HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٨٠

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ. وَهُوَ غَائِبٌ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ. فَسَخِطَتْهُ. فقَالَ: وَاللَّهِ! مالك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ. فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فذكرت ذلك له. فقال «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ». فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ. ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي. اعْتَدِّي عَنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى. تَضَعِينَ ثِيَابَكِ. فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي» قَالَت: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ. انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ. ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ» فَنَكَحْتُهُ. فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خيرا، واغتبطت.
ج ٢ ص ١١١٤
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٢٠٣
يتحقق معه حصول الغمّ، وكانوا في الطرف الأقصى من رعاية خاطره - ﷺ - أن يحصل له تشويش، ولو قَلّ، والقَلَق لما يُقْلِقه، والغضب لما يُغضبه، والهمّ لما يُهِمه - ﵃ -. ٣٩ - (ومنها): أن الغضب والحزن يَحْمِل الرجل الوَقُور على ترك التأني المألوف منه؛ لقول عمر - ﵁ -: ثم غلبني ما أجد ثلاث مرات. ٤٠ - (ومنها): شدة الفزَع والجزَع للأمور المهمة. ٤١ - (ومنها): جواز نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه، وما فيه، إذا عَلِمَ أنه لا يَكره ذلك، وبهذا يُجمع بين ما وقع لعمر - ﵁ - هنا، وبين ما ورد من النهي عن فضول النظر، أشار إلى ذلك النوويّ ﵀. قال الحافظ: وَيحْتَمِل أن يكون نظر عمر - ﵁ - في بيت النبيّ - ﷺ - وقع أولًا اتِّفاقًا، فرأى الشعير والقرظ مثلًا، فاستقلّه، فرفع رأسه؛ لينظر هل هناك شيء أنفس منه؟ فلم ير إلا الأهب، فقال ما قال، ويكون النهي محمولًا على من تعمّد النظر في ذلك، والتفتيشَ ابتداءً. ٤٢ - (ومنها): أن فيه كراهيةَ سخط النعمة، واحتقار ما أنعم الله به، ولو كان قليلًا، والاستغفار من وقوع ذلك، وطلب الاستغفار من أهل الفضل. ٤٣ - (ومنها): أن فيه إيثارَ القناعة، وعدمَ الالتفات إلى ما خُصّ به الغير من أمور الدنيا الفانية. ٤٤ - (ومنها): أن فيه المعاقبةَ على إفشاء السرّ بما يليق بمن أفشاه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (٦) - (بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٦٩٦] (١٤٨٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ فَاطِمَةَ بنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ : وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فَأَمَرَهَا أنْ تَعْتَدَّ فِي بَيتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ تَالَ: «تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَك، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَت: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتقِه، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ، لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ) المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، ثقةٌ [٦] (ت ١٤٨) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٠/ ١٣٠٢. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم قبل باب. ٥ - (فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسِ) بن خالد الفهريّة، أخت الضحاك الأمير، وكانت أسنّ منه. رَوَت عن النبيّ - ﷺ -، ورَوَى عنها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو بكر بن أبي الجهم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن عبد الله بن عبيد بن مسعود، والأسود بن يزيد، وسليمان بن يسار، وعبد الله البهيّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وعامر الشعبي، وعبد الرحمن بن عاصم بن ثابت، وتميم مولى فاطمة بنت قيس. قال ابن عبد البرّ: كانت من المهاجرات الأُوَل، وكانت ذات جمال وعقل، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشُّورى عند قتل عمر، وكانت عند أبي عَمْرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها فتزوجها بعده أسامة بن زيد. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وكرّره ست عشرة مرّة، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. شرح الحديث: (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) بن خالد، من بني محارب بن فِهر بن مالك، وهي أخت الضحّاك بن قيس الذي وَلي العراق ليزيد بن معاوية، وقُتِلَ بِمَرْجِ راهط، وهو من صغار الصحابة، وهي أسنّ منه، يقال: بعشر سنين، قَدِمت على أخيها الكوفةَ، وهو أميرها، فرَوَى عنها الشعبيّ قصّةَ الجسّاسة بطولها، فانفردت بها مطوّلة، وتابعها جابرٌ وغيره. (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ) هكذا قال الجمهور: إنه أبو عمرو بن حفص، وقيل: أبو حفص بن عمرو، وقيل: أبو حفص بن المغيرة، واختلفوا في اسمه، والأكثرون على أن اسمه عبد الحميد، وقال النسائيّ: اسمه أحمد، وقال آخرون: اسمه كنيته، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ: هكذا رواية أكثر الأئمة الحفّاظ: مالك وغيره، وقد قلبه شيبان، وأبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، فقال: إن أبا حفص بن عمرو، والمحفوظ الأول، واسمه أحمد على ما ذكره الداوديّ عن النسائيّ، قال القاضي: والأشهر عبد الحميد، وقيل: اسمه كنيته، ولا يُعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواه. انتهى . وفي «الإصابة»: أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، زوج فاطمة بنت قيس، وهو ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة، وقيل: هو أبو حفص بن عمرو بن المغيرة، وأمه دُرّة بنت خُزَاعيّ الثقفيّة، وكان خرج مع عليّ إلى اليمن في عهد النبيّ - ﷺ -، فمات هناك، ويقال: بل رجع إلى أن شَهِد فتوح الشام، ذكر ذلك عليّ بن رَبَاح، عن ناشرة بن سُميّ، سمعت عمر يقول: إني معتذرٌ لكم من عزل خالد بن الوليد، فقال أبو عمرو بن حفص: عزلت عنّا عاملًا استعمله رسول الله - ﷺ -، فذكر القصّة، أخرجه النسائيّ، وقال البغويّ: سكن المدينة. انتهى باختصار . (طَلَّقَهَا) قال النوويّ ﵀: هذا هو الصحيح المشهور الذي رواه الحفّاظ، واتَّفَق على روايته الثقات على اختلاف ألفاظهم، في أنه طلقها ثلاثًا، أو البتةَ، أو آخر ثلاث تطليقات، وجاء في آخر «صحيح مسلم» في حديث الجسّاسة ما يُوهم أنه مات عنها، قال العلماء: وليست هذه الرواية على ظاهرها، بل هي وَهَمٌ، أو مؤوّلة، وسنوضحها في موضعها - إن شاء الله تعالى -. وأما قوله في رواية: «أنه طلقها ثلاثًا»، وفي رواية: «أنه طلقها ألبتةَ»، وفي رواية: «طلقها آخر ثلاث تطليقات»، وفي رواية: «طلّقها طلقةً كانت بقيت من طلاقها»، وفي رواية: «طلقها»، ولم يذكر عددًا ولا غيره، فالجمع بين هذه الروايات أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلقها هذه المرة الطلقة الثالثة، فمن روى أنه طلقها مطلقًا، أو طلقها واحدةً، أو طلقها آخر ثلاث تطليقات، فهو ظاهر، ومن روى البتةَ، فمراده طلقها طلاقًا صارت به مبتوتة بالثلاث، ومن رَوَى ثلاثًا أراد تمام الثلاث. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال القاضي عياض ﵀: قوله: «طَلّقها» هذا هو الصحيح، والذي جاءت به الرواية من الحفّاظ على اختلاف صفة الطلاق، هل ثلاثٌ، أو البتّة، أو آخر تطليقات، على ما سيأتي تفسيره، وقد جاء في آخر الكتاب في حديث الجسّاسة لفظ يوهم أنه مات عنها، وليس هذا على ظاهره، أو يكون وَهَمًا من راويه، وقد تكلّمنا عليه بما يُستغرب هناك، فانظره. انتهى كلام القاضي ﵀ . وقال في «الفتح»: واتفقت الروايات عن فاطمة بنت قيس على كثرتها عنها أنها بانت بالطلاق، ووقع في آخر «صحيح مسلم» في حديث الجسّاسة عن فاطمة بنت قيس: «نَكَحْتُ ابنَ المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في الجهاد مع رسول الله - ﷺ -، فلما تأيّمتُ خطبني أبو جهم …» الحديث، وهذه الرواية وَهَمٌ، ولكن أوّلها بعضهم على أن المراد بقولها: «أصيب» أي: مات على ظاهره، وكان في بعث عليّ إلى اليمن، فيصدق أنه أُصيب في الجهاد مع رسول الله - ﷺ -؛ أي: في طاعة رسول الله - ﷺ -، ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت، بل بالطلاق السابق على الموت، فقد ذهب جمع جمّ إلى أنه مات مع عليّ باليمن، وذلك بعد أن أرسل إليها بطلاقها، فإذا جُمع بين الروايتين استقام هذا التأويل، وارتفع الوهم، ولكن يَبْعُد بذلك قول من قال: إنه بقي إلى خلافة عمر - ﵁ -. