HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٧٦

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ. فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ وَاشْتَكَى بِلَالٌ. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ! حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ. وَصَحِّحْهَا. وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا ومدها. وحول حماها إلى الجحفة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص118
ج ٢ ص ١٠٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٥٩٢
(٤/ ٤٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦/ ٩٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٩٧ - ١٩٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٤٣] (١٣٧٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَكْوَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ، كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. ٢ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٣ - (أَبُوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٤ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق -﵄-، أم المؤمنين، ماتت -﵂- سنة (٥٧) على الصحيح، تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. و«شيخه» ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان. ٤ - (ومنها): أنه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: قَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ) في الهجرة يوم الإثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، في أحد الأقوال، قاله الزرقانيّ (وَهِيَ وَبِيئَةٌ) بفتح الواو، وكسر الموحّدة؛ أي: كثيرة الوباء، قال الفيّوميّ -﵀-: الْوَبَاء بالهمز: مَرَضٌ عامٌّ، يُمَدّ ويُقْصَر، وُيجمَع الممدود على أَوْبِئة، مثلُ متاع وأَمْتِعَة، والمقصور على أَوْباء، مثلُ سبب وأسباب، وقد وَبِئت الأرضُ تَوْبَأُ، من باب تَعِبَ وَبْئًا، مثلُ فَلْس: كَثُر مرضها، فهي وَبِئَةٌ، ووَبِيئةٌ، على فَعِلَة وفَعِيلةٍ، ووُبِئت بالبناء للمفعول، فهي مَوْبُوءة؛ أي: ذات وَبَاء. انتهى . وفي رواية للبخاريّ: «قالت: وقدِمنا المدينة، وهي أوبأ أرض اللَّه»، بالهمز بوزن أفعل، من الوباء، قال الحافظ: الوباء أعمّ من الطاعون، وحقيقته مرضٌ عام ينشأ عن فساد الهواء، وقد يسمى طاعونًا بطريق المجاز، قال: وما كان وباء المدينة إلا حُمَّى كما هو مُبَيَّن في حديث عائشة -﵂-، قال: وزاد محمد بن إسحاق في روايته، عن هشام بن عروة، قال هشام: وكان وباؤها معروفًا في الجاهلية، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يَسْلَم من وبائها قيل له: انْهَقْ، فَيَنْهَق كما ينهق الحمار، وفي ذلك يقول الشاعر [من الطويل]: لَعَمْرِي لَئِنْ غَنَّيْتُ مِنْ خِيفَةِ الرَّدَى … نَهِيقَ حِمَارٍ إِنَّنِي لَمُرَوَّعُ قال القاضي عياض -﵀-: قدومه -ﷺ- على الوباء، مع صحة نهيه عنه؛ لأن النهي إنما هو في الموت الذريع والطاعون، والذي بالمدينة إنما كان وخمًا يمرض بسببه كثير من الغرباء؛ يعني أن المنهيّ عنه إنما هو في القدوم على الوباء الذريع والطاعون، وما كان بالمدينة ليس كذلك، وإنما كان مجرد حُمَّى تَشْتَدّ وتطول مدتها بالنسبة إلى الغرباء، ولا يغلب الموت بسببها، قال: أو أن قدومه المدينة كان قبل النهي؛ لأن النهي كان في المدينة بعد استيطانها. انتهى . وقال الحافظ -﵀-: لا يعارض قدومه على المدينة، وهي بهذه الصفة نهيه -ﷺ- عن القدوم على الطاعون؛ لأن ذلك قبل النهي، أو أن النهي يختص بالطاعون ونحوه، من الموت الذريع، لا المرض ولو