HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٠٧

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما عن علي بن أبي طالب؛ أن رسول الله ﷺ نهى، عن مُتْعَةِ النِّسَاءِ، يَوْمَ خَيْبَرَ. وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الحمر الإنسية.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص134
ج ٢ ص ١٠٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٥ ص١١١
عن الربيع بن سَبْرة، عن أبيه سبرة، قال: قَدِمت حاجًّا، فخرجت أمشي أنا وصاحب لي، وعليّ سَحْقٌ، وعلى صاحبي بُرْدٌ أجود من بردي، وأنا أشبّ منه، فلقينا امرأةً، فأعجبني حسنها، أو جمالها، فقلنا لها: هل لك أن تزوجي أحدنا بأحد هذين البردين، قالت: والله ما أبالي، قال: فأيَّنا؟ قالت: برد كبرد، وأنت أعجب إليّ، فقام نبي الله - ﷺ - في تلك العشيَّة، أو من الغد، فأسند ظهره إلى الكعبة، ثم ذكر من شأن المتعة ما ذكر، ثم قال: «ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئًا فلا يأخذه». انتهى. وأشار أبو الفضل بقوله: «رواه عنه الناس» إلى ما أخرجه مسلم قبل هذا من رواية عبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان، كلاهما عن عبد العزيز بن عمر. والحاصل أن ما قاله أبو الفضل - ﵀ - هو الظاهر، فيكون الحديث محفوظًا من رواية عبد العزيز بن عمر، لا من حديث والده عمر بن عبد العزيز؛ لأن الحسن بن أعين خالف فيه حسين بن عيّاش، ولابن عيّاش متابعان فيه، وهما عبد الله بن نمير، وعبدة بن سلمان، فترجّح روايته، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقوله: (مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا) يريد يوم الفتح؛ لما تقدّم من قوله: «نَهَى يوم الفتح عن متعة النساء». والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٣٢] (١٤٠٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الإمام الحجة المتّفق على جلالته، وإتقانه [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٧٨. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أبو هاشم ابن الحنفيّة، ثقةٌ قرنه الزهريّ بأخيه الحسن [٤]. رَوَى عن أبيه، محمد ابن الحنفية، وعن صهر له من الأنصار صحابيّ. ورَوى عنه ابنه عيسى، والزهريّ، وعمرو بن دينار، وسالم بن أبي الجعد، وغيرهم. قال الزبير: كان أبو هاشم صاحبَ الشيعة، فأوصى إلى محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وصرف الشيعة إليه، ودفع إليه كتبه، ومات عنده، وقال ابن سعد: كان صاحب علم، ورواية، وكان ثقةً، قليل الحديث، وكانت الشيعة يَلقونه، وينتحلونه، وكان بالشام مع بني هاشم، فحضرته الوفاة، فأوصى إلى محمد بن عليّ، وقال: أنت صاحب هذا الأمر، وهو في ولدك، ومات في خلافة سليمان بن عبد الملك، وقال ابن عيينة، عن الزهريّ: ثنا عبد الله والحسن ابنا محمد بن عليّ، وكان الحسن أرضاهما، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما، وكان عبد الله يَتَّبِع، وفي رواية: يَجمع أحاديث السبائية، وقال العجليّ: عبد الله والحسن ثقتان، وقال أبو أسامة: أحدهما مرجئ، والآخر شيعيّ، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن عبد البرّ: كان أبو هاشم عالِمًا بكثير من المذاهب، والمقالات، وكان عالِمًا بالحدثان، وفنون العلم. قال أبو حسان الزياديّ وغيره: مات سنة ثماني وتسعين، وأرّخه الهيثم: سنة تسع وتسعين، وكذا أرّخه خليفة. