HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٦٣

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله بن نمير. ح وحدثنا ابن نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ. حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ. أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا. أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا». وَقَالَ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. لَا يَدَعُهَا أحد رغبة عنه إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا، يَوْمَ القيامة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص113
ج ٢ ص ٩٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٥٠٩
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣١٩] (١٣٦٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَي الْمَدِينَةِ، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا»، وَقَالَ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير الْهَمْدانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) هو عبد اللَّه بن نُمير المذكور قبله. ٤ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ) بن عَبّاد بن حُنيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات قبل (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٦ - (أَبُوهُ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزُّهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات بالعقيق (٥٥) على المشهور (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. و«أبو بكر بن أبي شيبة» ذُكر في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين سوى عامر بن سعد، فمدنيّ، وأبوه كان واليًا على الكوفة في خلافة عمر -﵄-. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، فهو أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة -﵃-، وهو آخر من مات منهم. شرح الحديث: عن عَامِرِ بْن سَعْدٍ (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَي الْمَدِينَةِ) بتخفيف الموحدة: تثنية لابة، وهي الحَرَّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود، كأنها أُحرقت بالنار، وأراد بهما حرتين تكتنفانها، وجمع اللابة لُوبٌ ولاباتٌ، ولابٌ، قال ابن حبيب: هما الحرتان الشرقية والغربية، وللمدينة حرتان حرة بالقبلة من جهة الجنوب، وحرة بالجرف، من جهة الشمال، فهي حِرَارٌ أربع، لكن يرجع كلها إلى الحرتين الشرقية والغربية؛ لاتصالهما بهما، ولذلك جمعها -ﷺ- في اللابتين. وقال السمهوديّ: ما بين لابتيها؛ أي: حرتيها، الشرقية والغربية، والمدينة بينهما، ولها أيضًا حرّة بالقبلة، وحرّة بالشام، لكنهما يرجعان إلى الشرقية والغربية؛ لاتصالهما بهما، ولهذا جمعها -ﷺ- كلها في اللابتين كما نبّه عليه الطبريّ. انتهى. قال الحافظ -﵀-: قد تكرر ذكر اللابتين في الحديث، ووقع في حديث جابر عند أحمد: «وأنا أحرّم المدينة ما بين حرتيها»، فادَّعَى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب؛ لأنه وقع في رواية: «ما بين جبليها»، وفي رواية: «ما بين لابتيها»، وفي رواية: «مأزميها». وتُعُقِّب بأن الجمع بينها واضح، وبمثل هذا لا تُرَدّ الأحاديث الصحيحة، فإن الجمع أَبُو تعذر أمكن الترجيح، ولا شك أن رواية: «ما بين لابتيها»، أرجح؛ لتوارد الرواة عليها، ورواية «جبليها» لا تنافيها، فيكون عند كل لابة جبلٌ، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الشرق والغرب، وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضرّ، وأما رواية «مأزميها»، فهي في بعض طُرُق أبي سعيد، والمأزم