HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٥٢

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حدثنا سليمان (يعني ابن بلال) عن عبد الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ فقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «للمهاجر إقامة ثلاثة، بَعْدَ الصَّدَرِ، بِمَكَّةَ» كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا يَزِيدُ عليها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص108
ج ٢ ص ٩٨٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٤١١
غلب في حديثه المناكير التي يرويها عن المشاهير، وقال الحاكم أبو أحمد: أبو وهب زمعة بن صالح ليس بالقويّ عندهم، وقال ابن خزيمة: في قلبي منه شيء، وقال في موضع آخر: أنا بريء من عهدته، وقال النسائيّ في «الجرح والتعديل»: ضعيف، وقال الساجيّ: ليس بحجة في الأحكام. أخرج له المصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث مقرونًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٨) - (بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرِ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَة) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٩٨] (١٣٥٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ، وقد سكنها مدّةً، ثقة عَابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٥]. رَوَى عن أبيه، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم. ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وسليمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم، وأبو داود: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجليّ: مدنيّ ثقة، وقال النسائيّ في «الجرح والتعديل»: ثقة. قال ابن حبان في «الثقات»: مات بالعراق في أول خلافة أبي جعفر سنة (١٣٧). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث بالمكرّر، برقم (١٣٥٢) وأعاده بعده مرّتين، و(١٤٦٠) و(١٩٧٧) وأعاده بعده، و(٢٥١١). ٤ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) الْكِندي الصحابيّ الصغير، مات - ﵁ - سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة -﵃-، وتقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٧/ ١٧١٢. ٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ) حليف بني أُميّة، واسم الحضرميّ عبد الله بن عِمَاد بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عُوَيف، وله عدة إخوة، يقال: إنهم أحد عشر، وأخوه عمرو بن الحضرميّ أول قتيل من المشركين، قتله المسلمون، وكان ماله أوّلَ مال خُمّس في الإسلام، وبسببه كانت وقعة بدر. روى عن النبيّ - ﷺ - في مُكث المهاجر، وعنه السائب بن يزيد، وأبو هريرة، وحيان الأعرج، وسَهْم بن مِنجاب، وزياد بن حُدَير. وكان يقال: إنه مُجاب الدعوة، وولّاه رسول الله - ﷺ - البحرين، وأقرّه أبو بكر، وعمر، ثم ولّاه عمر البصرة، فمات قبل أن يَصِلَ إليها سنة (١٤). وقال ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي: إن أباه كتب إلى النبيّ - ﷺ -، فبدأ باسمه. وقال أبو حسان الزياديّ: مات سنة (٢١) وله مناقب، وفضائل كثيرة. أخرج له الجماعة الحديث المتقدم، وليس له في هذا الكتاب، وكذا عند البخاريّ إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. ٤ - (ومنها): أن السائب بن يزيد - ﵁ - آخر من مات بالمدينة من الصحابة -﵃-، كما أسلفته آنفًا. ٥ - (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة، إلا ثلاثة أحاديث: حديث الباب عنهم جميعًا، وحديث: «أنه كتب إلى النبيّ - ﷺ -، فبدأ باسمه» عند أبي داود رقم (٥١٣٥)، وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٣٣٩)، وحديث: «بعثني رسول الله - ﷺ - إلى البحرين، أو إلى هَجَر، فكنت آتي الحائط يكون بين الإخوة، يُسْلِم أحدهم، فآخذ من المسلم العشر، ومن المشرك الخراج» عند ابن ماجه رقم (١٨٣١)، وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٥٢)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْد) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد، مات -﵀- في رجب سنة (١٠١)، وله أربعون سنة، ومدّة خلافته سنتان ونصف، وتقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٤٦. وقوله: (يَسْأَلُ) جملة حاليّة من المفعول (السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الْكِنديّ المعروف بابن أخت النمر الصحابيّ الصغير، حُجّ به في عام حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر - ﵁ - سوق المدينة، وسبق آنفًا أنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة -﵃-، وقوله: (يَقُولُ) هذه الجملة تفصيل وبيان لكيفيّة السؤال (هَلْ سَمِعْتَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ) أي: في مقدار الوقت الذي يجوز للمهاجر أن يقيمه فيها إذا عاد إليها لحجّ، أو عمرة، أو نحو ذلك (شَيْئًا؟) وفي الرواية التالية: «عن حميد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لجلسائه: ما سمعتم في سُكنى مكة؟»، وفي رواية البخاريّ من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حميد الزهريّ، قال: «سمعت عمر بن عبد العزيز، يسأل السائب بن يزيد ابن أخت نَمِر، قال: ما سمعتَ في سُكنى مكةَ؟ ..». (فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ) من إضافة المصدر إلى الظرف؛ أي: له أن يقيم مدة ثلاث ليال، ذكّر الضمير لكون التمييز محذوفًا، فيجوز الوجهان، كما سبق غير مرّة (بَعْدَ الصَّدَرِ) بفتح المهملتين؛ أي: بعد الرجوع من منى، وانتهاء نسكه (بِمَكَّةَ») متعلّق بـ«إقامة»، وقوله: (كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا) الظاهر أنه مدرج من بعض الرواة، وفي الرواية التالية: «يُقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا»، وفي الرواية الثالثة: «ثلاث ليالٍ يمكثهنّ المهاجر بعد الصدر»، وفي الرواية الرابعة: «مَكْثُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ». قال النوويّ -﵀-: معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يَحْرُم عليهم استيطان مكة، وحَكَى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجازه لهم جماعة -يعني بعد الفتح- فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه. قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سُكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبيّ - ﷺ -، ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين، فيجوز له سُكنى أيّ بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق. انتهى كلام القاضي . ويستثنى من ذلك مَن أَذِنَ له النبيّ - ﷺ - بالإقامة في غير المدينة. وقال القرطبيّ -﵀-: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبيّ - ﷺ -، ولا يُعنى به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لمّا تحرّجوا من الإقامة بمكة؛ إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة. قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يَخاف أن يُفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال: إن كان تركها لله كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارًا بدينه، ليَسلَم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك. انتهى. قال الحافظ: وهو متجه، إلا أنه خَصّ ذلك بمن ترك رباعًا أو دورًا، ولا حاجة إلى تخصيص المسألة، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فيما قاله القرطبي نظران: أما أوّلًا: ففي تعميمه المنع لكل من فرّ بدينه؛ لأن ذلك يَحتاج إلى دليل، من نصّ أو إجماع. وأما ثانيًا: ففي تفريقه بين مَن فَرّ بدينه، ومن ترك بلده لله، فإنه لا فرق بينهما في الحقيقة، كما هو ظاهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: حديث العلاء بن الحضرمي - ﵁ - هذا مُتّفقٌ عليه. المسألة الثانية: في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٨/ ٣٢٩٨ و٣٢٩٩ و٣٣٠٠ و٣٣٠١ و٣٣٠٢] (١٣٥٢)، و(البخاريّ) في «مناقب الأنصار» (٣٩٣٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠٢٢)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٤٩)، و(النسائيّ) في «تقصير الصلاة في السفر» (٣/ ١٢٢) و«الكبرى» (١/ ٥٨٨ و٢/ ٤٦٩)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٠٧٣)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣٦٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٨٤٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٥/ ٢٠ - ٢١)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٣٩ و٥/ ٥٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٥٢٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٩٠٦ و٣٩٠٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٦٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٨/ ١٧١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٤٧)، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يجوز للمهاجر أن يقيمه بمكة بعد قضاء نسكه، وهو مدة ثلاث ليال. ٢ - (ومنها): أن النسائيّ -﵀- ترجم في كتابه بقوله: «باب المقام الذي يُقصر بمثله الصلاة»، ثمَّ أورد الحديث احتجاجًا لما ترجم له، وهو أن مدة الإقامة التي تُقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك يكون في حكم الحضر، فيُتمّ فيه، وهذا هو مذهب الشافعيّ، ومالك -رحمهما الله تعالى-، ووجه الدلالة منه أن الترخيص في الثلاث يدلّ على بقاء حكم السفر، بخلاف الأربعة، فالأربع حدّ الإقامة، وما دونه حدّ السفر، فتقصر الصلاة فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكرت في «شرحي على النسائيّ» أن هذا الاستدلال عندي غير صحيح؛ لأنه يردّه ما فعله النبيّ - ﷺ -، مع أصحابه -﵃-، حيث أقاموا أربعة أيام بمكة، وقد عزموا قبل ذلك على إقامة تلك المدة؛ لأنهم يعلمون أن أفعال الحج لا تنتهي إلا بهذا القدر من الزمن، فدلّ على أن الأربعة لها حكم السفر. والراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد -﵀-، وهو أن كل من أقام مدة إقامة النبيّ - ﷺ - بمكة، وهي أربعة أيام قَصَر، ومن زاد أتمٍ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحجّ أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام، لا يزيد عليها، وبهذا رَثَى النبيّ - ﷺ - لسعد بن خولة - ﵁ - أن مات بمكة. وما ادعاه الداوديّ من اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، فقد ردّه في «الفتح» بأنه لا معنى لتقييده بالأولين. ٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن طواف الوداع عبادة مستقلة، ليست من مناسك الحجّ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعيّ؛ لقوله في هذا الحديث: «بعد قضاء نسكه»؛ لأن طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سماه قبله قاضيًا لمناسكه، فخرج طواف الوداع عن أن يكون من مناسك الحج، قاله في «الفتح» ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٩٩] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ، أَوْ قَالَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أي: بعد فراغه من أعمال الحجّ، وأصل النُّسُك بضمتين: العبادة، والمراد هنا أفعال الحج، يقال: نسك لله ينسُك، من باب قتل: تطوَّع بقُربة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، ومناسك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات، أفاده الفيوميّ . وقوله: (ثَلَاثًا) أي: ثلاثة أيام بلياليها، وذَكَّر العدد؛ لكون التمييز محذوفًا، كما تقدم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «ثَلَاثُ لَيَالٍ يَمْكُثُهُنَّ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدَرِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٥ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (يَمْكُثُهُنّ الْمُهَاجِرُ) من باب قتل؛ أي: يُقيم، ويتلَبّثُ، ومَكُث مُكثًا، فهو مَكيث، مثلُ قرُب قُربًا، فهو قريب لغةٌ، وقرأ بها السبعة قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين. قاله الفيّوميّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى القول فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠١] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ أَخْبَرَهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَكْثُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة حجة [٤] (ت ١٣٤) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٧٢/ ٣٨٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (مَكْثُ الْمُهَاجِرِ) مبتدأ خبره «ثلاث»؛ أي: ثلاث ليال بأيّامهنّ، قال المجد -﵀-: الْمِكْثُ مُثلّثًا، ويُحَرَّكُ، والْمِكِّيثَى، ويُمدّ، والْمُكُوثُ، والْمُكْثَانُ بضمّهما: اللُّبْثُ، والفعل كنصَرَ، وكَرُمَ. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) أبو عاصم النبيل الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. و«ابنُ جريج» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية الضحّاك بن مخلد، عن ابن جريج هذه ساقها الدارميّ -﵀- في «سننه» (١/ ٤٢٥) فقال: (١٥١١) - أخبرنا أبو عَاصِمٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن إسماعيل بن مُحَمَّدٍ، عن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، عن السَّائِبِ بن يَزِيدَ، عن الْعَلَاءِ بن الْحَضْرَمِيِّ، قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: «مُكْثُ الْمُهَاجِرِ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٩) - (بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا، وَلُقَطَتِهَا، إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ) [تنبيه]: (اعلم): أن مكة -حرسها الله تعالى- هي الاسم المشهور لتلك البقعة المباركة، ولها أسماء أخرى كثيرة، وقد عُنِي الناس بجمعها، منهم العلامة اللغويّ مجد الدين الشيرازيّ، والنوويّ، وقد ذكرها التقيّ الفاسيّ في «شفاء الغرام» مع بيان معاني بعض الأسماء، وقال المحبّ الطبريّ: سَمَّى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: مكة، وبكة، والبلد، والقرية، وأم القرى، فأما مكة ففي قوله تعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]، وفي تسميتها بهذا الاسم أربعة أقوال: [أحدها]: لأنها يؤمُّها الناس من كل مكان، فكأنهم تجذبهم إليها من قول العرب: امْتَكَّ الفصيلُ ما في ضرع الناقة إذا لم يُبْق فيه شيئًا. [الثاني]: لأنها تَمُكّ من ظلم فيها؛ أي: تهلكه. [الثالث]: لجهد أهلها، ومن قولهم: تمكّكتُ العظم: إذا أخرجت مُخّه، والتمكُّك الاستقصاء. [الرابع]: لقلة الماء بها. وأما بَكّة ففي قوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وفي تسميتها بذلك ثلاثة أقوال: [أحدها]: لازدحام الناس بها، يقال: هم فيها يتباكُّون أي: يزدحمون، قاله ابن عباس -﵄-. [والثاني]: لأنها تبكّ أعناق الجبابرة؛ أي: تدقّها، وما قصدها جبار إلا قصمه الله تعالى. [والثالث]: لأنها تَضَع من نَخْوَة المتكبرين. وأما تسميتها بالبلد ففي قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١] قال المفسرون: أراد مكة، والبلد في اللغة صدر القرى. وأما تسميتها بالقرية ففي قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية [النحل: ١١٢]، الإشارة إلى مكة، فإنها كانت ذات أمن يَأْمَن أهلها أن يُغار عليهم، وكانوا أهل طمأنينة، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها؛ لخوف، أو ضيق، والقرية اسم لما يَجمع جماعة كثيرة من الناس، من قولهم: قَرَيتُ الماء في الحوض: إذا جمعته فيه. وأما تسميتها أم القرى ففي قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الآية [الأنعام: ٩٢]، يعني مكة، وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال: [أحدها]: أن الأرض دُحيت من تحتها، قاله ابن عباس -﵄-، وقال ابن قتيبة: لأنها أقدم الأرض. [والثاني]: لأنها قبلة يؤمها جميع الأمة. [الثالث]: لأنها أعظم القرى شأنًا. [الرابع]: لأن فيها بيت الله تعالى، ولمّا جرت العادة أن بلد الملك وبيته مقدّمان على جميع الأماكن سُمّيت أُمًّا؛ لأن الأم متقدمة. وسمّاها الله أيضًا في القرآن بالبلد الأمين، وبالبلدة، وبمعاد -بفتح الميم-. فأما الأول: ففي قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣] قال ابن عباس: يعني مكة. وأما الثاني: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩٣] قال