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وكرّره خمس مرّات. ٤ - (أَبُوهُمَا) هو: محمد بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو القاسم ابن الحنفيّة المدنيّ، ثقة فقيهٌ [٢] مات بعد الثمانين (ع) تقدم في «الحيض» ٤/ ٧٠١. ٥ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو الحسن الخليفة الراشد، استُشهد سنة (٤٠) وله (٦٣) سنةً على الأرجح (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. وابن شهاب، والحسن بن محمد ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابنين عن أبيهما، وفيه أيضًا أربعة من التابعين. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة، ومات حين مات، وهو أفضل أهل الأرض من بني آدم بالإجماع. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) وفي رواية البخاريّ من طريق ابن عيينة، أنه سمع الزهريّ يقول: أخبرني الحسن بن محمد بن عليّ، وأخوه عبد الله. . . وذكر البخاريّ في «التاريخ» عن ابن عيينة، عن الزهريّ: أخبرنا الحسن، وعبد الله ابنا محمد بن عليّ، وكان الحسن أوثقهما، ولأحمد عن سفيان: وكان الحسن أرضاهما إلى أنفسنا، وكان عبد الله يَتّبِع السَّبَئِيّة. انتهى. والسَّبَئِيَّة - بمهملة، ثم موحدة - ينسبون إلى عبد الله بن سبأ، وهو من رؤساء الروافض، وكان المختار بن أبي عبيد على رأيه، ولِما غلب على الكوفة، وتتبع قتلة الحسين، فقتلهم أحبته الشيعة، ثم فارقه أكثرهم لِما ظهر منه من الأكاذيب، وكان من رأي السبئية موالاة محمد بن عليّ بن أبي طالب، وكانوا يزعمون أنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يخرج في آخر الزمان، ومنهم من أقرّ بموته، وزعم أن الأمر بعده صار إلى ابنه أبي هاشم هذا، ومات أبو هاشم في آخر ولاية سليمان بن عبد الملك سنة ثمان، أو تسع وتسعين، قاله في «الفتح» . (عَنْ أَبِيهِمَا) محمد بن عليّ، وفي رواية الدارقطنيّ في «الموطآت» من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن مالك، عن الزهريّ: أن عبد الله والحسن ابني محمد أخبراه؛ أن أباهما محمد بن علي بن أبي طالب أخبرهما (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ) وفي رواية أحمد، عن سفيان: «نَهَى عن نكاح المتعة». وسبب قول عليّ - ﵁ - هذا أنه سمع ابن عبّاس - ﵄ - يرخّص في المتعة، ففي رواية عبيد الله الآتية: «أنه سمع ابن عباس يُلين في متعة النساء، فقال: مهلًا يا ابن عبّاس، فإن رسول الله - ﷺ - نهى عنها»، وفي رواية جويرية، عن مالك: «أنه سمع عليّ بن أبي طالب يقول لفلان: إنك رجل تائه»، والمراد بفلان هو ابن عبّاس، وفي رواية للبخاريّ: «أن عليًّا قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسًا»، وللدارقطنيّ: «أن عليًّا سمع ابن عباس، وهو يفتي في متعة النساء، فقال: أما علمت. . .». وقوله (يَوْمَ خَيْبَرَ) هكذا لجميع الرواة عن الزهريّ: «خيبر» بالمعجمة أوّله، والراء آخره، إلا ما رواه عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن مالك في هذا الحديث، فإنه قال: «حُنَين» - بمهملة أوّله، ونونين - أخرجه النسائيّ، والدارقطنيّ، ونبّها على أنه وهمٌ، تفرّد به عبد الوهّاب، وأخرجه الدارقطنيّ من طريق آخر، عن يحيى بن سعيد، فقال: «خيبر» على الصواب، وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، عنه بلفظ: «نهى في غزوة تبوك عن نكاح المتعة»، وهو خطأ أيضًا، قاله في «الفتح» . (وَ) نهَى أيضًا (عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ) - بكسر الهمزة، فسكون النون -: نسبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، أو - بضمّ، فسكون -: نسبة إلى الأُنس، ضدّ الوحشة، أو - بفتحتين: نسبة إلى الأَنَسَة بمعنى الأُنْس أيضًا، والمراد هي التي تَأْلَفُ البيوت. قال ابن الأثير: «الحمر الإنسيّة»: هي التي تألف البيوت، والمشهور فيها كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنمس، وهم بنو آدم، الواحد إنسيٌّ، وفي كتاب أبي موسى ما يدلّ على أن الهمزة مضمومة، فإنه قال: هي التي تألف البيوت، والأُنسُ ضدّ الوحشة، والمشهور في ضدّ الوحشة الأُنسُ بالضمّ، وقد جاء فيه الكسر قليلًا، قال: ورواه بعضهم بفتح الهمزة والنون، وليس بشيء، قال ابن الأثير: إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية، فيجوز، وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فلا، فإنه مصدرُ أَنِستُ به آنَسُ أَنَسًا، وأَنَسَةً. انتهى كلام ابن الأثير - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «الأنسية» ضبطوه بوجهين: أحدهما: كسر الهمزة، وإسكان النون، والثاني: فتحهما جميعًا، وصرح القاضي بترجيح الفتح، وأنه رواية الأكثرين، وفي هذا تحريم لحوم الحمر الإنسية، وهو مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، إلا طائفة يسيرةً من السلف، فقد رُوي عن ابن عباس، وعائشة، وبعض السلف إباحته، وروي عنهم تحريمه، ورُوي عن مالك كراهته، وتحريمه. انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح»: والحكمة في جمع عليّ - ﵁ - بين النهي عن الحمر الأهليّة والمتعة في هذا الحديث أن ابن عباس - ﵄ - كان يرخّص في الأمرين معًا، فردّ عليه عليّ - ﵁ - في الأمرين معًا، وأن ذلك يوم خيبر، فإما أن يكون على ظاهره، وأن النهي عنهما وقع في زمن واحد، وإما أن يكون الإذن الذي وقع عام الفتح لم يبلغ عليًّا؛ لقصر مدّة الإذن، وهو ثلاثة أيام، كما تقدّم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٣٤٣٢ و٣٤٣٣ و٣٤٣٤ و٣٤٣٥ و٣٤٣٦] (١٤٠٧) وسيأتي في «الذبائح» أيضًا، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٢١٦) و«النكاح» (٥١١٥) و«الذبائح والصيد» (٥٥٢٣) و«كتاب الحيل» (٦٩٦١)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٧٩٤)، و(النسائيّ) في «النكاح» (٣٣٦٦ و٣٣٦٧ و٣٣٦٨) و«الصيد والذبائح» (٤٣٣٥ و٤٣٣٦) وفي «الكبرى» (٥٥٣٨ و٥٥٣٩ و٥٥٤٠)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (١٩٦١)، و(مالك) في «الموطإ» (١١٥١)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٦٢ و٣٨١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٥٥١ و٥/ ١٢١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ٢٢)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٧٩ و١٤٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٩٩٠ و٢١٩٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٦ و٢٨ و٢٩ و٥/ ١٧ و٢٨ و٢٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٧٢)، و(ابن الجارود)، في «المنتقى» (١/ ١٧٥)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (١/ ٢٥١ - ٢٥٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٤٣٤)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ٢٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٠٢ و٩/ ٣٢٩) و«الصغرى» (٦/ ١٩١) و«المعرفة» (٥/ ٣٤٠ و٧/ ٢٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم المتعة. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الحمر الأهليّة. ٣ - (ومنها): بيان جواز النسخ في الشريعة الإسلامية، وهو مجمع عليه بين المسلمين، كما قال في «الكوكب الساطع»: النَّسْخُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَاقِعُ … وَقَائِلُ التَّخْصِيصِ لَا يُنَازِعُ ٤ - (ومنها): بيان جواز تكرار النسخ، حسب المصالح. ٥ - (ومنها): بيان أن أفاضل الصحابة - ﵃ - كانوا يخفى عليهم بعض النصوص الواضحة، فقد خفي على ابن عبّاس - ﵄ - نسخ المتعة، فكان يُفتي بجوازها حتى بيّن له عليّ - ﵁ - ذلك، فمن هنا ينبغي أن يتنبّه المقلّدون للمذاهب أن الأئمة قد يخفى عليهم بعض النصوص، فيُفتون بخلافه، فيكون ذلك مذهبًا لهم، وهم في ذلك معذورون، فإذا تبيّن الحقّ لمقلّديهم فعليهم أن يتّبعوا النصوص، ويعتذروا عن أئمتهم، ولا يتجمّدوا، فيقولوا: إمامنا أعلم منا، فلعله كان عنده دليلٌ أقوى من هذا، فإن هذا قولٌ بالظنون الكاذبة، فليُتنبّه، فإنه من مزالّ الأقدام، والله تعالى المستعان. ٦ - (ومنها): بيان أن العالم إذا أخطأ النصّ، لا يُضَلَّلُ، ولا يُهْجَر، وإنما يُبيَّن له الحقّ؛ لأنه ما يخالف النصّ إلا باجتهاد، والخطأ في الاجتهاد مغفور، بل صاحبه مأجور، لِما أخرجه الشيخان، عن عمرو بن العاص - ﵁ -، أنه سمع رسول الله - ﷺ -؛ يقول: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال في «الفتح»: قوله: «يوم خيبر» الظاهر أنه ظرفٌ للأمرين: للنهي عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية، وحكى البيهقيّ عن الحميديّ أن سفيان بن عيينة كان يقول: قوله: «يوم خيبر» يتعلّق بالحمر الأهليّة، لا بالمتعة، قال البيهقيّ: وما قاله مُحْتَمِلٌ - يعني في روايته هذه - وأما غيره فصرّح أن الظرف يتعلّق بالمتعة، وفي رواية للبخاريّ من طريق مالك بلفظ: «نهى رسول الله - ﷺ - يوم خيبر عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر الأهلية»، وهكذا أخرجه مسلم من رواية ابن عيينة أيضًا، وفي رواية عبيد الله بن عمر، عن الزهريّ عند البخاريّ في «ترك الحيل»: «أن رسول الله - ﷺ - نهى عنها يوم خيبر»، وكذا أخرجه مسلم، وزاد من طريقه: «فقال: مَهْلًا يا ابن عباس»، ولأحمد من طريق معمر بسنده أنه «بلغه أن ابن عباس رخّص في متعة النساء، فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهليّة»، وأخرجه مسلم من رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، مثل رواية مالك، والدارقطنيّ من طريق ابن وهب، عن مالك، ويونس، وأسامة بن زيد ثلاثتهم، عن الزهريّ كذلك. وذكر السهيليّ أنّ ابن عيينة رواه عن الزهريّ بلفظ: «نهى عن أكل الحمر الأهليّة عام خيبر، وعن المتعة بعد ذلك، أو في غير ذلك اليوم». قال الحافظ: وهذا اللفظ الذي ذكره لم أره من رواية ابن عيينة، فقد أخرجه أحمد، وابن أبي عمر، والحميديّ، وإسحاق في مسانيدهم عن ابن عيينة باللفظ الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، لكن منهم من زاد لفظ «نكاح»، كما بيّنته، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى، والعباس بن الوليد، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، وزُهير بن حرب جميعًا عن ابن عيينة بمثل لفظ مالك، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، لكن قال: «زمن» بدل «يوم»، قال السهيليّ: ويتّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال؛ لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أحدٌ من أهل السير، ورواةِ الأثر، قال: فالذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهريّ. وهذا الذي قاله سبقه إليه غيره في النقل عن ابن عيينة، فذكر ابن عبد البرّ من طريق قاسم بن أصبغ أن الحميديّ ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر، قال: ثم راجعت «مسند الحميديّ» من طريق قاسم بن أصبغ، عن أبي إسماعيل السلمي عنه، فقال بعد سياق الحديث: «قال ابن عُيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهليّة زمن خيبر، ولا يعني نكاح المتعة»، قال ابن عبد البرّ: وعلى هذا أكثر الناس، وقال البيهقيّ: يُشبه أن يكون كما قال لصحّة الحديث في أنه - ﷺ - رخّص فيها بعد ذلك، ثمّ نهى