HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٤٢

حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بن محمد. قال: قال ابن جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَلَّمَهُمْ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُون. اللَّهُمَّ! إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى. وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى. اللهم! هون علينا سفرنا هذا. واطوعنا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ! أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ. وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ. اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ، فِي المال والأهل». وإذا رجع قالهن. وَزَادَ فِيهِنَّ «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ».
ج ٢ ص ٩٧٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٣٢٣
٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ) المكيّ، مقبول [٨] (خت م ق) تقدم في «الحج» ٢٣/ ٢٩٨٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) لم يتقدّم لابن جريج ذكرٌ في السند الماضي، فكان الأولى للمصنّف -﵀-، كما جرت به عادته أن يذكر هنا شيخَ ابن جريج، وهو عمرو بن دينار، حتى تكون الإحالة واضحةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٣٠٦١) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس -﵄- قال: جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رسول الله! إني كُتِبت في غزوة كذا وكذا، وامرأتي حاجّة، قال: «ارجع، فَحُجّ مع امرأتك». انتهى. [تنبيه آخر]: هذا الحديث آخر الفَوَات الذي لم يسمعه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان: من الإمام مسلم -﵀-، وقد سبق بيان أوله عند أحاديث: «رحم الله المحلِّقين والمقصرين»، رقم [٥٢/ ٣١٤٥] (١٣٠١)، فعدة ما فاته سماعه من الأحاديث (١٢٨) حديثًا. ومن هنا قال أبو إسحاق: حدّثنا مسلم بن الحجاج، قال: وحدّثني هارون بن عبد الله، قال: حدّثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير … الحديث، وهو أول الباب الذي يُذكر متصلًا بهذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٢) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٦] (١٣٤٢) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَلَّمَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ، خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: « ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ»، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ:«آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال الْبَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في«الإيمان»٦٤/ ٣٦١. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثمّ المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٩٤. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم في السند الماضي. ٤ - (أبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٩. ٥ - (عَلِيٌّ الْأزدِيُّ) هو: عليّ بن عبد الله الأزديّ، أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقيّ، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعُبيد بن عُمير، وأرسل عن زيد بن حارثة. وروى عنه مجاهد بن جبر، وهو من أقرانه، ويعلى بن عطاء العامريّ، وأبو الزبير، وقتادة، وعثمان بن أبي سليمان، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وغيرهم. قال ابن عديّ: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به، ونقل ابن خلفون، عن العجليّ أنه وَثَّقه، وقال منصور، عن مجاهد: كان علي الأزديّ يختم القرآن في رمضان كل ليلة. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن عمر الخطّاب -﵄-، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وعليّ الأزديّ، كما أسلفتهُ آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، فانتفت تهمة التدليس من ابن جريج، وأبي الزبير. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر -﵄-، وقد سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: عن أبي الزبير المكيّ (أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) -﵄- (عَلَّمَهُمْ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ) أي: استقرّ على ظهر مركوبه (خَارِجًا) أي: من البلد، مائلًا أو منتهيًا (إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا) لعل الحكمة أن الْمَقام مقام علو، وفيه نوع عظمة، فاستحضر عظمة خالقه، ويؤيده أن المسافر إذا صَعِد عاليًا كبّر، وإذا نزل سبّح، ويمكن أن يكون التكبير للتعجب من التسخير. (ثُمَّ قَالَ) أي: قرأ، أي قال بنيّة القراءة؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]. (« ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾) أي: ذلل لنا هذا المركوب، فانقاد لنا، لا ضعفًا، بل لتسخير الله تعالى إياه لنا (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾) أي: مطيقين قبل ذلك، أو المعنى: لولا تسخيره ما كنا جميعًا مقتدرين على ركوبه، مِن أقرن له: إذا أطاقه، وقَوِي عليه، وهو اعتراف بعجزه، وأن تمكنه من الركوب عليه إنما هو بإقدار الله تعالى وتسخيره له. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: مُطيقين، قاله ابن عباس. قال الشاعر [من الوافر]: لَقَدْ عَلِمَ القَبَائلُ مَا عَقِيلٌ … لَنَا فِي النَّائِبَاتِ بِمُقْرِنِينَا أي: بمطيقين، وقال الأخفش: ضابطين، وقال قتادة: مماثلين، من الْقِرْن في القتال، وهو المِثل، ويَحْتَمِل أن يكون من المقارنة؛ أي: الملازمة. انتهى . (﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾) أي: لا إلى غيره (﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾) أي: راجعون، وهذا تنبيهٌ على المطالبة بالشكر على ما أنعم، وعلى العدل فيما سخر، وقيل: معنى ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي: لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر، واللام للتأكيد، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبّه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]، وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، قال البيضاوي -﵀-: اتصال قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ بما قبله؛ لأن الركوب للنقل، والنُّقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى، فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه، ويستعدّ للقاء الله، يعني مِن شكر هذه النعمة أن يذكر عاقبة أمره، ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستوائه على ظهر ما سَخَّر له ما لم يكن في المبدأ مطيقًا له، ولا يجد في المنتهى بُدًّا من النزول عنه، كذا في «اللمعات». وقال الطيبيّ: الانقلاب إليه تعالى هو السفر الأعظم، فينبغي أن يتزوّد له. انتهى. وهذا الدعاء يُسَنّ عند ركوب أيّ دابة كانت، لسفر أو غيره، فقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾ المراد به الإبل؛ لغالب الواقع في بلاد العرب، وقول الراوي: «خارجًا إلى سفر» حكاية للحال، ودلالة على ضبط المقال . (اللَّهُمَّ) وفي رواية أحمد ، والترمذيّ: «ثم يقول: اللهم» (إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ) أي: العمل الصالح، والخلُق الحسن (وَالتَّقْوَى) أي: الخوف الحامل على التحرّز من المعاصي والمكروه، أو المراد من البرّ: الإحسان إلى الناس، أو من الله إلينا، ومن التقوى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي (وَمِنَ الْعَمَلِ) أي: جنسه (مَا تَرْضَى) به عنّا (اللَّهُمَّ هَوِّنْ) أمرٌ من التهوين؛ أي: يسِّر (عَلَيْنَا سَفَرَنَا) منصوب على المفعوليّة لـ «هَوِّنْ»، وقوله: (هَذَا) عطف