وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٤] (…) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سَيَّارٌ) أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، واسم أبيه وَرْدان، وقيل: ورد، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية سيّار، عن أبي حازم ساقها البخاريّ -﵀-، فقال:
(١٤٤٩) - حدّثنا آدَمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدّثنا سَيَّارٌ أبو الْحَكَم، قال: سمعت أَبَا حَازِمٍ، قال: سمعت أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «من حَجَّ للهِ، فلم يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧٧) - (بَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ بِمَكَّةَ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٥] (١٣٥١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟». وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ، هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ فاضلٌ مشهور [٣] (ت ٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٣٠/ ١٨١٨.
٣ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) بن العاص الأمويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في «الجنائز» ٩/ ٢١٤٩.
٤ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، وأبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بالمدينة سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٤.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، سوى موضع واحد.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، حبّ رسول الله - ﷺ -، وابن حبّه.
شرح الحديث:
(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) -﵄- (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟) وفي الرواية التالية: «أين تَنْزِل غَدًا؟ وذلك في حجته حين دنونا
من مكة»، قال في «الفتح»: ظاهر هذه القصة أن ذلك كان حين أراد في دخول مكة، ويزيده وضوحًا رواية زَمْعة بن صالح، عن الزهريّ، بلفظ: «لما كان يومُ الفتح قبل أن يدخل النبيّ - ﷺ - مكة قيل: أين تنزل؟ أفي بيوتكم؟ ..» الحديث، وروى عليّ ابن المدينيّ، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ بن حسين، قال: قيل للنبيّ - ﷺ - حين قدم مكة: أين تنزل؟ قال: «وهل ترك لنا عقيل من طَلّ؟»، قال علي ابن المدينيّ: ما أشكّ أن محمد بن عليّ بن الحسين أخذ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه - ﷺ - قال ذلك حين أراد أن ينفر من منى، فَيُحْمَل على تعدد القصة. انتهى .
وقوله: (فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟) قال القاضي عياض -﵀-: لعله أضاف الدار إليه - ﷺ -؛ لسكناه إياها مع أن أصله كان لأبي طالب؛ لأنه الذي كفله، ولأنه أكبر ولد عبد المطلب، فاحتوى على أملاك عبد المطلب، وحازها وحده؛ لسنّه على عادة الجاهلية، قال: ويَحْتَمِل أن يكون عَقِيل باع جميعها، وأخرجها عن أملاكهم، كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين، قال الداوديّ: فباع عَقيل جميع ما كان للنبيّ - ﷺ -، ولمن هاجر من بني عبد المطلب. انتهى .
(فَقَالَ) - ﷺ - («وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ) بفتح، فكسر، هو عَقِيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو يزيد، وقيل: أبو عيسى، أسلم قبل الحديبية، وشَهِد غزوة مؤتة، وكان أسنّ من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسنّ من عليّ بعشر سنين، وكان عَقِيل من أنسب قريش وأعلمهم بأيامها، روى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنه محمد، وحفيده عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعطاء، وأبو صالح السمان، وموسى بن طلحة، والحسن البصريّ ومالك بن أبي عامر الأصبحيّ.
قال ابن سعد: قالوا: مات في خلافة معاوية بعدما عَمِي، وفي تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد بن معاوية قبل وَقْعة الحرّة، وقال ابن سعد: خرج عَقِيل مهاجرًا في أول سنة ثمان، فشَهِد مؤتة، ثم رجع، فعَرَض له مرض، فلم يُسْمَع له بخبر، لا في فتح مكة، ولا حُنين، ولا الطائف، وله عَقِب.
قال الحافظ: وفيما قال نظرٌ، فقد رَوَى الزبير بن بكار، من طريق الحسين بن عليّ قال: كان ممن ثبت مع النبيّ - ﷺ - يوم حُنين: العباس، وعليّ، وعَقِيل، وسَمَّى جماعةً. انتهى.
أخرج له النسائيّ، وابن ماجه، وليس له عند غيرهما إلا مجرّد الذكر.
(مِنْ رِبَاعٍ) بكسر الراء: جمع رَبْع، بفتح الراء، وسكون الموحدة، وهو المنزل المشتمِل على أبيات، وقيل: هو الدار، فعلى هذا فقوله: (أَوْ دُورٍ؟ ») إما للتأكيد، أو من شك الراوي، وفي رواية محمد بن أبي حفصة:«من منزل»، وأخرج هذا الحديث الفاكهي من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره:«ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم صارت لعبد المطلب ابنه، فقسمها بين ولده حين عُمِّر، فمن ثَمّ صار للنبيّ - ﷺ - حَقُّ أبيه عبد الله، وفيها وُلد النبيّ - ﷺ -».