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قولها: «طلقها البتة» هذا هو الصحيح: أنه طلَّقها عند جميع الحفاظ، وسيأتي في حديث الجسَّاسة لفظٌ يوهم: أنه مات عنها، وله تأويل يأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى - ويعني بالبتة: آخر الثلاث تطليقات، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، لا أنه أوقع عليها لفظ البتة، وإنما سَمَّى آخر الثلاث البتة؛ لأنها طلقة تَبُتُّ العصمة، ولا تُبْقي منها شيئًا، ولما كملت بهذه الطلقة الثلاث عَبَّر عنها بعض الرواة بالثلاث، والرواية المفضَّلة قاضيةٌ على غيرها، وهي الصحيحة. انتهى . وقوله: (الْبَتَّةَ) منصوب على المفعوليّة المطلقة، يقال: بَتّه بَتًّا، من بابي ضرب، وقتل: قَطَعه، وفي المطاوع: فانبتّ، كما يقال: فانقطع، وانكسر، وبَتَّ الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتةٌ، والأصل مبتوتٌ طلاقها، وطَلّقها طلقةً بَتّةً، وبتّها بَتّةً: إذا قطعها عن الرجعة، وأبتّ طلاقها بالألف لغةٌ، قال الأزهريّ: ويُستعمَل الثلاثيّ والرباعيّ لازمين ومتعدّيين، فيقال: بتّ طلاقها، وأبتّ، وطلاقٌ باتٌّ، ومُبِتٌّ، قال ابن فارس: ويقال لما لا رجعة فيه: لا أفعله بتّةً. انتهى . (وَهُوَ غَائِبٌ) جملة حاليّة من الفاعل، وقد بُيّن سبب غيابه في رواية الزهريّ الآتية، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة، خرج مع عليّ بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها. (فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا) أي: إلى فاطمة، وقوله: (وَكِيلُهُ) بالرفع على الفاعليّة، وهكذا بالإفراد، وكذا هو في رواية أبي بكر بن الجهم الآتية: «قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: أرسل إليّ زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة عيّاشَ بن أبي ربيعة بطلاقي، وأرسل معه بخمسة آصع تمرٍ، وخمسة آصع شعير»، لكن سيأتي في رواية عبيد الله بن عبد الله الآتية أنهما اثنان، ولفظه: «وأمر لها الحارثَ بنَ هشام، وعيّاشَ بن أبي ربيعة بنفقة»، ولعله ضم الحارث بعد تعيينه عيّاشًا، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته» كان صوابه أن يقول: وَكِيلَيْه؛ لأنهما الحارث بن هشام، وعياش بن ربيعة؛ كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. وفيه دليل على العمل بالوكالة، وشهرتها عندهم، وكأنَّ إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقةً واجبةً عليه، ولذلك سخطته، ورأت: أنها تستحق عليه أكثر من ذلك وأطيب، فحين تحقَّق الوكيلان منها ذلك؛ أخبراها بالحكم، فلم تقبل منهما حتى أتت رسول الله - ﷺ -، فقال لها: «لا نفقة لك، ولا سكنى». قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «كان صوابه أن يقول: وكيليه»، قد عُرف تأويله آنفًا، وأيضًا أن لفظ «وكيل» مفرد مضاف، فيعمّ، فلا حاجة إلى تخطئة الرواية الصحيحة، فتنبّه. وقوله: (بِشَعِيرٍ) تقدّم أنه أرسل لها مع وكيله بخمسة آصع تمر، وخمسة آصع شعير، وفي رواية النسائيّ: «فوضع لي عشرة أقفزة عند ابن عمّ له، خمسة شعير، وخمسة تمر …». وقوله: (فَسَخِطَتْهُ) أي: سخطت فاطمة ذلك الشعير، وفي رواية أبي بكر بن الجهم الآتية: «فقلت: أما لي نفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتدّ في منزلكم؟ قال: لا»، وفي رواية أبي سلمة: «وكان أنفق عليها نفقة دونٍ، فلما رأت ذلك قالت: والله لأُعلمنّ رسول الله - ﷺ -، فإن كان لي نفقةٌ أخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقةٌ لم آخذ منه شيئًا». (فَقَالَ) وفي نسخة: «فقال لها» (وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ) أي: من نفقة، أو سكنى؛ لأنك مطلّقة طلاقًا بائنًا، وفي رواية عبيد الله: «فقالا لها: والله ما لك نفقةٌ، إلا أن تكوني حاملًا». وفي رواية النسائيّ: «فَقَالَا: وَاللهِ مَا لَهَا عِنْدَنَا نَفَقَةٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَمَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي مَسْكَنِنَا، إِلَّا بِإِذْنِنَا»، والظاهر أن الحارث وعياشًا كان عندهما علم بحكم المسألة قبل هذا، وَيحْتَمِل أنهما قالا ذلك باجتهادهما، ولكن وافق اجتهادهما النصّ، والله تعالى أعلم. (فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ) أي: ما جرى بينها وبين وكيل زوجها من الخصام في النفقة (فَقَالَ) - ﷺ - («لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ») وفي رواية أبي بكر بن أبي الجهم المذكورة: «قالت: فشَدَدتُّ عليّ ثيابي، وأتيت رسول الله - ﷺ -، فقال:»كم طلّقك؟ قلت: ثلاثًا، قال: صدق، ليس لك نفقة، واعتدّي في بيت ابن أم مكتوم … «الحديث. وفي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة الآتية:«فانطلق خالد بن الوليد - ﵁ - في نفر من بني مخزوم، إلى رسول الله - ﷺ - في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص بن عمرو طلّق امرأته ثلاثًا، فهل لها نفقة؟ فقال: »ليس لها نفقة، ولا سكنى«، لفظ النسائيّ، ولفظ مسلم نحوه، وسيأتي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويُجْمَع بين الروايتين بأن فاطمة ذهبت مع خالد والنفر الذين معه، فسأل لها خالد ومن معه، والله تعالى أعلم. (فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ) قال النوويّ ﵀: قال العلماء: أم شريك هذه قرشيّةٌ عامريّةٌ، وقيل: إنها أنصاريّةٌ، وقد ذكر مسلم في آخر الكتاب في حديث الجسّاسة: أنها أنصاريّة، واسمها غُزَيّة، وقيل: غُزيلة - بغين معجمة مضمومة، ثم زاي فيهما - وهي بنت داود بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لُؤيّ بن غالب، وقيل في نسبها غير هذا. قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبيّ - ﷺ -. وقيل: غيرها. انتهى . وقال في «الإصابة»: أم شريك بنت أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأنصاريّة، من بني عبد الأشهل، ذكرها ابن حبيب في المبايعات، قاله في «الإصابة» . وقال أيضًا: أم شريك الأنصارية: قيل: هي بنت أنس الماضية، وقيل: هي بنت خالد المذكورة قبلها، وقيل: هي غيرها، وقيل: هي أم شريك بنت أبي العَكَر بن سُمَيّ، وذكرها ابن أبي خيثمة من طريق قتادة قال: وتزوج النبيّ - ﷺ - أم شريك الأنصارية النجارية، وقال: «إني أحب أن أتزوج في الأنصار، ثم قال: إني أكره غيرة الأنصار، فلم يدخل بها». ثم قال: ولها ذكر في حديثٍ عند مسلم من رواية فاطمة بنت قيس، في قصة الجساسة، في حديث تميم الداريّ، قال فيه: وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان. ولها حديث آخر أخرجه ابن ماجه، من طريق شَهْر بن حَوْشب: حدّثتني أم شريك الأنصارية، قالت: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ويقال: إنها التي أُمِرت فاطمةُ بنتُ قيس أن تَعْتَدّ عندها، ثم قيل لها: اعتدي عند ابن أم مكتوم. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وقولها: «فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك» لا خلاف في أن كل زوجة مدخول بها طلَّقها زوجُها يجب عليها العدّة، ثم هي - أعني: العدَّة - منقسمة بحسب أحوالهنَّ: فالحامل عدَّتُها وضْعُ حملها، والحائل إن كانت حرَّة: ثلاثة قروء، وإن لم تكن من ذوات الأقراء: فثلاثة أشهر، وأمَّا الأَمَة: فقرءان، أو شهران، ويجري الفسخ بغبر طلاق مجرى الطلاق، وأمَّا المتوفَّى عنها زوجها: فالحرَّة تعتدّ أربعة أشهر وعشرًا، والأَمَة: شهران وخمس ليال عندنا، وسيأتي بعضُ ذلك، وتفصيله في كتب الفقه. وأمُّ شريك اسمها: غَزِيَّة. وقيل: غُزَيْلة. وهي قرشية عامريّة. وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبيّ - ﷺ -، وقيل فيها: إنها أنصارية، على ما ذكره مسلم في حديث الجسَّاسة، وسيأتي. وكانت كثيرة المعروف، والنفقة في سبيل الله تعالى، والتضييف للغرباء من المهاجرين وغيرهم. ولذلك قال - ﷺ -: «تلك امرأة يغشاها أصحابي». وإنما أذن النبيّ - ﷺ - لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه؛ لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها. وفيه دليل: على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرر، وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لَسِنَةً تُؤْذي زوجَها وأحماءهَا بلسانها؛ فإن هذه الصِّفَة لا تليق بمن اختارها رسول الله - ﷺ - لِحبِّه ابن حِبِّه، وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدَّتُها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرْغَبَ فيها، ولا يُحْرَصَ عليها، وأيضًا: فلم يثبث بذلك نقل مُسْنَدٌ صحيحٌ، وإنما الذي تمسَّك به في ذلك قول عائشة: ما لفاطمة خير أن تذكر هذا. وقول عمر: «لا ندع كتاب الله لقول امرأة لا نعلم حفظت أو نسيت»، وقول بعضهم: تلك امرأة فتنت الناس. وليس في شيء من ذلك دليل على ذلك. ويا للعجب! كيف يجترأ ذو دِينٍ أن يُقْدِمَ على غيبة مثل هذه الصحابية؛ التي اختارها النبيّ - ﷺ - لِحِبّه ابن حِبِّه، لسبب خبر لم يَثْبُت. وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] إنها نزلت في فاطمة؛ لأنها كانت فيها بذاذة لسان، وأذى للأحماء، وهذا لم يثبث فيه نقلٌ، ولا يدلُّ عليه نظرٌ، فَذِكْرُ ذلك عنها، ونسْبَتُه إليها غيبة، أو بهتان. وأحسن ما قيل في التفسير؛ قول ابن عمر - ﵄ -: إن الفاحشة: الزنى. فيخرجن لإقامة الحد عليهنَّ. وتعليله منع اعتدادها في بيت أمِّ شريك بدخول أصحابه؛ دليل على أن المرأة ممنوعة من التعرض لموضع يشق عليها فيه التحرُّز من أن يُطَّلع منها على ما لا يجوز. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («تِلْكَ) أي: أم قيس (امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا) أي: ينزل (أَصْحَابِي) وفي رواية أبي سلمة:»ثم أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون«. قال النوويّ ﵀: معنى هذا الحديث: أن الصحابة - ﵃ - كانوا يزورون أم شريك، ويُكثرون التردد إليها لصلاحها، فرأى النبيّ - ﷺ - أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا، من حيث إنه يلزمها التحفّظ من نظرهم إليها، ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفّظ من هذا مع كثرة دخولهم، وتردّدهم مشقّةٌ ظاهرةٌ، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنه لا يُبصرها، ولا يتردد إلى بيته من يتردّد إلى بيت أُمُّ شريك. انتهى. (اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ) هو عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة. ويقال: زياد القرشيّ العامريّ الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام، ويقال: اسمه عبد الله، ويقال: الحصين، كان النبيّ - ﷺ - استخلفه على المدينة، مات - ﵁ - في آخر خلافة عمر - ﵁ -. تقدّمت ترجمته في «الصلاة» ٤/ ٨٤٩. وفي رواية النسائيّ: «قال: انتقلي عند ابن أم مكتوم الأعمى الذي سمّاه الله في كتابه»؛ أي: في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١، ٢]، وفي رواية له: «وهو الأعمى الذي عاتبه الله في كتابه»، وضمير «عاتبه» للنبيّ - ﷺ -. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «اعتدِّي عند ابن أم مكتوم»، وفي رواية لمسلم: «عند ابن عمك عمرو بن أم مكتوم»، وكذلك جاء في آخر الكتاب، وزاد: «رجل من بني فهر»، من البطن التي هي منه، والمعروف خلاف هذا، وليسا من بطن واحد، هي من بني محارب بن فهر، وهو من بني عامر بن لؤي. واختلفوا في اسم ابن أُمُّ مكتوم. فقيل: عمرو، كما ذُكر، وقيل: عبد الله، وكذا ذكره في «الموطأ»، وفي آخر الكتاب، والخلاف في ذلك كثير، قاله القاضي أبو الفضل عياض. انتهى . (فَإِنَّهُ) أي: ابن أم مكتوم (رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ) هذا هو السبب الذي ذكره النبيّ - ﷺ - في أمرها بالاعتداد عنده، بعد أن أمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك - ﵂ -، وفي رواية النسائيّ، من طريق الشعبيّ، عن فاطمة: «فانطلقي إلى أم شريك» - وأم شريك امرأة غنيّةٌ، من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله ﷿ ينزل عليها الضِّيفَان - فقلت: سأفعل، قال: «لا تفعلي، فإن أُمُّ شريك كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمّك، عبد الله بن عمرو ابن أُمُّ مكتوم»، وهو رجل من بني فهر، فانتقلت إليه. وفي الرواية الآتية للمصنّف بعد حديثين: «ثم أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك …». (فَإِذَا حَلَلْتِ) أي: صِرت حلالًا لأن تتزوّجي (فَآذِنِينِي») بمدّ الهمزة؛ أي: أعلميني، وديه جواز التعريض بخِطبة البائن، وهو الصحيح المختار. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله:«فإذا حللت فآذنيني»أي: إذا انقضت عِدَّتُك. و«آذنيني»: أعلميني، وفي لفظ آخر:«فلا تبدئيني بنفسك»، وكل ذلك بمعنى واحدٍ؛ أي: لا تزوِّجي نَفْسَكِ حتى تعرِّفيني، وفيه التَّعْرِيض في العدَّة. انتهى . (قَالَتْ) فاطمة (فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ) - ﷺ - (أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب الأمويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الخليفة المتوفَّى في رجب سنة (٦٠ هـ) وقد قارب الثمانين، تقدّمت ترجمته في«الصلاة»٨/ ٨٥٨. وقال النوويّ ﵀: قولها:«ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان»هذا تصريح بأن معاوية الخاطب في هذا الحديث هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب، وهو الصواب، وقيل: إنه معاوية آخر، وهذا غلط صريح، نَبَّهتُ عليه لئلا يُغْتَرَّ به، وقد أوضحته في«تهذيب الأسماء واللغات»في ترجمة معاوية - ﵁ -، والله أعلم. انتهى . (وَأَبَا جَهْمٍ) قال النوويّ ﵀: هو بفتح الجيم، مكبرٌ، وهو أبو الجهم المذكور في حديث الأنبجانية، وهو غير أبو الجهيم المذكور في التيمم، وفي المرور بين يدي المصلي، فإن ذاك بضم الجيم مصغرٌ، وقد أوضحتهما باسميهما ونسبيهما، ووصفيهما في«باب التيمم»، ثم في«باب المرور بين يدي المصلي»، وذكرنا أن أبا الجهم هذا هو ابن حُذيفة القرشيّ العدويّ، قال القاضي عياض: وذكره الناس كلهم، ولم ينسبوه في الرواية، إلا يحيى بن يحيى الأندلسيّ، أحد رواة«الموطأ»، فقال: أبو جهم بن هشام، قال: وهو غلطٌ، ولا يُعْرَف في الصحابة أحد، يقال له: أبو جهم بن هشام، قال: ولم يوافق يحيى على ذلك أحدٌ من رواة«الموطأ»، ولا غيرهم. انتهى . (خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«أمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ) هو ما بين العُنُق والْمَنكِب، قال النوويّ ﵀: فيه تأويلان مشهوران: أحدهما: أنه كثير الأسفار، والثاني أنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصحّ، بدليل الرواية التي ذكرها مسلم بعد هذه، أنه ضَرّاب للنساء. قال: وفي هذا استعمال المجاز، وجواز إطلاق مثل هذه العبارة في قوله - ﷺ -: «لا يضع العصا عن عاتقه»، وفي معاوية: أنه «صعلوكٌ، لا مال له» مع العلم بأنه كان لمعاوية ثوب يلبسه، ونحو ذلك من المال المحقَّر، وأن أبا الجهم كان يضع العصا عن عاتقه في حال نومه، وأكله، وغيرهما، ولكن لما كان كثير الحمل للعصا، وكان معاوية قليل المال جدًّا، جاز إطلاق هذا اللفظ عليهما مجازًا، ففي هذا جواز استعمال مثله في نحو هذا، وقد نص عليه أصحابنا. قال: وفيه دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند المشاورة، وطلب النصيحة، ولا يكون هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة، وقد قال العلماء أن الغيبة تباح في ستة مواضع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت تلك المواضع الستّة بقولي: يَا طَالِبًا فَائِدَةً جَلِيلَهْ … اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ لِلْفَضِيلَهْ أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيًّا أَوْلَى … مُحَرَّمٌ قَطْعًا بِنَصٍّ يُتْلَى لَكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحِ … أُبِيحَ عَدَّهَا أُولُو التَّرْجِيحِ فَذَكَرُوهَا سِتَّةً تَظَلَّمِ … وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدْعِ مُجْرِمِ وَعِبْ مُجَاهِرًا بِفِسْقٍ أَوْ بِدَعْ … بِمَا بِهِ جَاهَرَ لَا بِمَا امْتَنَعْ وَعَرِّفَنْ بِلَقَبٍ مَنْ عُرِفَا … بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْنَفَا وَحَذِّرَنْ مِنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا … تَخَافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى وَفِي سِوَى هَذَا احْذَرَنْ لَا تَغْتَبِ … تَكُنْ مُوَفَّقًا لِنَيْلِ الأَرَبِ وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» المعروف: أبو جهم على التكبير، وقد صغَّره بعضهم، وهو: أبو جهم بن حذيفة القرشي، العدوي، وهو صاحب الأَنْبِجَانية، وقد غَلِطَ فيه يحيى بن يحيى الأندلسي فقال: أبو جهم بن هشام، ولا يُعرف في الصحابة من اسمه: أبو جهم بن هشام ولم يوافقه أحد من رواة «الموطأ» على ذلك. واختُلِف في معنى قوله: «ولا يضع عصاه عن عاتقه» فقيل: معناه: أنَّه ضرَّاب للنساء، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، وفي أخرى: «فيه شدَّة على النساء»، وقيل: المراد به: أنَّه كثير الأسفار، وقد جاء أيضًا في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدلّ على ذلك، غير أن التأويل الأوّل أحسن وأصحّ. وفيه ما يدلّ: على جواز تأديب النساء بالضرب، لكن غير المبرح، ولا خلاف في جواز ذلك على النشوز، وهو الامتناع من الزوج. قال بعضهم: واختُلف في ضربهنَّ على خدمة بيوتهن، وهذا إنما يتمشَّى على قول من أوجب ذلك عليهنَّ، ولا يعارض هذا قوله - ﷺ -: «لا يجلد أحدكم زوجته جَلْدَ العبد، ثمَّ يضاجعها»؛ لأنَّ هذا النهي إنما يقتضي المنع من الضرب المبرح الذي لا يجوز، وهو الشديد المفرط، ولا خلاف في منع مثله. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . (وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ) بضمّ الصاد المهملة؛ أي: فقير، كما بيّنه بقوله: (لَا مَالَ لَهُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا تفسير للرواية التي وقع فيها «تَرِبٌ»، وقد تقدَّم أنَّه يقال: تَرِبَ الرجلُ: إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى، وفيه ما يدلُّ على أن ذكر مساوئ الخاطب، أو من يُعامِل، أو من يُحتاج إلى قبول قوله، أو فتياه جائز، ولا يعدُّ ذلك غيبة، ولا بُهتانًا؛ إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة العيب إليه، لكن على جهة الإخبار، وأداء النصيحة، وأداء الأمانة، كما فعله أهل الحديث وغيرهم. انتهى . (انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ») بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير الصحابيّ ابن الصحابيّ، حِبّ رسول الله - ﷺ -، وابن حبّه - ﵄ -، أبو محمَّد، وأبو زيد، مات سنة (٥٤ هـ) وهو ابن (٧٥)، تقدّمت ترجمته في«الإيمان»٤٣/ ٢٨٤. قال القرطبيّ - ﵀ -: فيه ما يدلّ على جواز نكاح المولى للقرشية؛ فإن أسامة مولى، وفاطمة قرشية، كما تقدم. وإن الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين، لا النسب، كما هو مذهب مالك. وقد رَوَى الدارقطنيّ عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمِّه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال . (فَكَرِهْتُهُ) بكسر الراء، من باب عَلِمَ؛ أي: لكونه مولًى، وهي قرشيّة (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ) وفي رواية الشعبي، عن فاطمة، قالت:«خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وخطبني رسول الله - ﷺ - على مولاه أسامة بن زيد، وقد كنت حُدِّثتُ أن رسول الله - ﷺ - قال: من أحبني، فليُحبّ أسامة، فلما كلّمني رسول الله - ﷺ -، قلت: أمري بيدك، فأنكحني من شئتَ. . .». وفي رواية أبي سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عنها، قالت: فلما حللت آذنته، فقال رسول الله - ﷺ -:«ومن خطبك؟ »، فقلت: معاوية، ورجل آخر من قريش، فقال النبيّ - ﷺ -:«أما معاوية فإنَّه غلام من غلمان قريش، لا شيء له، وأما الآخر، فإنَّه صاحب شرّ، لا خير فيه، ولكن انكحي أسامة بن زيد»، قالت: فكرهته، فقال لها ذلك ثلاث مرّات، فنكحتْه. (فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا) وفي رواية أبي سلمة، عنها، قالت: فنكحته، فجعل الله - ﷿ - فيه خيرًا عظيمًا. قال القرطبيّ - ﵀ -: قولها:«فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا إلخ»كان ذلك منها بعد أن صدر منها توقّف، وما يدلّ على كراهتها لذلك، كما جاء في روايةٍ: فقالت بيدها - هكذا - أسامة، أسامة! فقال لها رسول الله - ﷺ -:«طاعة الله وطاعة رسوله خير لك»، قالت: فتزوجته فاغتَبَطتُ. انتهى. (وَاغْتَبَطْتُ بِهِ) أي: حَسُن حالي بسبب نكاحي إياه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الْغِبْطَةُ: حُسْنُ الحال، وهي اسم من غَبَطْتُهُ غَبْطًا، من باب ضَرَبَ: إذا تَمَنَّيتَ مثلَ ما ناله، من غير أن تريد زواله عنه؛ لما أَعجبك منه، وعَظُم عندك، وفي حديث:«أَقُومُ مَقَامًا يَغْبِطُنِي فِيهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ»، وهذا جائز، فإنَّه ليس بحَسَد، فإن تمنيت زواله فهو الْحَسَد. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: الْغِبْطةُ بالكسر: حُسنُ الحال، والْمَسَرّةُ، وقد اغْتَبَطَ، والْحَسَدُ، كالْغَبْط، وقد غَبِطَه، كضربه، وسَمِعه، وتمنَّى نعمةً على أن لا تتحوّل عن صاحبها، فهو غابطٌ، جمعه غُبُطٌ، ككُتُب. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح التاء والباء، ولم تقع لفظة«به»في أكثر النسخ، قال أهل اللغة: الْغِبْطة: أن يُتَمَنَّى مثلُ حال المغبوط، من غير إرادة زوالها عنه، وليس هو بحسَد، تقول منه: غَبَطته بما نال أَغْبِطه بكسر الباء ، غَبْطًا، وغِبْطةً، فاغْتَبَطَ هو، كَمَنَعْتُهُ، فامْتَنَعَ، وحَبَسْتُهُ فاحْتَبَسَ. وأما إشارته - ﷺ - بنكاح أسامة - ﵁ -، فَلِمَا عَلِمه من دينه، وفضله، وحسن طرائقه، وكَرَم شمائله، فنصحها بذلك، فكرهته؛ لكونه مولًى، ولكونه كان أسود جدًّا، فكرَّر عليها النبيّ - ﷺ - الحثّ على زواجه؛ لِمَا عَلِم من مصلحتها في ذلك، وكان كذلك، ولهذا قالت: فجَعَل الله لي فيه خيرًا عظيمًا، واغتَبَطَتْ، ولهذا قال النبيّ - ﷺ - في الرواية التي بعد هذا: «طاعة الله، وطاعة رسوله خير لك»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٦٩٦ و٣٦٩٧ و٣٦٩٨ و٣٦٩٩ و٣٧٠٠ و٣٧٠١ و٣٧٠٢ و٣٧٠٣ و٣٧٠٤ و٣٧٠٥ و٣٧٠٦ و٣٧٠٧ و٣٧٠٨ و٣٧٠٩ و٣٧١٠ و٣٧١١ و٣٧١٢ و٣٧١٣ و٣٧١٤ و٣٧١٥] (١٤٨٠)، و(أبو داود) في «الطلاق» (٢٢٨٤ و٢٢٨٨ و٢٢٨٩ و٢٢٩٠)، و(النسائيّ) (٦/ ٧٥ و١٤٤ و٢٠٨) و«الكبرى» (٣/ ٤٩٥)، و(الترمذيّ) في «النكاح» (١١٣٥)، و(ابن ماجه) في «الطلاق» (٢٠٢٤ و٢٠٣٢ و٢٠٣٥ و٢٠٣٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٥)، و(مالك) في «الموطّإ» (١٢٣٤ و١٢٧٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٨٦ و٢٧٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤١٢ و٤١٣ و٤١٤ و٤١٥ و٤١٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٢٧٤ و٢٢٧٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٩١٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٧٦٠)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (٤٢٩٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ١٣٥ و١٧٧ و١٧٨ و١٨١ و٤٣٢ و٤٧١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٣٨٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن المبتوتة لا نفقة لها، ولا سكنى، وفيه اختلاف بين أهل العلم، سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): بيان أن الكفاءة، في الدين، لا في النسب، فقد أنكح النبيّ - ﷺ - فاطمة بنت قيس، وهي قرشيّة أسامة بن زيد، وهو مولى، وقد تقدَّم بيان اختلاف العلماء في ذلك في محلّه برقم [١٥/ ٣٦٣٥]، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): جواز طلاق البتّة، حيث لم ينكره - ﷺ - على زوج فاطمة - ﵂ -. ٤ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ - في أم شريك - ﵂ -: «يغشاها أصحابي» دليلٌ على أن المرأة المتجالّة العجوز الصالحة جائز أن يغشاها الرجال في بيتها، ويتحدّثون عندها، وكذلك لها أن تغشاهم في بيوتهم، ويرونها، وتراهم فيما يحلّ، ويَجْمُلُ، وينفع، ولا يضرّ، قال الله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]. والغشيان في كلام العرب: الإلمام، والورود، قال حسّان بن ثابت - ﵁ -[من الكامل]: يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ … لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ فمعنى قوله: «تلك امرأة يَغشاها أصحابي»؛ أي: يُلِمّون بها، ويَرِدون عليها، ويجلسون عندها. قاله في «الاستذكار» . ٥ - (ومنها): أن في قوله: «تضعين ثيابك، ولا يراك» دليلًا على عدم جواز نظر الرجل إلى المرأة؛ لما فيه من داعية الفتنة. ٦ - (ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن المرأة يجوز لها أن تطّلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطّلع عليه من المرأة، كالرأس، ومعلّق القرط، ونحو ذلك، فأما العورة فلا، ولكن هذا يعارضه ما ذكره الترمذيّ من قول النبيّ - ﷺ - لميمونة وأم سلمة، وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم، فقال: «احتجبا منه»، فقالتا: إنه أعمى، فقال: «أفَعَمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟». والجواب من وجهين: [أحدهما]: أن هذا الحديث لا يصحّ عند أهل النقل؛ لأنَّ راويه عن أم سلمة نبهان مولاها، وهو ممن لا يُحتجّ بحديثه. [وثمانيهما]: على تقدير صحّته، فذلك تغليظ منه - ﷺ - على أزواجه لحرمتهنّ، كما غلّظ عليهنّ أمر الحجاب، ولهذا أشار أبو داود وغيره من الأئمة. انتهى . وقال الحافظ - ﵀ - عند قول البخاريّ - ﵀ -: «باب نظر المرأة إلى الحَبَش، ونحوهم من غير ريبة»، ما نصّه: وظاهر الترجمة أن المصنّف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبيّ، بخلاف عكسه، وهي مسألة مشهورة، واختَلَف الزجيح فيها عند الشافعيّة، وحديث الباب يساعد من أجاز، وقد تقدَّم في أبواب العيد جواب النوويّ عن ذلك بأن عائشة كانت صغيرةً، دون البلوغ، أو كان قبل الحجاب، وقوّاه بقوله في هذه الرواية: «فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنّ»، لكن تقدَّم ما يعكُر عليه، وأن في بعض طرقه أن ذلك كان بعد قدوم الحبشة، وأن قدومهم كان سنة سبع، ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغةً، وكان بعد الحجاب. وحجة من منع حديث أمّ سلمة الحديث المشهور: «أفعمياوان أنتما؟»، وهو حديث أخرجه أصحاب «السنن» من رواية الزهريّ، عن نبهان، مولى أم سلمه، عنها، وإسناده قويّ، وأكثر ما عُلّل به انفراد الزهريّ بالرواية عن نبهان، وليست بعلّة قادحة، فإن من يعرفه الزهريّ، ويصفه بأنّه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحدٌ، لا تُردّ روايته. والجمع بين الحديثين احتمال تقدَّم الواقعة، أو أن في قصّة الحديث الذي ذكره نبهان شيء يمنع النساء من رؤيته؛ لكون ابن أم مكتوم كان أعمى، فلعلّه كان منه شيء ينكشف، ولا يشعر به. ويقوّي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد، والأسواق، والأسفار، منتقبات؛ لئلا يراهنّ الرجال، ولم يؤمر الرجال قطّ بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدلّ على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزاليّ على الجواز، فقال: لسنا نقول: إن وجه الرجل في حقّها عورةٌ كوجه المرأة في حقّه، بل هو كوجه الأمرد في حقّ الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنة فلا؛ إذ لم يزل الرجال على ممرّ الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمر الرجال بالتنقّب، أو منعن من الخروج. