HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٢٧

وحدثنا ابن المثنى. حدثنا أبو داود. حدثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ (قَالَ شُعْبَةُ: وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.
ج ٢ ص ١٠٤٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٥ ص٣٠٦
وقد تقدّم اختلاف أهل العلم في أقلّ المهر في المسألة السابعة من شرح حديث الواهبة نفسها، وهو الحديث الأول في الباب الماضي، مستوفىً، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٩٠] (١٤٢٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ) البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الْخَزرجي الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٢٧) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي الربيع، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة، فبغلانيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهرة القرشيّ الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، ومناقبه شهيرة، ومات - ﵁ - سنة (٣٢) وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في «الصلاة» ٢٣/ ٩٥٧. (أَثَرَ صُفْرَةٍ) - بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء -: لونٌ دون الحمرة، ويطلق على الأسود أيضًا، والمراد به هنا صفرة الْخَلُوق، و«الْخَلُوق» - بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام، آخره قاف، وِزان رَسُولٍ -: ما يُتخلّقُ به من الطيب، قال بعض الفقهاء: وهو مائعٌ فيه صُفْرةٌ، والْخِلاقُ، مثلُ كتاب بمعناه. قاله الفيّوميّ. وقال في «الفتح»: طيبٌ يُصنَع من زعفران وغيره. وفي رواية: «فلقيه النبيّ - ﷺ - في سِكّة من سِكَك المدينة، وعليه وَضَر من صفرة»، وفي رواية: «وعليه وضرٌ من خَلُوق»، وفي رواية: «وعليه رَدْعُ زعفران». و«الوضر» بفتح الواو، والضاد المعجمة، وآخره راءٌ: هو في الأصل الأثر، و«الرَّدْعُ» بمهملات مفتوح الأول، ساكن الثاني -: هو أثر الزعفران، والمراد بالصفرة: صفرةُ الْخَلُوق، والْخَلُوق: طيب من زعفران وغيره. قاله في «الفتح». وقال النوويّ - ﵀ -: وقوله: «أثر صُفْرة»، وفي رواية في غير كتاب مسلم: «رأى عليه صفرةً»، وفي رواية: «رَدْع من زعفران»، والردع براء ودال وعين مهملات، هو أثر الطيب، والصحيح في معنى هذا الحديث أنه تَعَلَّق به أثر من الزعفران وغيره، من طيب العَرُوس، ولم يقصده، ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في «الصحيح» النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نُهِي الرجالُ عن الْخَلُوق؛ لأنه شعار النساء، وقد نُهِي الرجال عن التشبه بالنساء، فهذا هو الصحيح في معنى الحديث، وهو الذي اختاره القاضي، والمحققون، قال القاضي: وقيل: إنه يُرَخَّص في ذلك للرجل العروس، وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد، أنهم كانوا يُرَخِّصون في ذلك للشاب أيام عُرْسه، قال: وقيل: لعله كان يسيرًا، فلم يُنكَر، قال: وقيل: كان في أول الإسلام من تزوج لَبِس ثوبًا مصبوغًا علامةً لسروره وزواجه، قال: وهذا غير معروف، وقيل: يَحْتَمِل أنه كان في ثيابه دون بدنه، ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهذا مذهب ابن عمر وغيره، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجل. انتهى . [تنبيه]: في الحديث قصّة، ساقها البخاريّ - ﵀ -، ولفظه: (١٩٠٧) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: لَمّا قَدِمنا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالًا، فأَقسم لك نصف مالي، وانظر أيَّ زوجتي هَوِيتَ نزلت لك عنها، فإذا حَلَّت تزوجتها، قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قَينقاع، قال: فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بأَقِطٍ وسَمْنٍ، قال: ثم تابع الْغُدُوّ، فما لَبِث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صُفْرة، فقال رسول الله - ﷺ -: «تزوجت؟»، قال: نعم، قال: «ومَنْ؟»، قال: امرأةً من الأنصار، قال: «كم سُقْت؟»، قال: زِنَةَ نَوَاة، من ذهب، أو نَوَاةً من ذهب، فقال له النبيّ - ﷺ -: «أَوْلِمْ، ولو بشاة». وفي رواية: قال: لَمّا قَدِموا المدينة، نزل المهاجرون على الأنصار، فنزل عبد الرحمن بن عوف، على سعد بن الربيع، فقال: أقاسمك مالي، وأَنزِل لك عن إحدى امرأتيّ، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، فخرج إلى السوق، فباع، واشترى، فأصاب شيئًا من أقط، وسمن، فتزوج، فقال النبيّ - ﷺ -: «أولم، ولو بشاة». انتهى. (فَقَالَ) - ﷺ - («مَا هَذَا؟») وفي رواية للبخاريّ: «فقال له رسول الله - ﷺ -: مَهْيم» : أي ما شأنك، أو ما هذا؟ (قَالَ) عبد الرحمن (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) قال في «الفتح»: وهذه المرأة جزم الزبير بن بكار في «كتاب النسب» أنها بنت أبي الحيسر، أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وفي ترجمة عبد الرحمن بن عوف من «طبقات ابن سعد» أنها بنت أبي الحشاش، وساق نسبه، قال الحافظ: وأظنهما ثنتين، فإن في رواية الزبير قال: ولدت لعبد الرحمن القاسمَ، وعبدَ الله، وفي رواية ابن سعد: ولدت له إسماعيلَ، وعبدَ الله، وذكر ابن القدّاح في نسب الأوس: أنها أم إياس بنت أبي الحيسر - بفتح المهملتين، بينهما تحتانية ساكنة، وآخره راء - واسمه أنس بن رافع الأوسيّ. انتهى . ثم يَحْتَمِل أن يكون الاستفهام استفهام إنكار، ويَحْتَمِل أن يكون سؤالًا، أي ما السبب في الذي أراه عليك؟. وقال في «اللسان»: «مهيم» كلمة يمانية، معناها: ما أمرك؟، وما هذا الذي أرى بك؟، ونحو هذا من الكلام، قال الأزهريّ: ولا أعلم على وزن مَهْيَم كلمة غير مَرْيَم. وقال الجوهريّ: كلمة يُستفهم بها، معناها: ما حالك؟، وما شأنك؟. انتهى. (عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ) زاد في الرواية الآتية: «كم أصدقتها؟، قال: فقلت: نواةً». [تنبيه]: «النّوَى» - بفتح النون، والواو، مقصورًا -: اختُلف في المراد به على أقوال: فقيل: المراد واحدة نوى التمر، كما يوزن بنوى الْخَرُّوب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، ورُدّ بأن نوى التمر يَختلف في الوزن، فكيف يُجعل معيارًا لما يوزن به؟، وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورِق، وجزم به الخطّابيّ، واختاره الأزهريّ، ونقله عياضٌ عن أكثر العلماء، ويؤيّده أن في رواية للبيهقيّ من طريق سعيد بن بشر، عن قتادة: «وزن نواة من ذهب، قُوّمت خمسةَ دراهمَ»، وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم، حكاه ابن قتيبة، وجزم به ابن فارس، وجعله البيضاويّ الظاهر. واستُبعِدَ لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفًا، ووقع في رواية حجّاج بن أرطاة، عن قتادة، عند البيهقيّ: «قُوّمت ثلاثة دراهم وثلثًا»، وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد، وقيل: ثلاثة ونصفٌ، وقيل: ثلاثة وربع، وعن بعض المالكيّة النواة عند أهل المدينة ربع دينار، ويؤيّد هذا ما وقع عند الطبرانيّ في «الأوسط» في آخر الحديث قال أنس: «جاء وزنها ربع دينار»، وقد قال الشافعيّ: النواة ربع النّشّ نصف أوقيّة، والأوقيّة أربعون درهمًا، فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد: إن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة كما تسمّى الأربعون أوقيّة، وبه جزم أبو عوانة، وآخرون، قاله في «الفتح» . وقال في «النهاية»: النواةُ اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين: أوقيّة، وللعشرين: نَشّ، وقيل: أراد قدر نواة من ذهب كان قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثَمَّ ذهبٌ، وأنكره أبو عبيد، قال الأزهريّ: لفظ الحديث، يدلّ على أنه تزوّج المرأة على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال: نواة من ذهب، ولست أدري لِمَ أنكره أبو عُبيد، والنواة في الأصل عَجَمَةُ التمرة. انتهى . (مِنْ ذَهَبٍ) قال في «الفتح»: كذا وقع الجزم في رواية ابن عيينة، والثوريّ، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، وفي رواية زهير، وابن عليّة: «نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب»، وكذا في رواية عبد الرحمن نفسه بالشكّ، وفي رواية شعبة عن عبد العزيز بن صُهيب: «على وزن نواة»، وعن قتادة: «على وزن نواة من ذهب»، ومثل الأخير في رواية حماد بن زيد، عن ثابت، وكذا أخرجه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، ولمسلم من رواية شعبة، عن أبي حمزة، عن أنس: «على وزن نواة، فقال رجلٌ من ولد عبد الرحمن: من ذهب»، ورجّح الداوديّ رواية من قال: «على نواة من ذهب»، واستنكر رواية من روى: «وزن نواة»، قال الحافظ: واستنكاره هو المنكر؛ لأن الذين جزموا بذلك أئمّةٌ حُفّاظ، قال عياضٌ: لا وَهَمَ في الرواية؛ لأنها إن كانت نواة تمر، أو غيره، أو كان للنواة قدرٌ معلوم، صلح أن يقال في كلّ ذلك: وزن نواة. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - («فَبَارَكَ اللهُ لَكَ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه استحباب الدعاء للمتزوّج، وأن يقال: بارك الله لك، أو نحوه، وسبق في الباب الماضي إيضاحه. انتهى . (أَوْلِمْ) فعل أمر من أولَمَ: إذا صَنَعَ وَلِيمَة، أي اصنع وليمة، و«الوليمة»: اسم لكلّ طعام يُتّخذ لجمع، وقال ابن فارس: هي طعام الْعُرْس، والجمع وَلائم، قاله الفيّوميّ، وقال ابن منظور: الوليمة طعام العُرْس، والإملاك، وقيل: هي كلّ طعام صُنِع لِعُرس وغيره، وقد أولم، قال أبو عبيد: سمعت أبا زيد يقول: يُسمَّى الطعام الذي يُصنع عند الْعُرْس الوليمةَ، والذي عند الإمْلَاكِ النَّقِيعَةَ. انتهى ، وسيأتي تمام البحث في ذلك بعد بابين - إن شاء الله تعالى -. (وَلَوْ بِشَاةٍ») «لو» هنا للتقليل، كما في حديث: «رُدُّوا السائل ولو بظلف مُحْرَق» ، قال السيوطيّ في «الكوكب الساطع» عند تعداد معاني «لو»: وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصَدَّقِ … تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ وقال في «الفتح»: ليست «لو» هذه الامتناعيّة ، وإنما هي للتقليل، وزاد في رواية حماد بن زيد: «فقال: بارك الله لك» قبل قوله: «أولم»، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد. وزاد في آخر الحديث: «قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني، ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أُصيب ذهبًا أو فضّة»، فكأنه قال ذلك إشارةً إلى إجابة الدعوة النبويّة بأن يبارك الله له. ووقع في رواية أبي هريرة - ﵁ - بعد قوله: «أَعْرَستَ؟»، قال: نعم، قال: «أولمت؟» قال: لا، فرمى إليه رسول الله - ﷺ - بنواة من ذهب، فقال: «أولم، ولو بشاة»، وهذا لو صحّ كان فيه أن الشاة من إعانة النبيّ - ﷺ -، وكان يعكُرُ على من استدلّ به على أن الشاة أقلّ ما يشرع للموسر، ولكن الإسناد ضعيف. وفي رواية معمر، عن ثابت: «قال أنس: فلقد رأيته قُسِم لكلّ امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف»، قال الحافظ: قلت: مات عن أربع نسوة، فيكون جميع تَرِكَتِه ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف، وهذا بالنسبة لِتَرِكَة الزبير بن العوّام - ﵁ - قليلٌ جدًّا، فَيَحْتَمِل أن تكون هذه دنانير، وتلك دراهم؛ لأن كثرة مال عبد الرحمن مشهورٌ جدًّا. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٣٤٩٠ و٣٤٩١ و٣٤٩٢ و٣٤٩٣ و٣٤٩٤ و٣٤٩٥ و٣٤٩٦] (١٤٢٧)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٠٤٩) و«الحوالة» (٢٢٩٣) و«المناقب» (٣٧٨١) و«النكاح» (٥٠٧٢ و٥١٤٨ و٥١٥٣ و٥١٥٥ و٥١٦٧) و«الأدب» (٦٠٨٢) و«الدعوات» (٦٣٨٦)، و(أبو داود) في «النكاح» (٢١٠٩)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (١٩٣٣)، و(النسائيّ) في «النكاح» (٣٣٥٢ و٣٣٧٣ و٣٣٧٤ و٣٣٧٥ و٣٣٨٩) وفي «الكبرى» (٥٥٠٧ و٥٥٠٨ و٥٥٥٨ و٥٥٥٩ و٥٥٦٠)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (١٩٠٧)، و(مالك) في «الموطّإ» (١١٥٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٤٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٠٤١١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٩٧٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٦٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٠٦٤ و٢٢٠٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٠٦٠)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٤/ ١٤٥)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٧٢٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٦ و٤٧ و٤٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٩١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٧٨١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١/ ٧٢٨) و«الأوسط» (٦/ ٥٥)، و(البزّار) في «مسنده» (٣/ ٢١٧)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٣٩٥ و٤٠٣ و٤٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٣٦ - ٢٣٧) و«المعرفة» (٥/ ٣٧٠ و٣٧١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٣٠٨ و٢٣١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان مشروعيّة النكاح على نواة من ذهب، وهي خمسة دراهم، على ما تقدّم من الخلاف في تفسير النواة. ٢ - (ومنها): أنه يدلّ على أن النكاح لا بدّ فيه من صداق؛ لاستفهامه عن الكمّية، ولم يقل: هل أصدقتها، أم لا؟ وُيشعر ظاهره بأنه يحتاج إلى تقديرٍ؛ لإطلاق لفظة «كم» الموضوعة للتقدير، كذا قال بعض المالكيّة، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد: الاستخبار عن الكثرة، أو القلّة، فيخبره بعد ذلك بما يليق بحال مثله، فلما قال له القدر، لم يُنكر عليه، بل أقرّه. ٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به على استحباب تقليل الصداق؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة - ﵃ -، وقد أقرّه النبيّ - ﷺ - على إصداقه وزن نواة من ذهب. وتُعُقّب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة، وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة حتى ظهر منه من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر، وذلك ببركة دعاء النبيّ - ﷺ - له. ٤ - (ومنها): جواز خروج العروس، وعليه أثر العُرْس، من خَلُوق ونحوه. ٥ - (ومنها): جواز التزعفر للرجال عند العُرْس، فيُخصّص به النهي الوارد في ذلك، على ما هو رأي النسائيّ - ﵀ -، لكن الأرجح أنه أصابه من امرأته، ولم يستعمله قصدًا، جمعًا بينه، وبين حديث النهي عن التزعفر للرجال، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): استحباب الدعاء بالبركة للمتزوّج، وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: «بابٌ كيف يُدعى للمتزوّج». قال في «الفتح»: قال ابن بطّال: إنما أراد بهذا - والله أعلم - ردّ قول العامّة عند العروس: بالرفاء والبنين، فكأنه أشار إلى تضعيفه، ونحوِ ذلك، كحديث معاذ بن جبل أنه شَهِدَ إملاك رجلٍ من الأنصار، فخطب رسول الله - ﷺ -، وأنكح الأنصاريّ، وقال: «على الإلفة والخير، والبركة، والطير الميمون، والسعة في الرزق. . .» الحديث، أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» بسند ضعيف، وأخرجه في «الأوسط» بسند أضعف منه، وأخرجه أبو عمرو البَرْقانيّ في «كتاب معاشرة الأهلين» من حديث أنس، وزاد فيه: «والرفاء والبنين»، وفي سنده أبانُ العبديّ، وهو ضعيف. وأقوى من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمذيّ، وابن حبّان، والحاكم، من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا رفّأ إنسانًا، قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير». وقوله: «رَفَّأَ»«بفتح الراء، وتشديد الفاء، مهموز: معناه دعا له في موضع قولهم: بالرفاء والبنين، وكانت كلمة تقولها أهل الجاهليّة، فورد النهي عنها، كما روى بقيّ بن مَخْلَد، من طريق غالب، عن الحسن، عن رجل من بني تميم، قال: كنّا نقول في الجاهليّة: بالرفاء والبنين، فلما جاء الإسلام علّمنا نبيّنا - ﷺ -، قال: قولوا:«بارك الله لكم، وبارك فيكم، وبارك عليكم». قال: ودلّ حديث أبي هريرة - ﵁ - على أن اللفظ كان مشهورًا عندهم غالبًا حتى سُمّي كلّ دعاء للمتزوّج ترفئة. قال: ودلّ صنيع البخاريّ على أن الدعاء للمتزوّج بالبركة هو المشروع، ولا شكّ أنها لفظةٌ جامعةٌ، يدخل فيها كلّ مقصود من ولد وغيره، ويؤيّد ذلك ما تقدّم من حديث جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - لَمّا قال له:«تزوّجت بكرًا، أو ثَيِّبًا؟ »: قال:«بارك الله لك»، والأحاديث في ذلك معروفة. انتهى ما في«الفتح»باختصار . [تنبيه]: اختُلِف في علة النهي عن قولهم:«بالرفاء والبنين»، فقيل: لأنه لا حمد فيه، ولا ثناء، ولا ذكر لله، وقيل: لِمَا فيه من الإشارة إلى بُغْض البنات؛ لتخصيص البنين بالذكر، وأما الرِّفَاء فمعناه الالتئام، من رَفَأْتُ الثوب، ورَفَوْته رَفْوًا، ورَفَاءً، وهو دعاء للزوج بالالتئام والائتلاف، فلا كراهة فيه، وقال ابن الْمُنَيِّر: الذي يظهر أنه - ﷺ - كَرِه اللفظ؛ لِمَا فيه من موافقة الجاهلية؛ لأنهم كانوا يقولونه تفاؤلًا، لا دعاءً، فيظهر أنه لو قيل للمتزوج بصورة الدعاء لم يُكره، كان يقول: اللهم ألِّف بينهما، وارزقهما بنين صالحين مثلًا، أو ألَّف الله بينكما، ورزقكما ولدًا ذكرًا، ونحو ذلك. وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة، من طريق عمر بن قيس: قال: شهدت شُريحًا، وأتاه رجل من أهل الشام، فقال: إني تزوجت امرأةً، فقال: بالرفاء والبنين. . . الحديث، وأخرجه عبد الرزاق، من طريق عديّ بن أرطاة، قال: حَدَّثت شريحًا أني تزوجت امرأةً، فقال: بالرفاء والبنين، فهو محمول على أن شريحًا لم يبلغه النهي عن ذلك، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب. ٧ - (ومنها): سؤال الإمام، وكبير القوم أصحابه، وأتباعه عن أحوالهم، ولا سيّما إذا رأى منهم ما لم يَعهَدْ. ٨ - (ومنها): تأكّد أمر الوليمة، وسيأتي اختلاف العلماء في حكمها بعد بابين في «باب إجابة الداعي» - إن شاء الله تعالى -. ٩ - (ومنها): أن الوليمة تكون بعد الدخول، قال في «الفتح»: ولا دلالة فيه، وإنما فيه أنها تُستدرك إذا فاتت بعد الدخول، هكذا قال في «الفتح»، وفيه نظر لا يخفى، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ١٠ - (ومنها): أن أقلّ ما يجزئ الموسر في الوليمة شاة، قال في «الفتح»: ولولا ثبوت أنه - ﷺ - أولم على بعض نسائه بأقلّ من الشاة لكان يمكن أن يستدلّ به على أن الشاة أقلّ ما تُجزئ في الوليمة، ومع ذلك فلا بدّ من تقييده بالقادر عليها، وأيضًا فيعكُر على الاستدلال أنه خطاب واحد، وفيه اختلافٌ، هل يستلزم العموم أو لا؟، وقد أشار إلى ذلك الشافعيّ فيما نقله البيهقيّ عنه، قال: لا أعلمه أمر بذلك غير عبد الرحمن، ولا أعلمه أنه - ﷺ - ترك الوليمة، فجعل ذلك مستندًا في كون الوليمة ليست بحتم. انتهى. ١١ - (ومنها): أنه يُستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يَقدر، قال عياضٌ: وأجمعوا على أن لا حدّ لأكثرها، وأما أقلّها فكذلك، ومهما تيسّر أجزأ، والمستحبّ أنها على قدر حال الزوج، وقد تيسّر على الموسر الشاة، فما فوقها. ١٢ - (ومنها): أنه استُدل بقصّة عبد الرحمن مع سعد بن الربيع على جواز المواعدة لمن يريد أن يتزوّج بها، إذا طلّقها زوجها، وأوفت العدّةَ؛ لقول سعد بن الربيع: «انظر أيّ زوجتيّ أعجب إليك حتى أطلّقها، فإذا انقضت عدّتا تزوّجتها»، ووقع تقرير ذلك، ويعكُر على هذا أنه لم يُنقل أن المرأة علمت بذلك، ولا سيّما ولم يقع تعيينها، لكن الاطلاع على أحوالهم إذ ذاك يقتضي أنهما علمتا معًا؛ لأن ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، فكانوا يجتمعون، ولولا وثوق سعد بن الربيع من كل منهما بالرضا ما جزم بذلك. وقال ابن المنيّر: لا يستلزم المواعدة بين الرجلين وقوع المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة؛ لأنها إذا مُنع، وهي في العدّة من خطبتها تصريحًا، ففي هذا يكون بطريق الأولى؛ لأنها إذا طلّقت دخلت العدّة قطعًا، قال: ولكنها وإن اطّلعت على ذلك، فهي بعد انقضاء عدّتها بالخيار، والنهي إنما وقع عن المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة، أو وليّها، لا مع أجنبيّ آخر. انتهى. ١٣ - (ومنها): جواز نظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوّج بها. ١٤ - (ومنها): أن فيه منقبةً لسعد بن الربيع - ﵁ - في إيثاره على نفسه بما ذَكَرَ، ولعبد الرحمن بن عوف - ﵁ - في تنزهه عن شيء يستلزم الحياءُ والمروءةُ اجتنابه، ولو كان محتاجًا إليه. ١٥ - (ومنها): أن فيه استحبابَ المؤاخاة، وحسن الإيثار من الغنيّ للفقير، حتى بإحدى زوجتيه، واستحباب رَدّ مثل ذلك على من آثر به؛ لما يغلب في العادة من تكلف مثل ذلك، فلو تحقق أنه لم يتكلف جاز، وفيه أن من ترك ذلك بقصد صحيح عَوَّضه الله تعالى خيرًا منه. ١٦ - (ومنها): استحباب التكسب، وأن لا نقص على من يتعاطى من ذلك ما يليق بمروءة مثله. ١٧ - (ومنها): كراهة قبول ما يتوقع منه الذلّ، من هبة وغيرها، وأن العيش من عمل المرء بتجارة، أو حرفة أولى؛ لنزاهة الأخلاق من العيش بالهبة، ونحوها ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال في «الفتح»: واستدلّ بحديث الباب على جواز التزعفر للعروس، وخُصّ به عموم النهي عن التزعفر للرجال، كما سيأتي بيانه في «كتاب اللباس». وتُعقّب باحتمال أن تكون تلك الصفرة، كانت في ثيابه، دون جسده، وهذا الجواب للمالكيّة على طريقتهم في جوازه في الثوب، دون البدن، وقد نَقَلَ ذلك مالكٌ عن علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى: «لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خَلُوق»، أخرجه أبو داود، فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد. ومنع من ذلك أبو حنيفة، والشافعيّ، ومن تبعهما في الثوب أيضًا، وتمسّكوا بالأحاديث في ذلك، وهي صحيحة، وفيها ما هو صريحٌ في المدّعَى، كما سيأتي بيانه، وعلى هذا فأجيب عن قصّة عبد الرحمن بأجوبة: [أحدها]: أن ذلك كان قبل النهي، وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويؤيّده أن سياق قصّة عبد الرحمن يُشعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي ممن تأخّرت هجرته. [ثانيها]: أن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلّقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، ورجّحه النوويّ، وعزاه للمحقّقين، وجعله البيضاويّ أصلًا، ردّ إليه أحد الاحتمالين أبداهما في قوله: «مهيم»، فقال: معناه: ما السبب في الذي أراه عليك؟ فلذلك أجاب بأنه تزوّج، قال: ويحتمل أن يكون استفهام إنكار؛ لما تقدّم من النهي عن التضمّخ بالخلوق، فأجاب بقوله: «تزوّجت»، أي فتعلّق بي منها، ولم أقصد إليه. [ثالثها]: أنه كان قد احتاج إلى التطيّب للدخول على أهله، فلم يجد من طيب الرجال حينئذ شيئًا، فتطيّب من طيب المرأة، وصادف أنه كان فيه صُفْرة، فاستباح القليل منه عند عدم غيره؛ جمعًا بين الدليلين، وقد ورد الأمر في التطيّب للجمعة، ولو من طيب المرأة، فبقي أثر ذلك عليه. [رابعها]: أنه كان يسيرًا، ولم يبق إلا أثره، فلذلك لم يُنكره. [خامسها]: - وبه جزم الباجيّ - أن الذي يُكره من ذلك ما كان من زعفران وغيره من أنواع الطيب، وأما ما كان ليس بطيب، فهو جائز. [سادسها]: أن النهي عن التزعفر للرجال ليس على التحريم بدلالة تقريره لعبد الرحمن بن عوف في هذا الحديث. [سابعها]: أن الْعَرُوس يُستثنى من ذلك، ولا سيّما إذا كان شابًّا، ذكر ذلك أبو عُبيد قال: وكانوا يُرخّصون للشابّ في ذلك أيام عُرْسه، قال: وقيل: كان في أوّل الإسلام من تزوّج لبس ثوبًا مصبوغًا علامةً لزواجه ليُعان على وليمة عرسه، قال: وهذا غير معروف. قال الحافظ: وفي استفهام النبيّ - ﷺ - له عن ذلك دلالة على أنه لا يختصّ بالتزويج، لكن وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة من طريق شعبة، عن حميد بلفظ: «فأتيت النبيّ - ﷺ -، فرأى عليّ بَشَاشة العُرْس، فقال: أتزوّجتَ؟ قلت: تزوّجت امرأة من الأنصار»، فقد يتمسّك بهذا السياق للمدّعي، ولكن القصّة واحدة، وفي أكثر الروايات أنه قال له: «مهيم؟، أو ما هذا؟»، فهو المعتمد. وبَشَاشة العُرْس أثره، وحسُنه، أو فرحه وسروره، يقال: بَشَّ فلان بفلان، أي أقبل عليه فرحًا به ملطفًا به. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الجواب الثاني هو الصحيح، وحاصله أن أثر الصفرة تعلّقت بعبد الرحمن بن عوف - ﵁ - من جهة زوجته، دون قصد، فلذلك لم يُنكر النبيّ - ﷺ - عليه ذلك، فلا تعارض بينه، وبين حديث النهي عن التزعفر للرجال، وهذا هو الأرجح، كما تقدّم ترجيح النوويّ له، وعزاه للمحققين، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد كسابقه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٢٨) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا. ٣ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٣/ ٦٣٩. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَهْبٍ: قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البغداديّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو العباس البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٥. ٦ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢ (م ت) تقدم في «الإيمان» ٤٢/ ٢٨٠. ٧ - (شَبَابَةُ) بن سوّار المدائنيّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، ساقها أبو داود - ﵀ - نفسه في «مسنده» ١/ ٢٨٤: (٢١٢٨) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني حميد، سمع أنسًا قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف، على نواة من ذهب، فقال رسول الله - ﷺ -: «أَوْلِم ولو بشاة». انتهى. ورواية وهب، عن شعبة، ساقها أبو نعيم - ﵀ - في «مستخرجه» ٤/ ٩١ فقال: (٣٣٢٤) - أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، أخبرني حميد، أنه سمع أنسًا (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا هارون بن عبد الله، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن حميد الطويل، سمعت أنسًا، قال: قال عبد الرحمن بن عوف: تزوجت امرأة من الأنصار على وزن نواة من ذهب، أو وزن نواة، فأتيت رسول الله - ﷺ -، فرأى عليّ ثياب العُرْس، فقال: «تزوجتَ؟»