HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٠٠

حدثنا يحيى بن يحيى التيمي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ. جميعا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى). أَخْبَرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى. فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ. فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ. فقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرحمن! ألا نزوجك جارية شابة. لععلها تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ. قَالَ فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ. فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ. فَإِنَّهُ لَهُ وجاء».
ج ٢ ص ١٠١٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٥ ص١٢
لهما، كأنه الغاية التي وجدا لها، وأوجب التلطف في التشهير، وجعل الملاك المنزليّ عروجًا أن تجعل وليمة يدعى الناس إليها، ودُفٌّ وطَرَبٌ. وبالجملة فلوجوه جمة مما ذكرنا، ومما حذفنا - اعتمادًا على ذهن الأذكياء - كان النكاح بالهيئة المعتادة، أعني نكاح غير المحارم، بمحضر من الناس، مع تقديم مهر، وخِطبة، وملاحظة كفاءة، وتَصَدٍّ من الأولياء، ووليمةٍ، وكون الرجال قوامين على النساء، متكفلين معاشهنّ، وكونهن خادماتٍ، حاضناتٍ مطيعاتٍ سنةً لازمةً، وأمرًا مسلَّمًا عند الكافة، وفطرة فطر الله الناس عليها، لا يختلف في ذلك عربهم، ولا عجمهم، ولمّا لم يكن بذل الجهد منهما في التعاون، بحيث يجعل كلُّ واحد ضررَ الآخر ونفعه كالراجع إلى نفسه، إلا بأن يوطّنا أنفسهما على إدامة النكاح، ولا بدّ من إبقاء طريق للخلاص إذا لم يطاوعا، ولم يتراضيا، وإن كان من أبغض المباحات وجب في الطلاق ملاحظة قيود، وعدّة، وكذا في وفاته عنها تعظيمًا لأمر النكاح في النفوس، وأداءً لبعض حق الإدامة، ووفاء لعهد الصحبة، ولئلا تشتبه الأنساب. انتهى المقصود من كلام وليّ الله الدهلويّ - ﵀ - ، وهو كلام حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَبَتُّلِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٩٩] (١٤٠٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ بِمِنًى، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ، فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ألَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً، لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد (٦٠) وقيل: بعد (٧٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٨ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣٢) أو التي بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه محمد بن العلاء فقد اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى شيخه يحيى، فنيسابوريّ، والظاهر أنه دخل الكوفة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأولين من رواية الأقران. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد، وهي ترجمة الأعمش، عن إبراهيم النخعيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود - ﵁ -، قاله في «الفتح» . ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، فهو أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن كبار علماء الصحابة، ذو مناقب جمّة، وأمّره عمر - ﵁ - على الكوفة. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ، وفي رواية للبخاريّ تصريح كلّ من الأعمش، وإبراهيم بالتحديث، ولفظه: «حدّثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، قال: حدّثني إبراهيم، عن علقمة. . .» (عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ الله) أي: ابن مسعود - ﵁ - (بِمِنًى، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ) وفي رواية البخاريّ: «فلقيه عثمان بمنى»، قال في «الفتح»: كذا وقع في أكثر الروايات، وفي رواية زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش عند ابن حبان: «بالمدينة»، وهي شاذّةٌ. انتهى. (فَقَامَ مَعَهُ) أي: قام عثمان مع عبد الله، ويَحْتَمِل العكس (يُحَدِّثُهُ) جملة حاليّة (فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ) -﵁ - (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هذه كنية ابن مسعود - ﵁ -، قال في «الفتح»: وظن ابن الْمُنَيِّر أن المخاطب بذلك ابن عمر؛ لأنها كنيته المشهورة، وأكَّد ذلك عنده أنه وقع في نسخته من «شرح ابن بطال» عقب الترجمة: «فيه ابنُ عمر لقيه عثمان بمنى»، وقصّ الحديث، فكتب ابن الْمُنَيِّر في «حاشيته»: هذا يدل على أن ابن عمر شدَّد على نفسه في زمن الشباب؛ لأنه كان في زمن عثمان شابًّا، كذا قال، ولا مدخل لابن عمر في هذه القصة أصلًا، بل القصة والحديث لابن مسعود، مع أن دعوى أن ابن عمر كان شابًّا إذ ذاك فيه نظر؛ فإنه كان إذ ذاك جاوز الثلاثين. انتهى . (أَلَا) أداة عرض وتحضيض (نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً) قال القرطبيّ: الجارية هنا الْمُعْصِرُ، وما قارب ذلك. انتهى، قال الفيّوميّ - ﵀ -: أعصرت الجارية: إذا حاضت، فهي مُعْصِرٌ بغير هاء، فإذا حاضت فقد بلغت، وكأنها إذا حاضت دخلت في عصر شبابها. انتهى . (شَابَّةً، لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ) أي: زمان نشاطك، وفي الرواية التالية: «فقال له عثمان: ألا نزوّجك يا أبا عبد الرحمن جاريةً بكرًا، لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تَعْهَدُ»، قال في «الفتح»: لعل عثمان - ﵁ - رأى به قَشَفًا