بيان، أو بدل من«سفرنا»، وفي رواية الترمذيّ: «اللهم هوِّن علينا المسير» (وَاطْوِ) أمرٌ من طَوَى يَطوِي طَيًّا، من باب رمى يرمي رَمْيًا (عَنَّا بُعْدَهُ) وفي رواية: «لنا بُعده» أي: قَرِّب لنا بُعْدَ هذا السفر، قيل: هو عبارة عن تيسير السير بإعطاء القوّة له، ولمركوبه، وقيل: معناه: اطْوِ لنا بُعْدَه حقيقةً، أو المراد: خَفِّف مشاقه. والأظهر حمله على حقيقته؛ إذ لا مانع من ذلك، ففي رواية أبي داود: «اللهم اطو لنا البعد»، وأخرج الترمذيّ، وحسنه، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان أنه -ﷺ- قال لرجل: «اللهم اطو له الأرض، وهوّن عليه السفر»، فقد دعا بطيّ الأرض، والله تعالى يفعل ما يشاء، يطوي المكان، ويطوي الزمان، والمعنى: ارفع عنا مشقة السفر بتقريب المسافة البعيدة لنا حسًّا، والله تعالى أعلم. (اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ) أي: الحافظ والمعين، يعني أنك أنت الصاحب الذي تصحبنا بحفظك ورعايتك، والصاحب في الأصل الملازِم، وأراد بذلك مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ، وذلك أن الإنسان أكثر ما يبغي الصحبة في السفر، يبتغيها للاستيناس بذلك، والاستظهار به، والدفاع لما ينوبه من النوائب، فنبّه بهذا القول على حسن الاعتماد عليه، وكمال الاكتفاء عن صاحب سواه، قال البغويّ -﵀-: قوله: «أنت الصاحب في السفر» أي: الحافظ، يقال: صَحِبك الله؛ أي: حَفِظك، وقوله ﷾: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا ﴿يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] أي: لا يُجارون، ومن صَحِبه الله لم يضرّه شيء. انتهى. (وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ) أي: الذي يخلفنا في أهلينا بإصلاح أحوالهم، بعد مغيبنا، وانقطاع نظرنا عنهم. و«الخليفة»: من ينوب عن المستخلِف فيما يستخلفه فيه، يعني الذي يقوم مقام أحد في إصلاح أمره، والمعنى هنا: أنت الذي أرجوه، وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي أن يَلُمّ شعثهم، ويُثَقِّف أَوَدَهم، ويداوي سَقَمهم، ويحفظ عليهم دينهم، وأمانتهم. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ) أي: أستجير، وأتحصّن (بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ) -بفتح الواو، وإسكان العين المهملة، وبالثاء المثلثة، وبالمد- أي: شدّته، ومشقّته، وتعبه، وأصله من الْوَعْث، وهو الرمل، والمشي فيه يشتدّ على صاحبه، ويشُقّ، ويقال: رملٌ أوعث، ورملة وعثاء؛ أي: لمّا يشتد فيه السير لِلِينه، ثم قيل للشدة والمشقة: وعثاء على التمثيل، وقال التوربشتيّ: وعثاء السفر: مشقته، أُخِذ من الوَعْث، وهو المكان السهل الكثير الدهس الذي يُتْعِب الماشي فيه، ويشقّ عليه. (وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ) قال الجزريّ -﵀-: المنظر هو ما ينظر إليه من أهله، وماله، وحاله، والكآبة -بفتح الكاف، وبالمد- هي تغير النفس بالانكسار من شدّة الهمّ والحزن، يقال: كَئِب كآبةً، واكتئب، فهو مكتئب، وكئيب. انتهى. وقال الشوكانيّ -﵀-: الكآبة بالمد: التغير والانكسار، من مشقّة السفر، وما يحصل على المسافر من الاهتمام بأموره. انتهى، والمنظر -بفتح الظاء المعجمة- مصدر ميميّ؛ أي: مِنْ تغيّر الوجه بنحو مرض، والنفس بالانكسار مما يَعْرِض لها فيما يحبه، مما يورث الهمّ والحزن، وقيل: المراد منه الاستعاذة من كل منظر يُعقِب الكآبةَ عند النظر إليه. (وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ) -بفتح اللام- مصدر ميميّ؛ أي: سوء الرجوع (فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ») أي: من سوء الانقلاب إلى أهله، وماله، وذلك بأن يرجع منقوصًا، مهمومًا بما يسوءه، وقيل: أي من أن يعود إلى وطنه، فيرى في أهله وماله ما يسوءه، مثل أن يصيب ماله آفةٌ، أو يجد أهله مرضى، أو فُقِد بعضهم، وقيل: أي من أن يَطْمَع ظالم، أو فاجر في المال والأهل. (وَإِذَا رَجَعَ) النبيّ -ﷺ- من سفره إلى أهله (قَالَهُنَّ) أي: الكلمات، أو الْجُمَل المذكورة، وهي:«اللهم إنا نسألك … إلخ»(وَزَادَ فِيهِنَّ) أي: في جملتهنّ بأن قال بعدهنّ («آيِبُونَ) بهمزة ممدودة، بعدها همزة مكسورة: اسم فاعل من آب يئوب: إذا رجع، ومن تكلم به بالياء بعد الهمزة الممدودة فقد أخطأ، كذا قيل؛ أي: نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى الوطن (تَائِبُونَ) أي: من المعصية إلى الطاعة. وقال القرطبيّ: «آيبون»: جمع آيب، وهو الراجع بالخير هنا، و«تائبون»: جمع تائب من الذنب، وأصل التوبة الرجوع، وكذلك حدّها بعض أئمتنا بأن قال: التوبة هي الرجوع عمَّا هو مذموم شرعًا إلى ما هو محمود شرعًا. انتهى . (عَابِدُونَ) خاضعون متذلّلون (لِرَبِّنَا حَامِدُونَ») مثنون عليه تعالى بصفات كماله وجلاله، وشاكرون عوارف أَفْضاله، قاله القرطبيّ: -﵀- . وقال الطيبيّ -﵀-:«لربّنا»يجوز أن يتعلق بقوله:«عابدون»؛ لأن عَمَل اسم الفاعل ضعيف، فيقوى به، أو بـ«حامدون»؛ ليفيد التخصيص؛ أي: نحمد ربنا، لا نحمد غيره، وهذا أولى؛ لأنه كالخاتمة للدعاء، ومثله في التعليق قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ٢] يجوز أن يقف على ﴿لَا رَيْبَ﴾، فيكون ﴿فِيهِ هُدًى﴾ مبتدأ وخبره، فيقدّر خبر ﴿لَا رَيْبَ﴾ مثله، ويجوز أن يتعلق بـ ﴿لَا رَيْبَ﴾، ويقدّر مبتدأ لـ ﴿هُدًى﴾. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف: -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢/ ٣٢٧٦] (١٣٤٢)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٥٩٩)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٤٤٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٤٦٠ و٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩) و«عمل اليوم والليلة» (٥٤٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٤٤ و١٥٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٦٩٥ و٢٦٩٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٨٥)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٢/ ٢٥٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٦ - ١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التكبير ثلاثًا إذا خرج إلى السفر. ٢ - (ومنها): ما قال النوويّ -﵀-: وفي الحديث استحباب هذا الذكر عند ابتداء الأسفار كلها، وقد جاءت فيه أذكار كثيرة جمعتها في «كتاب الأذكار» . ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد أن يكون دائم الالتجاء إلى ربّه سفرًا وحضرًا؛ ليكون في حفظه وكلاءته. ٤ - (ومنها): جواز إطلاق «الصاحب»، و«الخليفة» على الله -﷾-، وأما قول القرطبيّ: ولا يسمّى الله تعالى بالصاحب، ولا بالخليفة؛ لعدم الإذن، وعدم تكرارهما في الشريعة، ففيه نظر لا يخفى، فما هو الإذن الذي يريده؟ وهل من شرط تسمية الله تعالى تكراره في النصوص؟ هذا مما لا دليل عليه. والحاصل أن ما صحّ في الأحاديث الصحيحة إطلاقه على الله -﷾-، كهذا الحديث، فلنا إطلاقه عليه تعالى على المعنى اللائق به تعالى، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٥ - (ومنها): بيان عظم نعم الله -﷾- على عباده حيث سخّر لهم هذه الدوابّ العظيمة الجسم، والشديدة القوى من الإبل وغيرها حتى انقادت لهم، وخضعت وذلّت، وسَهُل عليهم ركوبها دون مشقّة، وعناء، وتبلِّغهم حيث شاءوا حاملة إياهم، وما يشاءون من أحمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا
مصادر المؤلف (٨)

١. قال في«التقريب»: صدوق ربّما أخطأ. انتهى. قوله: ربما أخطأ: هذه الزيادة فيها نظر؛ لأنه لم يصفه أحد بها، راجع: ترجمته في«تهذيب التهذيب» ٧/ ٣١٣.

٢. «المفهم» ٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤.

٣. راجع: «المرقاة» ٥/ ٣٣٢.

٤. «المسند» ٢/ ١٤٥.

٥. «المفهم» ٣/ ٤٥٤.

٦. «المفهم» ٣/ ٤٥٤.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٩٣.

٨. «شرح النوويّ» ٩/ ١١١، و«المرعاة» ٨/ ١٦٨ - ١٦٩.