، قلت: نعم من الأنصار، قال: «أولم بشاة». لفظُ وهب بن جرير. انتهى. وأما رواية شباية بن سوّار، عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٩٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: رَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟»، فَقُلْتُ: نَوَاةً، وَفِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ: مِنْ ذَهَبٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ) بن إسماعيل السلميّ البخاريّ، نزيل مرو، ثقة [١١] من أفراد المصنّف تقدّم في «الصيام» ٣٩/ ٢٧٥٤. ٢ - (النَّضْرُ بْن شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ النحويّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (رَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ) هي الفرح الذي حصل منه، وبشاشة اللقاء: الفرح بالمرء، والانبساط إليه، والأُنس به، قال في «العمدة»: ويُروَى: «فرأى النبيّ - ﷺ - شيئًا يُشبه العُرْس»، قال ابن قرقول: كذا في كتاب الأصيليّ، والقابسيّ، والنسفيّ، وبعض رواة البخاريّ، وهو تصحيف، وصوابه: «بشاشة العُرْس» كما لأبي ذرّ، وابن السكن، ويُروَى: «العروس». انتهى . وقوله: (فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ إلخ) معطوف على محذوف، تقديره: «فسألني، فقلت إلخ»، ولفظ البخاريّ: «فرأى النبيّ - ﷺ - بشاشة الْعُرس، فسأله، فقال: إني تزوجت امرأة إلخ». وقوله: (وَفِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ: مِنْ ذَهَبٍ) بيّن به أن شيخه إسحاق بن راهويه زاد لفظة «من ذهب» بعد قوله: «نواةً». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو حَمْزَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ) ويقال: ابن عبد الله، ويقال: أبو حمزة بن أبي عبد الله كيسان، وقيل: خِدَاش، المازنيّ البصريّ، جار شعبة، مقبول [٤]. رَوَى عن أنس، وحميد بن هلال، وصفوان بن مُحْرِز، وسليمان بن يسار، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، ويونس الإسكاف، ذكره ابن حبان في «الثقات»، قال الحافظ: جزم مسلم أن عبد الرحمن بن كيسان الذي رَوَى عن شعبة من رواية وكيع عنه وهو أبو حمزة هذا. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ في «عمل اليوم والليلة»، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله، و«أبو داود» هو: سليمان بن داود الطيالسيّ. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مِنْ ذَهَبٍ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلّهم ذُكروا قبل حديثين، و«وهب»: هو ابن جرير بن حازم. وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) قال صاحب «التنبيه»: أولاد عبد الرحمن بن عوف: سالم الأكبر، مات قبل الإسلام، ومحمد، وإبراهيم، وحُميد، وإسماعيل، ومَعْنٌ، وعُمر، وزيد، وعروة الأكبر، وسالم الأصغر، وأبو بكر، وعبد الله، وأبو سلمة، وعبد الرحمن، وسُهيل، وعثمان، وعروة، ويحيى، وبلالٌ. قاله ابن الجوزيّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد مَنْ بيَّن القائل من هؤلاء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٣٤٩٧] (١٣٦٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَزَا خَيْبَرَ، قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ، بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِن رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، فَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْدَرِينَ»، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، وَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجَاءَهُ دِحْيَةُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ، فَخُذْ جَارِيةً»، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ، سَيِّدِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: «ادْعُوهُ بِهَا»، قَالَ: فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا»، قَالَ: وَأَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَرُوسًا، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فلْيَجِئْ بِهِ»، قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيِمَةَ رَسُول اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب البنانيّ، تقدّم قبل حديث. ٤ - (أَنَسُ) بن مالك - ﵁ -، ذُكر في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٢٩) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أنَسٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَزَا خَيْبَرَ) بوزن جعفر: مدينة كبيرة ذات حصون، ومزارع على ثمانية بُرُد من المدينة إلى جهة الشام، وكانت غزوتها في المحرّم سنة سبع من الهجرة، قاله في «الفتح» ، وقال في «العمدة»: خيبر بلغة اليهود حصن، وقيل: أول ما سكن فيها رجل من بني إسرائيل، يسمى خيبر، فسُمّيت به، وهي بلد عترة في جهة الشمال، والشرق من المدينة النبويّة، على ستة مراحل، وكان بها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام دارًا لبني قريظة والنضير، وكانت غزوة خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله - ﷺ - بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة، وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازيًا إلى خيبر، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. انتهى . وسيأتي تمام البحث في هذا في «كتاب الجهاد» - إن شاء الله تعالى - (قَالَ) أنس (فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا)؛ أي: خارجًا منها (صَلَاةَ الْغَدَاةِ) قال النوويّ: فيه دليل على أنه لا كراهة في تسمية الصبح الغداة، وقال بعض أصحابنا: يكره، والصواب الأول. انتهى . (بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلمة آخر الليل، وفي رواية للبخاريّ من طريق حميد الطويل، عن أنس - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - أتى خيبر ليلًا، وكان إذا أتى قومًا بليل، لم يقربهم حتى يُصبح. . .» الحديث. وفي رواية بلفظ: «إذا غزا لم يغزُ بنا حتى يُصبح، وينظر، فإن سمع أذانًا كفّ عنهم، وإلا أغار، قال: فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلما أصبح، ولم يسمع أذانًا ركب. . .». وحكى الواقديّ أن أهل خيبر سمعوا بقصده لهم، فكانوا يخرجون في كلّ يوم متسلّحين، مستعدّين، فلا يرون أحدًا، حتى إذا كانت الليلة التي قدِمَ فيها المسلمون ناموا، فلم تتحرّك لهم دابّةٌ، ولم يَصِحْ لهم ديك، وخرجوا بالمساحي، طالبين مزارعهم، فوجدوا المسلمين. قاله في «الفتح». وذكر ابن إسحاق أنه نزل بوادٍ يقال له: الرجيع، بينهم وبين غَطَفَان؛ لئلا يُمِدُّوهم، وكانوا حُلفاءهم، قال: فبلغني أن غطفان تجهّزوا، وقصدوا خيبر، فسمعوا حسًّا خلفهم، فظنّوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريّهم، فرجعوا، فأقاموا، وخذلوا أهل خيبر. (فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريّ، شَهِد العقبة، والمشاهد كلّها، وهو أحد النقباء، رُوي له اثنان وتسعون حديثًا، رَوى له البخاري منها ثلاثة، مات سنة اثنتين، أو أربع وثلاثين بالمدينة، أو بالشام، أو في البحر، وكان أنس ربيبه. (وَ) الحال (أَنَا رَدِيفُ) بفتح الراء، وكسر الدال؛ أي: راكب خلف (أَبِي طَلْحَةَ) فيه جواز الإرداف، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة بمثله، ومحله ما إذا كانت الدابة مطيقة (فَأَجْرَى) من الإجراء (نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: مركوبه، وعن أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر عل حمار مخطوم برَسَن لِيف، وتحته إكاف من ليف»، رواه البيهقيّ، والترمذيّ، وقال: وهو ضعيف، وقال ابن كثير: والذي ثبت في «الصحيح» عند البخاريّ عن أنس: «أن رسول الله - ﷺ - أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه»، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس، لا على حمار، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحًا فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام، وهو محاصرها. انتهى . وقال النوويّ: فيه دليل لجواز إجراء الخيل، وأنه لا يُسقط المروءة، ولا يُخِلّ بمراتب أهل الفضل، لا سيما عند الحاجة للقتال، أو رياضة الدابة، أو تدريب النفس، ومعاناة أسباب الشجاعة. انتهى . (فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ) بضم الزاي، وبالقافين، وهو السّكّة، يُذَكَّر، ويؤنث، والجمع أزقة، وزُقّان، بضم الزاي، وتشديد القاف، وبالنون، وفي «الصحاح»: قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق، والصراط، والسبيل، والسوق، والزقاق، وبنو تميم يذكّرون هذا كلَّه، والجمع الزّقّان والأَزِقّة، مثل حُوار وحُوران، وأَحورة. انتهى. وقوله: (وَإِنَّ رُكْبَتي لَتَمَسُّ) بفتح الميم، وضمّها، يقال: مَسِسته، من باب تَعِبَ، وفي لغة مَسَسْتُهُ مَسًّا، من باب قَتَلَ: إذا أفضيت إليه من غير حائل. أفاده في «المصباح». (فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -) جملة حاليّة، و«الفخد» فيه أربع لغات: فتح الفاء، وكسر الخاء، وتسكينها مع الفتح، والكسر، الرابعة كسر الفاء إتباعًا للخاء، وقد تقدّم هذا غير مرّة (وَانْحَسَرَ)؛ أي: انكشف (الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -) هكذا وقع في رواية مسلم بلفظ: «انحسر»، وكذا هو أحمد، والطبراني، وقع في رواية البخاري بلفظ: «ثم إنه حسر»، قال الحافظ: والصواب أنه عنده بفتح المهملتين، ويدل على ذلك تعليقه الماضي في أوائل الباب، حيث قال: «وقال أنس: حسر النبيّ - ﷺ -»، وضبطه بعضهم بضم أوله، وكسر ثانيه، على البناء للمفعول بدليل رواية مسلم: فانحسر، وليس ذلك بمستقيم؛ إذ لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه، ويكفي في كونه عند البخاريّ بفتحتين ما تقدم من التعليق. انتهى . (فَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -) فيه أن الفخذ ليس بعورة؛ إذ لو كان عورة لما كشفه النبيّ - ﷺ -، قال القرطبيّ: حديث أنس، وما معه إنما ورد في قضايا معينة، في أوقات مخصوصة يتطرق إليها من احتمال الخصوصية، أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى حديث جرهد ، وما معه؛ لأنه يتضمن إعطاء حكم كليّ، دماظهار شرع عام، فكان العمل به أولى. انتهى. وقال النوويّ: ذهب أكثر العلماء إلى أن الفخذ عورة، وعن أحمد، ومالك في رواية: العورة: القبل والدبر فقط، وبه قال أهل الظاهر، وابن جرير، والإصطخريّ، قال الحافظ: في ثبوت ذلك عن ابن جرير نظر، فقد ذكر المسألة في «تهذيبه»، وردّ على من زعم أن الفخذ ليست بعورة. ومما احتجوا به قول أنس في هذا الحديث: «وإن ركبتي لتمس فخذ نبيّ الله - ﷺ -»؛ إذ ظاهره أن المس كان بدون الحائل، ومس العورة بدون حائل لا يجوز، وعلى رواية مسلم، ومن تابعه في أن الإزار لم ينكشف بقصد منه - ﷺ - يمكن الاستدلال على أن الفخذ ليست بعورة من جهة استمراره على ذلك؛ لأنه وإن جاز وقوعه من غير قصد، لكن لو كانت عورةً لم يُقَرّ على ذلك؛ لمكان عصمته - ﷺ -، ولو فُرض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار، لكان ممكنًا، لكن فيه نظر من جهة أنه كان يتعين حينئذ البيان عقبه، كما في قضية السهو في الصلاة، وسياقه عند أبي عوانة، والجوزقيّ من طريق عبد الوارث، عن عبد العزيز ظاهر في استمرار ذلك، ولفظه: «فأجرى رسول الله - ﷺ - في زُقاق خيبر، وإن ركبتي لتمسّ فخذ نبي الله - ﷺ -، وإني لأرى بياض فخذيه». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح في هذه المسألة كون الفخذ عورةً؛ لحديث جرهد، فإنه نصّ صريح في ذلك، وأما حديث أنس - ﵁ -، وإن كان أقوى صحّة، كما قال البخاريّ: «حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط»، إلا أن الأولى هو الأخذ بحديث جرهد. والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا دَخَلَ) النبيّ - ﷺ - (الْقَرْيَةَ)؛ يعني: خيبر، وهذا مشعر بأن ذلك الزقاق كان خارج القرية (قَالَ) - ﷺ - («اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) في رواية للبخاريّ: فرفع يديه، وقال:»الله أكبر خربت خيبر«، قال السهيليّ: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه - ﷺ - لما رأى آلات الهدم - مع أن لفظ الْمِسْحاة من سَحَوتُ: إذا قشرتَ - أخذ منه أن مدينتهم ستخرب. انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون قال:«خربت خيبر»بطريق الوحي، ويؤيّده قوله بعد ذلك:«إنا إذا نزلنا. . . إلخ». قاله في«الفتح». وقال العينيّ: قوله:«خربت خيبر»: أي: صارت خرابًا، وهل ذلك على سبيل الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لَمّا رآهم خرجوا بمساحيهم، ومكاتلهم، وذلك من آلات الحراث، والهدم؟ ويجوز أن يكون أخذًا من اسمها، وقيل: إن الله تعالى أعلمه بذلك. انتهى . وقال النوويّ: فيه دليل لاستحباب الذكر، والتكبير عند الحرب، وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الأنفال: ٤٥]، ولهذا قالها ثلاث مرات، ويؤخذ منه أن الثلاث كثير. وأما قوله - ﷺ -: «خربت خيبر» فذكروا فيه وجهين: أحدهما: أنه دعاء، تقديره: أسأل الله خرابها، والثاني: أنه إخبار بخرابها على الكفار، وفتحها للمسلمين. انتهى . (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ) قال الجوهريّ: ساحة الدار: ناحيتها، والجمع ساحات، وسُوحٌ، وساحٌ أيضًا، مثل بَدَنة وبُدْن، وخَشَبة وخشب، قال العينيّ - ﵀ -: على هذا أصل ساحة سَوَحة، قُلبت الواو ألفًا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وأصل الساحة: الفضاء بين المنازل، ويُطلق على الناحية، والجهة، والبناء. انتهى . وقال الفيّوميّ: ساحة الدار: الموضع المتّسع أمامها، والجمع ساحات، وسَاحٌ، مثلُ ساعة وساعات، وساعٍ. انتهى. (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»)؛ أي: بئس صباح الذين أُنذروا بالعذاب، والمخصوص بالذمّ محذوف؛ أي: صباحهم، وخصّ الصباح بالذِّكر؛ لأن العذاب كان يأتيهم فيه . (قَالَهَا)؛ أي: قال - ﷺهذه الجملة (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) تأكيدًا للوقوع (قَالَ) أنس (وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ) قال الكرمانيّ: أي: مواضع أعمالهم، وقال العينيّ: بل معناه: خرج القوم لأعمالهم التي كانوا يعملونها، وكلمة«إلى»تأتي بمعنى اللام . (فَقَالُوا)؛ أي: القوم الذين خرجوا إلى أعمالهم لمّا رأوا النبيّ - ﷺ -، وأصحابه (مُحَمَّدٌ وَاللهِ)؛ أي: جاء محمد، فارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا محمد (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب الراوي عن أنس - ﵁ -، وقوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) هذا يدلّ على أنه لم يسمع من أنس هذه اللفظة، بل سمع منه:«فقالوا: محمد»، وسمع من بعض أصحابه عنه:«والخميس»، ووقع في رواية أبي عوانة، والجوزقيّ:«فقالوا: محمد والخميس»من غير تفصيل، فدلت هذه الرواية على أن في رواية عبد الوارث إدراجًا، وكذا وقع لحماد بن زيد عن عبد العزيز، وثابت، عند البخاريّ في آخر«صلاة الخوف». قال الحافظ: وبعض أصحاب عبد العزيز يَحْتَمِل أن يكون محمد بن سيرين، فقد أخرجه البخاريّ من طريقه، أو ثابتًا البنانيّ، فقد أخرجه مسلم من طريقه. انتهى . وقال في«العمدة»: هذه رواية عن المجهول؛ إذ لم يُعَيّن هذا البعض من هو؟ ثم ما ذكره الحافظ من الاحتمالات، ثم تعقّبه بقوله: قلت: يَحتمل أن يكون غيرهما، فعلى كل حال لا يخرج عن الجهالة، والحاصل أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس:«قالوا: جاء محمد»فقط، وقال بعض أصحابه:«قالوا: محمد، والخميس». (مُحَمَّدٌ)؛ أي: جاء محمد، أو هذا محمد (وَالْخَمِيسُ) بالرفع عطفًا على محمد، ويَحْتَمل النصب - إن صحّت به الرواية - على أنه مفعول معه، كما قال في«الخلاصة»: يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ … فِي نَحْوِ«سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ»بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ … ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقّ زاد في رواية البخاريّ:«يعني الجيش»، قال في«الفتح»: قوله:«يعني الجيش»تفسير من عبد العزيز، أو ممن دونه، وأدرجها عبد الوارث في روايته أيضًا، وسُمّي خميسًا؛ لأنه خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان، وقيل: من تخميس الغنيمة، وتعقبه الأزهريّ بأن التخميس إنما ثبت بالشرع، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الجيش خميسًا، فبان أن القول الأول أولى. انتهى. وقال في«العمدة»: قوله:«والخميس»بفتح الخاء، وسمّي الجيش خميسًا؛ لأنه خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان، ويقال: ميمنة، وميسرة، وقلب، وجناحان، وقال ابن سيده: لأنه يُخَمّس ما وجده، وقال الأزهريّ: الخُمس إنما ثبت بالشرع، وكانت الجاهلية يسمّونه بذلك، ولم يكونوا يعرفون الخمس، ثم ارتفاع الخميس بكونه عطفًا على محمد، ويجوز أن تكون الواو فيه بمعنى«مع»، على معنى: جاء محمد مع الجيش. انتهى . وقال في«اللسان»: و«الخميس»: الجيش. وقيل: الجيش الْجَرّار. وقيل: الجيشُ الْخَشِنُ. وقال في«المحكم»: الجيش يَخْمِسُ ما وجَدَه، وسمّي بذلك؛ لأنهم خمسُ فِرَق: المقدّمة، والقلب، والميمنة، والميسرة، والساقة، ألا ترى إلى قول الشاعر: قَدْ يَضْرِبُ الْجَيْشَ الْخَمِيسَ الأَزْوَرَا فجعله صفة. انتهى . (قَالَ) أنس (وَأَصَبْنَاهَا)؛ أي: فتحنا خيبر (عَنْوَةً) بفتح العين، وهو القهر، يقال: أخذته عنوةً؛ أي: قهرًا، وقيل: أخذته عنوة؛ أي: عن غير طاعة، وقال ثعلب: أخذت الشيء عنوة؛ أي: قهرًا في عنف، وأخذته عنوة؛ أي: صلحًا في رفق. وقال ابن الأثير: هو من عنا يعنو: إذا ذلّ وخَضَعَ، والْعَنْوَةُ: المرّة الواحدة منه، كان المأخوذ بها يَخْضَعُ ويَذِلُّ. وأُخِذت البلاد عَنْوَةً بالقهر والإذلال . وقال ابن الأعرابيّ: عنا يَعنُو: إذا أخذ الشيء قهرًا، وعنا يَعنُو عَنْوةً فيهما: إذا أخذ الشيء صُلحًا بإكرام ورِفْقٍ. والْعَنْوةُ أيضًا المودّةُ. وقال الأزهريّ: قولهم: أخذتُ الشيءَ عَنْوةً يكون غلبةً، ويكون عن تسليم وطاعةٍ ممن يُؤخذ منه الشيءُ، وأنشد الفرّاء لِكُثَيِّر [من الطويل]: فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَةً عَنْ مَوَدَّةٍ … وَلَكِنَّ ضَرْبَ الْمَشْرَفِىِّ اسْتَقَالَهَا فَهذا على معنى التسليم والطاعة بلا قتال. ذكره ابن منظور . وقال ابن التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها، وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في «جامعه»، فحينئذ يكون هذا اللفظ من الأضداد، وقال أبو عمر: الصحيح في أرض خيبر كلها عنوة. انتهى . وقال في «الفتح»: وقد اختُلف في فتح خيبر، هل كان عنوةً، أو صلحًا، وفي حديث عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس - ﵁ - التصريح بأنه كان عَنوةً، وبه جزم ابن عبد البرّ، وردّ على من قال: فُتحت صلحًا، قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال: فُتحت صُلحًا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحَقْن دمائهم، وهو ضربٌ من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار، وقتال. انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر - ﵄ -: «إن النبيّ - ﷺ - قاتل أهل خيبر، فغلب على النخل، وألجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يُجلوا منها، وله الصفراء، والبيضاء، والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم، على أن لا يكتموا، ولا يُغيّبوا. . .» الحديث، وفي آخره: «فسبَى نساءهم، وذراريّهم، وقسَّم أموالهم؛ للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يُجليهم، فقالوا: دَعْنَا في هذه الأرض نُصلحها. . .» الحديث. أخرجه أبو داود، والبيهقيّ، وغيرهما. وكذلك أخرجه أبو الأسود في «المغازي» عن عروة. فعلى هذا كان قد وقع الصلح، ثم حدث النقض منهم، فزال أثر الصلح، ثمّ منّ عليهم بترك القتل، وإبقائهم عُمّالًا بالأرض، ليس لهم فيها ملكٌ، ولذلك أجلاهم عمر - ﵁ -، فلو كانوا صُولحوا على أرضهم لم يُجْلَوا منها. والله أعلم. قال: وقد احتجّ الطحاويّ على أن بعضها فُتح صلحًا بما أخرجه هو وأبو داود من طريق بُشَير بن يسار: «أن النبيّ - ﷺ - لَمّا قسم خيبر، عزل نصفها لنوائبه، وقسم نصفها بين المسلمين»، وهو حديث اختُلف في وصله وإرساله، وهو ظاهر في أن بعضها فُتح صُلحًا. والله أعلم. انتهى ما في «الفتح» بتصرّف يسير . وقال ابن المنذر: اختلفوا في فتح خيبر، كانت عنوة، أو صلحًا، أو جلاء أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا، وبعضها عنوةً، وبعضها جلاء أهلها عنها. قال: وهذا هو الصحيح، وبهذا أيضًا يندفع التضادّ بين الآثار. ذكره العينيّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر: من أن بعضها فتح قهرًا، وبعضها فتح صلحًا، وبعضها أجلي أهلها عنها هو الحقّ؛ جمعًا بين الأحاديث، وأما ردّ ابن عبد البرّ بأن أنسًا صرّح بأن خيبر فُتحت عنوةً، فلا وجه له؛ لأن «العنوة» - كما تقدّم في كلام أهل اللغة - تُطلق على القهر والغلبة، وعلى الصلح، من الأضداد، فلا دلالة لها على ما قاله، بل الحقّ أن الآثار المختلفة في هذا الباب تدلّ دلالةً واضحة فيما صححه ابن المنذر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. (وَجُمِعَ السَّبْيُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: جمع الجيش ما سَبَوْهُ من أهل خيبر، حتى يُقسم بينهم. و«السَّبْيُ» - بفتح، فسكون -: هو في الأصل مصدر، وُصف به؛ أي: القوم الْمَسْبِيِّين. قال الفيّوميّ: سَبَيتُ العدوّ سَبْيًا، من باب رمى، والاسم السِّبَاء، وزان كتاب، والقصر لغةٌ، وأسبيتهُ مثله، فالغلام سَبِيٌّ، ومَسْبيٌّ، والجارية سَبِيّةٌ، ومَسْبيّةٌ، وجمعها سَبَايا، مثلُ عطيّة وعطايا، وقَومٌ سَبْيٌ، وَصْفٌ بالمصدر. قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم إلا كذلك. انتهى . (فَجَاءَهُ دِحْيَةُ) - بفتح الدال، وكسرها - ابن خليفة بن فَرْوة الكلبيّ الصحابيّ، وكان أجمل الناس وجهًا، وكان جبريل؛ يأتي رسول الله - ﷺ - في صورته، قال ابن سعد: أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشَهِد المشاهد، وبقي إلى خلافة معاوية، وكان رسول النبيّ - ﷺ - إلى قيصر، قال الواقديّ: لقيه بحمص في المحرّم سنة سبع. وقال بعضهم: سكن دمشق، وكان منزله بقرية الْمِزَّة. ومات في خلافة معاوية - ﵁ -. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيةً مِنَ السَّبْيِ، فَقَالَ) - ﷺ - («اذْهَبْ، فَخُدْ جَارِيَةً») قال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون إذنه - ﷺ - له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له، إما من أصل الغنيمة، أو من خمس الخمس، بعد أن مُيِّز، أو قبلُ على أن تُحسب منه إذا مُيِّز، أو أذن له في أخذها؛ لتقوّم عليه بعد ذلك، وتُحسب من سهمه. انتهى . وقال الكرمانيّ: فإن قلت: كيف جاز للرسول - ﷺ - إعطاؤها لدحية قبل القسمة؟. قلت: صفي المغنم لرسول الله - ﷺ -، فله أن يعطيه لمن شاء. وتعقّبه العينيّ، فقال: هذا غير مقنع؛ لأنه قال له ذلك قبل أن يُعَيِّن الصفيّ، وههنا أجوبة جيدة. الأول: يجوز أن يكون أذن له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له، إما من أصل الغنيمة، أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز أو بعده. الثاني: يجوز أن يكون أذن له على أنه يحسب من الخمس إذا ميز. الثالث: يجوز أن يكون أذن له ليقوّم عليه بعد ذلك ويحسب من سهمه. انتهى . (فَأَخَذَ صَفِيَّةَ) بفتح الصاد المهملة (بِنْتَ حُيَيٍّ) بضم الحاء المهملة، وكسرها، وفتح الياء الأولى المخففة، وتشديد الثانية - ابن أخطب بن سَعْية - بفتح السين المهملة، وسكون العين المهملة، وفتح الياء - ابن سفلة بن ثعلبة وهي من بنات هارون؛ وأمها برة بنت سموأل، قال الواقديّ: ماتت في خلافة معاوية سنة خمسين، وقال غيره: ماتت في خلافة عليّ - ﵁ - سنة ست وثلاثين، ودُفنت بالبقيع، وكانت تحت كنانة بن أبي الْحُقيق - بضم الحاء المهملة، وفتح القاف الأولى - قُتل يوم خيبر. وقال النوويّ - ﵀ -: وأما صفية فالصحيح أن هذا كان اسمها قبل السبي، وقيل: كان اسمها زينب، فسُمّيت بعد السبي والاصطفاء صفية. انتهى . (فَجَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (إِلَى نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا نَبِيِّ اللهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ، سَيِّدِ قُرَيْظَةَ) بجرّ «سيّد» بدلًا، أو عطف بيان لـ «حُييّ»، و«قُريظة» بضم القاف، وفتح الراء، وسكون الياء، وبالظاء المعجمة (وَالنَّضِيرِ) بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة، وهما قبيلتان عظيمتان، من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون؛ (مَا تَصْلُحُ) بضمّ اللام، وفتحها، من باب قعد، وكَرُم، وفتح (إِلَّا لَكَ) لشرفها، وجمالها (قَالَ) - ﷺ - للصحابة الحاضرين («ادْعُوهُ بِهَا»)؛ أي: اطلبوه حتى يأتي بتلك الجارية (قَالَ) أنس (فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا)؛ أي: الجارية (النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ) لدحية («خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا»)؛ أي: فإنها لي، ذكر الشافعيّ في «الأم» عن سِيَر الواقديّ أن النبيّ - ﷺ - أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الْحُقيق. انتهى، وكان كنانة زوج صفية، فكأنه - ﷺ - طيّب خاطره لمّا استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها، واسترجاع النبيّ - ﷺ - صفية منه محمول على أنه إنما أذن له في أخذ جارية من حشو السبي، لا في أخذ أفضلهنّ، فجاز استرجاعها منه؛ لئلا يتميز بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه. ووقع في رواية لمسلم أن النبيّ - ﷺ - اشترى صفية منه بسبعة أرؤس، وإطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز، وليس في قوله: «سبعة أرؤس» ما ينافي قوله هنا: «خذ جارية»؛ إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: فإن قلت: وقع في رواية مسلم أن النبيّ - ﷺ - اشترى صفية منه بسبعة أرؤس. قلت: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنه لما أخذها منه على الوجه الذي نذكره الآن، وعوّضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرم والفضل، أطلق الراوي الشراء عليه؛ لوجود معنى المبادلة فيه. وأما وجه الأخذ فهو أنه لما قيل له: إنها لا تصلح له من حيث إنها من بيت النبوة، فإنها من ولد هارون أخي موسى - عليهما الصلاة والسلام - ومن بيت الرياسة، فانها من بيت سيد قريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد، لا للشهوة النفسانية، فإنه معصوم منها. وعن المازريّ: يُحمل ما جرى مع دحية على وجهين: أحدهما: أن يكون ردّ الجارية برضاه، وأذن له في غيرها. الثاني: أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي، لا في أخذ أفضلهنّ، ولما رأى أنه أخذ أنفَسهنّ، وأجودهنّ نسبًا، وشرفًا، وجمالًا استرجعها؛ لئلا يتميز دحية بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه المفاسد، وعوّضه عنها. وقال القاضي: الأولى عندي أن صفية كانت فيئًا؛ لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني الْحُقيق كانوا صالحوا رسول الله - ﷺ -، وشرط عليهم أن لا يكتموا كنزًا، فإن كتموه فلا ذمّة لهم، وسألهم عن كنز حُيَيِّ بن أخطب، فكتموه، فقالوا: أذهبته النفقات، ثم عَثَر عليه عندهم، فانتقض عهدهم، فسباهم، وصفية من سبيهم، فهي فيء، لا يخمَّس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى. وتعقّبه العينيّ بأن هذا تفريع على مذهبه أن الفيء لا يخمس، ومذهب غيره أنه يخمس. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الذي قاله القاضي عياض: من أنها كانت فيئًا، فكان أمرها إلى النبيّ - ﷺ - أقرب، وأرجح؛ إذ به يزول ما تقدّم من الإشكال، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال أبو العباس القرطبيّ - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: وحَذَارِ من أن يَظُنّ جاهل برسول الله - ﷺ - أن الذي حمله على ذلك غلبة الشهوة النفسانيّة، وإيثار اللذّة الجسمانيّة، فإن ذلك اعتقادٌ يجرّه جهل بحال النبيّ - ﷺ -، وبأنه معصوم من مثل ذلك، إذ قد أعانه الله تعالى على شيطانه، فأسلم، فلا يأمره إلا بخير، وقد نزع الله من قلبه حظّ الشيطان، حيث شقّ قلبه، فأخرجه منه، وطهّره، وملأه حكمة وإيمانًا، وإنما الباعث له على اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرتُ لك، وما في معناه. انتهى . (قَالَ) أنس (وَأَعْتَقَهَا)؛ أي: أعتق - ﷺ - صفيّة (وَتَزَوَّجَهَا) قال عبد العزيز (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لأنس (ثَابِتٌ) البنانيّ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس - ﵁ - (مَا أَصْدَقَهَا؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء جعل لها صداقًا لما تزوّجها؟ (قَالَ) أنس (نَفْسَهَا)؛ أي: جعل مهرها نفسها، ثم فسّره بقوله: (أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ) وفي رواية في «الصحيح»: «فخرج بها حتى إذا بلغ سدّ الرَّوْحاء»، و«السدّ» بفتح السين وضمّها، وهو جبل الرَّوحاء، وهي قرية جامعة من عمل الْفُرْع لمزينة، على نحو أربعين ميلًا من المدينة، أو نحوها. و«الرَّوحاء» بفتح الراء، والحاء المهملة ممدود. وفي رواية: «أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب». وفي رواية: «أقام بين خيبر والمدينة ثلاثة أيام، فبنى بصفيّة» (جَهَّزَتْهَا لَهُ)؛ أي: هيّئتها، وأصلحتها لأجل النبيّ - ﷺ - (أُمُّ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة، وهي أم أنس (فَأَهْدَتْهَا)؛ أي: زفّتها (لَهُ) - ﷺ - (مِنَ اللَّيْلِ)؛ أي: في الليل، فـ «من» بمعنى «في»، أو هي للتبعيض؛ أي: في بعض الليل. وفي رواية: «فهدتها له»، قيل: هو الصواب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الصواب جواز الوجهين، فقد قال الفيّوميّ - ﵀ -: وهَدَيتُ الْعَرُوس إلى بَعْلها هِدَاءً بالكسر والمدّ، فهي هَدِيٌّ، وهَدِيّةٌ، ويُبْنَى للمفعول، فيقال: هُدِيَتْ فهي مَهْديّةٌ، وأهديتها بالألف لغة قيس عَيْلَانَ فهي مُهْدَاةٌ. انتهى . (فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَرُوسًا) العروس بالفتح: وصفٌ يستوي فيه الذكر، والأنثى ما داما في إعراسهما، وجمع الرجل: عُرُس بضمّتين، مثل رسول ورُسُل، وجمع المرأة: عرائس، قاله الفيّوميّ . وقال في «العمدة»: قوله: «عروسًا» على وزن فَعُول يستوي فيه الرجل والمرأة، ما داما في إعراسهما، يقال: رجل عَروس، وامرأة عَروس، وجمع الرجل عُرُس، وجمع المرأة عرائس، وفي المثل: كاد العروس أن يكون ملكًا، والعروس اسم حصن باليمن، وقول العامة: العروس للمرأة، والعريس للرجل ليس له أصل. انتهى . (فَقَالَ) - ﷺ - للصحابة - ﵃ - («مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ) من الطعام (فَلْيَجِئْ بِهِ») وفي بعض النسخ: «فليجئني به» بالنون، وفيه دليل لوليمة العرس، وأنها بعد الدخول، وقد سبق أنها تجوز قبله وبعده، وفيه إدلال الكبير على أصحابه، وطلب طعامهم في نحو هذا، وفيه أنه يُستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في وليمته بطعام من عندهم . (قَالَ) أنس (وَبَسَطَ نِطَعًا)؛ أي: أمر به أن يُبسط، والنطع فيه أربع لغات مشهورات: فتح النون، وكسرها، مع فتح الطاء، وإسكانها، وأفصحهنّ كسر النون، مع فتح الطاء، وجمعه نُطوع، وأنطاع . (قَالَ) أنس (فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: الأَقِطُ: قال الأزهريّ: يُتَّخَذُ من اللبن المخيض، يُطْبَخُ، ثم يُترك، حتى يَمْصُلَ ، وهو بفتح الهمزة، وكسر القاف، وقد تسكّن القاف للتخفيف، مع فتح الهمزة، وكسرها، مثل تخفيف كَبِدٍ، نقله الصَّغَاني عن الفَرَّاء. انتهى . (وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، فَحَاسُوا حَيْسًا) الحيس هو الأقط، والتمر، والسمن، يُخلط، ويُعجن، ومعناه: جعلوا ذلك حيسًا، ثم أكلوه، قاله النوويّ . وقال في «الفتح»: قوله: «فحاسوا» بمهملتين؛ أي: خلطوا، والحيس بفتح أوله: خليط السمن، والتمر، والأقط، قال الشاعر: التَّمْرُ وَالسَّمْنُ جَمِيعًا وَالأَقِطْ … الْحَيْسُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ وقد يَختلط مع هذه الثلاثة غيرها، كالسويق. انتهى . وقال ابن سيده: الْحَيْسُ هو الأَقِطُ يُخلَط بالسمن والتمر، وحاسه حَيْسًا وحَيْسَةً: خَلَطَه، قال الشاعر [من الكامل]: وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا … وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ (فَكَانَتْ) تلك الأشياء التي جُمعت على النطع (وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) بنصب «وليمةَ» على الخبريّة لـ «كان»، ويَحْتَمِل أن تكون «كان» تامّة - إن ثبت روايةً - و«وليمة» مرفوع على الفاعليّة؛ أي: فحصلت، ووقعت وليمة رسول الله - ﷺ - بتلك الأشياء المجموعة، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٣٤٩٧ و٣٤٩٨] (١٣٦٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٧١)، و«الأذان» (٦١٠)، و«صلاة الخوف» (٩٤٧)، و«الجهاد» (٢٩٤٤ و٢٩٩١)، و«المناقب» (٣٦٤٧ و٤١٩٨)، و«المغازي» (٤٢٠٠)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (١/ ٢٧١ - ٢٧٢)، وفي «النكاح» (٦/ ١٣١ - ١٣٢)، و«الكبرى» (٥٥٧٦ و٥٥٧٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٤٦٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٠٦ و٢٦٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢١٢٧)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ١٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨ و١٤/ ٤٦١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٤٥ و٤٧٤٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٨٠٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٧٩)، و(البغويّ) في «مسنده» (٢٧٠٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز كون العتق صداقًا في النكاح، وفيه خلاف، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والصحيح جوازه. ٢ - (ومنها): أنه يجوز للسيّد تزويج أمته إذا أعتقها من نفسه، ولا يحتاج إلى وليّ، ولا حاكم، وقد اختَلَف السلف، هل يزوّج الوليّ موليّته من نفسه، أم يحتاج إلى وليّ آخر؟، فقال الأوزاعيّ، وربيعة، والثوريّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث: يُزوّج الوليّ نفسه، ووافقهم أبو ثور. وعن مالك: لو قالت الثيّب لوليّها: زوّجني بمن رأيتَ، فزوّجها من نفسه، أو ممن اختار لزمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعيّ: يزوّجهما السلطان، أو وليّ آخر مثله، أو أبعد منه، ووافقه زفرُ، وداود. وحجّتهم أن الولاية شرطٌ في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحًا، كما لا يبيع من نفسه. قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز تزويج المولى أمته التي أعتقها من نفسه هو الأرجح عندي؛ لظاهر الحديث، فليُتأمّل. ٣ - (ومنها): مشروعيّة البناء في السفر. ٤ - (ومنها): جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح؛ خلافًا لمن كره ذلك. ٥ - (ومنها): جواز الإرداف، إذا كانت الدّابّة مُطيقةً، وقد ورد فيه غير حديث. ٦ - (ومنها): استحباب التكبير والذكر عند الحرب، وهو موافقٌ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الأنفال: ٤٥]. ٧ - (ومنها): استحباب التثليث في التكبير؛ لقوله: «قالها ثلاثًا». ٨ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الفخذ ليس بعورة، وقد تقدّمت مباحثه في «كتاب الصلاة». ٩ - (ومنها): مشروعيّة إجراء الخيل، وأنه لا يُخلّ بمراتب الكبار، لا سيّما عند الحاجة، أو لرياضة الدّابة، أو لتدريب النفس على القتال. ١٠ - (ومنها): استحباب عتق الأمة، وتزوّجها، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ١١ - (ومنها): مشروعيّة زفاف العَروس ليلًا. ١٢ - (ومنها): أن فيه مطلوبيّة وليمة العُرس، وكونها بعد الدخول، وتقدَّم البحث عنه في محلّه. ١٣ - (ومنها): أن فيه إدلال الكبير على أصحابه، وطلب الطعام منهم في نحو هذا. ١٤ - (ومنها): أنه يستحبّ لأصحاب الزوج، وجيرانه مساعدته في الوليمة بما يتيسّر لهم من الطعام وغيره. ١٥ - (ومنها): أن الوليمة تكون بما تيسّر، ولا يُشترط كونها شاة، بل ذلك لمن تيسّر له. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جعل عتق الأمة صداقها: ذهبت طائفة إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها، صحّ العقد، والعتق، والمهر على ظاهر الحديث، وبه أخذ من المتقدّمين عليّ، وأنسٌ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ، ومن لقيه إبراهيم، من شيوخه، والشعبيّ، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، والزهريّ، وغيرهم، ومن فقهاء الأمصار: سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والحسن بن حيّ، وأبو يوسف القاضي، قال ابن حزم: خالف في ذلك أصحابه، وَوُفِّقَ، والشافعيّ وأحمد، وإسحاق. وقال ابن حزم في «المحلّى»: ومن أعتق أمته على أن يتزوّجها، وجعل عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فهو صداق صحيح، ونكاحٌ صحيح، وسنّةٌ فاضلة، فإن طلّقها قبل الدخول، فهي حرّةٌ، ولا يرجع عليها بشيء، فلو أبت أن تتزوّجه بطل عتقها، وهي مملوكة كما كانت. قال: وفي ذلك خلاف متأخّر، قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزُفر بن الْهُذيل، ومالك، وابن شُبْرُمة، والليث: لا يجوز أن يكون عتق الأمة صداقها، قال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، ومالك: إن فعل فلها عليه مهر مثلها، وهي حرّة، ثم اختلفوا إن أبت أن تتزوّجه، فقال أبو حنيفة، ومحمد: تسعى له في قيمتها، وقال مالك، وزفر: لا شيء عليها. ثم ذكر ابن حزم أدلّة الفريقين، وأطال في ذلك، فأجاد، وأفاد. قال في «الفتح» بعد أن ذكر ما تمسّك به الأولون ما حاصله: وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة: أقربها إلى لفظ الحديث أنه أعتقها بشرط أن يتزوّجها، فوجبت له عليها قيمتها، وكانت معلومة، فتزوّجها بها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قال الحافظ: إنه أقرب إلى لفظ الحديث، فيه نظر، بل هو بعيد، ولا يخفى بُعده على من تأمّله. قال: ويؤيّده قوله في رواية عبد العزيز بن صُهيب: «سمعت أنسًا قال: سبى النبيّ - ﷺ - صفيّةَ، فأعتقها، وتزوّجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: نفسها، فأعتقها». هكذا أخرجه البخاريّ في «المغازي». وفي رواية حمّاد، عن ثابت، وعبد العزيز، عن أنس في حديث: «قال: وصارت صفيّة لرسول الله - ﷺ -، ثم تزوّجها، وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد، أنت سألت أنسًا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسّم»، فهو ظاهر جدًّا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق، فالتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة مجهولة، فإن في صحّة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعيّة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا ظاهر في تأييد ما قاله المجيزون، لا ما قاله المانعون، فتأمّله بإنصاف. قال: وقال آخرون: قوله: «أعتقها، وتزوّجها» معناه: أعتقها، ثم تزوّجها، فلما لم يَعلم أنه ساق لها صداقًا، قال: أصدقها نفسها؛ أي: لم يُصدقها شيئًا فيما أَعلَمُ، ولم يَنف أصل الصداق، ومن ثمّ قال أبو الطيّب الطبريّ من الشافعيّة، وابن المرابط من المالكيّة، ومن تبعهما: إنه قول أنس، قاله ظنًّا من قِبَل نفسه، ولم يرفعه. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا سوء أدب من قائله؛ فإن أنسًا - ﵁ - من أهل اللسان يعرف مقاصد الشريعة أكثر مما يعرفه هذا القائل، ففهمه يُقدّم على فهمه، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق. قال: وربّما تأيّد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقيّ من حديث أُميمة - ويقال: أمة الله - بنت رزينة، عن أمها: «أن النبيّ - ﷺ - أعتق صفيّة، وخطبها، وتزوّجها، وأمهرها رزينة، وكان أُتي بها مَسبيّة من قريظة، والنضير». وهذا لا يقوم به حجةٌ؛ لضعف إسناده. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا من أغرب ما يتّفق لمثل الحافظ، كيف يقول: وربما تأيّد إلخ، مع أنه اعترف بأنه لا تقوم به حجة، إن هذا لهو العُجاب، والله تعالى المستعان. قال: ويعارضه ما أخرجه الطبرانيّ، وأبو الشيخ من حديث صفيّة نفسها، قالت: «أعتقني النبيّ - ﷺ -، وجعل عتقي صداقي». وهذا موافقٌ لحديث أنس. وفيه ردٌّ على من قال: إن أنسًا قال ذلك بناءً على ما ظنّه. وقد خالف هذا الحديث أيضًا ما عليه كافّة أهل السير أن صفيّة من سبي خيبر. ويَحْتَمِل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاصّ بالنبيّ - ﷺ -، دون غيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أن هذا التأويل يردّه قولها: «وجعل عتقي صداقي»، فإنه صريحٌ في تسمية المهر لها، وهو عتقها، فكيف يقال: نكحها بغير مهر؟. وقيل: يَحْتَمِل أنه أعتقها بغير عوض، وتزوّجها بغير مهر في الحال، ولا في المآل. قال ابن الصلاح: معناه أن العتق يحِلّ محلّ الصداق، وإن لم يكن صداقًا، قال: وهذا كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا الوجه أصحّ الأوجه، وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النوويّ في «الروضة». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبُعد هذا التأويل عن لفظ الحديث أظهر من أن يُظهَر، فتبصّر، ولا تتحيّر. وقال في «الفتح» أيضًا: ومن المستغربات قول الترمذيّ بعد أن أخرج الحديث: وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وكرِهَ بعض أهل العلم أن يجعل صداقها حتى يجعل لها مهرًا، سوى العتق، والقول الأول أصحّ. وكذا نقل ابن حزم عن الشافعيّ. والمعروف عند الشافعيّة أن ذلك لا يصحّ. قال: وممن قال بقول أحمد: ابن حبّان، صرّح بذلك في «صحيحه» - ٩/ ٤٠١ رقم ٤٠٩١ - . قال ابن دقيق العيد: الظاهر مع أحمد، ومن وافقه، والقياس مع الآخرين. فيتردد الحال بين ظنّ نشأ عن قياس، وبين ظنّ نشأ عن ظاهر الخبر، مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصيّة، وهي وإن كانت على خلاف الأصل، لكن يتقوّى ذلك بكثرة خصائص النبيّ - ﷺ - في النكاح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القياس في مقابلة ظاهر النصّ، مما لا يُلتفت إليه، وما أحسن ما قال بعضهم: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ ودعوى الخصوصيّة لا تصحّ إلا بدليل صحيح صريح. والحاصل أن مذهب القائلين بجواز كون العتق صداقًا في النكاح هو الأرجح؛ لقوّة دليله، وإن أردت التحقيق في ذلك، فارجع إلى ما كتبه أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه «المحلّى» ، فقد أجاد هناك، وأفاد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٣٤٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ، وَشُعَيْبِ بْنِ حَبْحَابٍ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ، كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ: تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ، وَأَصْدَقَهَا عِتْقَهَا). رجال هذا الإسناد: عشرون: ١ - (شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ) الأزديّ مولاهم، أبو صالح البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣١) أو قبلها (خ م د ت س) تقدم في «الجنائز» ١٨/ ٢١٩٨. ٢ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مُلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلثة - النَّهْديّ - بفتح النون، وسكون الهاء - مشهور بكنيته، مخضرمٌ ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٢] مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: أكثر (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) بن أبي عبد الله الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ، رُبّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٥ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيّ، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٦ - (عُمَرُ بْنُ سَعْدِ) بن عُبيد، أبو داود الْحَفَريّ - بفتح المهملة، والفاء - نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقةٌ عابدٌ [٩]. رَوَى عن الثوريّ، ومِسْعر، ومالك بن مِغْوَل، وحفص بن غياث، وبدر بن عثمان، ويحيى بن أبي زائدة، وشريك، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعليّ ابن المدينيّ وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، والقاسم بن زكريا بن دينار، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ: سمعت ابن معين قَدَّم أبا داود على قَبِيصة، وأبي أحمد، ومحمد بن يوسف، في حديث سفيان، وقال وكيع: إن كان يُدْفَع بأحد في زماننا فبأبي داود، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد منه، وقال أبو حاتم: صدوق، كان رجلًا صالِحًا، وقال الآجريّ عن أبي داود: كان جليلًا جدًّا، وقال ابن سعد: كان ناسكًا زاهدًا، له فضل، وتواضع، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من العباد الْخُشُن، قال عثمان بن أبي شيبة: كنا عنده في غرفته، وهو يملي، فلما فرغ قلت له: أُتَرِّب الكتاب؟ قال: لا الغرفة بالكراء، وقال العجليّ: كان رجلًا صالِحًا متعبدًا حافظًا لحديثه، ثبتًا، وكان فقيرًا متعففًا، والذي ظهر له من الحديث ثلاثة آلاف، أو نحوها، وكان أبو نعيم يأتيه، ويعظمه، وكان لا يُتم الكلام من شدّة توقيه، ولم يكن بالكوفة بعد حسين الجعفيّ أفضل منه، وقال ابن وضاح: كان أبو داود ثقةً أزهد أهل الكوفة، قال: وسمعت محمد بن مسعود يقول: هو أحب إليّ من حسين الجعفيّ، وكلاهما ثقة. قال أحمد، وابن معين: مات سنة ثلاث ومائتين، وفيها أرّخه جماعة، زاد ابن سعد: في جمادى الأولى بالكوفة، وقال خليفة: سنة ٦، وهو خطأ. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث. ٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٨ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٩ - (يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ) بن دينار الْعَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرِعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و«أبو الربيع الزهرانيّ» هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ، و«أبو عوانة» هو: الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أشار به إلى أن كلّ هؤلاء الأربعة: حماد بن زيد، وأبو عوانة، وهشام الدستوائيّ، ويونس بن عُبيد اتّفقوا على أن الحديث عن النبيّ - ﷺ -، بمعنى أنه مروي متّصل، وليس موقوفًا، ولا فيه انقطاع، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية حماد بن زيد عن ثابت، وعبد العزيز بن صهيب، كلاهما عن أنس - ﵁ - ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٩٠٥) حدّثنا مسدّد، قال: حدّثنا حماد، عن عبد العزيز بن صهيب، وثابت الْبُنَانيّ عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - صلى الصبح بغَلَس، ثم ركب، فقال: «الله أكبر خَرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم: فَساء صباح المنذرين»، فخرجوا يسعون في السِّكَك، ويقولون: محمد والخميس، قال: والخميس: الجيش، فظهر عليهم رسول الله - ﷺ -، فقَتَل المقاتلة، وسبى الذراريّ، فصارت صفية لدِحية الْكَلْبيّ، وصارت لرسول الله - ﷺ -، ثم تزوجها، وجعل صداقها عتقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألت أنسًا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. انتهى . وأما رواية حماد بن زيد عن ثابت، وشُعيب بن الحبحاب، فقد ساقها أيضًا البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٤٧٩٨) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حماد، عن ثابت، وشعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها. انتهى . وأما رواية أبي عوانة عن قتادة وعبد العزيز بن صُهيب، فقد ساقها الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه» بسند المصنّف، فقال: (١١١٥) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها. انتهى . وأما رواية أبي عوانة عن أبي عثمان النهديّ فقد ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٤٢١٩) - حدّثنا محمد بن إدريس أبو بكر وراق الحميديّ، وأبو بكر أخو خطاب قالا: ثنا محمد بن عبيد بن حساب، قثنا أبو عوانة، عن أبي عثمان، عن أنس: «أن النبيّ - ﷺ - أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها». انتهى . وأما رواية يونس بن عُبيد، عن شعيب بن الحبحاب، فقد ساقها النسائيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٥٥٠٠) - أخبرنا محمد بن رافع، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدّثنا سفيان، وأنبأنا عمرو بن منصور، قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا سفيان، عن يونس، عن ابن الحبحاب، عن أنس: «أعتق رسول الله - ﷺ - صفية، وجعل عتقها مهرها»، واللفظ لمحمد. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٣٤٩٩] (١٥٤) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الَّذِي يُعْتِقُ جَارِيتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا: «لَهُ أَجْرَانِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ الْمُزَنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) وكان مولده سنة عشر ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٣ - (مُطَرِّفُ) - بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة - ابن طَرِيف الكوفيّ، أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٦] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٢. ٤ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشعبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيةٌ فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، أمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في «كتاب الإيمان» [٧٦/ ٣٩٤] (١٥٤) وقد استوفيت هناك شرحه، وبيان مسائله، فراجعه تستفد علْمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٣٥٠٠] (١٣٦٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ، يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمَ، وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»، قَالَ: وَهَزَمَهُمُ اللهُ - ﷾ -، وَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ دَحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ الله - ﷺ - بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، تُصَنِّعُهَا لَهُ، وَتُهَيِّئُهَا، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا، وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَلِيمَتَهَا التَّمْرَ، وَالأَقِطَ، وَالسَّمْنَ، فُحِصَتِ الأَرْضُ أَفَاحِيصَ، وَجِيءَ بِالأَنْطَاعِ، فَوُضِعَتْ فِيهَا، وَجِيءَ بالأَقِطِ، وَالسَّمْنِ، فَشَبِعَ النَّاسُ، قَالَ: وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا، أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟ قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا، فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَدَفَعْنَا، قَالَ: فَعَثَرَتِ النَّاقَةُ الْعَضْبَاءُ، وَنَدَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَنَدَرَتْ، فَقَامَ، فَسَتَرَهَا، وَقَدْ أَشْرَفَتِ النِّسَاءُ، فَقُلْنَ: أَبْعَدَ اللهُ الْيَهُودِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ أَوَقَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: إِي وَاللهِ لَقَدْ وَقَعَ. قَالَ أَنَسٌ: وَشَهِدْتُ وَلِيمَةَ زَيْنَبَ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ، وَتَبِعْتُهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلَانِ، اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ، لَمْ يَخْرُجَا، فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟»، فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: «بِخَيْرٍ»، فَلَمَّا فَرَغَ رَجَعَ، وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ، إِذَا هُوَ بالرَّجُلَيْنِ قَدِ اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ، فَلَمَّا رَأَيَاهُ قَدْ رَجَعَ قَامَا، فَخَرَجَا، فَوَاللهِ مَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ، أَمْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِأَنَّهُمَا قَدْ خَرَجَا؟ فَرَجَعَ، وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، أَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٣]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه، ورُبّما وَهِم، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، أبو سلمة، ثقةٌ عابدٌ أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار [٨] (١٦٧) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. وقوله: (حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: طلعت، يقال: بزغت الشمس تبزُغ، من باب قعد: طلعت. وقوله: (وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمَ) جمع ماشية، وهي الإبل، والبقر، والغنم. وقوله: (وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ) أما الفؤوس - فبهمزة ممدودة -، على وزن فُعُول: جمع فأس بالهمز، وهي معروفة، و«المكاتل»: جمع مِكْتَل، وهو: القُفّة، والزِّنبيل، و«المرور»: جمع مَرّ، - بفتح الميم -، وهو معروف، نحو الْمِجْرفة، وأكبر منها، يقال لها: المساحي، هذا هو الصحيح في معناه، وحَكَى القاضي عياض قولين: أحدهما هذا، والثاني: المراد بالمرور هنا: الحبال، كانوا يصعدون بها إلى النخيل، قال: واحدها مَرّ، - بفتح الميم، وكسرها -؛ لأنه يُمَرّ حين يُفتَلُ، قاله النوويّ . وقوله: (وَهَزَمَهُمُ اللهُ - ﷾ -) من باب ضرب؛ أي: كسر الله شوكتهم، فولّوا مدبرين. وقوله: (فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ) قال في «الفتح»: إطلاق الشراء على هذا على سبيل المجاز، وليس في قوله: «سبعة أرؤس» ما ينافي قوله في الرواية الماضية: «خذ جارية»؛ إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة. انتهى. وقال أيضًا: قال السهيليّ: لا معارضة بين هذه الأخبار، فإنه - ﷺ - أخذها من دحية قبل القسم، والذي عوّضه عنها ليس على سبيل البيع، بل على سبيل النفل، وتعقّبه الحافظ، فقال: قلت: وقع في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عند مسلم أن صفية وقعت في سهم دحية، وعنده أيضًا فيه، فاشتراها من دحية بسبعة أرؤس، فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره لنفسه، وذلك أنه سأل النبيّ - ﷺ - أن يعطيه جارية، فأَذِن له أن يأخذ جارية، فأخذ صفية، فلما قيل للنبيّ - ﷺ -: إنها بنت ملك من ملوكهم، ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية؛ لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية، وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصّه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاص النبيّ - ﷺ - بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض، فعلى سبيل المجاز، ولعله عوّضه عنها بنت عمها، أو بنت عم زوجها، فلم تطب نفسه، فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك. وعند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، وأصله في مسلم: «صارت صفية لدحية، فجعلوا يمدحونها، فبعث رسول الله - ﷺ -، فأعطى بها دحية ما رضي». انتهى . وقوله: (تُصَنِّعُهَا لَهُ، وَتُهَيِّئُهَا)؛ أي: تزيّنها وتجمّلها على عادة العروس بما ليس بمنهي عنه من وشم، ووصل، وغير ذلك من المنهيّ عنه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «حتى إذا كانت بالطريق جهّزَتْها له أُمُّ سُلَيمٍ، وأهدتها له من الليل»؛ يعني: طريقَ رجوعه من خيبر إلى المدينة، كما جاء في الرواية الأخرى مفَسَّرًا. وكان بين سبائها، وبين دخول النبيّ - ﷺ - بها زمان أسلمت فيه، واستُبرأت، وأُصلح حالها فيه، ثم دخل بها بَعْدُ، ولذلك قال أنس في الرواية الأخرى: «ثم دفعها لأُمِّي تُصَنِّعُها، وتُهَيِّئُهَا، وتعتَدُّ في بيتها»؛ يعني: في بيت أم أَنس. انتهى . وقوله: (قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ) الظاهر أن فاعل «قال» الأول ضمير ثابت، والثاني ضمير أنس، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا) معناه: تستبرئ بحيضة في بيت أم سُليم. وقوله: (فُحِصَتِ الأَرْضُ أفَاحِيصَ) - بضم الفاء، وكسر الحاء المهملة المخففة -؛ أي: كُشف التراب من أعلاها، وحُفرت شيئًا يسيرًا؛ ليُجعل الأنطاع في المحفور، ويصبّ فيها السمن، فيثبت، ولا يخرج من جوانبها، وأصل الفحص الكشف، وفَحَص عن الأمر، من باب نفع، وفَحَص الطائر لبيضه، والأفاحيص جمع أُفْحوص، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ: قوله: «فُحِصَتِ الأرض أفاحيص»؛ أي: كُشفت عما يمنع القعود عليها من حجارةٍ، وعُشب، وغير ذلك، وسوِّيت حتى خَلَص إلى التراب، ومنه: مَفْحَص القطاة، وهو: الموضع الذي تتخذه لبيضها، وواحد الأفاحيص: أُفْحوص. انتهى . وقوله: (قَالَ) أنس (وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا. . . إلخ) فيه الفرق بين الحرّة والأمة في لزوم الحجاب، فإنه واجب على الحرّة دون الأمة. وقال القرطبيّ: وقولهم: «إن حَجَبَها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد» هذا يدل على أنه - ﷺ - ما كان أبان لهم أمرها، ولا أشهدهم على تزويجها، فيكون فيه دليل على جواز عقد النكاح من غير إشهاد، وبه قال الزهريّ، ومالك، وأهل المدينة، وأبو ثور، وجماعة من السَّلف. وذهب آخرون: إلى أنه لا يجوز إلا بشاهدي عدل. وهو قول جماعة من الصَّحابة، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد. وقال أبو حنيفة مثله، إلا أنه لا يشترط العدد. واتفق الجميع على أنه شرطٌ في الدُّخول. وعلى هذا فيكون دخوله - ﷺ - بصفيّة من غير إشهادٍ من خصائصه. ولم يختلف أحدٌ من العلماء في أن كل نكاح استُسِرَّ به، وليس فيه شاهدان أنَّه نكاح السرّ المنهيّ عنه، ويُفسخ أبدًا. واختلفوا فيما إذا استسرَّ مع الشاهد، فذهب الجمهور إلى أنه ليس بنكاح سرٍّ، ولا يُفسخ، وهو عند مالك نكاح سرٍّ، ويُفسخ. انتهى . وقوله: (دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَدَفَعْنَا)؛ أي: أجرينا، ورفعنا السير إلى غايته. وقوله: (فَعَثَرَتِ) - بفتح العين المهملة -، من باب نصر، وضرب، وعلم، وكرُم؛ أي: كبا، وسقط. وقوله: (الْعَضْبَاءُ) يقال: عَضِبَتِ الشاة، والناقة عَضَبًا، من باب تَعِبَ: إذا شُقّ أذنها، فالذكر أَعْضَبُ، والأنثى عَضْبَاءُ، مثل أحمر وحمراء، ويعدّى بالألف، فيقال: أَعْضَبْتُهَا، وكانت ناقة النبيّ - ﷺ - تُلَقّب العضباءَ؛ لنجابتها، لا لشقّ أذنها، قاله الفيّوميّ . وقوله: (وَنَدَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بالنون، من باب قعد؛ أي: سقط، وأصل الندور الخروج، والانفراد، ومنه: كلمة نادرة؛ أي: فردة عن النظائر، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ: قوله: «ونَدَرَ رسول الله - ﷺ -. . . إلخ»؛ أي: صُرع، وصُرعتْ؛ كما جاء في الرواية مفسَّرًا، وأصل النُّدور: الخروج. ومنه: نوادر الكلام، والنَّادر من النَّاس: الخارج عنهم بما فيه من الزيادة عليهم، وكون النَّاس امتنعوا من النظر إليهما إنما كان ذلك احترامًا وإجلالًا أن يقع بصرٌ على عورة منهما، فإنه قد كان انكشف منهما ما يستر، ألا ترى قوله: «فسترها». وقوله: (وَقَدْ أَشْرَفَتِ النِّسَاءُ)؛ أي: اطّلعن. وقوله: (فقُلن: أَبْعَدَ اللهُ الْيَهُودِيَّةَ) إنما حملهنّ على هذا القول شدّة الغيرة؛ لأنها كانت جميلة، فخفن أن ينحاز رسول الله - ﷺ - إليها، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوَقَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟)؛ أي: سقط من الناقة. وقوله: (قَالَ أَنَسٌ) هذا موصول بالسند السابق، وليس معلّقًا، وإنما أتى به بيانًا لمشروعيّة الوليمة على نكاح الحرّة، كما بيّن مشروعيّته عند نكاح الأمة المعتقة بحديث صفيّة - ﵂ -. [تنبيه]: ذكرُ أنس - ﵁ - قصّة وليمة زينب - ﵂ - هذا سيأتي مستوفى الشرح في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ)؛ أي: استلذّ، وطاب بالرجلين التحدّث بينهما. وقوله: (يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ)؛ أي: على حُجَرهنّ. وقوله: (فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. . . إلخ) قال النوويّ - ﵀ -: في هذه القطعة فوائد: منها: أنه يُستحب للإنسان إذا أتى منزله أن يسلّم على امرأته، وأهله، وهذا مما يتكبر عنه كثير من الجاهلين المترفعين. ومنها: أنه إذا سلّم على واحد قال: سلام عليكم، أو السلام عليكم، بصيغة الجمع، قالوا: ليتناوله ومَلَكيه. ومنها: سؤال الرجل أهله عن حالهم، فربما كانت في نفس المرأة حاجة، فتستحي أن تبتدئ بها، فإذا سألها انبسطت لذكر حاجتها. ومنها: أنه يستحب أن يقال للرجل عقب دخوله: كيف حالك؟ ونحو هذا. انتهى . وقوله: (كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ «)؛ أي: كيف حالكم؛ لأن»كيف«يسأل بها عن الحال. وقوله: (بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: نحن على خير، فالباء بمعنى«على». وقوله: (إِذَا هُوَ بِالرَّجُلَيْنِ. . . إلخ) اللذين تقدّم ذكرهما؛ لأن النكرة إذا أعيدت معرفة، فهي عين الأول، و«إذا»هي: الفجائيّة. وقوله: (فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ) بهمزة قطع مضمومة، وبإسكان السين؛ أي: خشبة الباب التي يوطأ عليها، وهي العَتَبة، والساكف أعلاه الذي يدور فيه الصائر، قاله المجد. وقوله: (أَرْخَى الْحِجَابَ)؛ أي: سدله، وأطلقه. وقوله: (وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) وقوله: (﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾) بدل، أو عطف بيان لـ«هذه الآية». ثم إن كون هذه الآية هي المرادة هنا هو الذي اتّفق عليه الرواة، وخالفهم عمرو بن عليّ الفلّاس، عن معتمر، فقال: فأُنزلت: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية [النور: ٢٧]، أخرجه الإسماعيليّ، وأشار إلى شذوذه، فقال: جاء بآية غير الآية التي ذكرها الجماعة ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٣٥٠١] (١٣٦٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِثٍ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، قَالَ: صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدَحْيَةَ فِي مَقْسَمِهِ، وَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: وَيَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا فِي السَّبْيِ مِثْلَهَا، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى دِحْيَةَ، فَاَعْطَاهُ بِهَا مَا أَرَادَ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّي، فَقَالَ: «أَصْلِحِيهَا»، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَهْرِهِ، نَزَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَأْتِنَا بِهِ»، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجيءُ بِفَضْلِ التَّمْرِ، وَفَضْلِ السَّوِيقِ، حَتَّى جَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ سَوَادًا حَيْسًا، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَلِكَ الْحَيْسِ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ حِيَاضٍ إِلَى جَنْبِهِمْ، مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ، قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَتْ تِلْكَ وَليمَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهَا، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا جُدُرَ الْمَدِينَةِ، هَشِشْنَا إِلَيْهَا، فَرَفَعْنَا مَطِيَّنَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَطِيَّتَهُ، قَالَ: وَصَفِيَّةُ خَلْفَهُ، قَدْ أَرْدَفَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: فَعَثَرَتْ مَطِيَّةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصُرِعَ، وَصُرِعَتْ، قَالَ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلَا إِلَيْهَا، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسَتَرَهَا، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ: «لَمْ نُضَرَّ»، قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَ جَوَارِي نِسَائِهِ يَتَرَاءَيْنَهَا، وَيَشْمَتْنَ بِصَرْعَتِهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، أصله من خُراسان، يقال: كان اسمه مروان مولى بني فَزارة، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القَيسيّ مولاهم البصريّ، أبو سعيد، ثقةٌ ثقةٌ، قاله يحيى بن معين [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١١. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ) بتحتانية - الْعَبديّ، أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع (٢٥٠) (م) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدَحْيَةَ فِي مَقْسَمِهِ)؛ أي: في نصيبه الذي أخذه من الغنيمة بإذن النبيّ - ﷺ - بأخذها. وقوله: (حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَهْرِهِ)؛ أي: ترك خيبر وراء ظهره، متوجهًا على المدينة. وقوله: (ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ) - بضمّ القاف، وتشديد الموحّدة - من البنيان معروف، وتُطلق على البيت المدوّر، وهو معروف عن التركمان، والأكراد، وجمعه قِباب، مثلُ بُرمة وبِرام، أفاده الفيّوميّ . وقوله: (سَوَادًا حَيْسًا) قال النوويّ - ﵀ -: السواد - بفتح السين -، وأصل السواد الشخص، ومنه في حديث الإسراء: «رأى آدم عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة»؛ أي: أشخاصًا، والمراد هنا: حتى جعلوا من ذلك كُومًا شاخصًا مرتفعًا، فخلطوه، وجعلوا حَيْسًا. انتهى . فقوله: «حَيْسًا» بدل من «سوادًا». وقوله: (مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ)؛ أي: ماء المطر. وقوله: (هَشِشْنَا إِلَيْهَا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النسخ: «هَشّنا» - بفتح الهاء، وتشديد الشين المعجمة، ثم نون -، وفي بعضها «هَشِشنا» - بشينين الأولى مكسورة، مخففة -، ومعناهما نَشِطنا، وخَفَفْنا، وانبعثت نفوسنا إليها، يقال منه: هَشِشت - بكسر الشين في الماضي، وفتحها في المضارع -، وذكر القاضي الروايتين السابقتين، قال: والرواية الأولى على الإدغام؛ لالتقاء المثلين، وهي لغة من قال: هَزّتُ سيفي، وهي لغة بكر بن وائل، قال: ورواه بعضهم «هِشْنا» -
مصادر المؤلف (٧٨)