بكسر الزاي: المضيق بين الجبلين، وقد يُطلق على الجبل نفسه. قال صاحب «المرعاة»: كذا قال الحافظ في شرح حديث أنس في «باب حرم المدينة»، وفيه نظرٌ، فإنه ليس عند كل جبل لابة، ولا أن لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق والمغرب، بل الحقيقة أن حديث «ما بين لابتيها» يعني من جهة المشرق والمغرب، فإن من جهة المشرق حرّة، ومن جهة المغرب أخرى، وحديث «ما بين جبليها»، يعني الحرتين الجنوبية والشمالية. قال النوويّ -﵀-: للمدينة لابتان: شرقية وغربية، وهي بينهما، قال: والمراد باللابتين الحرتان، قال: وهذه الأحاديث كلها متفقةٌ، فما بين لابتيها بيان لحدّ حَرَمها من جهتي المشرق والمغرب، وما بين جبليها لحدّه من جهة الجنوب والشمال. وقال الحافظ في باب لابتي المدينة في شرح حديث أبي هريرة -﵁-: «ما بين لابتيها حرام»: إن المدينة بين لابتين: شرقية وغربية، ولها لابتان أيضًا من الجانبين الآخرين، إلا أنهما يرجعان إلى الأُوليين؛ لاتصالهما بهما. والحاصل أن جميع دُورها كلها داخل ذلك. انتهى. وقال النوويّ -﵀-: ومعنى قوله: «ما بين لابتيها»، للابتان وما بينهما، والمراد تحريم المدينة، ولابتيها؛ يعني أن اللابتين داخلتان أيضًا، قال الأبيّ: ولعلها بدليل آخر، وإلا فلفظ «بين» لا يشملهما. انتهى . وقوله: (أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا) ببناء الفعل للمفعول، بدل اشتمال من المفعول، وتقدّم معنى العِضَاه (أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا») ببناء الفعل للمفعول أيضًا. (وَقَالَ) -ﷺ- («الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) قال القاري -﵀-: أي: لأهلها، من المؤمنين في الدنيا والآخرة، وذلك مطلق إن كان قبل الفتح، ومُقَيَّد بغير مكة إن كان بعده، أو المراد بالخيرية من جهة بركة المعيشة، فلا ينافي بركة الفضيلة الزائدة الثابتة لمكة بالأحاديث الصحيحة الصريحة. انتهى. قال صاحب «المرعاة»: واحتَجّ ابن رشد بالحديث على تفضيل المدينة على مكة، ولا دليل فيه؛ لأن كونها خيرًا مطلق يصدق بصورة، ككونها خيرًا من الشام، لا من كل الأرض. وقال السند -﵀- في «حاشية مسلم» قوله: «المدينة خير لهم» قال ذلك في ناس يتركون المدينة إلى بعض بلاد الرخاء؛ كالشام وغيره، كما سيجيء، وهؤلاء الناس هم المراد بضمير: «لهم»؛ أي: المدينةُ خير لأولئك التاركين لها من تلك البلاد التي يتركون المدينة لأجلها، فلا دليل في الحديث على تفضيل المدينة على مكة، كما لا يخفى. انتهى، وهو بحث نفيسٌ. (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)؛ أي: ما فيها من الخير لَمَا فارقوها، ولَمَا اختاروا غيرها عليها، وما تحولوا للتوسعة في الدنيا. قال السنديّ -﵀-: ليس المراد به أنها خير على تقدير العلم؛ إذ المدينة خير لهم علموا أو لا، بل المراد لو علموا بذلك لَمَا فارقوها، وقد تُجعل كلمة «لو» للتمني لكن قد يقال: كثير منهم يبلغهم الخبر، ويفارقونها، فأولئك قد علموا بذلك لبلوغهم الخبر، ومع ذلك فارقوها، فكيف يصح: «لو علموا بذلك لما فارقوها»؟ قلت: يمكن دفعه بأن المراد لو علموا بذلك عيانًا، وليس الخبر كالمعاينة، أو يقال: هو من تنزيل العالم الذي لا يَعمل بعلمه بمنزلة الجاهل، كأنه ما عَلِم هذا. وقد يقال: المعنى: المدينة خير لهم لو كانوا من أهل العلم؛ إذ البلدة الشريفة لا ينتفع بها إلا أهل الشرف الذين يعملون على مقتضى العلم، وأما من ليس من أهل العلم فلا ينتفع بالبلدة الشريفة، بل ربما يتضرر، فخيرية البلدة ليست إلا لأهلها، ومن يليق للاقإمة فيها فافهم. انتهى. وهو بحث نفيسٌ. وقال الأبيّ -﵀-: «لو» هذه إن كانت امتناعية فجوابها محذوف؛ أي: لو كانوا من أهل العلم لعلموا ذلك، ولم يفارقوا