HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٩٧

حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ «لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام ومسجد الأقصى».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص126
ج ٢ ص ١٠١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٧١٧
(٩٢) - (بَابُ فَضْلِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٨٥] (١٣٩٧) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى»). رجال هذا الإسناد: ستة: وتقدّم في أول الباب الماضي، فلا حاجة إلى إعادته. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيد) بن الْمُسيِّب، قال في «الفتح»: ووقع عند البيهقيّ من وجه آخر، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: حدّثنا به سفيان مرةً بهذا اللفظ، وكان أكثر ما يحدث به بلفظ: «تُشَدُّ الرحال». انتهى . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -) أي يبلغ أبو هريرة - ﵁ - بهذا الحديث النبي - ﷺ -، بمعنى أنه يُسنده إليه، ويرويه عنه، وقد تقدَّم قريبًا وجه عدوله عن الصيغ المشهورة، كـ «سمعت»، ونحوها إلى هذا، فلا تنس، ووقع عند البخاريّ من رواية ابن المدينيّ، عن ابن عيينة، بلفظ: «عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -» («لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) - بضم أوّله - بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها، قال الطيبيّ - ﵀ -: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يُقصَد بالزيارة إلا هذه البقاع؛ لاختصاصها بما اختَصَّت به. و«الرِّحَال»- بالمهملة -: جمع رَحْل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكَنَى بشدّ الرحال عن السفر؛ لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه:«إنما يُسَافَرُ»، وهو الحديث الأخير عند مسلم في هذا الباب. (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ) الاستثناء هنا مُفَرَّغ، والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع من المواضع، ولازمه منع السفر إلى كلّ موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرَّغ مقدَّر بأعم العامّ، لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص، وهو المسجد كما سيأتي. (مَسْجِدِي هَذَا) المراد مسجده - ﷺ - الخاصّ بالصلاة، لا كلّ الحرم، فـ«مسجدي»يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة: الجرّ على البدليّة، والرفع بتقدير مبتدأ، أي أحدهما، والنصب بتقدير فعل، كـ«أعني»(وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي الْمُحَرَّم، وهو كقولهم: الكتاب، بمعنى المكتوب، و«مسجد»يجوز فيه أوجه الإعراب، كسابقه، وهو في رواية المصنّف بالإضافة إلى«الحرام»، فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة، جوّزه الكوفيّون، ومنعه البصريّون، وفي رواية البخاريّ:«والمسجد الحرام»بالتوصيف. والمراد به جميع الحرم، وقيل: يَختص بالموضع الذي يُصَلَّى فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم، قال الطبريّ: ويتأيد بقوله:«مسجدي هذا»؛ لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك، وقيل: المراد به الكعبة، حكاه المحبّ الطبريّ، وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائي بلفظ:«إلا الكعبة»، وفيه نظر؛ لأن الذي عند النسائيّ:«إلا مسجد الكعبة»، حتى ولو سقطت لفظة مسجد لكانت مرادة، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسيّ من طريق عطاء؛ أنه قيل له: هذا الفضل في المسجد وحده، أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد، قاله في«الفتح». (وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أي بيت المقدس، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقد جوّزه الكوفيون، واستشهدوا له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، والبصريون يؤولونه بإضمار المكان، أي الذي بجانب المكان الغربي، ومسجد المكان الأقصى، ونحو ذلك، وسُمِّي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل: في الزمان، وفيه نظر؛ لأنه ثبت في«الصحيح»أن بينهما أربعين سنةً، وقال الزمخشريّ: سُمِّي الأقصى؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبث، وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة، وبيت المقدس أبعد منه. [فائدة]: لبيت المقدس عدّة أسماء تقرُب من العشرين، منها:«إيلياء»بالمدّ، والقصر، وبحذف الياء الأولى، وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا الثالث، و«بيت المقدس»، بسكون القاف، وبفتحها مع التشديد، و«القُدْس»، بغير ميم مع ضم القاف، وسكون الدال، وبضمها أيضًا، و«شَلَّم»بالمعجمة، وتشديد اللام، وبالمهملة، و«شَلام»بمعجمة، و«سَلِم»، بفتح المهملة، وكسر اللام الخفيفة، و«أَوْرِي سَلِم»بسكون الواو، وبكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة قال الأعشى [من المتقارب]: وَقَدْ طُفْتُ لِلْمَالِ آفَاقَهُ … دِمَشْقَ فَحِمْصَ فَأَوْرِي سَلِمْ ومن أسمائه:«كورة»، و«بيت إيل»، و«صهيون»، و«مصروث»آخره مثلثة، و«كورشيلا»، و«بابوس»بموحدتين ومعجمة، وقد تتبع أكثر هذه الأسماء الحسين بن خالويه اللغويّ في كتاب«ليس»، ذكره في«الفتح»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٢/ ٣٣٨٥ و٣٣٨٦ و٣٣٨٧] (١٣٩٧)، و(البخاريّ) في«فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة»(١١٨٩)، و(أبو داود) في«المناسك»(٢٠٣٣)، و(النسائيّ) في«المساجد»(٢/ ٣٧) و«الكبرى»(١/ ٢٥٨)، و(ابن ماجه) في«إقامة الصلاة»(١٤٠٩)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه» (٩١٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٣/ ٤١٨ - ٤١٩)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٩٤٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٣٤ و٢٣٨ و٢٧٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٦١٩)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤/ ٥٧ - ٥٨)، و(الطحاويّ) في«مشكل الآثار»(١/ ٢٤٤)، و(الخطيب البغداديّ) في«تاريخه»(٩/ ٢٢٢)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٥/ ٢٤٤ و١٠/ ٨٢) و«المعرفة»(٧/ ٣٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة هذه المساجد الثلاثة، ومزيتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ولأن الأول قبلة الناس جميعًا، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم السالفة، والثالث أُسِّس على التقوى. قال في«زهر الرُّبَى»: قال الشيخ تقيّ الدين السبكيّ: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تُشَدّ الرجال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرجال إليها لذاتها، بل لزيارة، أو جهاد، أو علم، أو نحو ذلك. انتهى ٢ - (ومنها): أن من نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها يلزمه الوفاء به؛ لأنه طاعة، والطاعة تلزم بالنذر، وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): أن من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة للصلاة لا يلزمه الوفاء به؛ لأنها لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أيّ مسجد كان، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه أيضًا في المسألة السادسة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة: (اعلم): أنهم اختلفوا في شدّ الرحال إلى غيرها؛ كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياءً وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة؛ لقصد التعبد فيها بالصلاة، أو غيرها، فقال الشيخ أبو محمد الجوينيّ: يحرم شدّ الرحال إلى غيرها؛ عملًا بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضي حسين من الشافعية إلى اختياره، وبه قال القاضي عياض وطائفة. ويدل عليه إنكار بصرة بن أبي بصرة الغفاريّ - ﵁ - على أبي هريرة - ﵁ -، حين لقيه راجعًا من الطور، وكان قد أتى إليه ليصلي فيه، فقال له: لو لقيتك من قبل أن تأتيه لم تأته، قال أبو هريرة: ولم؟ قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تُعْمَل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس» ، فاستدل به بصرة على إنكاره إتيانه الطور، فدلّ على أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة. قال في «الفتح»: والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة: منها أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شدّ الرجال إلى هذه المساجد، بخلاف غيرها، فإنه جائز، وقد وقع في رواية لأحمد بلفظ: «لا ينبغي للمطي أن تعمل»، وهو لفظ ظاهر في غير التحريم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الجواب نظر لا يخفى؛ إذ لفظ «لا ينبغي» ظاهر في المنع والتحريم، فقد أكثر استعمال الشرع له في ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وكما في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ: «شتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني. . .»، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقال: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] وبالجملة فهذه اللفظة في استعمال الشرع عظيمة الشأن، فالقول بأنها ظاهرة في غير التحريم غير صحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ومنها: أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به، قاله ابن بطال. وقال الخطابيّ: اللفظ لفظ الخبر، ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها، أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التخصيص لا دليل عليه؛ بل الظاهر إجراء عموم النص على ظاهره، فيعمّ النذر وغيره، والله تعالى أعلم. ومنها: أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرجال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه المساجد الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح، أو قريب، أو صاحب، أو طلب علم، أو تجارة، أو نزهة، فلا يدخل في النهي. قال الحافظ: ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب، قال: سمعت أبا سعيد، وذُكرت عنده الصلاة في الطور، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينبغي للمطي أن تشد رجاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، وشهر حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف. ومنها: أن المراد قصدها بالاعتكاف، فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال: لا يعتكف في غيرها، وهو أخص من الذي قبله، قال الحافظ: ولم أر عليه دليلًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الأولون، وهو أن النهي للتحريم عمومًا، فيحرم شد الرجال إلى غير المساجد الثلاثة؛ لوضوح الحجة في ذلك، إلا ما خُص بالدليل؛ كالسفر للجهاد، والتجارة، وطلب العلم، ونحو ذلك، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في الخلاف بين أهل العلم فيمن نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة: ذهب مالك، وأحمد، والشافعيّ، والبويطيّ - رحمهم الله تعالى - إلى وجوب الوفاء عليه، واختاره أبو إسحاق المروزيّ - ﵀ -. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجب الوفاء مطلقًا. وقال الشافعيّ - ﵀ -: في «الأم»: يجب في المسجد الحرام؛ لتعلّق النسك به، بخلاف المسجدين الآخرين، قال الحافظ: وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعيّ. قال ابن التين: والحجة على الشافعي أن إعمال المطيّ إلى مسجد المدينة، والمسجد الأقصى، والصلاة فيهما قربة، فوجب أن يلزم بالنذر؛ كالمسجد الحرام. وقال ابن المنذر - ﵀ -: يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر - ﵁ -: أن رجلًا قال للنبيّ - ﷺ -: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صلِّ ههنا» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي قول الأولين؛ لحديث الباب، إذ شدّ الرحل إلى هذه المساجد مشروع، ومن نذر أن يطيع الله في المشروع لزمه الوفاء به؛ لِما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه». والحاصل: أن من نذر السفر إلى أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه الوفاء به، أي لمن كان في مكة والمدينة، فيكفيه أن يصلي فيهما، ولا يلزمه السفر إلى بيت المقدس؛ لِما دلّ عليه حديث جابر - ﵁ - المذكور، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة لصلاة أو لغيرها لا يلزمه الوفاء به؛ لأنه لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أيّ مسجد كان. قال النوويّ - ﵀ -: لا اختلاف في ذلك إلا ما رُوي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به. وعن الحنابلة رواية: يلزمه كفارة يمين، ولا ينعقد نذره، وعن المالكية رواية: إن تعلقت به عبادة تختص به، كرباط لزم، وإلا فلا، وذُكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه يلزم في مسجد قباء؛ لأن النبيّ - ﷺ - «كان يأتيه كل سبت». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما كان من غير شدّ رحل يلزم الوفاء به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله - ﷺ -: «أوف بنذرك»، فالوفاء بالنذر واجب بالنصّ، إلا أن يكون في أحد المساجد الثلاثة، فيكفيه أن يصلي ما نذره في غيرها؛ لكونها أفضل، وقد تقدم أنه - ﷺ - أمر من نذر أن يصلي في بيت المقدس بالصلاة في مسجده - ﷺ -؛ لكونه أفضل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنه قد وقع نزاع في شد الرجال لزيارة قبر النبيّ - ﷺ -، فقال بتحريمه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، واحتج على ذلك بحديث الباب، ورَدّ عليه الشيخ تقيّ الدين السبكيّ - ﵀ -، وألّف في ذلك كتابًا، وانتصر الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي - ﵀ - لابن تيمية، وردّ على السبكي، وألّف في ذلك كتابًا. وخلاصة القول: إن شيخ الإسلام لا يقول بتحريم الزيارة مطلقًا، بل يقول باستحبابها، وإنما يقول بتحريم شدّ الرحال إليها؛ لحديث الباب، وقد يتوهم بعض الجهلة أنه يقول بتحريم الزيارة مطلقًا، وهذا خطأ عليه، فتنبه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأولى أن ينوي المسجد عند شدّ الرحل، فإذا وصل هناك توجه للزيارة؛ لأنها مشروعة في أصلها إجماعًا، فهذا أسلم، استبراء لدينه، وقد أخرج الشيخان عن النُّعمان بن بشير - ﵄ -، عن رسول الله - ﷺ -؛ أنه قال: «ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. . .» الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٨٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيَّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدَّم في الباب الماضي. و«الزهريّ» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ ساقها عبد الرزّاق في «مصنّفه» ٥/ ١٣٢ فقال: (٩١٥٨) - عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تشدُّ الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٨٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ أَبِي أَنَسٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ سَلْمَانَ الْأَغَرَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّمَا يُسَافَرُ اِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٥٣) (خت م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤/ ١١٩٥. ٤ - (عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ) القرشيّ العامريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٥] (ت ١١٧) (بخ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٦/ ١٥٥٧. ٥ - (سَلْمَانُ الْأَغَرُّ) هو أبو عبد الله المدنيّ، مولى الجهنيين، تقدَّم في الباب الماضي.
مصادر المؤلف (٥)

١. «الفتح»٣/ ٦٠١.

٢. «الفتح»٣/ ٦٠٢.

٣. «الفتح»٣/ ٦٠٢ - ٦٠٣.

٤. رواه النسائيّ في «المجتبى» في «الجمعة» (٤٥/ ١٤٣٠).

٥. حديث صحيح أخرجه أبو داود، والدارميّ.