وقوله: (وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ) قال في«العمدة»: إدراج من بعض الرواة، ولعله من أسامة، كذا قال الكرَمانيّ ، وقوله: (هُوَ) أُتي؛ ليعطف قوله:«وطالبٌ»على الضمير المتّصل في«وَرِثَ»، وإن كان الفصل حصل بالمفعول، قال في«الخلاصة»:
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ) مُحَصَّل هذه القصّة أن النبيّ - ﷺ - لما هاجر استولى عَقِيل وطالب على الدار كلها، باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يُسلما، وباعتبار ترك النبيّ - ﷺ - لحقّه منها بالهجرة، وفُقِد طالب ببدر، فباع عَقِيل الدار كلها.
وحَكَى الفاكهيّ أن الدار لم تَزَل بأولاد عَقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار، وزاد في روايته من طريق محمد بن أبي حفصة: فكان عليّ بن الحسين يقول: من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشِّعْب؛ أي: حصة جدّهم عليّ من أبيه أبي طالب.
وقال الداوديّ وغيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره، وأمضى النبيّ - ﷺ - تصرفات الجاهلية؛ تأليفًا لقلوب من أسلم منهم.
وقال الخطابيّ: وعندي أن تلك الدار إن كانت قائمة على ملك عَقِيل، فإنما لم ينزلها رسول الله - ﷺ -؛ لأنها دُور هجروها في الله تعالى، فلم يرجعوا فيما تركوه.
وتُعُقّب بأن سياق الحديث يقتضي أن عَقيلًا باعها، ومفهومه أنه لو تركها لنزلها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٧/ ٣٢٩٥ و٣٢٩٦ و٣٢٩٧] (١٣٥١)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٨٨ و٣٠٥٨ و٤٢٨٢)، و(أبو داود) في «سننه» (٢٠١٠ و٢٩٠٩ و٢٩١٠)، و(الترمذيّ) في «جامعه» (٢١٠٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٨٠)، و(ابن ماجه) (٢٧٢٩ و٢٧٣٠ و٢٩٤٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٦/ ١٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٠٠ و٢٠١ و٢٠٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٨٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٣٦)، و(أبو
نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٢٩ - ٣٠)، و(الدارقطني) في «سننه» (٣/ ٦٢)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٢/ ٦٥٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٦٠ و٦/ ٢١٨) و«المعرفة» (٤/ ٤٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن دور مكة تورّث لأهلها.
٢ - (ومنها): بيان جواز بيع دور مكة وإجارتها، وبهذا احتجّ الشافعيّ -﵀- على ذلك.
٣ - (ومنها): بيان أن المسلم لا يرث الكافر، وعلى ذلك كافّة فقهاء الأمصار، إلَّا ما حُكي عن معاوية، ومعاذ، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وإسحاق؛ أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا على أن الكافر لا يرث المسلم، قاله في «العمدة» . وسيأتي تحقيق ذلك مستوفًى في محلّه من كتاب الفرائض -إن شاء الله تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان أن مكة فُتحت صلحًا، فدُورها مِلْكٌ لأهلها، وفي ذلك خلاف سيأتي في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دُور مكة:
قال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب توريث دُور مكة، وبيعها، وشرائها، وأن الناس في المسجد الحرام سواءٌ خاصّةً؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥]»، ثم أخرج حديث أسامة - ﵁ - المذكور هنا، محتجًّا على ما ترجم به.
قال في «الفتح»: أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نَضْلة قال: توفي رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، وما تُدْعَى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن. أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده انقطاع، وإرسال.
وقال بظاهره: ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، قال عبد الرزاق عن ابن جريج: كان عطاء يَنْهَى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أن عمر نَهَى أن تُبَوَّب دُور مكة؛ لأنها ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بَوَّب داره سهيل بن عمرو، واعتَذَر عن ذلك لعمر.
وروى الطحاويّ من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، أنه قال: مكة مباح لا يحل بيع رباعها، ولا إجارة بيوتها.
وروى عبد الرزاق، من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر: لا يحل بيع بيوت مكة، ولا إجارتها.
وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف، واختُلِف عن محمد، وبالجواز قال الجمهور، واختاره الطحاويّ.
ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحته بِحمله على ما سيُجمع به ما اختُلف عن عمر في ذلك.
واحتَجّ الشافعيّ بحديث أسامة المذكور في هذا الباب، قال الشافعيّ: فأضاف الملك إليه، وإلى من ابتاعها منه، وبقوله - ﷺ - عام الفتح: «من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن»، فأضاف الدار إليه.