ورَثَاثة هيئة، فحَمَلَ ذلك على فقده الزوجة التي تُرَفِّهُهُ، قال: ويؤخذ منه أن معاشرة الزوجة الشابّة تزيد في القوّة والنشاط، بخلاف عكسها فبالعكس. انتهى. وقال القرطبيّ: وكان عبد الله قد قَلَّت رغبته في النساء، إما للاشتغال بالعبادة، وإما للسنّ، وإما لمجموعهما، فحرّكه عثمان بذلك. انتهى . (قَالَ) علقمة (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ) أي: ما ذكرته من تزويجك لي شابّةً تذكّرني بعض ما مضى من زماني (لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية زيد: «لقد كنا مع رسول الله - ﷺ - شبابًا، فقال لنا»، وفي رواية عبد الرحمن بن يزيد الآتية في الباب: «دخلت أنا وعمي علقمة، والأسود، على عبد الله بن مسعود، قال: وأنا شابّ، فذكر حديثًا»، وفي رواية البخاريّ: «فقال عبد الله: كنا مع النبيّ - ﷺ - شبابًا، لا نجد شيئًا، فقال لنا: يا معشر الشباب»، وفي رواية جرير، عن الأعمش عند مسلم: «قال عبد الرحمن: وأنا يومئذ شابّ، فحدَّث بحديث رأيت أنه حَدَّث به من أجلي»، وفي رواية وكيع، عن الأعمش: «وأنا أحدَث القوم» («يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) المعشر: جماعة يشملهم وصفٌ مّا، والشباب: جمع شابّ، ويجمع أيضًا على شَبَبَة، وشُبَّان، بضم أوّله، والتثقيل، وذكر الأزهريّ أنه لم يجمع فاعِلٌ على فُعّال غيره، وأصله الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يُكْمِل ثلاثين، هكذا أَطلق الشافعية، وقال القرطبيّ في»المفهم«: يقال له: حَدَثٌ إلى ستة عشر سنةً، ثم شابّ إلى اثنتين وثلاثين، ثم كَهْلٌ، وكذا ذكر الزمخشريّ في الشباب أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين، وقال ابن شاس المالكيّ في»الجواهر«: إلى أربعين، وقال النوويّ: الأصح المختار أن الشاب من بلغ، ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ، وقال الروياني وطائفة: من جاوز الثلاثين سُمِّي شيخًا، زاد ابن قتيبة إلى أن يبلغ الخمسين، وقال أبو إسحاق الإسفرايينيّ عن الأصحاب: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما بياض الشعر، فيختلف باختلاف الأمزجة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت أسماء المولود في أطواره المختلفة، فقلت: اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ أَنَّ الْوَلَدَا … دَعَوْهُ بِالْجَنِينِ حَتَّى يُولَدَا ثُمَّ صَبِيًّا لِلْفِطَامِ يُدْعَى … ثُمَّ إِلَى سَبْعٍ غُلَامًا يُرْعَى وَيَافِعٌ لِعَشْرَةٍ حَزَوَّرُ … لِخَمْسِ عَشْرَةَ أَتَاكَ الْخَبَرُ وَقُمُدًا لِلْخَمْسِ وَالْعِشْرِين … عَنَطْنَطًا إِلَى ثَلَاثِينِ دُعِي ثُمَّ لأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ … ثُمَّ إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ إِلَى ثَمَانِينَ بِشَيْخٍ يُعْلَى … ثُمَّ إِذَا زَادَ بِهَمٍّ يُجْلَى أَوْرَدَه الْحَافِظُ فِي «الْفَتْحِ» كَذَا … فَاحْفَظْ وَقَاكَ اللهُ مِنْ كُلِّ أَذَى (مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ) خَصَّ الشباب بالخطاب؛ لأن الغالب وجود قوّة الداعي فيهم إلى النكاح، بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبرًا إذا وُجد السبب في الكهول والشيوخ أيضًا (الْبَاءَةَ) بالهمز، وتاء تأنيث ممدود، وفيها لغة أخرى بغير همز، ولا مدّ، وقد يهمز ويمدّ بلا هاء، ويقال لها أيضًا: الباهة، كالأول، لكن بهاء بدل الهمزة، وقيل: بالمد القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر الوطء، قال الخطابيّ: المراد بالباءة النكاح، وأصله الموضع الذي يتبوؤه، ويأوي إليه، وقال المازريّ: اشتُقَّ العقد على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من شأن من يتزوج المرأة أن يبوِّءها منزلًا. وقال النوويّ: اختَلَف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين، يرجعان إلى معنى واحد: أصحهما: أن المراد معناها اللغويّ، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مُؤَنه، وهي مُؤَن النكاح، فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع؛ لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شَرَّ مَنِيِّهِ، كما يقطعه الوِجَاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مَظِنّة شهوة النساء، ولا ينفكّون عنها غالبًا. والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مُؤَن النكاح، سُمِّيت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مُؤَن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم؛ لدفع شهوته، والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوه قوله: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم»، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم؛ لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن، وانفصل القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور. انتهى. قال في «الفتح»: والتعليل المذكور للمازريّ، وأجاب عنه القاضي عياض بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله: «من استطاع الباءة» أي: بلغ الجماع، وقدر عليه فليتزوج، ويكون قوله: «ومن لم يستطع» أي من لم يقدر على التزويج. قال الحافظ: وتهيأ له هذا لحذف المفعول في المنفيّ، فيَحْتَمِل أن يكون المراد: ومن لم يستطع الباءة، أو من لم يستطع التزويج، وقد وقع كل منهما صريحًا، فعند الترمذيّ في رواية عبد الرحمن بن يزيد، من طريق الثوريّ، عن الأعمش: «ومن لم يستطع منكم الباءة»، وعند الإسماعيليّ من هذا الوجه، من طريق أبي عوانة، عن الأعمش: «من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج»، ويؤيده ما وقع في رواية للنسائيّ من طريق أبي معشر، عن إبراهيم النخعيّ: «من كان ذا طَوْل فلينكح»، ومثله لابن ماجه، من حديث عائشة - ﵂ -، وللبزار من حديث أنس - ﵁ -، وأما تعليل المازريّ، فيَعْكُرُ عليه قوله في الرواية الأخرى عند البخاريّ بلفظ: «كنا مع النبيّ - ﷺ - شبابًا، لا نجد شيئًا»، فإنه يدلّ على أن المراد بالباءة الجماع، ولا مانع من الحمل على المعنى الأعمّ، بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء، ومُؤَنِ التزويج، والجواب عما استشكله المازريّ أنه يجوز أن يُرْشَد من لا يستطيع الجماع من الشباب لفرط حياء، أو عدم شهوة، أو عُنَّةٍ مثلًا إلى ما يُهَيِّء له استمرار تلك الحالة؛ لأن الشباب مظنة ثوران الشهوة الداعية إلى الجماع، فلا يلزم من كسرها في حالة أن يستمر كسرها، فلهذا أرشد إلى ما يستمر به الكسر المذكور، فيكون قسم الشباب إلى قسمين: قسم يَتُوُقون إليه، ولهم اقتدار عليه، فندبهم إلى التزويج؛ دفعًا للمحذور، بخلاف الآخرين، فندبهم إلى أمر تستمرّ به حالتهم؛ لأن ذلك أرفق بهم؛ للعلة التي ذُكِرت في رواية عبد الرحمن بن يزيد، وهي أنهم كانوا لا يجدون شيئًا، ويستفاد منه أن الذي لا يجد أهبة النكاح، وهو تائق إليه يندب له التزويج دفعًا للمحذور. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (فَلْيَتَزَوَّجْ) أمرٌ بالتزوّج، وظاهره الوجوب، وبه قال بعض أهل العلم، وحمله الجمهور على الندب، والأول هو الحقّ على تفصيل سيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى قريبًا. (فَإِنَّهُ أَغَضُّ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنه أشدّ غضًّا (لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ) أي: أشدّ إحصانًا له، ومنعًا من الوقوع في الفاحشة. قال الحافظ - ﵀ -: وما ألطف ما وقع لمسلم حيث ذكر عقب حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا بيسير حديث جابر - ﵁ - رفعه: «إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يردّ ما في نفسه»، فإن فيه إشارةً إلى المراد من حديث الباب. وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: يَحْتَمِل أن تكون أفعل على بابها، فإن التقوى سبب لغضّ البصر، وتحصين الفرج، وفي معارضتها الشهوية الداعية، وبعد حصول التزويج يضعف هذا العارض، فيكون أغضّ وأحصن مما لم يكن؛ لأن وقوع الفعل مع ضعف الداعي أندر من وقوعه مع وجود الداعي. ويَحْتَمِل أن يكون أفعل فيه لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع فقط. انتهى. (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: الباءةَ (فَعَلَيْهِ) في رواية مغيرة، عن إبراهيم، عند الطبرانيّ: «ومن لم يَقْدِر على ذلك، فعليه بالصوم». قال المازريّ: فيه إغراء بالغائب، ومن أصول النحويين أن لا يُغْرَى بالغائب، وقد جاء شاذًا قول بعضهم: عليه رجلًا ليسني، على جهة الإغراء. وتعقبه عياض بأن هذا الكلام موجود لابن قتيبة، والزجاجيّ، ولكن فيه غلط من أوجه: أما أوَّلًا: فمن التعبير بقوله: فيه إغراء بالغائب، والصواب فيه إغراء الغائب، فأما الإغراء بالغائب فجائزٌ، ونَصَّ سيبويه أنه لا يجوز دونه زيدًا، ولا يجوز عليه زيدًا عند إرادة غير المخاطب، وإنما جاز للحاضر؛ لما فيه من دلالة الحال، بخلاف الغائب، فلا يجوز؛ لعدم حضوره، ومعرفته بالحالة الدالة على المراد. وأما ثانيًا: فإن المثال ما فيه حقيقة الإغراء، وإن كانت صورته، فلم يُرِد القائل تبليغ الغائب، وإنما أراد الإخبار عن نفسه، بأنه قليل المبالاة بالغائب، ومثله قولهم: إليك عني؛ أي: اجعل شغلك بنفسك، ولم يُرِد أن يُغْرِيه به، وإنما مراده: دَعْنِي، وكُنْ كمن شُغِل عني. وأما ثالثًا: فليس في الحديث إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أوّلًا بقوله: «من استطاع منكم»، فالهاء في قوله: «فعليه» ليست لغائب، وإنما هي للحاضر المبهم؛ إذ لا يصح خطابه بالكاف، ونظير هذا قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ومثله لو قلت لاثنين: من قام منكما فله درهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين، لا للغائب. انتهى مُلَخّصًا. وقد استحسنه القرطبيّ، قال الحافظ: وهو حسنٌ بالغٌ، وقد تفطن له الطيبيّ، فقال: قال أبو عبيد: قوله: «فعليه بالصوم» إغراء غائب، ولا تكاد العرب تُغْرِي إلا الشاهد، تقول: عليك زيدًا، ولا تقول: عليه زيدًا، إلا في هذا الحديث، قال: وجوابه أنه لما كان الضمير الغائب راجعًا إلى لفظة «مَنْ»، وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: «يا معشر الشباب»، وبيان لقوله: «منكم» جاز قوله: «عليه»؛ لأنه بمنزلة الخطاب. وقد أجاب بعضهم بان إيراد هذا اللفظ في مثال إغراء الغائب هو باعتبار اللفظ، وجواب عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب اعتبار اللفظ، كذا قال، والحقّ مع عياض، فإن الألفاظ توابعُ للمعاني، ولا معنى لاعتبار اللفظ مجردًا هنا. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (بِالصَّوْمِ) أي: لتنكسر شهوته، فلا يقعَ في الحرام، قال في «الفتح»: عَدَلَ عن قوله: فعليه بالجوع، وقلّة ما يُثير الشهوة، ويستدعي طغيان الماء، من الطعام والشراب، إلى ذكر الصوم؛ إذ ما جاء لتحصيل عبادة هي برأسها مطلوبة، وفيه إشارة إلى أن المطلوب من الصوم في الأصل كسر الشهوة. انتهى. (فَإِنَّهُ) أي: الصومَ (لَهُ وِجَاءٌ») - بكسر الواو، والمدّ - أصله الْغَمْزُ، ومنه وجأه في عنقه: إذا غمزه دافعًا له، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أُنثييه: غمزهما حتى رضّهما، ووقع في رواية ابن حبّان المذكورة:«فإنه له وجاء، وهو الإخصاء»، وهي زيادة مدرجة في الخبر، لم تقع إلا في طريق زيد بن أبي أُنيسة هذه، وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر، فإن الوجاء رضّ الأنثيين، والإخصاء استئصالهما، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة، وقال أبو عبيدة: قال بعضهم: وجا بفتح الواو، مقصورًا، والأول أكثر، وقال أبو زيد: لا يقال: وِجاءٌ إلا فيما لم يبرأ، وكان قريب العهد بذلك، قاله في«الفتح». وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: وقال بعضهم: الوجأ: أن توجأ العروق، والخصيتان باقيتان بحالهما، والخصاء شقّ الخصيتين، واستئصالهما، والْجَبّ أن تُحمَى الشّفرة، ثم يستأصل بها الخصيتان، وقد قاله بعضهم:«وَجَا» - بفتح الواو والقصر، قال: وليس بشيء؛ لأن ذلك هو الْحَفَاء في ذوات الخفّ. انتهى. وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: ليس المراد هنا حقيقة الوِجَاء، بل سُمِّي الصوم وِجَاءً لأنه يفعل فعله، ويقوم مقامه، فالمراد أنه يقطع الشهوة، ويدفع شرّ الجماع، كما يفعله الوِجاء، فهو من مجاز المشابهة المعنويّة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٣٣٩٩ و٣٤٠٠ و٣٤٠١ و٣٤٠٢ و٣٤٠٣] (١٤٠٠)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٠٥) و«النكاح» (٥٠٦٥ و٥٠٦٦)، و(أبو داود) في «النكاح» (٢٠٤٦)، و(الترمذيّ) في «النكاح» (١٠٨١)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٢٢٣٩ و٢٢٤٠ و٢٢٤١ و٢٢٤٢ و٢٢٤٣) و«النكاح» (٣٢٠٨ و٣٢٠٩ و٣٢١٠ و٣٢١١ و٣٢١٢) و«الكبرى» (٢٥٤٧ و٢٥٤٨ و٢٥٤٩ و٢٥٥٠ و٢٥٥١)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (١٨٤٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٦/ ١٦٩ و٧/ ٤١٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ١٢٦) و«مسنده» (١/ ١٥٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٧٨ و٤٤٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢١٦٥ و٢١٦٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٦ - ٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٦٣ - ٦٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٠٢٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٣٦)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٦٧٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٣٨) و«الكبير» (١٠/ ١٢٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ١٢٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٩٦) و(٧/ ٧٧) و«الصغرى» (٦/ ٧٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٢٣٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على النكاح، ففيه الأمر بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه. ٢ - (ومنها): استحباب عرض الصاحب على صاحبه الذي ليست له زوجة بهذه الصفة، وهو صالِحٌ للتزويج أن يتزوّج. ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من مواساة بعضهم لبعض، وتفقدهم أحوالهم. ٤ - (ومنها): استحباب نكاح الشابّة؛ لأنها المحصّلة لمقاصد النكاح؛ فإنها ألذّ استمتاعًا، وأطيب نكهةً، وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح، وأحسن عشرةً، وأفكه محادثةً، وأجمل منظرًا، وألين مَلْمَسًا، وأقرب إلى أن يُعَوِّدَها زوجها الأخلاق التي يرتضيها. ٥ - (ومنها): استحباب نكاح البكر، وتفضيلها على الثيّب. ٦ - (ومنها): أن فيه إرشاد التائق إلى النكاح العاجز عن مُؤَنه إلى الصوم، وذلك لما فيه من كسرة الشهوة، فإن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تَقوَى بقوّتها، وتضعف بضعفها. ٧ - (ومنها): أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج؛ لأنه أرشده إلى ما ينافيه، ويضعف دواعيه، وأطلق بعضهم أنه يُكره في حقّه، قاله في «الفتح» . ٨ - (ومنها): أن فيه الحثّ على غضّ البصر، وتحصين الفرج بكلّ ممكن، وعدم التكليف بغير المستطاع. ٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن حظوظ النفس والشهوات لا تتقدّم على أحكام الشرع، بل هي دائرة معها. ١٠ - (ومنها): أن الخطّابيّ استدلّ به على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية، وحكاه البغويّ في «شرح السنّة»، وينبغي أن يُحمل على دواء يسكّن الشهوة، دون ما يقطعها أصالةً؛ لأنه قد يقدر بعدُ، فيندم لفوات ذلك في حقّه، وقد صرّح الشافعيّة بأنه لا يُكسرها بالكافور ونحوه، والحجّة فيه أنهم اتفقوا على منع الجبّ والخصاء، فيُلحق بذلك ما في معناه من التداوي بالقطع أصلًا. ١١ - (ومنها): أن الخطّابيّ استدلّ به أيضًا على أن المقصود من النكاح الوطء، ولهذا شُرع الخيار في الْعُنَّة. ١٢ - (ومنها): أن القرافيّ استنبط من قوله: «فإنه له وجاء» أن التشريك في العبادة لا يَقدَح فيها بخلاف الرياء؛ لأنه أُمِر بالصوم الذي هو قربة، وهو بهذا القصد صحيح، مثاب عليه، ومع ذلك فأرشد إليه؛ لتحصيل غضّ البصر، وكفّ الفرج عن الوقوع في المحرّم. انتهى. قال الحافظ: فإن أراد تشريك عبادة بعبادة أخرى، فهو كذلك، وليس محلّ النزاع، وإن أراد تشريك العبادة بأمر مباح، فليس في الحديث ما يُساعده. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ردّده الحافظ - ﵀ - عندي غير واضح، بل الواضح من الحديث هو ما استنبطه القرافيّ - ﵀ -، فتأمله، والله تعالى أعلم. ١٣ - (ومنها): أن بعض المالكيّة استدلّ به على تحريم الاستمناء؛ لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحًا لكان الإرشاد إليه أسهل. وتُعُقّب دعوى كونه أسهل؛ لأن الترك أسهل من الفعل، وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء، وهو عند الحنابلة، وبعض الحنفيّة لأجل تسكين الشهوة، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم النكاح: (اعلم): أنه ذهب الجمهور إلى استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه، واستطاعه بقدرته على مُؤَنه، دون الإيجاب عليه، فلا يلزمه عندهم التزوّج، ولا التسرّي، سواء خاف العَنَتَ، أم لا، كذا حكاه النوويّ عن العلماء كافّة، ثم قال: ولا نعلم أحدًا أوجبه إلا داود، ومن وافقه من أهل الظاهر، ورواية عن أحمد، فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف الْعَنَت أن يتزوّج، أو يتسرّى، قالوا: وإنما يلزمه في العمر مرّةً واحدة، ولم يشترط بعضهم خوف العنت، قال أهل الظاهر: إنما يلزمه التزوج فقط، ولا يلزمه الوطء. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ - بعد ذكر كلام النوويّ المذكور - ﵀ - ما نصّه: وفيه نظر، فهذا الذي ذكر أنه رواية عن أحمد هو المشهور من مذهبه، وظاهر كلام أصحابه تعيّن النكاح. وعنه رواية أخرى بوجوبه مطلقًا، وإن لم يخف العَنَت، كما حكاه النوويّ عن بعضهم، وعبارة ابن تيميّة في «المحرّر»: النكاح السابق سنة مقدّمة على نفل العبادة، إلا أن يخشى الزنا بتركه، فيجب، وعنه يجب عليه مطلقًا. انتهى. والوجوب عند خوف العنت وجه في مذهب الشافعيّ، حكاه الرافعيّ عن «شرح مختصر الجوينيّ»، وقال النوويّ في «الروضة»: هذا الوجه، لا يحتم النكاح، بل يُخيّر بينه وبين التسرّي، ومعناه ظاهر. انتهى. وجزم به أبو العباس القرطبيّ، وهو من المالكيّة، بل زاد فحكى الاتفاق عليه، فإنه قال: إنا نقول بموجب هذا الحديث في حقّ الشابّ المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزبة، بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج، وهذا لا يختلف في وجوب التزويج عليه. انتهى. ونقله الاتفاق على ذلك مردود، لكن يُقلَّد في نقل مذهبه في ذلك، وبه يحصل الردّ على النوويّ في كلامه المتقدّم، ولم يقيّد ابن حزم ذلك بخوف الْعَنَتِ، وعبارته في «المحلّى»: وفرضٌ على كلّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوّج به، أو يتسرّى، أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك، فليُكثر من الصوم، ثم قال: وهو قول جماعة من السلف. وقال الشيخ تقيّ الدين في «شرح العمدة»: قسم الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، أعني الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحةَ، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقَدَر على النكاح، إلا أنه لا يتعيّن واجبًا، بل إما هو، وإما التسرّي، وان تعذّر التسرّي، تعيّن النكاح حينئذ للوجوب، لا لأصل الشريعة. انتهى، وكان هذا التقسيم لبعض المالكيّة، وقد حكاه أبو العبّاس القرطبيّ عن بعض علمائهم، وقال: إنه واضحٌ، وقال القاضي أبو سعد الهرويّ من الشافعيّة: ذهب بعض أصحابنا بالعراق إلى أن النكاح فرض كفاية حتى لو امتنع منه أهل قطر، أُجبروا عليه. انتهى. وقال في «الفتح»: وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام: [الأول]: التائق إليه القادر على مؤنه، الخائف على نفسه، فهذا يُندب له النكاح عند الجميع، وزاد الحنابلة في رواية أنه يجب، وبذلك قال أبو عوانة الإسفرايينيّ من الشافعيّة، وصرّح به في «صحيحه»، ونقله المصيصيّ في «شرح مختصر الجوينيّ» وجهًا، وهو قول داود، وأتباعه، ورَدّ عليهم عياضٌ، ومن تبعه بوجهين: [أحدهما]: أن الآية التي احتجّوا بها خيّرت بين النكاح والتسرّي - يعني قوله تعالى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] قالوا: والتسرّي ليس واجبًا اتفاقًا، فيكون التزويج غير واجب؛ إذ لا يقع التخيير بين واجب ومندوب. وهذا الردّ متعقّبٌ، فإن الذين قالوا بوجوبه قيّدوه بما إذا لم يندفع التوقان بالتسرّي، فإذا لم يندفع تعيّن التزويج، وقد صرّح بذلك ابن حزم، فقال: وفرض على كلّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوّج به، أو يتسرّى أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك فليُكثر من الصوم، وهو قول جماعة من السلف. الوجه الثاني: أن الواجب عندهم العقد لا الوطء، والعقد بمجرّده لا يدفع مشقّة التوقان، قال: فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث، وما تناوله الحديث لم يذهبوا إليه، كذا قال، وقد صرّح أكثر المخالفين بوجوب الوطء، فاندفع الإيراد. وقال ابن بطال: احتجّ من لم يوجبه بقوله - ﷺ -: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم»، قال: فلما كان الصوم الذي هو بدله ليس بواجب فمبدله مثله. وتعقّب بأن الأمر بالصوم مرتّبٌ على عدم الاستطاعة، ولا استحالة أن يقول القائل أوجبت عليك كذا، فإن لم تستطع فأَندُبُك إلى كذا، والمشهور عن أحمد أنه لا يجب للقادر التائق إلا إذا خشي العَنَتَ، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن هُبيرة. وقال المازريّ: الذي نطق به مذهب مالك أنه مندوبٌ، وقد يجب عندنا في حقّ من لا ينكفّ عن الزنا إلا به. وقال القرطبيّ: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه، ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يُخْتَلَف في وجوب التزويج عليه، ونبّه ابن الرفعة على صورة يجب فيها، وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبًّا. وقال ابن دقيق العيد: قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقَدَر على النكاح، وتعذّر التسرّي، وكذا حكاه