عنها، فلا يتمّ احتجاج عليّ إلا إذا وقع النهي أخيرًا؛ لتقوم الحجة به على ابن عبّاس - ﵄ -. وقال أبو عوانة في «صحيحه»: سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث عليّ - ﵁ - أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة، فسكت عنها، وإنما نهى عنها يوم الفتح. انتهى. والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد زمن خيبر، كما أشار إليه البيهقيّ، لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن عليًّا - ﵁ - لم تبلغه الرخصة فيها يوم الفتح؛ لوقوع النهي عنها عن قربٍ، كما تقدّم بيانه، ويؤيّد ظاهرَ حديث عليّ - ﵁ - ما أخرجه أبو عوانة، وصححه من طريق سالم بن عبد الله: «أن رجلًا سأل ابن عمر عن المتعة؟ فقال: حرام، فقال: إن فلانًا يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله - ﷺ - حرّمها يوم خيبر، وما كنّا مسافحين». انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِفُلَانٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ، نَهَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. ٢ - (جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء بن عُبيد البصريّ، عمّ عبد الله الراوي عنه، صدوقٌ [٧] (ت ١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٧٣/ ٣٩٠. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (يَقُولُ لِفُلَانٍ) هو ابن عبّاس - ﵄ -، كما بيّنته الرواية الآتية. وقوله: (إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ) في رواية الدارقطنيّ: «إنك امرؤ تائه». و«التائه»: هو الحائر الذاهب عن الطريق المستقيم، قال الفيّوميّ - ﵀ -: تَاهَ الإنسانُ في الْمَفَازة يَتِيهُ تَيْهًا: ضَلَّ عَن الطريق، وتاه يتُوهُ تَوْهًا لغةٌ، وقد تَيَّهْتُهُ، وتَوَّهْتُهُ، ومنه يُستعار لمن رام أمرًا، فلم يُصادف الصواب، فيقال: إنه تائه. انتهى . [تنبيه]: رواية جويرية، عن مالك هذه ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» (٤/ ٧١) فقال: (٣٢٦٣) - حدّثنا أبو بكر بن خلاد غير مرة، ثنا محمد بن غالب (ح) وحدّثنا فاروق الخطابيّ، ثنا إبراهيم بن عبد الله، قالا: ثنا القعنبيّ (ح) وحدّثنا أبو إسحاق بن حمزة، ثنا إبراهيم بن شريك، ثنا أحمد بن يونس (ح) وحدّثنا أبو أحمد، ثنا أبو خليفة، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا جُويرية، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن عليّ، عن أبيهما، عن عليّ: «أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلهم ذُكروا في الباب، وفي الذي قبله، و«ابن نُمير» هو: محمد بن عبد الله بن نُمير. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٣٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَن الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ) من التليين، أي: يخفف في شأنها، ويرى إباحتها. وقوله: (فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ) فاعل «قال» ضمير عليّ - ﵁ -، و«مهلًا» تقدم البحث فيها قريبًا. وقوله: (الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ)؛ أي: الحمر التي تألف الناس، دون الوحشيّة، فإنها مباحة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَن الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِمَا؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٧)

١. «الفتح» ١١/ ٤١٨.

٢. «الفتح» ١١/ ٤١٨.

٣. «النهاية» ١/ ٧٤ - ٧٥.

٤. «شرح النوويّ» ٩/ ١٨٩.

٥. «الفتح» ٩/ ٤٢٣.

٦. «الفتح» ١١/ ٤١٩ - ٤٢٠.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٧٩.