HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٥٣

حدثنا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طاوس، عن ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ «لَا هِجْرَةَ. وَلَكِنْ جهاد ونية. وإذا اسننفرتم فَانْفِرُوا». وَقَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي. وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ. وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ. وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا. وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا«فقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا الْإِذْخِرَ. فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. فقَالَ»إِلَّا الْإِذْخِرَ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص109
ج ٢ ص ٩٨٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٤٢٤
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠٣] (١٣٥٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»، وَقَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، فَقَالَ الْعَبَاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ، وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ:«إِلَّا الْإِذْخِرَ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل حديث. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل بابين. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٤/ ٢١. ٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في«المقدمة» ٤/ ١٨. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر -﵄-، تقدّم قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس -﵄- من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ) قال في «الفتح»: كذا رواه منصور موصولًا، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ - ﷺ -، مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، مرسلًا، ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله. انتهى . (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ) ظرف متعلّق بـ«قال»، وقوله: (فَتْحِ مَكَّةَ) بالجرّ بدلًا عن «الفتح» («لَا هِجْرَةَ) أَي: بعد الفتح، وأفصح بذلك في بعض الروايات؛ أي: لا هجرة من مكة إلى المدينة مفروضة بعد الفتح، كما كانت قبله، وقد عقد البخاريّ في أواخر الجهاد:»باب لا هجرة بعد الفتح«، قال الحافظ: أي: بعد فتح مكة، أو المراد ما هو أعمّ من ذلك؛ إشارةً إلى أن حُكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمَن به من المسلمين أحد ثلاثة: الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة. الثاني: قادرٌ لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة؛ لتكثير المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم. الثالث: عاجز بعذر من أَسْرٍ، أو مرض، أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن حَمَل على نفسه، وتكلّف الخروج منها أُجِر. انتهى. وقال التوربشتيّ -﵀-: قوله: «لا هجرة» كانت الهجرة إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله - ﷺ - فرضًا على المؤمن المستطيع؛ ليكون في سعة من أمر دينه، فلا يمنعه عنه مانع، ولينصر رسول الله - ﷺ - في إعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، فينحاز إلى حزب الحقّ وأنصار دعوته، ويفارق فريق الباطل، فلا يُكثِّر سوادهم إلى غير ذلك من المعاني الموجبة لكمال الدين، فلما فتح - ﷺ - مكة، وأظهره الله على الدين كلّه، أعلمهم بأن الهجرة المفروضة قد انقطعت، وأن المسابقة بالهجرة بعد الفتح قد انتهت، وأنه ليس لأحد بعد ذلك أن ينال فضيلة الهجرة إليه، ولا أن ينازع المهاجرين في مراتبهم، وحقوقهم. انتهى . (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أي: لكن لكم طريقٌ إلى تحصّل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد، ونيّة الخير في كل شيء، من لقاء رسول الله - ﷺ - ونحوه، وارتفاع «جهادٌ» على الابتداء، وخبره محذوف مقدّمًا، تقديره: لكم جهادٌ، قاله في «العمدة» . قال في «الفتح»: المعنى أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها؛ إذ صارت دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسّره بقوله: «فإذا استُنفرتم فانفروا»؛ أي: إذا دُعيتم إلى الغزو فأجيبوا. قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم؛ لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد، والنية على من قام به، أو نزل به عدوّ. انتهى. قال الحافظ: وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم؛ ليَسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذِّبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٧]، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار كفر، وقَدَر على الخروج منها. وقد رَوَى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدّه مرفوعًا: «لا يقبل الله من مشرك عملًا بعدما أسلم، أو يفارقَ المشركين». ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعًا: «أنا بريء من كل مشرك يقيم بين أظهر المشركين». وهذا محمول على من لم يأمن على دينه. قال: وقوله: «ولكن جهادٌ ونية» قال الطيبيّ وغيره: وهذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نيّة صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك. وقال الطيبيّ -﵀-: «ولكن جهادٌ» عطف على محل مدخول: «لا»، والمعنى: أن الهجرة من الأوطان، إما هجرة إلى المدينة للفرار من الكفار، ونصرة الرسول - ﷺ -، وإما إلى الجهاد في سبيل الله، وإما إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل؛ كطلب العلم، وابتغاء فضل الله تعالى من التجارة، وما شاكلهما، فانقطعت الأولى، وبقيت الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا عنهما، فإذا استُنفرتم فانفروا. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: الجهاد: محاربة الكفّار، وهو المبالغة، واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول، أو فعل، يقال: جَهَدَ الرجلُ في الشيء: إذا جدّ فيه، وبالغ، وجاهد في الحرب مجاهدةً وجهادًا. قال: والمراد بالنيّة: إخلاص العمل لله تعالى؛ أي: إنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة؛ لأنها صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص في الجهاد، وقتال الكفّار. انتهى . (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بصيغة المجهول؛ أي: إذا طُلبتم للنَّفْر، وهو الخروج إلى الجهاد (فَانْفِرُوا») بكسر الفاء أي: اخرجوا، والمعنى: إذا دعاكم السلطان إلى غزو فاذهبوا. وقال في«النهاية»: الاستنفار: الاستنجاد، والاستنصار؛ أي: إذا طُلب منكم النُّصْرة، فأجيبوا، وانصروا، خارجين إلى الإعانة. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد، والنية الصالحة، وإذا أَمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه، من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه. (وَقَالَ) النبيّ - ﷺ - (يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ) قال القاري -﵀-: أعاده تأكيدًا، أو إشارةً إلى وقوع هذا القول وقتًا آخَر من ذلك اليوم، والله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كونه تأكيدًا هو الأولى، وأما وقوعه في وقت آخر فبعيد، يُبعده وقوعه في رواية للبخاريّ بلفظ: «فإذا استُنفرتم فانفروا، فإن هذا بلد … إلخ» بالفاء، وليس فيه قوله: «وقال يوم فتح مكة»، فقد أخرجه في «الحجّ» من طريق عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، بهذا اللفظ، فدلّ على أنه حديث واحد. قال في «الفتح»: الفاء أي: في قوله: «فإن هذا» جواب شرط محذوف، تقديره: إذا علمتم ذلك فاعلموا، أن هذا بلد حرام، وكأن وجه المناسبة أنه لما كان نصب القتال عليه حرامًا كان التنفير يقع منه لا إليه. انتهى. («إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ) أي: مكة يعني حَرَمها، قال القاري: أو المراد بالبلد أرض الحرم جميعها (حَرَّمَهُ اللهُ) أي: حكم بتحريمه وقضاه، وظاهره أن حكم الله تعالى في مكة أن لا يقاتَل أهلها، ويُؤَمَّن من استجار بها، ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧] (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) يعني أن تحريمه أمر قديمٌ، وشريعة سالفة مستمرّةٌ. والمعنى: أن تحريمه من الله تعالى، وليس مما أحدثه الناس، أو اختص بشرعه. [فإن قلت]: هذا يعارضه ما في حديث جابر - ﵁ - الآتي عند مسلم، وحديث أنس - ﵁ - عند البخاريّ: «إن إبراهيم حرم مكة»، فكيف التوفيق بينهما؟ [أجيب]: بأن إسناد التحريم إلى إبراهيم -﵇- من حيث إنه مبلّغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى، والأنبياء يبلّغونها، فكما تضاف إلى الله تعالى من حيث إنه الحاكم بها، تضاف إلى الرسل أيضًا؛ لأنها تُسمع منهم، وتُبيّن على ألسنتهم. والحاصل أنه -﵇- أظهر تحريمه مُبَلِّغًا عن الله تعالى بعد أن كان مهجورًا، لا أنه ابتدأ تحريمه. وقيل: إنه حرّمها بإذن الله، يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرِّم مكة بأمر الله تعالى، كذا في «إرشاد الساري»، وهذا القول ليس بشيء، فتنبّه. وقال في «العمدة»: معنى قوله: «إن إبراهيم حرّم مكة»: أعلن بتحريمها، وعَرَّف الناس بأنها حرام بتحريم الله إياها، فلما لم يُعْرَف تحريمها إلا في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٣]، فإنه أضاف إليه التوفي، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ الآية [السجدة: ١١]، فأضاف إلى الملك التوفي، وقال في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨، ٣٢] فأضاف إليهم التوفي، وفي الحقيقة المتوفِّي هو الله -﷿-، وأضاف إلى غيره؛ لأنه ظهر على أيديهم. انتهى. وقال في «الفتح»: لا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: «إن إبراهيم حرم مكة» أي: بأمر الله تعالى، لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرِّم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمًا بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان، وقال القرطبيّ: معناه: إن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب يُنسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله في حديث أبي شُرَيح الآتي: «ولم يُحَرِّمها الناس»، والمراد بقوله: «ولم يحرمها الناس» أن تحريمها ثابت بالشرع، لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله، فيجب امتثال ذلك، وليس من محرمات الناس، يعني في الجاهلية، كما حَرّموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه، وقيل: معناه إن حُرمتها مستمرة من أول الخلق، وليس مما اختَصَّت به شريعة النبيّ - ﷺ -. (فَهُوَ) أي: البلد (حَرَامٌ) أي محرّم محترم (بِحُرْمَةِ اللهِ) أي: بسبب حرمة الله، فالباء للسببية، ويجوز أن تكون للملابسة، فيكون متعلق الباء محذوفًا؛ أي: متلبسًا بحرمة الله، وهو تأكيد للتحريم، وقوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) إيماء إلى عدم نسخه، وقال الحافظ -﵀-: قوله: «بحرمة الله» أي: بتحريمه، وقيل: الحرمة الحقّ؛ أي: حرام بالحق المانع من تحليله، واستُدِلّ به على تحريم القتل، والقتال بالحرم، وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الشأن والحال (لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي) زاد في بعض طرق البخاريّ: «ولا يَحِلّ لأحد بعدي»، قال المحبّ الطبريّ -﵀-: هذا القول يَحْتَمِل وجوهًا، ثم ذكرها، وقال: الوجه الرابع، وهو أقواها، وأسلمها عن الاعتراض: أن