الواحديّ في «الوسيط»: هي مكة. وأما الثالث: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] قال ابن عباس: إلى مكة. قال التقيّ الفاسيّ بعد ذكر هذه الأسماء الثمانية: فهذه ثمانية أسماء لمكة مأخوذة من القرآن العظيم، ولم يذكر المحبّ الطبريّ من أسمائها المأخوذة من القرآن إلا خمسة؛ لأنه قال: سَمَّى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: بكة، ومكة، والبلد، والقرية، وأم القرى. انتهى. وأما حرم مكة فهو ما أحاطها، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسُمِّي حرمًا؛ لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرَّم في غيره من المواضع، وحدّه من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، ومن طريق اليمن طَرَف أضاة لبن، على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال -بتقديم المثناة الفوقية على السين- ومن طريق الطائف على عرفات، من بطن نمرة سبعة أميال -بتقديم السين على الباء- وقيل: ثمانية، ومن طريق جُدّة عشرة أميال. وقال الرافعيّ: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن العراق على سبعة، ومن الجعرانة على تسعة، ومن الطائف على سبعة، ومن جُدّة على عشرة، والسبب في بُعْد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل: إن الله تعالى لما أَهبَط على آدم -﵇- بيتًا من ياقوتة، أضاء لهم ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجنّ والشياطين؛ ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله، وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة، فحَفّوا بمكة من كل جانب، ووقفوا مكان الحرم؛ أي: في موضع أنصاب الحرم، يحرُسون آدم، فصار حدود الحرم موضع وقوف الملائكة، وقيل: إن الخليل؛ لما وضع الحجر الأسود في الركن حين بنى الكعبة، أضاء له نور، وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين، فوقفت عند الأعلام، فبناها الخليل -﵇- حاجزًا، رواه مجاهد، عن ابن عباس، وعنه أن جبرائيل -﵇- أرى إبراهيم -﵇- موضع أنصاب الحرم، فنصبها، ثم جدّدها إسماعيل، ثم جدّدها قُصَيّ بن كلاب، ثم جدّدها النبيّ - ﷺ -، فلما ولي عمر - ﵁ - بعث أربعة من قريش، فنصبوا أنصاب الحرم، ثم جددها معاوية - ﵁ -، ثم عبد الملك بن مروان، كذا ذكر القسطلانيّ في «شرح البخاريّ»، ونحوه في «القرى» ص ٦٠٢ للمحبّ الطبري، وارجع لمزيد من البسط إلى «شفاء الغرام» ١/ ٥٤ - ٦٦. [تنبيه]: إن عَلَمي الحرم من طريق جدّة هما العَلَمان القديمان من زمن نبيّنا إبراهيم - ﷺ - بإشارة جبريل -﵇- بوضعهما في تلك البقعة، كسائر حدود الحرم من الجهات الأخرى، أما العلمان الجنوبيان المسامتان لعلمي الحرم المذكورين، فقد أُحدثا في جمادى الثانية سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف من أجل طريق السيارات المؤدي بينهما، ثم صار عدول السيارات من هذا الطريق الجنوبي الذي يمر بين العلمين المحدثين إلى الطريق الشمالي الذي يمر بين علمي الحرم القديمين، ولإزالة اللبس لزم التنبيه على ذلك، وحيث الحال ما تقدم من أن حدود الحرم مختلفة في القرب والبعد، وأن وضع حدود الحرم هو بإيقاف جبريل -﵊- لأبينا إبراهيم - ﷺ - على حدود الحرم، وظهور أن حدّا الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدّة عشرة أميال، مع أن الحدين متجاوران فبذلك تبيّن أنه ليس للاجتهاد في تحديد الحرم مساغٌ، وأنه لا يجوز لأحد أن يُحْدِث حدًّا للحرم، ويضع عليه أنصابًا من تلقاء نفسه؛ لأنه قد لا يكون ذلك حدًّا للحرم في نفس الأمر، أما إذا أتى على محل ليس به أعلام، فإنه ينظر إلى محاذاة أقرب الأعلام إليه، وليس في الإمكان سوى ذلك مع عدم الجزم بأن هذا حدّ للحرم، والله أعلم، كذا في «مفيد الأنام»، ذكره في «المرعاة» .
مصادر المؤلف (٧)

١. بالدال المهملة، ووقع في بعض النسخ عمّار بالراء، والأول هو الصواب.

٢. راجع: «شرح النوويّ» ٩/ ١٢٢.

٣. «الفتح» ٨/ ٧٢٧ «كتاب مناقب الأنصار» رقم (٣٩٣٣).

٤. «الفتح» ٨/ ٧٢٧ «كتاب مناقب الأنصار» رقم (٣٩٣٣).

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤.

٦. «القاموس المحيط» ١/ ١٧٥.

٧. «المرعاة» ٩/ ٤٥٩ - ٤٦١.