١. «شرح النوويّ» ٩/ ٢١٦.

٢. قوله: «مهيم» - بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح التحتانيّة، وسكون الميم -: أي ما شأنك؟، أو ما هذا؟، وهي كلمة استفهام، مبنيّةٌ على السكون، وهل هي بسيطةٌ، أم مركّبةٌ؟ قولان لأهل اللغة، وقال ابن مالك: هي اسم فعل بمعنى أخبر، ووقع في رواية للطبرانيّ في «الأوسط»: «فقال له: مهيم، وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشيء»، ووقع في رواية ابن السكن: (مَهْيَنْ) بنون آخره، بدل الميم، والأول هو المعروف قاله في «الفتح».

٣. «الفتح» ١١/ ٥٢٤ - ٥٢٥.

٤. «الفتح» ١١/ ٥٢٦.

٥. «النهاية» ٥/ ١٣١ - ١٣٢.

٦. «الفتح» ١١/ ٥٢٥ - ٥٢٦.

٧. «شرح مسلم» ٩/ ٢١٦.

٨. راجع: «لسان العرب» ١٢/ ٦٤٣.

٩. حديث صحيح، أخرجه النسائيّ.

١٠. أي وهي الشرطيّة، فقد اختَلَف النحاة، هل تفيد الامتناع أم لا؟، ولو عبّر بالشرطيّة لكان أولى، فتنبّه.

١١. «الفتح» ١١/ ٥٢٧.

١٢. المراد: فوائد حديث قصّة عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - الواردة في الباب، سواء التي ساقها المصنّف، أو أوردتها في الشرح، لا خصوص ما ساقه المصنّف، فتنبّه.

١٣. «الفتح» ١١/ ٥٠٥ - ٥٠٦.

١٤. «الفتح» ١١/ ٥٠٥ - ٥٠٦.

١٥. راجع: «الفتح» ١١/ ٥٢٧ - ٥٢٩.

١٦. قال في «التقريب»: مقبول، والحقّ أنه ثقةٌ، فقد روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم، ووثقه الذهبيّ في «الميزان» ٤/ ١٥، فتنبّه.

١٧. «عمدة القاري» ٢٠/ ١٣٨.

١٨. هكذا نسخة: «التهذيب»، ولعله: «روى عنه شعبة»، فليُحرّر.

١٩. «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم» (ص ٢٣٧).

٢٠. مكرّر.

٢١. «الفتح» ٩/ ٢٩٥.

٢٢. «عمدة القاري» ٤/ ٨٤.

٢٣. «شرح النوويّ» ٩/ ٢١٨، ٢١٩.

٢٤. «عمدة القاري» ٤/ ٨٤.

٢٥. «شرح النوويّ» ٩/ ٢١٩.

٢٦. «الفتح» ٢/ ٨٦.

٢٧. أراد به ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وحسّنه، وصححه ابن حبّان عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن جدّه جرهد، قال: مرّ بي رسول الله - ﷺ -، وأنا في المسجد، وعليّ بردة، وقد انكشفت فخذي، فقال النبيّ - ﷺ -: «غطّ فخذك، يا جرهد، فإن الفخذ عورة».

٢٨. «الفتح» ٢/ ٨٦، ٨٧.

٢٩. «عمدة القاري» ٤/ ٨٥.

٣٠. «شرح النوويّ» ٩/ ٢١٩.

٣١. «عمدة القاري»٤/ ٨٥.

٣٢. «فتح القدير»للشوكانيّ - ﵀ - ٦/ ٢٢٤.

٣٣. «عمدة القاري»٤/ ٨٥.

٣٤. «الفتح»٢/ ٨٧.

٣٥. «عمدة القاري» ٤/ ٨٥.

٣٦. «لسان العرب»٦/ ٧٠.

٣٧. «النهاية»٣/ ٣١٥.

٣٨. «لسان العرب»١٥/ ١٠١.

٣٩. «عمدة القاري»٤/ ٨٥.

٤٠. «الفتح» ٨/ ٢٥٥، ٢٥٦، كتاب «المغازي».

٤١. «عمدة القاري» ٣/ ٣٢٦.

٤٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٥.

٤٣. «الفتح» ٢/ ٨٧.

٤٤. «عمدة القاري» ٤/ ٨٥.

٤٥. «شرح النوويّ» ٩/ ٢١٩.

٤٦. «الفتح» ٢/ ٨٧.

٤٧. «المفهم»٤/ ١٤٠.

٤٨. «المصباح» ٢/ ٦٣٦.

٤٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠١.

٥٠. «عمدة القاري» ٤/ ٨٧.

٥١. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٢٢.

٥٢. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٢٢.

٥٣. المَصْلُ مثال فَلْس: عُصارة الأقط، وهو ماؤه الذي يُعصر منه حين يطبخ، قاله ابن السكيت. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٤.

٥٤. «المصباح المنير» ١/ ١٧.

٥٥. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٢٢.

٥٦. «الفتح» ٢/ ٨٨.

٥٧. «المحلّى» ٩/ ٥٠١ - ٥٠٧.

٥٨. «صحيح البخاريّ» ١/ ٣٢١، ٣٢٢.

٥٩. «صحيح البخاريّ» ٥/ ١٩٥٦.

٦٠. «جامع الترمذيّ» ٣/ ٤٢٣.

٦١. منحوت من «قال: حدّثنا»، فتنبّه.

٦٢. «مسند أبي عوانة» ٣/ ٦٦.

٦٣. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٣/ ٣١١.

٦٤. مكرّر.

٦٥. مكرّر.

٦٦. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٢٣، ٢٢٤.

٦٧. «الفتح» ٧/ ٤٧٠.

٦٨. «المفهم» ٤/ ١٤١، ١٤٢.

٦٩. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٢٤.

٧٠. «المفهم» ٤/ ١٤٣.

٧١. «المفهم» ٤/ ١٤٤، ١٤٥.

٧٢. «المصباح المنير»٢/ ٤١٤.

٧٣. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٢٥.

٧٤. «شرح النوويّ»٩/ ٢٢٥.

٧٥. «الكوكب الوهّاج» ١٥/ ٣٤٠.

٧٦. مكرّر.

٧٧. راجع: «المصباح» ٢/ ٤٨٧.

٧٨. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٢٦.