HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٦٥

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حدثنا إِسْمَاعِيل بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأبي طَلْحَةَ «الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي». فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ. فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ. وقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص114
ج ٢ ص ٩٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٩
[٤٣٣] قوله: (مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسَ) أي: ومعه الجيش، و(المُرُورُ): جمع المَرّ وهو المِصحاة ، و(المَكَاتِل): جمع المِكْتَل؛ وهو الزَّنْبيل، و(الفُؤُوسُ): جمع الفأس، وفي الحديث: استحباب الرديف إذا كان في الظَّهر قلة.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٥٢٦
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان مذاهب العلماء، وأدلّتهم في مسألة حكم حرم المدينة أن الأرجح مذهب من قال بتحريم المدينة ما بيت لابتيها، كما حدّه -ﷺ- بذلك، وأنه لا يُختلى خلاها، ولا يصاد صيده، وأن من فعل ذلك جاز لمن وجده أن يأخذ سلبه، كما فعل سعد بن أبي وقّاص -﵁-، فهذا هو المذهب الذي تؤيّده النصوص الصحيحة الصريحة في ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: يجوز أخذ العَلَف للدوابّ من حرم المدينة؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- الآتي عند مسلم: «ولا تُخبَط فيها شجرة إلا لعلف»، ولأبي داود من طريق أبي حسان، عن عليّ -﵁- نحوه ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٢٢] (١٣٦٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ حَنْطَبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي طَلْحَةَ: «الْتَمِسْ لِيَ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ، يَخْدُمُنِي»، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّمَا نَزَلَ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ، قَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا، مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله (٧٧) سنةً (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر بن إياس السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ) أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٥] مات بعد (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁-، تقدّم في الباب الماضي. و«قتيبة بن سعيد» ذُكر في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كالأسانيد الأربعة اللاحقة، وهو (٢١٢) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فرّق؛ لِما أسلفته غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وابن حجر، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- وتقدّم البحث فيه قريبًا. شرح الحديث: عن عَمْرُو بْنِ أَبِي عَمْرٍ ومَوْلَى الْمُطَّلِب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن حَنْطَبٍ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) -﵄- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي طَلْحَةَ) زوج أم أنس، واسمه زيد بن سهل الأنصاريّ -﵄-، وقد مرّ قريبًا (الْتَمِسْ) أي: اطلب (لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ) هذا الطلب كان عند خروجه -ﷺ- إلى خيبر، كما سيأتي من رواية البخاريّ المطوّلة، وقوله: (يَخْدُمُنِي) يجوز فيه الجزم؛ لأنه جواب الأمر، ويجوز الرفع على تقدير: هو يخدمني، وهو بضمّ الدال المهملة، من بابي نصر، وفرح، خِدْمةً بالكسر، والفتح، فهو خادم، غلامًا كان، أو جاريةً، والخادمة بالهاء في المؤنّث قليلٌ، والجمع خَدَمٌ بفتحتين، وخُدّام بالضم، والتشديد . قال في «الفتح»: قد استُشْكِل من حيث إن ظاهره أن ابتداء خدمة أنس -﵁- للنبيّ -ﷺ- من أول ما قَدِمَ المدينة؛ لأنه صح عنه أنه قال: خَدِمتُ النبيّ -ﷺ- تسع سنين، وفي رواية عشر سنين، وخيبر كانت سنة سبع، فيلزم أن يكون إنما خَدَمه أربع سنين، قاله الداودي وغيره. وأجيب بأن معنى قوله -ﷺ- لأبي طلحة: «التمس لي غلامًا من غلمانكم» تعيينُ مَن يخرج معه في تلك السَّفْرة، فَعَيَّن له أبو طلحة أنسًا، فينحط الالتماس على الاستئذان في المسافرة به، لا في أصل الخدمة، فإنها كانت