُحْمَل قوله: «نسيت أن أسأله كم صلى» على أنه لم يسأله لفظًا، ولم يجبه لفظًا، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه، وأما قوله في الرواية الأخرى: «نسيت أن أسأله كم صلى»، فيُحْمَل على أن مراده أنه لم يتحقق هل زاد على ركعتين، أو لا؟ وأما قول بعض المتأخرين: يُجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى، فسأله، ففيه نظر، من وجهين: أحدهما: أن الذي يظهر أن القصة- وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة- لم تتعدد؛ لأنه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معًا، فقال في هذه: فأقبلت، ثم قال: فسألت بلالًا، وقال في الأخرى: فبدرت، فسألت بلالًا، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحدًا في وقت واحد. ثمانيهما: أن راوي قول ابن عمر: «ونسيت» هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكاية النسيان، ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلًا. والله تعالى أعلم. وأما ما نقله عياض أن قوله: «ركعتين» غلط من يحيى بن سعيد القطان، لأن ابن عمر قد قال: «نسيت أن أسأله كم صلى» قال: وإنما دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين بعد، فهو كلام مردود، والمغلِّط هو الغالط، فإنه ذكر الركعتين قبل، وبعد، فلم يَهِم من موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يغلط، فقد تابعه أبو نعيم، عند البخاريّ، والنسائي، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر بن علي عند الإسماعيليّ، وعبد الله بن نمير عند أحمد، كلهم عن سيف، ولم ينفرد به سيف أيضًا، فقد تابعه عليه خُصيف، عن مجاهد، عند أحمد، ولم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر، فقد تابعه عليه ابن أبي مليكة عند أحمد، والنسائي، وعمرو بن دينار، عند أحمد أيضًا باختصار، ومن حديث عثمان بن أبي طلحة، عند أحمد، والطبراني بإسناد قويّ، ومن حديث أبي هريرة عند البزار، ومن حديث عبد الرحمن بن صفوان، قال: «فلما خرج سألت من كان معه؟ فقالوا: صلى ركعتين عند السارية الوسطى»، أخرجه الطبراني بإسناد صحيح، ومن حديث شيبة بن عثمان، قال: «لقد صلى ركعتين عند العمودين»، أخرجه الطبراني باسناد جيد. فالعجب من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين، فقال بغير علم، ولو سكت لسلِم. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ في وجه الجمع بين الحديثين أقرب مما تقدم، وحاصله أن ابن عمر -﵄- فَهِم من إشارة بلال -﵁- أنه صلى ركعتين، ثم ندم على عدم تثبته بالسؤال اللفظي عن عدد الركعات، فبهذا تجتمع الروايتان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٢] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ، فَنَزَلَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، فَجَاءَ بِالْمِفْتَحِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَأَمَرَ بِالْبَابِ، فَأُغْلِقَ، فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيًّا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَادَرْتُ النَّاسَ، فَتَلَقَّيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَارِجًا، وَبِلَالٌ عَلَى إِثْرِهِ، فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) «تقدم في»المقدمة«٦/ ٥٠. ٣ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س)«تقدم في »المقدمة« ٦/ ٥٧. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الْجَهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) «تقدم في»المقدمة«٥/ ٢٦. ٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ) قال النوويّ ﵀: هذا دليل على أن هذا المذكور في أحاديث الباب من دخوله -ﷺ- الكعبة، وصلاته فيها كان يوم الفتح، وهذا لا خلاف فيه، ولم يكن يوم حجة الوداع، والله أعلم. انتهى. وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: دخوله -ﷺ- الكعبة كان في الفتح، كما هو في«الصحيحين»من حديث ابن عمر -﵄-، ولم يدخل الكعبة في عمرته كما في«الصحيحين»عن عبد الله بن أبي أوفى -﵄-، ولم ينقل فيما أعلم دخوله في حجه، ولعل تركه الدخول في عمرته وحجته؛ لئلا يتوهم كونه من المناسك، وليس منها، وإنما هو سنّة مستقلة كما قدمته، وقال البيهقيّ: دخوله كان في حجته، وحديث ابن أبي أوفى في عمرته، فلا معارضة بينهما، وما ذكره من أن دخوله في حجته مردود، وإنما كان في الفتح كما قدمته. وقال النوويّ في«شرح مسلم»: لا خلاف في أن دخوله كان يوم الفتح، ولم يكن في حجة الوداع، ثم قال بعد ذلك: قال العلماء: وسبب عدم دخوله -أي: في عمرته- ما كان في البيت من الأصنام والصُّوَر، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيّرها، فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت، وصلى فيه، وأزال الصور قبل دخوله. قال وليّ الدين ﵀: لو كان المعنى ما ذكره لدخل في حجة الوداع، فلعل المعنى الذي أبْديته أوجَه، والله أعلم. انتهى . وقال أبو الوليد الأزرقيّ في «تاريخ مكة»: حدّثني جدّي، قال: سمعت سفيان يقول: سمعت غير واحد من أهل العلم يذكرون أن رسول الله -ﷺ- إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حجّ فلم يدخلها. قال الحافظ العراقيّ ﵀ في «إحياء القلب الميت بدخول البيت»: وإنما أريدَ بذلك بعد الهجرة، فأما قبل الهجرة، وهو بمكة، ففي «طبقات ابن سعد» عن عثمان بن طلحة في أثناء قصة أنه -ﷺ- دخلها، على أن في بعض الروايات أنه دخلها يوم الفتح مرتين، رواه الدارقطنيّ عن ابن عمر -﵄-، قال: دخل النبيّ -ﷺ- البيت، ثم خرج، وبلال خلفه، فقلت لبلال: هل صلى رسول الله -ﷺ-؟ قال: لا، فلما كان من الغد دخل، فسألت بلالًا هل صلى؟ قال: نعم، قال: وقد ورد أيضًا ما يدلّ على أنه دخلها في حجة الوداع، فذكر حديث عائشة -﵂- المتقدّم، وفيه: «أني دخلت الكعبة»، وكأن وجه ذلك أن عائشة -﵂- إنما كانت معه في حجة الوداع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم لك أن حديث عائشة -﵂- ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ) بكسر الفاء، مثلُ كتاب: الْوَصِيدُ، وهو سعةٌ أمام البيت، وقيل: ما امتَدّ من جوانبه . وقوله: (فَجَاءَ بِالْمِفْتَحِ) وفي نسخة: «فجاءه بالمِفْتَح»، وهو بكسر الميم، وسكون الفاء، وفي الرواية الأخرى: «بالمفتاح»، وهما لغتان، قال الفيّوميّ ﵀: الْمِفْتاح: الذي يُفتح به الْمِغلاق، والْمِفْتَح مثله، وكأنه مقصور منه، وجمع الأول: مَفاتيح، وجمع الثاني: مفاتح، بغير ياء. انتهى . وقوله: (فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيًّا) بفتح الميم، وكسر اللام، وتشديد الياء؛ أي: طويلًا، قال في «القاموس»: والْمَليّ: الْهَوِيّ من الدهر، والساعة الطويلة من النهار. انتهى . وقوله: (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة، لغة في أَثَره بفتحتين، قال الفيّوميّ ﵀: وجئتُ في أَثَرِهِ بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة، والسكون؛ أي: تبِعته عن قرب. انتهى . وقوله: (وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى؟) هذا يتعارض مع ما وقع في «صحيح البخاريّ» في أوائل «الصلاة» قال: حدّثنا مسدد، حدّثنا يحيى، عن سيف، قال: سمعت مجاهدًا، قال: «أُتِي ابنُ عمر -﵄-، فقيل له: هذا رسول الله -ﷺ- دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت والنبيّ -ﷺ- قد خرج، وأجد بلالًا قائمًا بين البابين، فسألت بلالًا، فقلت: صلى رسول الله -ﷺ- في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين». وقد تقدّم الجمع بين الروايتين في المسألة الثامنة من مسائل الحديث الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَامَ الْفَتْحِ، عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَقَالَ: «ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ»، فَذَهَبَ اِلَى أُمِّهِ، فَأَبتْ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَتُعْطِينَهُ ، أَوْ لَيَخْرُجَنَّ هَذَا السَّيْفُ مِنْ صُلْبِيِ، قَالَ: فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) «تقدم في»المقدمة«٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، الإمام الحجة الثقة الحافظ الثبت الفقيه، من كبار [٨] (ت ١٩٨) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٨٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ) تقدّم أن اسمها سُلافةُ- بضمّ السين المهملة، وتخفيف اللام، وبالفاء. وقوله: (وَاللهِ لَتُعْطِينَهُ) اللام هي لام القسم، والفعل مرفوع بثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي تُرفع بثبوت النون، وتُجزم وتنصب بحذفها، والهاء هو المفعول الثاني، والأول مقدّر؛ أي: لتُعطينه إياي، وفي بعض النسخ:«لتُعطنّه»بنون التوكيد المشدّدة. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ) فاعل«ذَكَرَ»ضمير سفيان بن عيينة. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في«مسنده» (٦/ ١٥) فقال: (٢٣٩٦٨) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، دخل رسول الله -ﷺ- يوم الفتح، وهو على ناقة لأسامة بن زيد، فأناخ -يعني بالكعبة- ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب يأتيه به، فأبت أمه أن تعطيه، فقال: لتعطينه، أو يخرج بالسيف من صلبي، فدفعته إليه، ففتح الباب فدخل، ومعه بلال، وعثمان، وأسامة، فأجافوا الباب عليهم مَلِيًّا، قال ابن عمر: وكنت رجلًا شابًّا قويًّا، فبادرت الناس، فبدرتهم، فوجدت بلالًا قائمًا على الباب، فقلت: أين صلى رسول الله -ﷺ-؟ فقال: بين العمودين المقدَّمين، ونسيت أن أسأله كم صلى؟ انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْبَيْتَ، وَمَعَهُ أُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِم الْبَابَ طَوِيلًا، ثُمَّ فُتِحَ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، فَنَسِيتُ أَنْ أَسْألهُ كَمْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) «تقدم في»المقدمة«٢/ ٣. ٢ - (يَحْيَى) بن سعيد الْقَطَّانُ، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الثبت الناقد، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق)«تقدم في »المقدمة« ١/ ١. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) «تقدم في»المقدمة«٦/ ٥١. ٥ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع)«تقدم في »المقدمة« ٢/ ٥. ٦ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ الكوفىّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. ٧ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَأَجَافُوا عَلَيْهِم الْبَابَ) أي: أغلقوا، يقال: أجفتُ الباب: إذا رددتَهُ، قال الشاعر [من الطويل]: فَجِئْنَا مِنَ الْبَاب الْمُجَافِ تَوَاتُرًا … وَإِنْ تَقْعُدَا بِالْخَلْفِ فَالْخَلْفُ وَاسِعُ (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ) وفي الرواية الآتية: «صلى بين العمودين اليمانيين»، و«الْعَمُود» -بفتح العين، وضمّ الميم-: الخشبة التي يقوم عليها البيت، جمعه: أَعْمِدَةٌ، وعُمُدٌ -بضمتين-، وعَمَدٌ- بفتحتين-، ويقال له: العماد أيضًا، قاله في «اللسان»، و«المصباح». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيُّ -ﷺ-، وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ، وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ، قَالَ: فَمَكَثُوا فِيهِ مَلِيًّا، ثُمَّ فُتِحَ الْبَابُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبيُّ -ﷺ-؟ قَالُوا: هَا هُنَا، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلهُمْ كَمْ صَلَّى؟). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في «الجمعة» ٦/ ١٩٧٢. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنِ) بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ) بكسر القاف، يقال: رَقِيتُ في السلّم وغيره أَرْقَى، من باب تَعِب رُقِيًّا على فُعُولٍ، ورَقَيًا، مثل فَلْس أيضًا، وارتقيتُ، وترقّيتُ مثله، ورَقِيتُ السطحَ والجبلَ: علَوْتُهُ، يتعدّى بنفسه، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقوله: (قَالُوا: هَا هُنَا، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلهُمْ كَمْ صَلَّى؟) قال النوويّ ﵀: هكذا وقعت هذه الرواية هنا، وظاهره أن ابن عمر سأل بلالًا وأسامة، وعثمان جميعهم، قال القاضي عياض: ولكن أهل الحديث وَهَّنُوا هذه الرواية، فقال الدارقطنيّ: وَهِمَ ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده، قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق: «فسألت بلالًا، فقال»، إلا أنه وقع في رواية حرملة، عن ابن وهب: «فأخبرني بلال، وعثمان بن طلحة، أن رسول الله -ﷺ- صلى في جوف الكعبة». هكذا هو عند عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ: وعثمان بن أبي طلحة، قال: وهذا يعضد رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال برواية ذلك، والله أعلم. انتهى . ونصّ الدارقطنيّ ﵀: وأخرج مسلم عن حُميد بن مسعدة، عن خالد، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن أسامة وبلال، وعثمان: فسألتهم، وهذا وَهِمَ فيه ابن عون، خالفه أيوب، وعبيد الله، ومالك، وغيرهم، فأسنده، عن بلال وحده. انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ . وقد ذكر الدارقطنيّ ﵀ ممن خالف ابن عون في هذا: أيوب السختيانيّ، وعبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وكلهم عند مسلم، وأشار بقوله: «وغيرهم» إلى أن هناك من خالفه أيضًا، فمنهم: فُليح بن سليمان، عند البخاريّ في «المغازي» ، ويونس بن يزيد الأيليّ عند البخاريّ في «المغازي» أيضًا ، كلّ هؤلاء عن نافع، فكلهم خالف ابن عون، فذكر سؤال بلال فقط. فتبيّن بهذا أن ما ذهب إليه الدارقطنيّ من توهيم ابن عون في قوله: «فسألتهم» هو الظاهر. والحاصل أن المحفوظ سؤال ابن عمر بلالًا، فتكون رواية ابن عون بلفظ: «فقالوا:» «فسألتهم» شاذّة، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْبَيْتَ هُوَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كنْتُ فِي أَوَّلِ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَسَأَلْتُهُ، هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمْحٍ بن مهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ إمام فقيه حجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الفقيه المشهور، من كبار [٤] (ت ١٢٥) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٤ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ مشهور [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (وَلَجَ) بفتح الواو واللام، يقال: وَلَجَ الشيء في غيره يَلِجُ، من باب وَعَد وُلُوجًا، وأولجته إيلاجًا: أدخلته . وقوله: (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) تثنية يمان، نسبة إلى اليمن البلد المعروف، على غير قياس؛ إذ القياس: يَمَنِيٌّ، وفي ياء يَمَانٍ مذهبان: [أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يُثَقَّل؛ لئلا يجمع بين العِوَض، والْمُعَوَّض عنه. [والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة تنبيهًا على جواز حذفها، قاله الفيّوميّ ﵀. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قًالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ، أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) «تقدم في»المقدمة«٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد الصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع)«تقدم في »المقدمة« ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) «تقدم في»المقدمة«٣/ ١٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ) هذه الرواية تردّ على رواية النسائيّ المتقدّمة بأن الفضل بن عبّاس- ضي الله عنهما- كان معهم، وقد تقدّم أنها رواية شاذّة، فتنبّه. وقوله: (فَأَخْبَرَني بِلَالٌ، أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) هكذا في هذه الرواية بالشكّ فيمن أخبر ابن عمر، قال في«الفتح»: ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم:«فأخبرني بلالٌ، أو عثمان بن طلحة»على الشكّ، والمحفوظ أنه سأل بلالًا، كما في رواية الجمهور. انتهى . فتبيّن بهذا أن رواية يونس هذه بالشك شاذّة، كرواية ابن عون الماضية،
مصادر المؤلف (٣٦)