واحتَجّ ابنُ خزيمة بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٨]، فنَسب الله الديار إليهم، كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دُور ليست بملك لهم، قال: ولو كانت الدور التي باعها عَقِيل لا تُملك لكان جعفر وعليّ أولى بها؛ إذ كانا مسلمين دونه.
وثبت أن عمر اشترى دارًا للسجن بمكة، ولا يعارض ما جاء عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنه كان ينهى أن تُغْلَق دُور مكة في زمن الحج، أخرجه عبد بن حميد، وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد: أن عمر قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدُوركم أبوابًا؛ لينزل البادي حيث شاء.
ويُجمع بينهما بكراهة الكراء رفقًا بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء، وإلى هذا جنح الإمام أحمد، وآخرون، واختُلف عن مالك في ذلك،
قال القاضي إسماعيل: ظاهر القران يدلّ على أن المراد به المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة، لا سائر دور مكة، وقال الأبهريّ: لم يَختلف قول مالك وأصحابه في أن مكة فُتحت عنوةً، واختلفوا هل مَنّ بها على أهلها؛ لعظم حرمتها، أو أُقِرّت للمسلمين؟ ومن ثم جاء الاختلاف في بيع دورها، والكراء، والراجح عند من قال: إنها فُتحت عنوةً أن النبيَّ - ﷺ - مَنّ بها على أهلها، فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك. ذكره السهيليّ وغيره.
وليس الاختلاف في ذلك ناشئًا عن هذه المسألة، فقد اختَلَف أهل التأويل في المراد بقوله هنا: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هل هو الحرم كله، أو مكان الصلاة فقط؟ واختلفوا أيضًا هل المراد بقوله: ﴿سُوءٍ﴾ في الأمن والاحترام، أو فيما هو أعمّ من ذلك؟ وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضًا.
قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم، لما جاز حفر بئر، ولا قبر، ولا التغوط، ولا البول، ولا إلقاء الجيف والنتن، قال: ولا نعلم عالمًا مَنَع من ذلك، ولا كَرِه لحائض، ولا لجُنب دخول الحرم، ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة، وحوانيتها، ولا يقول بذلك أحدٌ، والله أعلم.
قال الحافظ: والقول بأن المراد بالمسجد الحرام: الحرم كله وَرَدَ عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وبيان أدلّتهم أن أرجح الأقوال قول الشافعيّ، ومن تبعه، وهو قول البخاريّ أن دور مكة مِلْكٌ لأهلها، يجوز توريثها، وبيعها، وإجارتها؛ لوضوح علّته، كما علمته آنفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٦] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ وَذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ، حِينَ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو قبلها (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ؟ وَذَلِكَ زَمَنَ الْفَتْحِ، قَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ؟»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) تقدّم قريبًا.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) ميسرة، أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [٧] (تخ م مد سي) تقدم في «الجنائز» ١٦/ ٢١٨٧.
٤ - (زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ) الْجَنَديّ بفتح الجيم، والنون، أبو وهب اليمانيّ، نزيل مكة، ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون [٦].
رَوَى عن سلمة بن وَهْرام، وابن طاوس، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه وهب، وابن جريج، وهو من أقرانه، والسفيانان، وابن وهب، وابن مهديّ، وعبد الرزاق، ووكيعٌ، وروح بن عبادة، وأبو عاصم، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ضعيفٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ضعيفٌ، وهو أصلح حديثًا من صالح بن أبي الأخضر، وقال مرة أخرى: زمعة صويلح الحديث، وقال الآجريّ عن أبي داود: ضعيفٌ، قال: وسألت يحيى: صالح بن أبي الأخضر أكبر عندك، أو زمعة؟ فقال: لا هو، ولا زمعة، قال ابن عيينة: ربّما سمعت هشام بن حُجير يقول لزمعة: إنما أنت جَدْيٌ، ما لك وللحديث؟ قال أبو داود: صالح أحب إليّ من زمعة، أنا لا أخرج حديث زمعة، وقال البخاريّ: يخالف في حديثه، تركه ابن مهديّ أخيرًا، وقال عمرو بن عليّ: فيه ضَعْفٌ، وقد روى عنه الثوريّ، وابن مهديّ، وما سمعت يحيى ذكره قطّ، وهو جائز الحديث مع الضعف الذي فيه، وقال الْجُوزَجانيّ: متماسكٌ، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ووهيب أوثق منه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، كثير الغلط عن الزهريّ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فقال: لَيِّن، واهي الحديث، حديثه عن الزهري كأنه يقول مناكير، وقال ابن عديّ: ربما يَهِم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح، لا بأس به، وقال ابن حبان: كان رجلًا صالِحًا يَهِمُ، ولا يَعلَم، ويُخطئ ولا يَفهم، حتى