عمّ. (فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (وَاشْتَكَى بِلَالٌ) المؤذّن -﵁-، وفي رواية البخاريّ: «وُعِكَ أبو بكر وبلالٌ»، وهو: بضم الواو، وكسر العين، على صيغة المجهول؛ أي: أصابه الوَعْكُ، وهو الْحُمَّي، وقيل: هو مغث الْحُمّي، وهو ممارستها المحمومَ حتى تصرعه. قال الحافظ: وفي حديث البراء عند البخاريّ في «الهجرة» أن عائشة -﵂- أيضًا وُعِكت، وكان وصولها إلى المدينة مع آل أبي بكر، هاجر بهم أخوها عبد اللَّه، وخرج زيد بن حارثة، وأبو رافع ببنتي النبيّ -ﷺ- فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأمه أم أيمن، وسودة بنت زمعة، وكانت رقية بنت النبيّ -ﷺ- سبقت مع زوجها عثمان، وأُخِّرت زينب، وهي الكبرى عند زوجها أبي العاص بن الربيع. قال الزرقانيّ: وعند النسائيّ، وابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عنها: لما قدم رسول اللَّه -ﷺ-، وهي أوبأ أرض اللَّه، أصاب أصحابه منها بلاءٌ، وسَقَمٌ، وصرف اللَّه ذلك عن نبيّه -ﷺ-، وأصابت أبا بكر، وبلالًا، وعامر بن فُهيرة، فاستأذنت رسول اللَّه -ﷺ- في عيادتهم، وذلك قبل أن يُضْرَب علينا الحجاب، فأذِن لي، فدخلت عليهم، وهم في بيت واحد. وعند البخاريّ: فجئت رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبرته؛ أي: بما صدر عن أبي بكر -﵁- حين قلت له: يا أبت كيف تجدك؟ وكان إذا أخذته الحمى يقول: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وقد ساق البخاريّ الحديث مطوّلًا فقال: عن عائشة -﵂- قالت: لَمّا قَدِم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة، وُعِك أبو بكر، وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الْحُمّى يقول [من الرجز]: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وكان بلال إذا أُقْلِع عنه الحمى يرفع عَقِيرته، يقول [من الطويل]: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إَذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجِنَّةٍ … وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ وقال: اللهم الْعَنْ شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خَلَف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: «اللهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة، أو أشدّ، اللهم بارك لنا في صاعنا، وفي مدنا، وصححها لنا، وانقُلْ حُمّاها إلى الجحفة»، قالت: وقَدِمنا المدينةَ، وهي أوبأ أرض اللَّه، قالت: فكان بُطحانُ يجري نَجْلًا، تعني ماءً آجِنًا. وفي رواية له في «المناقب»: قالت: لَمّا قَدِمَ رسول اللَّه -ﷺ- المدينة وُعِك أبو بكر، وبلالٌ، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجد؟ ويا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول. . . الحديث. قال ابن عبد البرّ -﵀-: إِذْخِرٌ، وجَلِيلٌ نبتان من الكلأ طيب الرائحة، يكونان بمكة، وأوديتها، لا يكادان يوجدان في غيرها، وقيل: الجليل: نبت ضعيف صفراء يُحشى بها خُصاص البيوت وغيرها. و«مَجِنّة» بفتح الميم، وكسر الجيم، وتشديد النون: موضع بأعلى مكة على أميال، كان يقام للعرب بها سوق، وبعضهم يكسر ميمها، والفتح أكثر، وهي زائدة. و«شامةٌ، وطَفِيلٌ» جبلان على نحو ثلاثين ميلًا من مكة في جهة اليمن، وقيل: جبلان مُشْرِفان على مَجِنّة، على بريدين من مكة، وقيل: عينان عندها، قال الزرقانيّ: وجُمع باحتمال أن المعينين بقرب الجبلين، أو فيهما. وحاصل ما قال بلال: «أنه كان يذكر مكة، وصحة هوائها، وعذوبة مائها، ولطافة جبالها، ونباتها، ونفحة رياح نباتها الذي بمنزلة بناتها وأبنائها». وعند ابن إسحاق: فذكرت ذلك، فقلت: يا رسول اللَّه إنهم ليهذون، وما يعقلون، من شدة الحمى. (فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَكْوَى أَصْحَابِهِ) -﵃- (قَالَ: لا اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا) بصيغة الأمر من التحبيب (الْمَدِينَةَ) منصوب على المفعوليّة (كَمَا حَبَّبْتَ) إلينا (مَكَّة) وفي رواية البخاريّ: «كحبّنا مكة» (أَوْ أَشَدَّ) أي: من حب مكة، قال الزرقانيّ -﵀-: فاستجاب اللَّه دعاءه، فكانت أحبّ إليه من مكة، كما جزم به بعضهم، وكان يُحَرِّك دابته إذا رأى المدينة من حبها. انتهى. وقال القاري -﵀-: «أو أشد»؛ أي: بل أكثر وأعظم، يعني أن «أو» هنا بمعنى «بل»، ويؤيده أنه في رواية: «وأشد» بالواو، قال: ولا ينافي هذا ما سبق أنه -ﷺ- قال لمكة: «إنكّ أحب البلاد إليّ، وإنكِ أحب أرض اللَّه إلى اللَّه»، وفي رواية: «لقد عرفت أنك أحب البلاد إلى اللَّه، وأكرمها على اللَّه»، فإن المراد به المبالغة، أو لأنه لَمَّا أوجب اللَّه على المهاجرين مجاورة المدينة، وترك التوطن والسكون بمكة، طلب من اللَّه أن يزيد محبة المدينة في قلوب أصحابه -﵃-؛ لئلا يميلوا بأدنى الميل غَرَضًا به؛ إذ المراد بالمحبة الزائدة الملاءمة لملاذّ النفس، ونفي مشاقّها، لا المحبة المرتبة على كثرة المثوبة، فالحيثية مختلفة، ويؤيد ما قرّرناه قوله: (وَصَحِّحْهَا)؛ أي: المدينة من الوباء، قال القاري: أي: اجعل هواءها، وماءها صحيحًا (وَبَارِكْ لنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَما) تقدّم الكلام على هذا، قال الزرقانيّ: فاستجاب اللَّه تعالى دعاءه، فطيَّب هواءها، وترابها، ومساكنها، والعيش بها. وقال ابن بطال وغيره: من أقام بها يَجِد من ترابها وحيطانها رائحة طيبةً، لا تكاد توجد في غيرها، قال بعضهم: وقد تكرر دعاؤه بتحبيبها والبركة في ثمارها، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول، والتكرير لطلب المزيد. (وَحَوِّلْ) وفي رواية البخاريّ: «وانقل» (حُمَّاهَا) أي: وبائها، وشدّتها، وكثرتها (إِلَى الْجُحْفَةِ) -بضم الجيم، وسكون الحاء-: أحد المواقيت المشهورة، وقد تقدم ذكرها في حديث المواقيت. قال الخطابيّ وغيره: كان ساكنو الجحفة في ذلك الوقت اليهود، وهم أعداء الإسلام والمسلمين، ولذا توجه دعاؤه -ﷺ- عليهم. وقال عياض: فيه معجزة له -ﷺ-، فإن الجحفة من يومئذ وَبِيئة وَخْمَةٌ، لا يشرب أحدٌ من مائها إلَّا حُمّ؛ أي: من الغرباء الداخلين عليها. قال السمهوديّ: والموجود الآن من الحمى بالمدينة ليس حمى الوباء، بل رحمة ربنا، ودعوة نبينا -ﷺ- للتكفير، قال: وفي الحديث: «أصح المدينة ما بين حَرّة بني قريظة والعريض»، وهو يؤذن ببقاء شيء منها بها، وأن الذي نُقِل عنها أصلًا ورأسًا سلطانها، وشدتها، ووباؤها، وكثرتها بحيث لا يُعَدّ الباقي بالنسبة إليه شيئًا. قال: ويَحْتَمِل أنها رُفعت بالكلية، ثم أعيدت خفيفةً؛ لئلا يفوت ثوابها، كما أشار إليه الحافظ، ويدل له ما روى أحمد بإسناد صحيح، وأبو يعلى، وابن حبان في «صحيحه»، والطبرانيّ عن جابر: استأذنت الحمى على رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: «من هذه؟» قالت: أُمُّ مِلْدَم، قال: فأمر بها إلى أهل قباء، فلَقُوا ما لا يعلم إلا اللَّه، فأتوه، فَشَكَوا ذلك إليه، فقال: «ما شئتم؟ إن شئتم دعوت اللَّه ليكشفها عنكم، وإن شئتم تكون لكم طهورًا»، قالوا: أوَ تفعل؟ قال: «نعم»، قالوا: فدعها. انتهى. قال الحافظ: وقد استَشْكَل بعض الناس الدعاء برفع الوباء؛ لأنه يتضمن الدعاء برفع الموت، والموت حتم مَقْضِيّ، فيكون ذلك عَبَثًا. وأجيب بأن ذلك لا ينافي التعبد بالدعاء؛ لأنه قد يكون من جملة الأسباب في طول العمر، أو رفع المرض، وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون، والجذام، وسيئ الأسقام، ومنكرات الأخلاق، والأهواء، والأدواء، فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير، ولم يقل بذلك إلا شذوذ، والأحاديث الصحيحة تردّ عليهم، وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة، ليست في التداوي بغيره؛ لما فيه من الخضوع والتذلل للربّ -﷾-، بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة؛ اتكالا على ما قُدِّر، فيلزم ترك العمل جملةً، وردّ البلاء بالدعاء، كردّ السهم بالتُّرْس، وليس من شرط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رمي السهم، واللَّه أعلم. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٣/ ٣٣٤٣ و٣٣٤٤] (١٣٧٦)، و(البخاريّ) في «فضائل المدينة» (١٨٨٩) و«مناقب الأنصار» (٣٩٢٦) و«المرضى» (٥٦٥٤) و(٥٦٧٧) و«الدعوات» (٦٣٧٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٨٤ و٤/ ٣٥٤ و٣٦١)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٨٩٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٦ و٨٢ و٢٦٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٢٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٤٥)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٧٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٨٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠١٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان فضائل المدينة، وأن النبيّ -ﷺ- دعا ربه أن يحبّبها إلى المسلمين أكثر من حبهم لمكة، فاستجاب اللَّه له. ٢ - (ومنها): بيان جواز الدعاء على الكفار بالأمراض، والهلاك، وللمسلمين بالصحة، وطيب بلادهم، والبركة فيها، وكشف الضرّ، والشدائد عنهم. ٣ - (ومنها): إظهار معجزة عجيبة للنبيّ -ﷺ-، حيث نقل اللَّه تعالى الحمى من المدينة إلى الجحفة، ولا تزال من يومئذ وَبِيئة لا يشرب أحدٌ من مائها إلَّا حُمّ، ولا يمر بها طائر إلَّا حُمّ وسقط. ٤ - (ومنها): بيان ما هو متعارّفٌ حتى الآن، من تنكُّر البلدان على من لم يعرف هواها، ولم يغذَّ بمائها. ٥ - (ومنها): أن فيه عيادة الجِلّة السادة لإخوانهم، ومُواليهم الصالحين. ٦ - (ومنها): مشروعيّة عيادة النساء الرجال الأجانب، حيث عادت عائشة «بلالًا». ٧ - (ومنها): مشروعيّة سؤال العليل عن حاله بكيف تجدك؟ وكيف أنت؟ ونحو ذلك. ٨ - (ومنها): فيه أن إشارة المريض إلى ذكر ما يجد ليس بشكوى، وإذا جاز استخبار العليل، جاز إخباره عما به، ومن رَضِي فله الأجر والرضى، ومن سَخِط فله السخط والبلوى. ٩ - (ومنها): ما قال الإمام ابن عبد البرّ -﵀-: فيه جواز إنشاد الشعر، والتمثل به، واستماعه، وإذا كان رسول اللَّه -ﷺ- يسمعه، وأبو بكر ينشده، فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا؟ وما استنشده رسول اللَّه -ﷺ-، وأُنشد بين يديه أكثر من أن يحصي، ولا يُنكِر الشعرَ الحسنَ أحدٌ من أولي العلم، ولا من أولي النُّهَي، وليس أحد من كبار الصحابة، وأهل العلم، وموضع القدوة إلَّا وقد قال الشعر، وتمثّل به، أو سمعه فرضيه، وذلك ما كان حكمه مباحًا من القول، ولم يكن فيه فحشٌ، ولا خَنًى، ولا لمسلمٍ أَذًى، فإن كان ذلك فهو والمنثور من الكلام سواء، لا يحل سماعه، ولا قوله. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٤٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن هشام بن عروة، لم أجد من ساقها، فليُنظر. وأما رواية عبد اللَّه بن نُمير، عن هشام، فقد ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده» (٦/ ٥٦) فقال:
مصادر المؤلف (٤)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٦.

٢. راجع: «إكمال المعلم» ٤/ ٤٩٦.

٣. أي: فوائد حديث عائشة -﵂- برواياته المختلفة التي ذكرتها في الشرح، لا خصوص سياق المصنّف، فتنبّه.

٤. «التمهيد» ٢٢/ ١٩٤.