القرطبيّ عن بعض علمائهم، وهو المازريّ قال: فالوجوب في حقّ من لا ينكفّ عن الزنا إلا به، كما تقدّم. قال: والتحريم في حقّ من يُخلّ بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه، وتوقانه إليه، والكراهة في حقّ مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة، من عبادة، أو اشتغال بالعلم اشتدّت الكراهة، وقيل: الكراهة فيما إذا كان ذلك في حال العزوبة أجمع منه في حال التزويج، والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصود من كسر شهوة، وإعفاف نفس، وتحصين فرج، ونحو ذلك، والإباحة فيما انتفت الدواعي والموانع. ومنهم: من استمرّ بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته؛ للظواهر الواردة في الترغيب فيه. قال عياضٌ: هو مندوبٌ في حقّ كلّ من يرجى منه النسل، ولو لم يكن له في الوطء شهوة؛ لقوله - ﷺ -: «فإني مكاثرٌ بكم»، ولظواهر الحضّ على النكاح، والأمر به، وكذا في حقّ من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا يُنسل، ولا أرب له في النساء، ولا في الاستمتاع فهذا مباحٌ في حقّه إذا علمت المرأة بذلك، ورضيت، وقد يقال: إنه مندوب أيضًا؛ لعموم قوله: «لا رهبانية في الإسلام». وقال الغزاليّ في «الإحياء»: من اجتمعت له فوائد النكاح، وانتفت عنه آفاته، فالمستحبّ في حقّه التزويج، ومن لا فالترك له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقّه فليجتهد، ويعمل بالراجح. انتهى. قال الحافظ: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرةٌ، فأما حديث: «فإني مكاثر بكم» فصحّ من حديث أنس بلفظ: «تزوّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم يوم القيامة»، أخرجه ابن حبّان، وذكره الشافعيّ بلاغًا عن ابن عمر بلفظ: «تناكحوا، تكاثروا، فإني أباهي بكم الأمم»، وللبيهقيّ من حديث أبي أمامة: «تزوّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى». وورد: «فإني مكاثرٌ بكم» أيضًا من حديث الصنابحيّ، وابن الأعسر، ومَعْقِل بن يسار، وسهل بن حُنيف، وحرملة بن النعمان، وعائشة، وعياض بن غنم، ومعاوية بن حَيْدَة، وغيرهم. وأما حديث: «لا رهبانية في الإسلام» فلم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقّاص عند الطبرانيّ: «إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة»، وعن ابن عباس رفعه: «لا صرورة في الإسلام» ، أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم. وفي الباب حديث النهي عن التبتّل، ويأتي في هذا الباب، وحديث عائشة، رفعته: «النكاح سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس منّي، وتزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ومن كان ذا طَوْل فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصيام، فإن الصوم له وجاء»، رواه ابن ماجه، وهو صحيح بشواهده. وحديث: «من كان موسرًا، فلم يَنكِح فليس منّا»، أخرجه الدارميّ، والبيهقيّ من حديث ابن أبي نَجِيح، وجزم بأنه مرسل، وقد أورده البغويّ في «معجم الصحابة». وحديث طاوس: «قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد: إنما يمنعك من التزويج عجزٌ، أو فُجور»، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره. وأخرج الحاكم من حديث أنس - ﵁ - رفعه: «من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشطر الثاني». قال الحافظ: وهذه الأحاديث وإن كان في الكثير منها ضعف، فمجموعها يدلّ على أنّ لِمَا يحصل به المقصود من الترغيب في التزويج أصلًا، لكن في حقّ من يتأتّى منه النسل، كما تقدّم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ببعض تصرّف . قال الجامع عفا الله تعالى منه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن أرجح الأقوال قول من قال بوجوب النكاح لمن استطاع عليه، وتاقت إليه نفسه، وخاف الْعَنَت؛ عملًا بظاهر الأمر الذي في حديث الباب، ومن عداه فيستحبّ له؛ عملًا بأحاديث الترغيب فيه، كما مرّ ذكرها آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: لم يقل أحد بوجوبه على النساء، وقد صرّح بذلك ابن حزم، فقال: وليس ذلك فرضًا على النساء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية [النور: ٦٠]. قال أبو إسحاق الشيرازيّ، صاحب «التنبيه»: إن النكاح للنساء مستحبّ عند الحاجة، ومكروه عند عدمها، وقال الشيخ عماد الدين الزنجانيّ في «شرح الوجيز» المسمّى بـ «الموجز»: لم يتعرّض الأصحاب للنساء، والذي يغلب على الظنّ أن النكاح في حقّهنّ أولى مطلقًا؛ لأنهنّ يحتجن إلى القيام بأمورهنّ، والتستّر عن الرجال، ولم يتحقّق في حقّهنّ الضرر الناشئ من النفقة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الزنجانيّ - ﵀ - حسنٌ جدًّا، وأما قول الشيرازي بالكراهة عند عدم الحاجة فمما لا يؤيّده دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: إِنِّي لَأَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى، إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقَالَ: هَلُمَّ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَاسْتَخْلَاهُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ، قَالَ: قَالَ لِي: تَعَالَ يَا عَلْقَمَةُ، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقَالَ لَة عُثْمَانُ: ألَا نُزَوِّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْرًا، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، أخو أبي بكر المذكور في السند الماضي، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِنِّي لَأَمْشِي إلخ) هذه اللام هي لام الابتداء، دخلت في خبر «إنَّ» المكسورة، للتأكيد، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ … لَامُ ابْتِدَاءِ نَحْوُ «إِنِّي لَوَزَرْ» وقوله: («إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ)»إذ«هنا فُجائيّة؛ أي: ففاجأنا لقاء عثمان - ﵁ -. وقوله: (هَلُمَّ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) تقدّم البحث في«هَلُمّ»مستوفًى في شرح قوله:«هلمّ إلى الرخاء»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (فَاسْتَخْلَاهُ) أي: طلب منه أن يجتمع به في خلوة، قال المجد - ﵀ -: واستخلى الملكَ، فأخلاه، وبه، واستخلى به، وخلا به، وإليه، ومعه خَلْوًا، وخلاءً، وخَلْوَةً: سأله أن يَجتمع به في خَلْوة، ففعَلَ. انتهى المقصود منه . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله:«إن عثمان دعا ابن مسعود، واستخلاه، فقال له»هذا الكلام دليل على استحباب الإسرار بمثل هذا، فإنه مما يُسْتَحَيَى من ذكره بين الناس. انتهى . وقوله: (فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ، قَالَ لِي: تَعَالَ يَا عَلْقَمَةُ إلخ) وفي رواية البخاريّ:«فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجةٌ إلى هذا أشار إليّ، فقال يا علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: أما لئن قلت ذلك، لقد قال لنا النبيّ - ﷺ - إلخ»، قال في«الفتح»: هكذا عند الأكثر أن مراجعة عثمان لابن مسعود في أمر التزويج كانت قبل استدعائه لعلقمة، ووقع في رواية جرير عند مسلم، وزيد بن أبي أنيسة، عند ابن حبان بالعكس، ولفظ جرير بعد قوله:«فاستخلاه، فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة قال لي: تعال يا علقمة، قال: فجئت، فقال له عثمان: ألا نزوجك؟ »، وفي رواية زيد:«فلقي عثمان، فأخذ بيده، فقاما، وتنحيت عنهما، فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة يُسِرُّها، قال: ادن يا علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: ألا نزوجك؟ ». قال: ويَحْتَمِل في الجمع بين الروايتين أن يكون عثمان أعاد على ابن مسعود ما كان قال له بعد أن استدعى علقمة؛ لكونه فَهِمَ منه إرادة إعلام علقمة بما كانا فيه. انتهى . وقوله: (أَلَا نُزَوِّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْرًا) البكر الذي لم يتزوّج من الرجال والنساء، يقال: رجلٌ بكرٌ، وامرأةٌ بكرٌ بكسر الباء، والبكر أيضًا: أول الأولاد بالكسر، كما قال الشاعر: يَا بِكْرَ بِكْرَيْنَ وَيَا خِلْبَ الْكَبِدْ … أَصْبَحْتَ مِنِّي كَذِرَاعٍ فِي الْعَضُدْ وفي مقابلة البكر: الأَيِّم، وسيأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى - . وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير جرير. [تنبيه]: رواية جرير، عن الأعمش هذه ساقها أبو داود - ﵀ - في «سننه» بسند المصنّف، فقال: (١٧٥٠) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود بمنى، إذ لقيه عثمان، فاستخلاه، فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة، قال لي: تعال يا علقمة، فجئت، فقال له عثمان: ألا نزوجك يا أبا عبد الرحمن بجارية بكر، لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد؟ فقال عبد الله: لئن قلت ذاك، لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٩/ ٩٧٧. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: وَأنا شَابٌّ يَوْمَئِذٍ، فَذَكَرَ حَدِيثًا، رُئِيتُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَزَادَ: قَالَ: فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ). رجال هذا الإسناد: كلّهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين. وقوله: (دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ، وهو الصواب، قال القاضي عياض: ووقع في بعض الروايات: «أنا وعمّاي علقمة والأسود»، وهو غلطٌ ظاهرٌ؛ لأن الأسود أخو عبد الرحمن بن يزيد، لا عمّه، وعلقمة عمهما جميعًا، وهو علقمة بن قيس. انتهى . وقوله: (فَذَكَرَ حَدِيثًا) الحديث هو ما بيّنه بقوله: «قال: قال رسول الله - ﷺ - إلخ». وقوله: (رُئِيتُ إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي: ظننت، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في كثير من النسخ، وفي بعضها: «رأيت»، وهما صحيحان، الأول من الظنّ، والثاني من العلم. انتهى . والمعنى: أن عبد الله بن مسعود - ﵁ - لما دخل عليه عبد الرحمن بن يزيد، وأخوه الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس ذكر حديثًا، وهو قوله - ﷺ -: «من استطاع منكم الباءة إلخ»، فظنّ عبد الرحمن أن ابن مسعود - ﵁ - إنما ذكر ذلك الحديث من أجله؛ لكونه شابًّا، فكأنه يشير عليه إن كان مستطيعًا للنكاح أن يتزوج، وإلا أن يصوم؛ لأن الشباب مظنّة شدّة الشهوة، فيُخشى منهم أن يقعوا في محظور، ولذا قال: فلم ألبث أن تزوّجت، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية الأعمش، عن عُمارة بن عُمير هذه ساقها أبو نعيم - ﵀ - في «مستخرجه» ٤/ ٦٤ فقال: (٣٢٣٧) -حدّثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف الصرصريّ، ثنا يوسف القاضي، ثنا أبو الربيع الزهرانيّ، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: دخلت أنا والأسود، وعمي علقمةُ على عبد الله، وأنا يومئذ شابٌّ فذكر حديثًا رُئيت أنه حَدَّث به من أجلي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا معشر الشباب، من استطاع
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «حجة الله البالغة» ١/ ٨٧ - ٨٩.