يريد تحريم القتل بها، وكان مستحَقًّا، حتى لو دخل كافر بغير أمان، أو زانٍ محصَن، أو من قَتل إنسانًا عمدًا عدوانًا لم يُقتل بها، بل يُضَيَّق عليه حتى يخرج، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول بعض أصحاب مالك، وكذلك القتال أيضًا لا يكون بقتل، بل بالحصر، والتضييق، والمدافعة حتى يخرجوا منها، ولا كذلك سائر البلاد، وإليه الإشارة بقوله - ﷺ -: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -» أي: وقتله ابن خَطَل وغيره، وقد عاذوا بالحرم، فيقال لهم: «إن الله أذن لرسوله - ﷺ -، ولم يأذن لكم»، فمنع رسول الله - ﷺ - الناس أن يقتدوا به في هذه الرخصة، وأن يعد سببها تحقيقًا لاختصاصه - ﷺ - بهذه الرخصة. انتهى. وقال ابن بطال -﵀-: المراد بقوله: «ولا تحل لأحد بعدي» الإخبار عن الحكم في ذلك، لا الإخبار بما سيقع؛ لوقوع خلاف ذلك في الشاهد، كما وقع من الحجاج وغيره. انتهى. ومحصله أنه خبر بمعنى النهي، بخلاف قوله: «لم يحل القتال فيه لأحد قبلي»، فإنه خبر محضٌ، أو معنى قوله: «ولا تحل لأحد بعدي» أي: لا يُحِلّه الله بعدي؛ لأن النسخ ينقطع بعده؛ لكونه خاتم النبيين. (وَلَمْ يَحِلَّ) أي: القتال (لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) أي: مقدارًا من الزمان، وهو ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وقد ورد عند أحمد، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: «لَمّا فُتحت مكة قال: كُفّوا السلاح، إلا خُزاعة عن بني بكر، فأَذِن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كُفّوا السلاح، فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقام خطيبًا، فقال: ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة …» فذكر الحديث. ويستفاد منه أن قتْل من أذن النبيّ - ﷺ - في قتلهم، كابن خَطَل وقع في الوقت الذي أبيح للنبيّ - ﷺ - فيه القتال خلافًا لمن حَمَل قوله: «ساعة من نهار» على ظاهره، فاحتاج إلى الجواب عن قصة ابن خطل، كذا في «الفتح». وقال القاري: قوله - ﷺ -: «ولم يَحل لي إلا ساعة من نهار»؛ أي: أُحل لي ساعة إراقة الدم، دون الصيد، وقطع الشجر. وقال الخطابيّ: قيل: إنما أُحلت له في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد، وقطع الشجر، وسائر ما حُرِّم على الناس منه. انتهى. وقال الطبريّ: ويَحْتَمِل العموم، فإن انتشار العسكر لا يخلو من تنفير صيد، ودوس خَلًا، وقطعه، وغير ذلك، والعمد والخطأ فيه سواء، وقال أيضًا: يَحْتَمِل أن يكون المراد جميع ما حُرِّم فيه من تنفير الصيد، واختلاء الخلا، وعضد الشجر؛ لأن ذلك من لوازم انتشار العسكر غالبًا، فالصيد ينفر بذلك، والدواب يُختلى لها، ويُخبط، فحصوله وإن كان تبعًا وضمنًا، لكنه لما كان معلومًا بالضرورة كان كالمباشر. انتهى. (فَهُوَ) أي: البلد (حَرَامٌ) أي: على كلّ أحد بعد تلك الساعة (بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: بتحريمه المؤبّد إلى قيام الساعة. (لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لا يقطع، والعضد: القطع، يقال: عضدت الشجرة أَعضِدها بالكسر عضدًا، من باب ضرب: قطعتها، وفي حديث أبي شُرَيح: «ولا يعضدُ بها شجر» قال ابن الجوزيّ: أصحاب الحديث يقولون: «يعضد» بضم الضاد، وقال لنا ابن الخشّاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله: الآلة التي يقطع بها، قال الخليل: المعضد: الممتهن من السيوف في قطع الشجر، وقال الطبريّ: أصله من عَضَدَ الرجل: إذا أصابه بسوء في عضده، ووقع في رواية لعمر بن شبّة بلفظ: «لا يخضد» بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه، فإن أصل الخضد الكسر، ويستعمل في القطع. (شوكه) وقال القاري: قوله: «ولا يُعضد شوكه»؛ أي: ولو حصل التأذي به، وأما قول بعض الشافعية: إنه يجوز قطع الشوك المؤذي، فمخالف لإطلاق النصّ، ولذا جرى جمع من متأخريهم على حرمة قطعه مطلقًا، وصححه النوويّ في «شرح مسلم»، واختاره في عدّة كتبه. انتهى. وقال الخطابي في «المعالم»: أما الشوك فلا بأس بقطعه؛ لما فيه من الضرر، وعدم النفع، ولا بأس بأن يُنتفع بحطام الشجر، وما بلي منه. انتهى. وقال الحافظ: وأجازوا -أي: الشافعية- قطع الشوك؛ لكونه يؤذي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور؛ لحديث ابن عباس -﵄- هذا، وصححه المتولي من الشافعية، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النصّ فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النصّ على تحريم الشوك لكان في تحريم قطع الشجر -كما في حديث أبي شُريح -﵁- الآتي- دليل على تحريم قطع الشوك؛ لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا، فإن الفواسق المذكورة تَقْصِد بالأذى، بخلاف الشجر. وقال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر، بغير صنع آدميّ، ولا بما يسقط من الورق، نَصّ عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا. انتهى. (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) بضم أوله، وتشديد الفاء المفتوحة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: لا يصاح عليه، فينفر، وقال سفيان بن عيينة: معناه أن يكون في ظلّ الشجرة، فلا ينفّر ليجلس مكانه، ويستظلّ. قال الطبريّ: لا خلاف أنه لو نفّره، وسَلِم فلا جزاء عليه، لكنه يأثم بارتكابه النهي، فلو أتلفه، أو تلف بتنفيره وجب جزاؤه. وقال النوويّ: يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفّره عصى، سواء تلف، أو لا، فان تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى. انتهى. وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطياد. وقيل: هو على ظاهره، وفي «صحيح البخاريّ» عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال: هل تدري «ما لا ينفّر صيدها؟» هو أن ينحّيه من الظلّ ينزل مكانه، قيل: نبّه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف، وسائر أنواع الأذى، تنبيهًا بالأدنى على الأعلى. وقد خالف عكرمةَ عطاءٌ، ومجاهد، فقالا: لا بأس بطرده ما لم يُفض إلى قتله، أخرجه ابن أبي شيبة، وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق الحكم، عن شيخ من أهل مكة أن حمامًا كان على البيت، فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده، فطار، فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حيّة، فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة، وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه. (وَلَا يَلْتَقِطُ) بالبناء للفاعل (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) هكذا في هذه الرواية لم يذكر المفعول، وهو «لقطته»، وقد ذُكر في رواية البخاريّ وغيره، ولفظه: «ولا يلتَقِط لُقَطَته إلا من عرّفها»، فقوله: «لُقَطَتَهُ» بالنصب على أنه مفعول مقدّم على الفاعل، وهو قوله: «إلا من عرّفها». و«اللقطة»: الشيء الذي يُلتقط، وهو بضم اللام، وفتح القاف على المشهور، عند أهل اللغة، والمحدّثين، وقال عياض: لا يجوز غيره، وقال الزمخشريّ في «الفائق»: اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكّنها، كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، وقال الأزهريّ: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سُمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللغة، والحديث الفتح، وقال ابن برّيّ: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس، وفيها لغتان أيضًا: لُقَاطة بضم اللام، ولَقطة بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك حيث قال: لُقَاطَةٌ وَلَقْطَةٌ وَلُقَطَهْ … وَلُقْطَةٌ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ ووجّه بعض المتأخّرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة، وذلك لمعنى فيها اختصّت به، وهو أن كلّ من يراها يميل لأخذها، فسميت باسم الفاعل لذلك. قاله في «الفتح». (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) بتشديد الراء، من التعريف؛ أي: من أراد تعريفها، وإشهارها، ثم يحفظها لمالكها، ولا يتملّكها، بخلاف لقطة غير الحرم، فإنه يلتقطها ليتصرّف فيها بعد التعريف سنة. وقال السنديّ -﵀-: قيل: أي: إلا من عرّفها على الدوام؛ ليحصل به الفردتى بين الحرم وغيره، وإلا لا يحسن ذكره ههنا في محل ذكر الأحكام المخصوصة بالحرم الثابتة له بمقتضى التحريم، ومن لا يقول بوجوب التعريف على الدوام يرى أن تخصيصه كتخصيص الإحرام بالنهي عن الفسوق في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] مع أن النهي عامّ. وحاصله زيادة الاهتمام بأمر الإحرام، وبيان أن الاجتناب عن الفسوق في الإحرام آكد، فكذا التخصيص ههنا لزيادة الاهتمام بأمر الحرم، وأن التعريف في لقطته متأكد. وقال في «الفتح»: والمعنى: لا تحلّ لقطتها إلا لمن يريد أن يعرّفها فقط، فأما من أراد أن يعرّفها، ثم يتملّكها فلا، وهذا يدلّ على أنَّ الاستثناء في حديث الباب لم يُرد به العباس أن يستثني هو، وإنما أراد أن يلقّن النبيّ - ﷺ - الاستثناء، أفاده في «الفتح». (وَلَا يُخْتَلَى) بضم الياء، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الفوقية واللام؛ أي: لا يُجَزّ، ولا يقطع (خَلَاهَا») -بفتح المعجمة، مقصورًا: الرَّطْب من الكلأ، فإذا يبس فهو حَشِيش، وهَشِيم. وقال الفيوميّ: والخلا بالقصر: الرطب من النبات، الواحدة خَلاة، مثل حصًى وحصاة. قال في«الكفاية»: الخلا: الرَّطْب، وهو ما كان غَضًّا من الكلأ، وأما الحشيش فهو اليابس. واختليتُ الخلأَ اختلاءً: قطعته، وخليته خَلْيًا، من باب رمى مثله، والفاعل مُخْتَلٍ، وخالٍ، وفي الحديث:«لا يُختلى خلاها»؛ أي: لا يُجَزُّ. انتهى . وقال في«الفتح»: الخلا هو الرَّطْب من النبات، واختلاؤه قطعه، واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه، لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك، والكوفيون، واختاره الطبريّ، وقال الشافعيّ: لا بأس بالرعي؛ لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهيّ عنه، فلا يُتَعَدَّى ذلك إلى غيره. انتهى. وفي«المدونة»: قال مالك: لا بأس بالرعي في حرم مكة، وحرم المدينة في الحشيش، والشجر، وفي آخر«جامع الحج»من«الموطأ»: سئل مالك: هل يَحتشّ الرجل لدابته من الحرم؟ فقال: لا، قال الباجيّ: وهذا كما قال أن لا يَحتش أحد في الحرم لدابته، ولا لغير ذلك، إلا الإذخر الذي أباحه النبيّ - ﷺ -، ومن احتَشّ في الحرم فلا جزاء عليه، ولا بأس أن يرعى الإبل في الحرم. والفرق بينه وبين الاحتشاش: أن الاحتشاش تناول قطع الحشيش، وإرسال البهائم للرعي ليس بتناول لذلك، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولو مُنع منه لامتنع السفر في الحرم، والمقام فيه؛ لتعذر الامتناع منه والتحرز. انتهى. قال الحافظ: وفي تخصيص التحريم بالرَّطْب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه، وهو أصح الوجهين للشافعية؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت. قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارةٌ إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة: «ولا يُحتَشّ حشيشُها»، قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم، من بقل، وزرع، ومشموم، فلا بأس برعيه واختلائه. انتهى. (فَقَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطلب، عمّ رسول الله - ﷺ - المتوفَّى سنة (٣٢) أو بعدها، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩، زاد في رواية النسائيّ: «وكان رجلًا مجرّبًا». (يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ) يجوز فيه الرفع، على أنه بدلٌ مما قبله، والنصب؛ لكونه مستثنًى بعد النفي، واختار ابن مالك النصب؛ لكون الاستثناء وقع متراخيًا عن المستثنى