متقدمة، فَيُجْمَعُ بين الحديثين بذلك. انتهى . (فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي) بضمّ أوله، من الإرداف، والجملة حاليّة، والرديف: هو الذي تحمله خلفك على ظهر دابّتك، وقوله: (وَرَاءَهُ) ظرف لـ «يُردفني» (فَكُنْتُ أَخْدُمُ) بضمّ الدال، وكسرها، كما مرّ آنفًا (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّمَا نَزَلَ)؛ أي: في أي وقت، وفي أي مكان نزل النبيّ -ﷺ-، وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) إشارة إلى أن في الحديث اختصارًا، وقد ساقه البخاريّ في «صحيحه» مطوّلًا، فقال: حدّثنا قتيبة، حدّثنا يعقوب، عن عمرو، عن أنس بن مالك -﵁-؛ أن النبيّ -ﷺ- قال لأبي طلحة: «التمس غلامًا من غلمانكم، يخدمني حتى أخرج إلى خيبر»، فخرج بي أبو طلحة، مردفي، وأنا غلام، راهقت الْحُلُم، فكنت أخدم رسول اللَّه -ﷺ- إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرًا يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضِلَع الدين، وغلبة الرجال«. ثم قَدِمنا خيبر، فلما فتح اللَّه عليه الحصن، ذُكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قُتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها رسول اللَّه -ﷺ- لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سد الصهباء حَلّت، فبنى بها، ثم صنع حيسًا في نِطَعٍ صغير، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-:»آذن من حولك«، فكانت تلك وليمة رسول اللَّه -ﷺ- على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، قال: فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- يُحَوِّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، فتضع صفية رجلها على ركبته، حتى تركب، فسرنا حتى إذا أشرفنا على المدينة، نظر إلى أُحد، فقال:»هذا جبل يحبنا ونحبه«، ثم نظر إلى المدينة، فقال:»اللهم إني أحرِّم ما بين لابتيها بمثل ما حَرَّم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم«. انتهى. (ثُمَّ أَقْبَلَ)؛ أي: توجّه إلى المدينة (حَتَّى إِذَا بَدَا)؛ أي: ظهر (لَهُ أُحُدٌ) بضمّتين: جبل بقرب مدينة النبيّ -ﷺ- من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيُمنع، وليس بالقويّ، قاله الفيّوميّ . (قَالَ) -ﷺ- (»هَذَا) إشارة إلى أُحُد (جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) قال النوويّ -﵀-: الصحيح المختار أن معناه أن أُحُدًا يحبنا حقيقةً، جعل اللَّه تعالى فيه تمييزًا يحب به، كما قال ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وكما حَنّ الْجِذْع اليابس، وكما سَبَّح الحصى، وكما فَرَّ الحجر بثوب موسى -ﷺ-، وكما قال نبينا -ﷺ-: «إني لأعرف حجرًا بمكة، كان يسلِّم عليّ»، وكما دعا الشجرتين المفترقتين، فاجتمعا، وكما رَجَفَ أُحُدٌ وعليه النبيّ -ﷺ-، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فضربه -ﷺ- برجله، وقال له: «اثبُت أُحدُ، فما عليك إلا نبيّ، أو صديق، أو شهيدان»، وكما كلّمه ذراع الشاة، وكلّها أحاديث صحيحةٌ، وكما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، والصحيح في معنى هذه الآية أن كل شيء يسبح حقيقةً بحسب حاله، ولكن لا نفقهه، وهذا وما أشبهه شواهدُ لما اخترناه، واختاره المحققون في معنى الحديث، وأن أُحدًا يحبنا حقيقة، وقيل: المراد يحبنا أهلُه، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. انتهى كلام النوويّ -﵀- ببعض تصرّف . [تنبيه]: هذه الرواية ظاهرة أنه -ﷺ- قال ذلك لَمّا رآه في حال رجوعه من خيبر، وفي حديث قتادة، عن أنس أنه قال ذلك لَمّا رآه في حال رجوعه من الحجّ، ووقع في رواية أبي حميد الساعدي الآتية [٣٣٧٢] (١٣٩٢) أنه قال لهم ذلك لَمّا رجع من تبوك، وأشرف على المدينة، قال: «هذه طابة، وهذا أُحُدٌ، وهو جبل يحبنا ونحبه». ويُجمع بينها بأنه تكرر منه -ﷺ- ذلك القول، أفاده في «الفتح» . قال: وللعلماء في معنى ذلك أقوال: [أحدها]: أنه على حذف مضاف، والتقدير: أهلُ أُحُد، والمراد بهم الأنصار؛ لأنهم جيرانه. [ثانيها]: أنه قال ذلك للمسرة حيث يبشّره بلسان الحال إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولُقْياهم، وذلك فعل من يُحِبّ بمن يُحب. [ثالثها]: أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره؛ لكون أُحُد من جبال الجنة، كما ثبتٌ في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعًا: «جبل أُحد يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة»، أخرجه أحمد، ولا مانع في جانب البلد من إمكان المحبة منه، كما جاز التسبيح منها؛ أي: الجبال، وقد خاطبه -ﷺ- مخاطبة من يعقل فقال لَمّا اضطَرَب: «اسكن أُحد. . .» الحديث. وقال السهيليّ: كان -ﷺ- يحب الفال الحسن، والاسم الحسن، ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية، قال: ومع كونه مشتقًّا من الأحدية، فحركات حروفه الرفع، وذلك يُشعر بارتفاع دِين الأحد وعلُوّه، فتعلق الحب من النبيّ -ﷺ- به لفظًا ومعنى، فخُصّ من بين الجبال بذلك، واللَّه أعلم. وقال الحافظ أيضًا في «باب من غزا بصبي للخدمة»: قيل: هو على الحقيقة، ولا مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق اللَّه المحبة في بحض الجمادات، وقيل: هو على المجاز، والمراد أهل أُحد على حدّ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقال الشاعر [من الوافر]: وَمُا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي … وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدّيَارَا انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما تقدّم عن النوويّ -﵀- أن الصحيح المختار أن معناه أن أُحُدًا يحبنا حقيقةً، جعل اللَّه تعالى فيه تمييزًا يحب به؛ لما سبق من الأدلة الكثيرة الواضحة في حمله على الحقيقة، فلا تلتفت إلى هذه التأويلات الباردة، واللَّه ﷾ يتولّى هداك. وقال الزرقانيّ -﵀-: قوله: «يحبنا» حقيقةً كما رجحه جماعة، وقد خاطبه -ﷺ- مخاطبة من يعقل، فقال -لما اضطرب-: «اسكن»، فوضع اللَّه الحب فيه، كما وضع التسبيح في الجبال مع داود، والخشية في الحجارة التي قال فيها: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وكما حَنّ الجذع لفراقه حتى سمع الناس حنينه، فلا يُنْكَر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سَلّم عليه الحجر، والشجر، وسبّحت الحصيات في يده، وكلمته الذراع، وأَمَّنت حوائط البيت، وأُسْكُفّة الباب على دعائه -ﷺ- إشارةً إلى مزيد حب اللَّه إياه، حتى أسكن حبه في الجماد، وغرس محبته في الحجر، مع فضل يبسه، وقوة صلابته. وقوله: «نحبه» حقيقةً أيضًا؛ لأن جزاء مَن يُحِبّ أن يُحَبّ، ولأنه من جبال الجنة، كما رواه أحمد عن أبي عبس بن جبر، كما تقدم، وللبزار، والطبرانيّ: «أُحُدٌ هذا جبل يحبنا ونحبه، على باب من أبواب الجنة»؛ أي: من داخلها، فلا ينافي رواية الطبرانيّ أيضًا: «أُحُدٌ ركن من أركان الجنة»؛ لأنه ركن داخل الباب، بدليل رواية ابن سلام في تفسيره أنه ركن باب الجنة. وقيل: هو على حذف المضاف؛ أي: يحبنا أهله، وهُم الأنصار؛ لأنهم جيرانه، وكانوا يحبونه -ﷺ-، ويحبهم. وقيل: لأنه كان يبشره بلسان الحال إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولقائهم، وذلك فِعل المحب بمن يحب، فكان يفرح إذا طلع له استبشارًا بالأوبة من السفر، والقرب من الأهل. وضُعِّف بما في رواية الطبرانيّ عن أنس: «فإذا جئتموه، فكلوا من شجره، ولو من عضاهه» بكسر المهملة، وضاد معجمة: كلُّ شجرة عظيمة ذات شوك، فحَثّ على عدم إهمال الأكل، حتى لو فرض أنه لا يوجد إلا ما لا يؤكل، كالعضاه يمضغ منه؛ تبركًا، ولو بلا ابتلاع. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث الطبرانيّ هذا ضعيف ، فتنبّه. (فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ)؛ أي: اطّلع عليها، وقارب دخولها (قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا) يأتي تفسير الجبلين في حديث عليّ -﵁- الآتي بأنه -ﷺ- حرّم ما بين عَيْرٍ إلى ثور، وهما جبلان على طرفي المدينة جنوبها، وشمالها (مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ) ﵇ (مَكَةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ») أي: مدّ أهل المدينة، وصاعهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٢/ ٣٣٢٢ و٣٣٢٣] (١٣٦٥)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٢٣٥) و«الجهاد والسير» (٢٨٩٣) و«أحاديث الأنبياء» (٣٣٦٧) و«المغازي» (٤٠٨٣ و٤٠٨٤ و٤٢١١) و«الأطعمة» (٥٤٢٥) و«كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» (٧٣٣٣)، و(أبو داود) في «سننه» (٢٩٩٥)، و(الترمذيّ) في «جامعه» (٣٩٢٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٤٩ و٢٤٠ و٢٤٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ٣٧٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣٨ - ٣٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٩٧ و٩/ ١٢٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ٢ - (ومنها): بيان جواز استخدام اليتيم بغير أُجْرَة؛ لأن ذلك لم يقع ذكره في هذا الحديث، وجواز حمل الصبيان في الغزو. وتعقّبه الحافظ -﵀-، فقال: كذا قاله بعض الشراح، وتبعوه، وفيه نظرٌ؛ لأن أنسًا -﵁- حينئذ كان قد زاد على خمسة عشر؛ لأن خيبر كانت سنة سبع من الهجرة، وكان عمره عند الهجرة ثمان سنين، ولا يلزم من عدم ذكر الأجرة عدم وقوعها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: تعقّب الحافظ في الأجرة محلّ نظر؛ فإن أنسًا -﵁- خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، فهل هذه المدة كلّها كان النبيّ -ﷺ- يدفع له الأجرة؟ هذا يحتاج إلى نصّ صحيح، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: «هذا جبل يحبنا ونحبه» الصواب أنه محمول على الحقيقة، ولا يجوز فيه دعوى المجاز، فتبصّر. قال في «العمدة»: في الحديث جواز استخدام اليتيم بغير أجرة؛ لأن أنسًا كان يخدمه -ﷺ- من غير اشتراط أجرة، ولا نفقة، فجائز على اليتيم أن تسلِّمه أمه، أو وصيّه، وشبههما في الصناعة، والمهنة، وهو لازم له، ومنعقد عليه، وفي «التوضيح»: وفيه جواز استخدام اليتامى بشبعهم، وكسوتهم، وجواز الاستخدام لهم بغير نفقة، ولا كسوة إذا كان في خدمة عالم، أو إمام في الدِّين؛ لأنه لم يُذكَر في حديث أنس -﵁- أن له أجر الخدمة، وإن كان قد يجوز أن تكون نفقته من عند رسول اللَّه -ﷺ-. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قيل: إنه يؤخذ من هذا الحديث أن أُحُدًا أفضل الجبال، وقيل: عرفة، وقيل: أبو قبيس: وقيل: الذي كلّم اللَّه عليه موسى ﵇، وقيل: قاف، قيل: وفيه قبر هارون أخي موسى ﵇ ولا يصح. ٥ - (ومنها): ما قاله المهلَّب -﵀-: في حديث أنس -﵁- يعني قوله في رواية البخاريّ: «لا يُقطع شجرها، ولا يُحدث فيها حدث»- دلالة على أن المنهيّ عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الذي يحصل به الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح، كمن يغرس بستانًا مثلًا، فلا يمتنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر يضرّ بقاؤه، قال: وقيل: بل فيه دلالة على أن النهي إنما يتوجه إلى ما أنبته اللَّه من الشجر، مما لا صنع للآدميّ فيه، كما حُمِل عليه النهي عن قطع شجر مكة، وعلى هذا يُحْمَل قطعه -ﷺ- النخل، وجعله قبلة المسجد، ولا يلزم منه النسخ. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه ولواحقه الثلاثة. [تنبيه آخر]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو هذه ساقها البخاريّ -﵀- فقال: (٢٨٩٣) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا يعقوب، عن عمرو، عن أنس بن مالك -﵁-: أن النبيّ -ﷺ- قال لأبي طلحة: «التمس غلامًا من غلمانكم يخدمني، حتى أخرج إلى خيبر»، فخرج بي أبو طلحة مُردفي، وأنا غلام، راهقت الحلُم، فكنت أخدم رسول اللَّه -ﷺ- إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرًا يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدين، وغلبة الرجال»، ثم قَدِمنا خيبر، فلما فتح اللَّه عليه الحصن، ذُكِر له جمالُ صفية بنت حُيَيّ بن أخطب، وقد قُتِل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها رسول اللَّه -ﷺ- لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سَدَّ الصهباء حَلَّت، فبنى بها، ثم صَنَعَ حَيْسًا في نِطَعٍ صغير، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: «آذِنْ من حولك»، فكانت تلك وليمةَ رسول اللَّه -ﷺ- على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، قال: فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- يُحَوِّي لها وراءه بِعَبَاءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، فتضع صفية رجلها على ركبته، حتى تركب، فسرنا، حتى إذا
مصادر المؤلف (١١)

١. راجع: «الفتح» ٥/ ١٨٠.

٢. اسم أبي عمرو: ميسرة.

٣. راجع: «المصباح» ١/ ١٦٥.

٤. «الفتح» ٧/ ١٧١ «كتاب الجهاد والسير» رقم (٢٨٩٣).

٥. «المصباح المنير» ١/ ٦.

٦. «شرح النوويّ» ٩/ ١٣٩ - ١٤٠.

٧. راجع: «الفتح» ٩/ ١٦٠ «كتاب المغازي» رقم (٤٠٨٥).

٨. «الفتح» ٧/ ١٧١ «كتاب الجهاد» رقم (٢٨٩٢).

٩. راجع: «السلسلة الضعيفة» للشيخ الألبانيّ -﵀- ٤/ ٣٤٩.

١٠. «عمدة القاري» ١٤/ ١٧٨.

١١. راجع: «الفتح» ٥/ ١٨٠.