٢. ترجم القرطبيّ - ﵀ - بنحو هذه الترجمة، وهي أخصر من ترجمة النوويّ - ﵀ - ومن تبعه، فلذا اخترتها.

٣. «الفتح» ١١/ ٣١٩.

٤. «الفتح» ١١/ ٣١٩.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٣.

٦. القَشَفُ محرّكةً: قَذَرُ الجلد، ورَثَاثة الهيئة، وسوء الحال، وضِيق العيش، قاله في «القاموس» ٣/ ١٨٥.

٧. «المفهم» ٤/ ٨١.

٨. «الفتح» ١١/ ٣٢١ - ٣٢٢.

٩. «الفتح»١١/ ٣٢٣ - ٣٢٤.

١٠. «الفتح»١١/ ٣٢٤.

١١. «الفتح» ١١/ ٣٢٤.

١٢. «الفتح» ١١/ ٣٢٧.

١٣. أي: لا ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوّج؛ لأنه ليس من أخلاق المؤمنين، وهو فعل الرُّهبان. قاله في «النهاية» ٣/ ٢٢.

١٤. «الفتح» ١١/ ٣٢٤ - ٣٢٦.

١٥. «القاموس المحيط»٤/ ٣٢٥.

١٦. «شرح النوويّ»٩/ ١٧٤.

١٧. «الفتح» ١١/ ٣٢٠.

١٨. «المفهم» ٤/ ٨١.

١٩. «شرح النوويّ»٩/ ١٧٥.

٢٠. «شرح النوويّ» ٩/ ١٧٥ - ١٧٦.