منه. و«الإذخر» -بكسر الهمزة، والخاء المعجمة، بينهما ذال معجمة ساكنة-: نبت معروف عند أهل مكة، طَيِّب الريح، له أصل مُندفن؛ أي: ماضٍ في الأرض، وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار، قال: والذي بمكة أجوده، وأهل مكة يُسَقِّفون به البيوت بين الخشب، يعني يجعلونه تحت الطين، وفوق الخشب؛ ليسد الخلل، فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه في القبور، يعني يسُدُّون به الخلل بين اللبنات في القبور، وكانوا يستعملونه بدلًا من الحَلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس: «فإنه لقينهم»، ووقع عند عُمَر بن شَبّة: «فقال العباس: يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم»، وهذا يدل على أن الاستثناء في حديث الباب لم يرد به أن يستثنى هو، وإنما أراد به أن يلقن النبيّ - ﷺ - الاستثناء. (فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ) و«القين» بفتح القاف، وسكون التحتانيّة، بعدها نون: الحدّاد، وحاجته إليه أنه يوقد به النار، وقال الطبريّ: القين عند العرب كلّ ذي صناعة يُعالجها بنفسه. ووقع في رواية للبخاريّ في «المغازي»: «فإنه لابدّ منه للقين، والبيوت»، وفي رواية له: «فإنه لصاغتنا، وقبورنا»، ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبّة الجمع بين الثلاثة، ووقع عنده أيضًا: «فقال العباس: يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر، لقينهم، وبيوتهم». (وَلِبُيُوتِهِمْ) أي: لسقفها (فَقَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ») هو استثناء بعض من كلّ؛ لدخول الإذخر في عموم ما يُختلى. قال في «الفتح»: اختلفوا هل كان قوله - ﷺ -: «إلا الإذخر» باجتهاد، أو وحي؟ وقيل: كَأَنَّ الله تعالى فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا، وقيل: أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك، فأجب سؤاله. وقال الطبريّ: ساغ للعباس أن يستثني الإذخر؛ لأنه احْتَمَل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال، دون ما ذُكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول - ﷺ - باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر، وهذا مبنيّ على أن الرسول - ﷺ - كان له اجتهاد في الأحكام، وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره - ﷺ - للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العامّ. وحَكَى ابن بطال عن المهلّب أن الاستثناء هنا للضرورة؛ كتحليل أكل الميتة عند الضرورة، وقد بيّن العباس ذلك بأن الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه. وتعقّبه ابن المنيّر بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحقّقت ضرورته إليه، والإجماع على أنه مباح مطلقًا بغير قيد الضرورة. انتهى. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون مراد المهلّب بأن أصل إباحته كانت للضرورة، وسببها، لا أنه يريد أنه مقيّد بها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي أجاب به الحافظ عن المهلّب فيه نظر؛ إذ يردّه ظاهر تشبيهه بأكل الميتة عند الضرورة، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقال ابن المنيّر -﵀-: الحقّ أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة، وترخيص النبيّ - ﷺ - كان تبليغًا عن الله تعالى، إما بطريق الإلهام، أو بطريق الوحي، ومن ادّعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متّسع فقد وهم. انتهى، وهو تحقيقٌ وجيهٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٩/ ٣٣٠٣ و٣٣٠٤] (١٣٥٣)، وسيأتي أيضًا في «الجهاد»، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٤٩)، وفي «الحجّ» (١٥٨٧ و١٨٣٣ و١٨٣٤)، و«البيوع» (٢٠٩٠)، و«الجهاد» (٢٧٨٣ و٢٨٢٥ و٣٠٧٧)، و«الجزية والموادعة» (٣١٨٩)، و«المغازي» (٤٣١٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠١٧)، و«الجهاد» (٢٤٨٠)، و(الترمذيّ) في «السير» (١٥٩٠)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤ و٧/ ١٤٦)، و«الكبرى» في «السير» (٢/ ٣٨٤)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٧٧٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩١٩٣ و٩٧١١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢٦ و٢٥٥ و٣١٥ و٣١٦ و٣٥٥ و٣٥٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٥١٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٢٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠٩٤٣ و١٠٩٤٤)، و«الأوسط» (١/ ١٥٩ و٨/ ١٤٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٣٦٣)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٩٦ و٩٧ و٤/ ٢٣٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٣٤ و٤/ ١٨٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣٣ و٣٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٥٠٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٩٥ و٦/ ١٩٩ و٩/ ١٦)، و«المعرفة» (٢/ ٢٠٢ و٢٠٩)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١/ ٩ و١٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حرمة مكّة -حرسها الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أن فيه بشارةً بأن مكة تبقى دار إسلام أبدًا، لا يُتصور منها الهجرة. ٣ - (ومنها): أن فيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عيّنه الإمام، وأن الأعمال تُعتبر بالنيات، وقال الخطابيّ -﵀-: في الحديث إيجاب النفير، والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة، وهذا إذا كان فيمن بإزاء العدو كفايةٌ، فإن لم يكن فيهم كفاية فهو فرض على المطيقين للجهاد، والاختيار للمطيق له مع وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الآية [النساء: ٩٥]، وقد ترجم البخاريّ لهذا الحديث: «باب وجوب النفير، وما يجب من الجهاد والنية»، وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]. قال الحافظ -﵀-: قوله: «وما يجب من الجهاد والنية» أي: وبيان القدر الواجب من الجهاد، ومشروعية النية في ذلك، وللناس في الجهاد حالان: إحداهما: في زمن النبيّ - ﷺ -، والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شُرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقًا، ثم بعد أن شُرع هل كان فرض عين، أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعيّ. وقال الماورديّ: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة؛ لنصر الإسلام. وقال السهيليّ -﵀-: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبيّ - ﷺ - ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله - ﷺ - وينصروه، فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين، كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفين على التعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع في قصّة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك، وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبيّ - ﷺ - دون غيرها. والتحقيق أنه كان عينًا على من عيّنه النبيّ - ﷺ - في حقه، ولو لم يخرج. الحال الثاني: بعده - ﷺ - فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يَدْهَمَ العدوّ، ويتعين على من عيّنه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنَةِ مرةً عند الجمهور. ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلًا عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قويّ، والذي يظهر أنه استمرّ على ما كان عليه في زمن النبيّ - ﷺ - إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره. والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفار متعيّن على كل مسلم، إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ وبحثٌ أنيسٌ. وسيأتي مزيد الكلام في هذا، وبسط الكلام في أحكام الجهاد في «كتاب الجهاد» -إن شاء الله تعالى-. ٤ - (ومنها): تحريم قطع شجر الحرم، وشوكه، قال القرطبيّ -﵀-: خصّ الفقهاء الشجر المنهيّ عن قطعه بما يُنبته الله تعالى من غير صنع آدميّ، فأما ما ينبت بمعالجة آدميّ، فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعيّ: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قُطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي، وقال الشافعيّ: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة، واحتجّ الطبريّ بالقياس على جزاء الصيد، وتعقّبه ابن القصّار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئًا من شجر الحلّ، ولا قائل به، وقال ابن العربيّ: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضًا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرّها، ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور، لهذا الحديث، وصححه المتولي من الشافعيّة، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النصّ، فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النصّ على تحريم الشوك، لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك؛ لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا، فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى، بخلاف الشجر، قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر بغير صنع آدميّ، ولا بما يسقط من الورق. نصّ عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا. ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن لقطة مكة لا تلتقط للتملّك، بل للتعريف خاصّة، وهو قول الجمهور، وإنما اختصَّ بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربّها؛ لأنها إن كانت للمكيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ، فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كلّ عام سهل التوصّل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية، وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختصّ مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده، وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف. ٦ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ بهذا الحديث على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبيّ: معنى قوله: «حرّمه الله» أي: يحرم على غير المحْرم دخوله حتى يُحرم، ويَجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: وطؤهنّ، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي: أكلها، فعُرف الاستعمال يدلّ على تعيين المحذوف، قال: وقد دلّ على صحة هذا المعنى اعتذاره - ﷺ - عن دخوله مكة غير محرم، مقاتلًا بقوله: «لم تحلّ لي إلا ساعة من نهار» الحديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الاستدلال بعيد، وسيأتي بعد باب تحقيق المسألة، وأن الحقّ عدم وجوب الإحرام إلا لمن أراد الحج، أو العمرة -إن شاء الله تعالى-. ٧ - (ومنها): أنه استدلّ به على تحريم قطع حشيش الحرم، واختُلف في رعيه، فقال مالك، والكوفيون، واختاره الطبريّ: هو أشدّ من الاحتشاش، وقال الشافعيّ: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهيّ عنه، فلا يتعدّى ذلك إلى غيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشافعيّ -﵀- هو الأرجح عندي؛ لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم. قال في «الفتح»: وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس، واختلائه، وهو أصحّ الوجهين للشافعيّة؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت. قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدلّ عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة - ﵁ -: «ولا يُحتشّ حشيشها»، قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم، من بقل، وزرع، ومشموم، فلا بأس برعيه، واختلائه. انتهى. ٨ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز النسخ قبل الفعل، حيث استثنى - ﷺ - بقوله: «إلا الإذخر». قال الحافظ: وليس بواضح. ٩ - (ومنها): جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال، إما لفظًا، وإما حكمًا؛ لجواز الفصل بالتنفّس مثلًا، وقد اشتهر عن ابن عباس -﵄- الجواز مطلقًا، ويمكن أن يحتجّ له بظاهر القصة. وأجابوا عن ذلك بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل؛ لاحتمال أن يكون - ﷺ - أراد أن يقول: «إلا الإذخر»، فشغله العباس بكلامه، فوصل كلامه بكلام نفسه، فقال: «إلا الإذخر»، وقد قال ابن مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء، متّصلًا بالمستثنى منه. ١٠ - (ومنها): بيان خصوصية النبيّ - ﷺ - بما ذُكر في الحديث. ١١ - (ومنها): جواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية، والمبادرة إلى ذلك في المجامع، والمشاهد. ١٢ - (ومنها): عظيم منزلة العباس - ﵁ - عند النبيّ - ﷺ -، وعنايته بمكة؛ لكونه كان بها أصله، ومنشؤه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه استُدلّ بقوله: «لم يحلّ فيه القتال لأحد قبلي»، وزاد في رواية أخرى للبخاريّ: «ولا يحلّ لأحد بعدي» على تحريم القتل، والقتال بالحرم، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حدّ القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصّ الخلاف بمن قتل في الحلّ ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزيّ، واحتجّ بعضهم بقتل ابن خطل بها، ولا حجة فيه؛ لأن ذلك كان في الوقت الذي أُحلت فيه للنبيّ - ﷺ - كما تقدّم. وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر، وابن عباس -﵃-، وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقًا، ونقل التفصيل عن مجاهد، وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يُقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحلّ باختياره، لكن لا يجالس، ولا يكلّم، ويوعظ، ويذكّر حتى يخرج. وقال أبو يوسف: يُخرَج مضطرًّا إلى الحلّ، وفعله ابن الزبير. وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «من أصاب حدًّا، ثم دخل الحرم، لم يُجالس، ولم يبايع». وعن مالك، والشافعيّ: يجوز إقامة الحدّ مطلقًا فيها؛ لأن العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل الله له من الأمن. وأما القتال، فقال الماورديّ: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل، فإن أمكن ردّهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلا بالقتال، فقال الجمهور: يقاتَلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى، فلا يجوز إضاعتها. وقال آخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيّق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة. قال النوويّ: والأول نصّ عليه الشافعيّ، وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعمّ أذاه، كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصّن الكفّار في بلد، فإنه يجوز قتالهم على كلّ وجه. وعن الشافعيّ قول آخر بالتحريم، اختاره القفّال، وجزم به في «شرح التلخيص»، وقال به جماعة من علماء الشافعيّة، والمالكيّة. قال الطبريّ: من أتى حدًّا في الحلّ، واستجار بالحرم، فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب، بل يُحاصره، ويضيّق عليه حتى يُذعن للطاعة؛ لقوله - ﷺ -: «وإنما أُحلّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس»، فعُلم أنها لا تحلّ لأحد بعده بالمعنى الذي حلّت له به، وهو محاربة أهلها، والقتل فيها. ومال ابن العربيّ إلى هذا. وقال ابن المنيّر: قد أكّد النبيّ - ﷺ - التحريم بقوله: «حرّمه الله»، ثم قال: «فهو حرام بحرمة الله»، ثم قال: «ولم تحلّ لي إلا ساعة من نهار»، وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشيء ثلاثًا، قال: فهذا نصّ لا يحتمل التأويل. وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه - ﷺ - بالقتال؛ لاعتذاره عما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقّين للقتال، والقتل؛ لصدّهم عن المسجد الحرام، وإخراجهم أهله منه، وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شُريح كما في حديثه الآتي، وقال به غير واحد من أهل العلم. وقال ابن دقيق العيد: يتأكّد القول بالتحريم بأن الحديث دالّ على أن المأذون للنبيّ - ﷺ - فيه لم يؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال، لا القتال الخاصّ بما يعمّ، كالمنجنيق، فكيف يسوغ التأويل المذكور؟ وأيضًا فسياق الحديث يدلّ على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها، وذلك لا يختصّ بما يستأصل، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر من التحقيقات المذكورة أن القول الراجح تحريم القتال في الحرم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم، هل مكة فتحت عنوة، أو صلحًا؟