المدينة، وإن كانت متعدية فالتقدير: لو كانوا يعلمون ذلك لَمَا فارقوها، وإن كانت للتمني لم تفتقر إلى جواب، وعلى التقديرين هو تجهيل لمن فعل ذلك؛ لتفويته على نفسه أجرًا عظيمًا، ولذلك قال: «إلا أبدل اللَّه فيها خيرًا منهم»، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٤٠]؛ أي: يخلق خلقًا سواكم على خلاف صفتكم من الرغبة في الإيمان. [فائدة]: ذُكر أن الرشيد حجّ، فلما خرج من المدينة يريد مكة أرسل إلى مالك مع الربيع بأربعة آلاف دينار، فقال له مالك: ضعها هناك، فلما رجع الرشيد إلى المدينة أرسل إلى مالك: تزاملني إلى مدينة السلام، فردّ إليه: قال -ﷺ-: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، والمال حاضرٌ، لم أمسّ منه بشيء. انتهى . وقوله: (لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ) جملة مستأنفة؛ أي: لا يترك المدينة أحد ممن استوطنها (رَغْبَةً عَنْهَا) بالنصب على أنه مفعول لأجله، وهو علّة لتركه لها؛ أي: لأجل رغبته عن ثواب الساكن فيها، وأما من خرج لضرورة شدّة زمان، أو فتنة، فليس ممن يخرج رغبةً عنها. وقال القرطبيّ، والمازريّ: قوله: «رغبةً عنها»؛ أي: كراهةً لها، مِن رَغِبت عن الشيء: إذا كرهته. وقال الباجيّ: الظاهر عندي أنه إنما أراد به الخروج عن استيطانها إلى استيطان غيرها، وأما من كان مستوطنًا غيرها، يعني من كان وطنه غيرها، فقَدِم عليها طالبًا للقربة بإتيانها، ورجع إلى وطنه، أو كان مستوطنًا بها، فسافر عنها لحاجة، أو لضرورة شدّة زمان، أو فتنة، فليس ممن يخرج رغبة عنها. انتهى. (إِلا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا) أي: في المدينة (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) قال الباجيّ: أي: بمولود يولد فيها، أو بمنتقل ينتقل إليها من غيرها، قيل: هذا خاص بزمن حياته -ﷺ-، وقيل: بل دائمًا، ويدل عليه قوله في حديث: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه، هَلُمّ إلى الرخاء، المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». وقال ابن عبد البرّ -﵀-: هذا في حياته -ﷺ-، وذلك مثل الأعرابي القائل: «أقلني بيعتي»، ومعلوم أن من رغب عن جواره أبدله اللَّه خيرًا منه، وأما بعد وفاته فقد خرج منها جماعة من أصحابه، ولم تعوَّض المدينة خيرًا منهم. قال الزرقانيّ -﵀-: يعني كأبي موسى الأشعريّ، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجرّاح، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعمار، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وبلال، وأبي الدرداء، وأبي ذرّ، وغيرهم -﵃-، فقد قَطَنُوا غيرها، وماتوا خارجًا عنها، ولم تُعَوَّض المدينة مثلهم؛ فضلًا عن خير منهم، وقال -ﷺ- على التخصيص بزمنه -ﷺ-. وقال الأبيّ -﵀-: الأظهر أن ذلك ليس خاصًّا بالزمن النبويّ، ومن خرج من الصحابة -﵃- لم يخرج رغبةً عنها، بل إنما خرج لمصلحة دينية، من تعليم، أو جهاد، أو غير ذلك. انتهى. قال الزرقانيّ -﵀-: لا يقال: ليس النزاع في أن خروجهم لِمَا ذُكِر إنما هو في تعويضها بخير منهم، وهذا لم يقع، فالأظهر التخصيص؛ لأنا نقول: الإبدال مُقَيَّد بالخروج رغبةً عنها، فلا يَرِدُ أن الخارج لمصلحة دينية لم تُعَوَّض مثلهم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن حمله على العموم هو الأظهر، والأرجح؛ لأن تركها مقيّد بالرغبة عنها؛ أي: فمن خرج عنها رغبة عنها أبدل اللَّه فيها من هو خير منه، ولا يَرِد أن الصحابة المذكورين خرجوا عنها؛ لأنهم ما خرجوا رغبةً عنها، بل كانت هي أحبّ إليهم من غيرها، لكنهم رأوا أن خروجهم لمصلحة دينيّة أرجح وأولى لهم، فخرجوا لذلك مع شدّة رغبتهم لسكناها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ) أي: بالصبر (عَلَى لَأْوَائِهَا) بالمد، وبسكون الهمزة الأولى، وتُبدل ألفًا؛ أي: شدّة جوعها (وَجَهْدِهَا) بفتح الجيم، وقد تُضم؛ أي: مشقتها، مما يجد فيه من شدّة الحرّ، وكُربة الغُربة، وأذية من فيها من أهل البدعة لأهل السنة، قال الجوهريّ: اللأواء الشدّة، لكن المراد هنا ضيق المعيشة والقحط؛ لِمَا في أكثر الروايات: «على لأوائها، وشدّتها»، فلا بد من الاختلاف في معناهما، وإن كان يمكن أن يكون العطف تفسيريًّا، وتأكيديًّا؛ لأن التأسيس أولى، والأصل في العطف التغاير، فيحمل اللأواء على ضيق المعيشة، والجهد على ما يصيبهم من الحرّ، وعلى ما يصيب المهاجر فيها من وحشة الغربة، وغير ذلك، كذا في «المرقاة»، و«شرح المصابيح» للتوربشتيّ . وقال النوويّ -﵀-: قال أهل اللغة: «اللأواء» بالمد الشدّة والجوع، وأما «الْجَهْدُ» فهو المشقة، وهو بفتح الجيم، وفي لغة قليلة بضمها، وأما «الْجُهد» بمعنى الطاقة فبضمّها على المشهور، وحكي فتحها. انتهى . وقال الأبيّ: الحديث خرج مخرج الحثّ على سكناها، فمن لزم سكناها دخل في ذلك، ولو لم تلحقه لأواء؛ لأن التعليل بالغالب والمظنة لا يضر فيه التخلف في بعض الصور؛ كتعليل القصر بمشقة السفر، فإن المَلِك يَقْصُر، ولو لم تلحقه مشقّة؛ لوجود السفر. انتهى . (إِلَّا كُنْتُ) بصيغة المتكّلم (لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا) قال القاضي عياض -﵀-: سئلت قديمًا عن معنى هذا الحديث يعنى أن «أو» هذه، هل هي للشكّ أو غيره؟ ولِمَ خَصّ ساكن المدينة بالشفاعة هنا، مع عموم شفاعته -ﷺ-، وادخاره إياها لأمته؟ قال: وأجبت عنه بجوابٍ شافٍ مُقنع في أوراق اعتَرَف بصوابه كل واقف عليه. قال: وأذكر الآن منه -يعني في شرح مسلم- لُمَعًا تليق بهذا الموضع، قال بعض شيوخنا: «أو» هنا للشكّ، والأظهر عندنا أنها ليست للشك؛ لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد اللَّه، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عُميس، وصفية بنت أبي عبيد، عن النبيّ -ﷺ- بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم، أو رواتهم على الشك، وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه -ﷺ- قال هكذا، فإما أن يكون أُعلم بهذه الجملة هكذا -أي من اللَّه تعالى- وإما أن يكون «أو» للتقسيم، ويكون شهيدًا لبعض أهل المدينة، وشفيعًا لباقيهم، إما شفيعًا للعاصين، وشهيدًا للمطيعين، وإما شهيدًا لمن مات في حياته، وشفيعًا لمن مات بعده، أو غير ذلك، وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة لمكانة المذنبين يوم القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمة، وقد قال -ﷺ- في شهداء أُحد: «أنا شهيد على هؤلاء»، فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزيةٌ وزيادةُ منزلةٍ وحظوةٍ. قال: وقد تكون «أو» بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شفيعًا وشهيدًا معًا. قال: وقد رُوي: «إلا كنت له شهيدًا، وله شفيعًا». انتهى. قال الزرقانيّ: بالواو رواه البزار من حديث ابن عمر. قال عياض: وإذا جعلنا «أو» للشك كما قيل، فإن كانت اللفظة الصحيحة: «شهيدًا» اندفع الاعتراض؛ لأنها زائدة على الشفاعة المدَّخرة المجردة لغيرهم، وإن كانت: «شفيعًا» فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها، وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار، ومعافاة بعضهم منها بشفاعته -ﷺ- في القيامة، وتكون هذه الشفاعة بزيادة الدرجات، ورفعها، أو تخفيف السيئات، أو بما شاء اللَّه من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة؛ كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم في رَوْح، وعلى منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك، من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض. انتهى . وقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ») فيه إشارة إلى بشارةِ حُسن الخاتمة، وتنبيهٌ على أنه ينبغي للمؤمن أن يكون صابرًا، بل شاكرًا على إقامته في المدينة، ولا ينظر إلى ما في البلدان الأخرى، من النِّعَم الصورية؛ لأن العبرة بالنعم الحقيقية الأخروية، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٢/ ٣٣١٩ و٣٣٢٠] (١٣٦٣)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤٢٧٩)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ١٨١ و١٨٤)، و(عبد بن حُميد) في«مسنده»(١٥٣)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢/ ٤٤٢)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤/ ٤٥ و٤٧)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٩/ ٤٢)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٢/ ٥٨)، و(البزّار) في«مسنده»(٣/ ٣٣٥)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٥/ ١٩٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن المدينة حَرَمٌ ما بين لابتيها، فلا يجوز قطع عضاهها، ولا قتل صيدها. ٢ - (ومنها): بيان ما أكرم اللَّه ﷾ نبيّه -ﷺ- حيث جعل وطنه حرمًا آمنًا، كمكة المشرّفة. ٣ - (ومنها): الحثّ على لزوم سكنى المدينة، وعدم الانتقال منها لغيرها لرغبة في الدنيا، وطمع في ملذّاتها. ٤ - (ومنها): أن من خرج منها رغبة عنها، وكراهية لها فإن اللَّه ﷾ يُبدل فيها خيرًا منه. ٥ - (ومنها): بيان فضل من صبر على شدّة المدينة، ومشقّتها، وذلك أنه ﷾ يكون شفيعًا له فيما قصّر فيه، وشهيدًا له فيما عمل من الخير، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٢٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: «وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث بن أسماء الْفَزَاريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يُدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: («وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ») قال القاضي عياض -﵀-: هذه الزيادة، وهي قوله: «في النار» تدفع إشكال الاحاديث التي لم تُذكَر فيها هذه الزيادة، وتُبَيِّن أن هذا حكمه في الآخرة، قال: وقد يكون المراد به: من أرادها في حياة النبيّ -ﷺ- كُفِي المسلمون أمرَهُ، واضمحَلّ كيده، كما يضمحلّ الرصاص في النار، قال: وقد يكون في اللفظ تأخير وتقديم؛ أي: أذابه اللَّه ذوب الرصاص في النار، ويكون ذلك لمن أرادها في الدنيا، فلا يُمهله اللَّه، ولا يُمَكِّن له سلطانَهُ، بل يُذهبه عن قرب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية، مثل مسلم بن عقبة، فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك، وغيرهما ممن صنع صنيعهما، قال: وقيل: قد يكون المراد: من كادها اغتيالًا، وطلبًا لغِرّتها في غفلة، فلا يتم له أمره، بخلاف من أتى ذلك جهارًا كأمراء استباحوها، على ظاهر الحديث. انتهى . وقيل: قوله: (فِي النَّارِ) متعلّق بالمصدر، يعني قوله: «ذَوْبَ الرصاص»؛ أي: يذوب كذوب الرصاص في النار، فعلى هذا تكون العقوبة في الدنيا.
مصادر المؤلف (٩)

١. راجع: «المرعاة» ٩/ ٥١٢ - ٥١٥.

٢. هكذا قال، انظر ما معنى كونها متعدّية؟.

٣. «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩.

٤. «المرعاة» ٩/ ٥١٤.

٥. «المرعاة» ٩/ ٥١٤.

٦. «شرح النوويّ» ٩/ ١٣٦.

٧. «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٥٩.

٨. «إكمال المعلم»٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣.

٩. «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٤.