١. «تقريب التهذيب» ص ٢٣٤.

٢. «شرح النوويّ» ٩/ ٨٣ - ٨٤.

٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٣٢.

٤. «طرح التثريب» ٥/ ١٣٣.

٥. «المصباح المنير»٢/ ٥٧٧.

٦. «الفتح» ٤/ ٥٢٣.

٧. راجع: «الفتح» ٤/ ٥٢٤.

٨. «الفتح» ٢/ ٢٤٨.

٩. «طرح التثريب» ٥/ ١٣٦ - ١٣٧.

١٠. «طرح التثريب في شرح التقريب» ١٣٣.

١١. «طرح التثريب» ٥/ ١٣٠ - ١٣١.

١٢. «الفتح» ٤/ ٥٢٦.

١٣. «طرح التثريب» ٥/ ١٣٨.

١٤. «التمهيد» ١٥/ ٣١٨ - ٣٢١.

١٥. سيأتي أن هذه الرواية شاذّة، فلا يُعتمد عليها، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

١٦. «طرح التثريب» ٥/ ١٣٥.

١٧. «التمهيد لابن عبد البرّ» ١٥/ ٣١٨.

١٨. «الفتح» ٤/ ٥٢٩ - ٥٣١.

١٩. «طرح التثريب» ٥/ ١٣٨ - ١٣٩.

٢٠. «الفتح» ٤/ ٥٣٠ - ٥٣١.

٢١. وفي نسخة:«فجاءه».

٢٢. «طرح التثريب» ٥/ ١٣١ - ١٣٢.

٢٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٢.

٢٤. وفي نسخة: «فجاءه».

٢٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦١.

٢٦. «القاموس المحيط» ٤/ ٣٩١.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ٤.

٢٨. وفي نسخة:«لتُعْطِنَّهُ».

٢٩. «لسان العرب» ٩/ ٣٥.

٣٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٦.

٣١. «شرح النووي» ٩/ ٨٦.

٣٢. راجع: «بين الإمامين: مسلم، والدارقطنيّ» للشيخ ربيع المدخليّ ص ٢٤٢ - ٢٤٧.

٣٣. «صحيح البخاري» «كتاب المغازي» رقم (٤٢٨٩).

٣٤. «صحيح البخاري» «كتاب المغازي» رقم (٤٤٠٠).

٣٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧١.

٣٦. «الفتح» ٤/ ٥٢٤.