: ذهب جمْع من أهل العلم إلى أنها فتحت عنوةً، وهو قول الأكثرين. وذهب الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه إلى أنها فتحت صلحًا؛ واحتجّوا بتأمين النبيّ - ﷺ - أهلها، ولإضافة الدار إلى أهلها؛ ولأنها لم تُقسم، ولأن الغانمين لم يملكوا دُورها، وإلا لجاز إخراج أهل الدار منها. واحتجّ الأولون بما وقع من تصريحه - ﷺ - من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وبتصريحه - ﷺ - بأنها أُحلت له ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك. وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلدة عنوة، ويمنّ على أهلها، ويُترك لهم دُورهم، وغنائمهم؛ لأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقًا عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة، فمن بعدهم، وقد فُتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم، وذلك في زمن عمر، وعثمان، مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدّعى اختصاصها به، دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك، ومتعبّد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حرمًا، سواء العاكف فيه والباد. قال الحافظ: وأما قول النوويّ: احتجّ الشافعيّ بالأحاديث المشهورة بأن النبيّ - ﷺ - صالحهم بمرّ الظهران قبل دخول مكة، ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن كان مراده ما وقع له - ﷺ -: «من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن»، كما في «صحيح البخاريّ»، وكذا: «من دخل المسجد»، كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكفّ عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك؛ لأنهم استعدّوا للحرب، كما ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم: «إن قريشًا وَبَّشَتْ أوباشًا لها، وأتباعًا، فقالوا: نقدّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا، فقال النبيّ - ﷺ -: أترون أوباش قريش؟ ثم قال بإحدى يديه على الأخرى؛ أي: احصدوهم حصدًا، حتى توافوني على الصفا، قال: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدًا إلا قتلناه». وإن كان مراده بالصلح وقوع عقد به، فهذا لم يُنقل، ولا أظنه عنى إلا الاحتمال الأول، وفيه ما ذكرته. وتمسّك أيضًا من قال: إنه مبهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصّة الفتح: فقال العباس: لعلي أجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله - ﷺ - ليخرجوا إليه، فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، ثم قال في القصّة بعد قصّة أبي سفيان: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن»، فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد. وعند موسى بن عقبة في «المغازي» -وهي أصحّ ما صُنّف في ذلك عند جماعة- ما نصّه: أن أبا سفيان، وحكيم بن حزام، قالا: يا رسول الله كنت حقيقًا أن تجعل عُدّتك، وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحمًا، وأشدّ عداوة، فقال: «إني أرجو أن يجمعهما الله لي: فتح مكة، وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم»، فقال أبو سفيان، وحكيم: فادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش، فكفّت أيديها أآمنون هم؟ قال: «من كفّ يده، وأغلق داره، فهو آمن»، قالوا: فابعثنا نؤذّن بذلك فيهم، قال: «انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو آمن»، ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها، فلما توجها قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرتدّ، فردّه حتى تريه جنود الله، قال: «افعل»، فذكر القصّة، وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أمانًا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثمّ قال الشافعيّ: كانت مكة مأمونة، ولم يكن فتحها عنوةً، والأمان كالصلح، وأما الذين تعرّضوا للقتال، أو الذين استُثنوا من الأمان، وأمر أن يُقتلوا، ولو تعلّقوا بأستار الكعبة، فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة. ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره - ﷺ - بالقتال، وبين تأمينه - ﷺ - لهم بأن يكون التأمين علّق بشرط، وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرّقوا إلى دُورهم، ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن الوليد، ومن معه، فقاتلهم حتى قتلهم، وهزمهم أن تكون البلدة فُتحت عنوة؛ لأن العبرة بالأصول، لا بالأتباع، وبالأكثر، لا بالأقلّ، ولا خلاف مع ذلك أنه لم يجر فيها قسم غنيمة، ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو مما يؤيّد قول من قال: لم يكن فتحها عنوة. وعند أبي داود بإسناد حسن، عن جابر - ﵁ -؛ أنه سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا. وجنحت طائفة -منهم الماورديّ- إلى أن بعضها فتح عنوة لِمَا وقع من قصّة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في «الإكليل». قال الحافظ: والحقّ أن صورة فتحها كان عنوة، ومعاملة أهلها معاملة من دخل بأمان. ومنع جمعٌ منهم السهيليّ ترتب عدم قسمتها، وجواز بيع دُورها، وإجارتها على أنها فُتحت صلحًا: أما أوّلًا: فلأن الإمام مخيّر في قسمة الأرض بين الغانمين، إذا انتُزِعَت من الكفار، وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور، وإجارتها. وأما ثانيًا: فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار، فتأكلها، وتصير الأرض عمومًا لهم، كما قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٢١]. وقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧]. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها هنا، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: إن مكة فتحت عنوة؛ لوضوح أدلته المتقدّمة، ولا يلزم من ذلك عدم قسمتها بين الغانمين، لأن للإمام أن يمتنّ على أهل البلد بما رأى، فقد منّ - ﷺ - على أهل مكة بأنفسهم، وأموالهم، فتأمل، وستكون لنا عودة إلى تكميل ما تبقّى من البحث في محله -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
مصادر المؤلف (٩)

١. «الفتح» ٥/ ١١٩.

٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ٢٠٤٠.

٣. «عمدة القاري» ١٠/ ١٩١.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن»٦/ ٢٠٤١.

٥. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣١٩.

٦. «النهاية» ٥/ ٩٢.

٧. «المصباح المنير»١/ ١٨١.

٨. «الفتح» ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣.

٩. «الفتح»٩/ ٣٩٨ - ٤٠٠«كتاب المغازي» رقم (٤٢٨٠).