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه البخاريّ، وحقّقه الغزاليّ، وأقرّه الحافظ - رحمهم الله تعالى - هو الحقّ الحقيق بالقبول، حيث دلّ عليه صحيح المنقول، وما عداه، كحديث أم سلمة - ﵂ - المذكور يُحْمَل على الاحتياط، ولا سيّما في حقّ أزواج النبيّ - ﷺ -، فقد قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، وقد أمر الله تعالى أن لا يُكَلّمن إلا من وراء حجاب، متجالّات كنّ، أو غير متجالّات، والحجاب عليهنّ أشدّ منه على غيرهنّ؛ لظاهر القرآن، وحديث نبهان المذكور، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البرّ - ﵀ - . وكذا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١] محمول على الاستحباب، أو على خوف الفتنة، وإلى ذلك أشار البخاريّ - ﵀ - حيث قال: «من غير ريبة». والحاصل أن نظر المرأة إلى الرجال الأجانب جائز عند أمن الخوف من الفتنة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب. ٧ - (ومنها): أن الخِطبة المنهيّ عنها في قوله - ﷺ -: «ولا يخطب على خطبة أخيه» محمول على ما إذا كان هناك ركون وميل، ومقاربة، فأما إذا لم يوجد ذلك، فلا يُمنع، فقد قالت فاطمة: إن معاوية، وأبا جهم خطباني، فلم ينكر عليها النبيّ - ﷺ - ذلك، بل خطبها مع ذلك لأسامة بن زيد، حيث لم يحصل منها ميل إليهما، ولا إلى أحد منهما. ٨ - (ومنها): أن من أخبر بعيب أخيه لمن استنصحه عند الخِطبة، أو نحوها ليس بمغتاب له، بل جائز، من باب النصيحة التي هي الدين، لما في «صحيح مسلم» من حديث تميم الداريّ - ﵁ -، مرفوعًا: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»، ولحديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «حقّ المسلم على المسلم ستٌّ»، وفيه: «وإذا استنصحك، فانصح له. . .» الحديث. ٩ - (ومنها): أن في قوله: «صُعلوك، لا مال له» دليلًا على أن المال من مستحقّات النكاح، وخصال الناكح، وأن الفقر من عيوبه، وأنه لو بُيِّن في العقد، أو عَرفت المرأة منه ذلك، ورضيت به جاز كسائر العيوب. ١٠ - (ومنها): أن كثرة ضرب النساء عيب يمنع من النكاح، إلا إذا رضيت المرأة به، كما سبق في الذي قبله. ١١ - (ومنها): جواز طلاق الغائب. ١٢ - (ومنها): جواز التوكيل في الحقوق في القبض والدفع. ١٣ - (ومنها): جواز سماع كلام الأجنبية، والأجنبيّ في الاستفتاء ونحوه. ١٤ - (ومنها): جواز الخروج من منزل العدّة للحاجة. ١٥ - (ومنها): جواز التعريض لخطبة المعتدّة البائن بالثلاث. ١٦ - (ومنها): جواز الْخِطبة على خِطبة غيره إذا لم يحصل للأول إجابة؛ لأنها أخبرته أن معاوية وأبا الجهم وغيرهما خطبوها. ١٧ - (ومنها): جواز استعمال المجاز؛ لقوله - ﷺ -: «لا يضع العصا عن عاتقه، ولا مال له». ١٨ - (ومنها): استحباب إرشاد الإنسان إلى مصلحته، وإن كرهها، وتكرار ذلك عليه؛ لقولها: قال: «انكحي أسامة، فكرهته، ثمَّ قال: انكحي أسامة، فنكحته». ١٩ - (ومنها): قبول نصيحة أهل الفضل والانقياد إلى إشارتهم، وأن عاقبتها محمودة. ٢٠ - (ومنها): الحرص على مصاحبة أهل التقوى والفضل، وإن دَنَئت أنسابهم. ٢١ - (ومنها): جواز إنكار المفتي على مفتٍ آخر خالف النصّ، أو عمّم ما هو خاصّ؛ لأنَّ عائشة أنكرت على فاطمة بنت قيس تعميمها أن لا سكنى للمبتوتة، وإنما كان انتقال فاطمة من مسكنها لعذر من خوف اقتحامه عليها، أو لبذاءتها، أو نحو ذلك. ٢٢ - (ومنها): استحباب ضيافة الزائر، وإكرامه بطيب الطعام والشراب، سواء كان الضيف رجلًا، أو امرأة،. ٢٣ - (ومنها): أن من أفرط في الوصف لا يلحقه الكذب، والمبالغ في النعت بالصدق لا يدركه الذمّ، ألا ترى إلى أن النبيّ - ﷺ - قال في أبي جهم: «لا يضع عصاه عن عاتقه»، وهو قد ينام، ويُصلّي، ويأكل، ويشرب، ويشتغل بما يحتاج إليه من شغله في دنياه، وإنما أراد المبالغة في وصفه بتأديب النساء. قال الحافظ أبو عمر - ﵀ -: وإنما أراد المبالغة في أدب النساء باللسان واليد، وربما يحسن الأدب بمثله، كما يَصنع الوالي في رعيته. وقد روي عن النبيّ - ﷺ - أنَّه قال لرجل أوصاه: «لا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في الله - ﷿ -» . وروي عنه - ﷺ - أنَّه قال: «علّق سوطك حيث يراه أهلك» . قال: ومعنى العصا في هذين الحديثين الإخافة والشدّة بكلّ ما يتهيّأ، ويمكن مما يَجمُلُ، ويَحسُنُ من الأدب فيما يجب الأدب فيه. وقد قال بعض أصحابنا: إن فيه إباحة ضرب الرجل امرأته ضربًا كثيرًا؛ لأنه قصد به قصد العيب له، والضرب القليل ليس بعيب؛ لأنَّ الله تعالى قد أباحه، قال: ولَمّا لم يغيّر رسول الله - ﷺ - على أبي جهم ما كان عليه من ذلك، كان في طريق الإباحة، وفيما قال من ذلك - والله أعلم - نظر، قال ابن وهب: ذمُّهُ لذلك دليلٌ على أنَّه لا يجوز فعله، ومن هذا قالت العرب: فلان ليّن العصا، وفلان شديد العصا، يقولون ذلك في الوالي، وما أشبهه، وقال الشاعر [من الطويل]: لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا … وَمَا عُلِّمَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِيَعْلَمَا وقال معن بن أوس، يصف راعي إبله [من الطويل]: عَلَيْهَا شَرِيبٌ وَادِعٌ لَيِّنُ الْعَصَا … يُسَائِلُهَا عَمَّا بِهِ وَتُسَائِلُهْ والعرب تُسمّي الطاعة، والأُلفة، والجماعة العصا، ويقولون: عصا الإِسلام، وعصا السلطان، ومن هذا قول الشاعر [من الطويل]: إِذَا كَانَتِ الْهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ الْعَصَا … فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ ومنه قول صلة بن أشيم: إياك وقتيل العصا، يقول: إياك أن تقتل، أو تُقتل قتيلًا إذا انشقّت العصا. والعرب أيضًا تسمّي قرار الظاعن عصًا، وقرار الأمر، واستواءه عصًا، فإذا استغنى المسافر عن الظعن، قالوا: قد ألقى عصاه، وقال الشاعر [من الطويل]: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى … كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيَابِ الْمُسَافِرُ ورُوي أن عائشة - ﵂ - تمثّلت بهذا البيت حين اجتمع الأمر لمعاوية - ﵁ -. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البرّ - ﵁ - ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان ما وجّه إلى حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - هذا، من المطاعن، والجواب عنه: وقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلّامة ابن القيّم: في كتابه الممتع «زاد المعاد»، وقد ذكر قبل ذكر المطاعن وأجوبتها كون حديثها موافقًا لكتاب الله - ﷿ - فقال: [موافقة هذا الحكم لكتاب الله - ﷿ -]: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. فأمر الله - ﷿ - الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساكُ، والتسريح بأن لا يُخرجوا أزواجهم من بيوتهم، وأمر أزواجهنّ أن لا يخرجوهن، فدلّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق، فإنَّه - ﷾ - ذكر لهؤلاء المطلقات أحكامًا متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض: [أحدها]: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهنّ. [والثاني]: أنهنّ لا يخرجن من بيوت أزواجهنّ. [والثالث]: أن لأزواجهنّ إمساكهنّ بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك، فيُسرّحوهنّ بإحسان. [والرابع]: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهادٌ على الرجعة إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيّات خاصّةً بقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، والأمر الذي يُرجى إحداثه ههنا هو المراجعة، هكذا قال السلف، ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن داود الأوديّ، عن الشعبيّ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قال: لعلّك تَنْدَمُ، فيكون لك سبيل إلى المراجعة. وقال الضحّاك: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قال: لعله أن يراجعها في العدّة. وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد تقدَّم قول فاطمة بنت قيس: أيُّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ فهذا يدلّ على أن الطلاق المذكور هو الرجعيّ الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأن حكمة أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يندم، ويزول الشرّ الذي نزغه الشيطان بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها، كما قال عليّ بن أبي طالب - ﵁ -: لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق، ما أتبع رجل نفسه امرأة يُطلّقها أبدًا. ثمَّ ذكر - ﷾ - الأمر بإسكان هؤلاء المطلّقات، فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فالضمائر كلّها يتّحد مفسّرها، وأحكامها كلها متلازمة، وكان قول النبيّ - ﷺ -: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة»، مشتقًّا من كتاب الله - ﷿ - ومفسّرًا له، وبيانًا لمراد المتكلّم به منه، فقد تبيّن اتحاد قضاء رسول الله - ﷺ -، وكتاب الله - ﷿ -، والميزان العادل معهما أيضًا، لا يُخالفهما، فإن النفقة إنما تكون للزوجة، فإذا بانت منه صارت أجنبيّة حكمها حكم سائر الأجنبيّات، ولم يبق إلا مجرّد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة، كالموطوءة بشبهة، أو زنى، ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدّتها، لوجبت للمتوفّى عنها من ماله، ولا فرق بينهما البتّة، فإن كلّ واحدة منهما قد بانت عنه، وهي معتدّةٌ منه، قد تعذّر منهما الاستمتاع، ولأنها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقة، كما يقوله من يوجبها، فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة، فالنصّ، والقياس يدفعه. ثمَّ قال رحمه الله تعالى: [ذكر المطاعن التي طُعن بها على حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - قديمًا وحديثًا]: (فأولها): طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - ﵁ -، فروى مسلم في «صحيحه» عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد، جالسًا، في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس؛ أن رسول الله - ﷺ -، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثمَّ أخذ الأسود كَفًّا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تُحدّث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - ﷺ - لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله - ﷿ -: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. قالوا: فهذا خبر عمر يُخبر أن سنّة رسول الله - ﷺ - أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب أن هذا مرفوع، فإن الصحابيّ إذا قال: «من السنة كذا»، كان مرفوعًا، فكيف إذا قال: «من سنة رسول الله - ﷺ -»؟، فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطّاب؟ وإذا تعارضت رواية عمر - ﵁ -، ورواية فاطمة، فرواية عمر أولى، ولا سيما، ومعها ظاهر القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر بن الخطّاب إذ ذُكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنّا نغيّر في ديننا بشهادة امرأة. [ذكر طعن عائشة في خبر فاطمة بنت قيس - ﵄ -]: في «الصحيحين» من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تزوّج يحيى بن سعيد بن العاص، بنت عبد الرحمن بن الحكم، فطلّقها، فأخرجها من عنده، فعاب ذلك عليهم عروة، فقالوا: إن فاطمة قد خَرَجت، قال عروة: فأتيت عائشة، فأخبرتها بذلك، فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث. وقال البخاري: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة أم المؤمنين، إلى مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة: اتَّقِ اللهَ وارددها إلى بيتها، قال مروان: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني، وقال: أَوَما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرّك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان بن الحكم: إن كان بكِ شرّ، فحسبك ما بين هذين من الشر. ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شرّ كان في لسانها، فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص، وبين امرأته من الشرّ. وفي «الصحيحين»: عن عروة أنَّه قال لعائشة: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم، طلّقها زوجها البتة، فخرجت؟ فقالت: بئس ما صنعت، قال: ألم تسمعي في قول فاطمة؟ قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث. وفي حديث القاسم، عن عائشة - ﵂ - يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي «صحيح البخاريّ»: عن عائشة - ﵂ - أنها قالت لفاطمة: ألا تتّقي الله، تعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي «صحيحه» أيضًا: عنها: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبيّ - ﷺ - لها. وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني انتقال المطلّقة ثلاثًا. وذكر القاضي إسماعيل، حدّثنا نصر بن عليّ، حدثني أبي، عن هارون، عن محمَّد بن إسحاق، قال: أحسبه عن محمَّد بن إبراهيم، أن عائشة - ﵁ - قالت لفاطمة بنت قيس: إنما أخرجك هذا اللسان. [ذكر طعن أسامة بن زيد - ﵁ - على حديث فاطمة]: روى عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث بن سعد، حدثني جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمَّد بن أُسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئًا من ذلك، يعني انتقالها في عدّتها رماها بما في يده. [ذكر طعن مروان على حديث فاطمة]: روى مسلم في «صحيحه» من حديث الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حديث فاطمة هذا أنَّه حدّث به مروان، فقال مروان: لم نسمع هذا إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها. [ذكر طعن سعيد بن المسيّب]: روى أبو داود في «سننه» من حديث ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة، فدُفِعتُ إلى سعيد بن المسيّب، فقلت: فاطمة بنت قيس طُلِّقت، فخرجت من بيتها، فقال سعيد: تلك امرأة فَتنت الناس، إنها كانت امرأة لَسِنَةً، فوُضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى. [ذكر طعن سليمان بن يسار]: روى أبو داود في «سننه» أيضًا، قال في خروج فاطمة: إنما كان من سوء الخلق. [ذكر طعن الأسود بن يزيد]: تقدَّم حديث مسلم: أن الشعبيّ حدّث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفًّا من حصباء، فحصبه به، وقال: ويلك تُحدّث بمثل هذا؟ وقال النسائيّ: ويلك، لِمَ تفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله - ﷺ -، وإلا لم نترك كتاب ربّنا لقول امرأة. [ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن]: قال الليث: حدّثني عُقيلٌ، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، فذكر حديث فاطمة. ثمَّ قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تُحدّث من خروجها قبل أن تَحِلّ، قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى، فروى حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، أنَّه أخبر إبراهيم النخعيّ بحديث الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إن عمر أُخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله، وقول النبيّ - ﷺ -، لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعتُ النبيّ - ﷺ - يقول: «لها السكنى والنفقة». ذكره أبو محمَّد في «المحلّى»، فهذا نصّ صريحٌ، يجب تقديمه على حديث فاطمة؛ لجلالة رواته، وترك الصحابة عليه، وموافقته لكتاب الله. [ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن، وبيان بطلانها]: وحاصلها أربعة: [أحدها]: أن راويتها امرأة، لم تأت بشاهدين يُتابعانها على حديثها. [الثاني]: أن روايتها تضمّنت مخالفة القرآن. [الثالث]: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حقّ لها في السكنى، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها. [الرابع]: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - ﵁ -. ونحن نبيّن ما في كلّ واحد من هذه الأمور الأربعة - بحول الله تعالى وقوّته - هذا مع أن في بعضها من الانقطاع، وفي بعضها من الضعف، وفي بعضها من البطلان ما سننبّه عليه، وبعضها صحيح عمن نُسب إليه بلا شكّ. فأما الطعن الأوّل، وهو كون الراوي امرأة، فمَطْعَنٌ باطل بلا شكّ، والعلماء قاطبةً على خلافه، والمحتجّ بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له، ومخالف له، فإنهم لا يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم من سنّة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس، لا تشاء أن ترى فيها سنّة تفرّدت بها امرأة منهنّ إلا رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين؟ وقد أخذ الناس بحديث فُريعة بنت مالك بن سنان، أخت أبي سعيد الخدريّ في اعتداد المتوفّى عنها في بيت زوجها، وليست فاطمة بدونها علمًا، وجلالةً، وثقةً، وأمانةً، بل هي أفقه منها بلا شكّ، فإن فُريعة لا تُعرف إلا في هذا الخبر، وأما شهرة فاطمة، ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب الله ومناظرتها على ذلك، فأمرٌ مشهور، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها، كما مضى تقريره. وقد كان الصحابة - ﵃ - يختلفون في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبيّ - ﷺ - شيئًا، فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنما فُضّلن على فاطمة بنت قيس بكونهنّ أزواج رسول الله - ﷺ -، وإلا فهي من المهاجرات الأُوَل، وقد رضيها رسول الله - ﷺ - لِحِبّه، وابن حِبّه أُسامة بن زيد - ﵄ -، وكان هو الذي خطبها له، وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها، فاعرفه من حديث الدجّال الطويل الذي حدّث به رسول الله - ﷺ - على المنبر، فوعته فاطمة، وحفظته، وأدّته كما سمعته، ولم يُنكره عليها أحدٌ مع طوله، وغرابته، فكيف بقصّة جرت لها، وهي سببها، وخاصمت فيها، وحُكم فيها بكلمتين، وهي «لا نفقة، ولا سكنى»، والعادة توجب حفظ مثل هذا، وذِكْرَه، واحتمالُ النسيان فيه أمر مشتركٌ بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد نسي تيمّم الجنب، وذكّره عمار بن ياسر أمر رسول الله - ﷺ - لهما بالتيمّم من الجنابة، فلم يَذكُره عمر - ﵁ -، وأقام على أن الجنب لا يصلّي حتى يجد الماء. ونسي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، حتى ذكّرته به امرأة، فرجع إلى قولها. ونسي قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، حتى ذُكّر به. فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلة على التقديرين، ولو رُدّت السننُ بمثل هذا، لم يبق بأيدي الأمة منها إلا اليسير، ثمَّ كيف يُعارِض خبرَ فاطمة، ويَطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل، ولا يشترط للرواية نصابًا؟ وعمر - ﵁ - أصابه في مثل هذا ما أصابه في ردّ خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، وردّه خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شَهِد له محمَّد بن مسلمة، وهذا كان تثبيتًا منه - ﵁ - حتى لا يركب الناس الصعب والذَّلُول في الرواية عن رسول الله - ﷺ -، وإلا فقد قَبِلَ خبر الضحّاك بن سفيان الكلابيّ وحده، وهو أعرابيّ، وقبل لعائشة - ﵂ - عدّة أخبار تفرّدت بها. وبالجملة، فلا يقول أحد: إنه لا يُقبل قولُ الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان، لا سيما إن كان من الصحابة. فصل: وأما المطعن الثاني، وهو أن روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل، ومفصّل، أما المجمل، فنقول: لو كانت مخالفةً كما ذكرتم، لكانت مخالفةً لعمومه، فتكون تخصيصًا للعامّ، فحكمها حكم تخصيص قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: ٢٤] بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ونظائره، فإن القرآن لم يُخصّ البائن بأنها لا تُخرَج، ولا تَخرُج، وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إما أن يعمّها، ويعُمّ الرجعيّة، وإما أن يخصّ الرجعيّة. فإن عمّ النوعين، فالحديث مخصّص لعمومه، وإن خصّ الرجعيات، وهو الصواب للسياق الذي من تدبّره، وتأمله قطع بأنّه في الرجعيّات من عدّة أوجه قد أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفًا لكتاب الله، بل موافقٌ له، ولو ذُكِّر أمير المؤمنين - ﵁ - بذلك، لكان أوّل راجع إليه، فإن الرجل كما يذهَلُ عن النصّ يذهل عن دلالته وسياقه، وما يقترن به مما يتبيّن المراد منه، وكثيرًا ما يذهَلُ عن دخول الواقعة المعيّنة تحت النصّ العامّ، واندراجه تحتها، فهذا كثيرٌ جدًّا، والتفطّن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر - ﵁ - من ذلك بالمنزلة التي لا تُجهل، ولا تستغرقها عبارة، غير أن النسيان والذهول عُرْضةٌ للإنسان، وإنما الفاضل العالم من إذا ذُكّر ذَكَرَ، ورجع. فحديث فاطمة رضي الله تعالى عنها مع كتاب الله على ثلاث أطباق، لا يخرج عن واحد منها، إما أن يكون تخصيصًا لعامّه. الثاني: أن يكون بيانًا لما لم يتناوله، بل سكت عنه. الثالث: أن يكون بيانًا لما أريد به، وموافقًا لما أرشد إليه سياقُه، وتعليلُه، وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافقٌ له، لا مخالفٌ، وهكذا ينبغي قطعًا، ومعاذَ الله أن يحكم رسول الله - ﷺ - بما يُخالف كتاب الله تعالى، أو يعارضه. وقد أنكر الإمام أحمد - ﵀ - هذا من قول عمر - ﵁ -، وجعل يتبسّم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى، والنفقة للمطلّقة ثلاثًا؟ وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة، وقالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ وقد تقدَّم أن قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]، يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيّات. فصل: وأما المطعن الثالث، وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها، فما أبرده من تأويل، وأسمجه، فإن المرأة من خيار الصحابة - ﵃ -، وفضلائهم، ومن المهاجرات الأُوَل، وممن لا يحملها رقّة الدين، وقلّة التقوى على فُحش، يوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقّها الذي جعله الله لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجبًا: كيف لم ينكر عليها النبيّ - ﷺ - هذا الفُحْش، ويقول لها: اتق اللهَ وكُفّي لسانك عن أذى أهل زوجك، واستقرّي في مسكنك؟ وكيف يعدِل عن هذا إلى قوله: «لا نفقة لك، ولا سكنى»، وإلى قوله: «إنما السكنى والنفقة للمرأة التي إذا كان لزوجها عليها رجعة»؟، فيا عجبًا كيف يُترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبيّ - ﷺ -، ويُعلّل بأمر موهوم لم يعلّل به رسول الله - ﷺ - البتّة، ولا أشار إليه، ولا نبّه عليه؟ هذا من المحال البيَّن. ثمَّ لو كانت فاحشة اللسان، وقد أعاذها الله من ذلك، لقال لها النبيّ - ﷺ -، وسمعت، وأطاعت: كُفّي لسانك حتى تنقضي عدّتك، وكان من دونها يسمع، ويُطيع؛ لئلا يخرج من سكنه. فصل: وأما المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر - ﵁ -، فهذه المعارضة تُورد من وجهين: أحدهما: قوله: «لا ندع كتاب ربّنا، وسنّة نبيّنا»، وأن هذا من حكم المرفوع. الثاني: قوله: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لها السكنى والنفقة». ونحن نقول: قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصحّ عنه أبدًا. قال الإمام أحمد: لا يصحّ ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: بل السنّة بيد فاطمة بنت قيس قطعًا، ومن له إلمامٌ بسنّة رسول الله - ﷺ - يشهد شهادة الله أنَّه لم يكن عند عمر - ﵁ - سُنَّة عن رسول الله - ﷺ - أن للمطلّقة ثلاثًا السكنى والنفقة، وعمر كان أتقى لله، وأحرص على تبليغ سنن رسول الله - ﷺ - أن تكون هذه السنّة عنده، ثمَّ لا يرويها أصلًا، ولا يبيّنها، ولا يبلّغها عن رسول الله - ﷺ -. وأما حديث حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر - ﵁ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لها السكنى والنفقة»، فنحن نشهد بالله شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذبٌ على عمر - ﵁ -، وكذب على رسول الله - ﷺ -، وينبغي أن لا يَحمِل الإنسانَ فرط الانتصار للمذاهب، والتعصّب لها على معارضة سنن رسول الله - ﷺ - الصحيحة الصريحة بالكذب البحت، فلو يكون عند عمر - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - لخَرِسَت فاطمة، وذووها، ولم ينسبوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها، ولَمَا فات هذا الحديث أئمة الحديث، والمصنّفين في السنن، والأحكام، المنتصرين للسُّنَن فقط، لا لمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم، ولو قُدّر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نُخاعُهُ، فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر - ﵁ - بسنين، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم، عن عمر - ﵁ -، وحَسّنّا به الظنّ، وكان قد روي له قول عمر - ﵁ - بالمعنى، وظنّ أن رسول الله - ﷺ - هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلّقة، حتى قال عمر - ﵁ -: لا ندع كتاب ربّنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحًا، ويكون مُغفّلًا، ليس تحمّل الحديث، وحفظه، وروايته من شأنه. وبالله التوفيق. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران، وسعيد بن المسيّب، فذكر له ميمون خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون؛ لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله - ﷺ - ما فَتَنت الناسَ، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة، مع أنها أحرم الناس عليه، ليس لها عليه رجعةٌ، ولا بينهما ميراث. انتهى. ولا يُعلم أحد من الفقهاء رحمهم الله تعالى إلا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعيّ، وجمهور الأمة يحتجّون به في سقوط نفقة المبتوتة، إذا كانت حائلًا، والشافعيّ نفسه احتجّ به على جواز جمع الثلاث؛ لأنَّ في بعض ألفاظه: فطلّقني ثلاثًا، وقد بيّنّا أنَّه إنما طلّقها آخر ثلاث، كما أخبرت به عن نفسها. واحتجّ به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال. واحتجّ به الأئمة كلّهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأوّل. واحتجّوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوّجه، أو يُعامله، أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة. واحتجّوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنه لا يشترط حضوره، ومواجهته به. واحتجّوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدّة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها، وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمّة منها، وعمِلت بها، فما بال روايتها تُردّ في حكم واحد من أحكام هذا الحديث، وتُقبل فيما عداه؟ فإن كانت حفظته، قُبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يُقبل في شيء من أحكامه. وبالله التوفيق. [فإن قيل [: بقي عليكم شيء واحدٌ، وهو أن قوله - ﷾ -: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ إنما هو في البوائن، لا في الرجعيّات، بدليل قوله عقبه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فهذا في البائن؛ إذ لو كانت رجعيّة، لما قيّد النفقة عليها بالحمل، ولكان عديم التأثير، فإنها تستحقّها حائلًا كانت، أو حاملًا، والظاهر أن الضمير في ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو والضمير في قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ واحد. [فالجواب]: أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى، أو ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأوّل، فالآية على زعمه حجة عليه؛ لأنه شرط في إيجاب النفقة عليهنّ كونهنّ حوامل، والحكم المعلّق على الشرط ينتفي عند انتفائه، فدلّ على أن البائن الحائل لا نفقة لها. [فإن قيل]: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها. [قيل]: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطًا. وإن كان ممن يوجب السكنى وحدها، فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخصّ البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخصّ الرجعيّة قطعًا، كقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. ونوع يَحتَمِل أن يكون للبائن، وأن يكون للرجعيّة، وأن يكون لهما، وهو قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾، فحمله على الرجعيّة هو المتعيّن؛ لتتّحد الضمائر ومفسّرها، فلو حُمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر، ومفسّرها، وهو خلاف الأصل، والحمل على الأصل أولى. [فإن قيل]: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعيّة بكونها حاملًا؟ [قيل]: ليس في الآية ما يقتضي أنَّه لا نفقة للرجعيّة الحائل، بل الرجعيّة نوعان، قد بيّن الله حكمهما في كتابه: حائلٌ، فلها النفقة بعقد الزوجيّة؛ إذ حكمها حكم الأزواج. أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب، لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده، فإن الزوج يُنفق عليها وحده، إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنَّه في حال حملها جزء من أجزائها، فإذا انفصل كان له حكم آخر، وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت فائدة التقييد، وسرّ الاشتراط. والله أعلم بما أراد من كلامه. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلّامة ابن القيّم - ﵀ - تحقيقٌ نفيس جدًّا. وحاصله أن حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - حديث صحيح يجب العمل به؛ فإن المطاعن التي وُجّهت إليه غير مقبولة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم نفقة المبتوتة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: اختلف الناس في النفقة للمبتوتة إذا لم تكن حاملًا: فأباها قومٌ، وهم أهل الحجاز، منهم مالك، والشافعيّ، وتابعهم على ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد. وحجتهم هذا الحديث، قوله - ﷺ - لفاطمة: «ليس لك عليه نفقة»، وهو مرويّ من وجوه صحاح، متواترة عن فاطمة - ﵂ -. وممن قال: إن المبتوتة لا نفقة لها، إن لم تكن حاملًا: عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن البصريّ، وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والحسن بن حيّ: لكلّ مطلّقة السكنى، والنفقة، ما دامت في العدّة، حاملًا كانت، أو غير حامل، مبتوتة، أو رجعيّة، وهو قول عثمان البَتِّيّ، وابن شُبْرُمة. وحجتهم في ذلك أن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود - ﵄ -، قالا في المطلّقة ثلاثًا: لها السكنى والنفقة ما كانت في العدّة. وقالت طائفة: المطلّقة المبتوتة إن لم تكن حاملًا لا سكنى لها، ولا نفقة، منهم: الشعبيّ، وميمون بن مهران، وعكرمة، ورواية عن الحسن. وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود. ثمَّ قال أبو عمر - ﵀ - بعد أن ذكر أقوال من ردّ حديث فاطمة، أو تأوله -، ما نصّه: لكن من طرق الحجة، وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل، ومن تابعه أصحّ، وأحجّ؛ لأنه لو وجب السكنى عليها، وكانت عبادة تعبّدها الله بها، لألزمها ذلك رسول الله - ﷺ -، ولم يُخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت أم مكتوم؛ ولأنه أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها، تؤدّب، وتقصر على السكنى في المنزل الذي طُلّقت فيه، وتُمنع من أذى الناس، فدلّ ذلك على أن من اعتلّ بمثل هذه العلّة في الانتقال، اعتلّ بغير صحيح من النظر، ولا متّفق عليه من الخبر، هذا ما يوجبه عندي التأمّل لهذا الحديث مع صحّته، وبالله تعالى التوفيق. وإذا ثبت أن النبيّ - ﷺ - قال لفاطمة بنت قيس - وقد طُلّقت طلاقًا باتًا -: لا سكنى لك، ولا نفقة، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة؛ فأيّ شيء يعارض به هذا؟ هل يُعارض إلا بمثله عن النبيّ - ﷺ - الذي هو المبيّن عن الله مراده من كتابه، ولا شيء عنه - ﷺ - يدفع ذلك، ومعلوم أنَّه أعلم بتأويل قول الله - ﷿ -: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ من غيره - ﷺ -، وأما الصحابة، فقد اختلفوا كما رأيت، منهم من يقول: لها السكنى والنفقة، منهم: عمر، وابن مسعود، ومنهم من يقول: لها السكنى، ولا نفقة، منهم ابن عمر، وعائشة، ومنهم من يقول: لا سكنى لها، ولا نفقة، وممن قال ذلك: عليّ، وابن عباس، وجابر، وكذلك اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال، على ما ذكرنا، وبيّنّا - والحمد لله -. انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ أبو عمر - ﵀ - من ترجيح القول بما دلّ عليه حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - هو الحقّ الذي لا مرية فيه. والحاصل أن الصحيح أنَّه لا سكنى، ولا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملًا؛ لحديث فاطمة - ﵂ - هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٦٩٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيز، يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ، كِلَيْهِمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ دُونٍ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ، قَالَتْ: وَاللهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَإِنْ كَانَ لِي نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ، لَمْ آخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَك، وَلَا سُكْنَى»). رجال هذا الإسناد: ستّة.: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، تقدَّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٥/ ٢٩٠. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) بالتشديد - المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥. ٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار القاصّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كِلَيْهِمَا) هكذا النسخ، وهو صحيح، بتقدير: أعني كليهما، أو هو مرفوع تأكيد للمرفوع، كُتب بالياء لإجل الإمالة، فيُقرأ بالألف، وضمير التثنية لعبد العزيز، ويعقوب، والله تعالى أعلم. وقولها: (وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ دُونٍ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النسخ «نفقةَ دُونٍ» بإضافة «نفقة» إلى «دون»، قال أهل اللغة: الدُّون: الرديء الحقير، قال الجوهريّ: ولا يُشتقّ منه فعلٌ، قال: وبعضهم يقول منه: دان يدون دُونًا، وأدين إدانةً. انتهى. وقولها: (وَاللهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بضم الهمزة، من الإعلام، و«رسول الله - ﷺ -» منصوب على المفعوليّة، وهو الأوّل، والثاني محذوف؛ أي: هذا الأمر. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وتقدّم البحث عنه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٦٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا، فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا نَفَقَةَ لَك، فَانْتَقِلِي، فَاذْهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكُونِي عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام الشهير، تقدَّم قريبًا. ٢ - (عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ) القُرشيّ العامريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٥] (ت ١١٧) بالمدينة (بخ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٦/ ١٥٥٧. والباقون ذُكروا قبله، و«أبو سلمة» هو ابن عبد الرحمن بن عوف. وقولها: (أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ) تقدَّم أنَّه أبو عمرو بن حفص، وقيل بالعكس، واسمه عبد الحميد، وقيل: غيره، من بني مخزوم. وقوله: (فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا) أي: أبي وكيلاه أن ينفقا عليها؛ لعلمهما أنَّه لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى، كما تقدَّم بيان ذلك. وقوله: (تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ) وفي الرواية الأخرى: «فإنك إذا وَضَعتِ خمارك لم يرك»، قال النوويّ - ﵀ -: هذه الرواية مفسّرة للأولى، ومعناه: لا تخافين من رؤية رجل إليك. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وتقدّم البحث عنه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٦٩٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ، طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْيَمَن، فَقَالَ لَهَا أَهْلُهُ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْنَا نَفَقَةٌ، فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَقَالُوا: إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ»، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك، وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا، أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ، فَانْطَلِقِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ لَمْ يَرَك، فَانْطَلَقَتْ إِلَيْه، فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا، أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدَّم قريبًا. ٢ - (حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن بَهْرَام التميميّ، أبو محمَّد، أو أبو عليّ الْمَرُّوذِيّ نزيل بغداد، ثقة [٩] (ت ٢١٣ أو بعدها بسنة، أو سنتين (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٦/ ١٥٤٣. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثمَّ اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدَّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أن أبا حفص بن المغيرة) تقدَّم الخلاف، في كنيته، وفي اسمه أيضًا. وقولها: (طلّقها ثلانًا) أي: آخر تطليقات ثلاث، كما تقدَّم بيانه. وقولها: (ثمَّ انطلق إلى اليمن) أي: مع عليّ - ﵁ - لَمّا بعث النبيّ - ﷺ - إليها. وقولها: (فانطلق خالد بن الوليد) قد تقدَّم أن خالدًا - ﵁ - كان ابن عمّ لأبي حفص زوج فاطمة - ﵄ -. وقوله: (لا تسبقيني بنفسك) أي: لا تفعلي شيئًا من تزويج نفسك قبل إعلامك لي بذلك، وإنما قال لها - ﷺ - ذلك؛ لأنه يريد أن يخطبها لأسامة - ﵁ -، وهذا يدلّ على جواز التعريض بخِطبة المعتدّة البائن، كما قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد تقدَّم البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَ: كَتَبْتُ ذَلِكَ مِنْ فِيهَا كِتَابًا، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى أَهْلِه، أَبْتَغِي النَّفَقَةَ، وَاقْتَصُّوا الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو: «لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكرياء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ١١٠. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٥. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم في الباب الماضي. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ: كَتَبْتُ ذَلِكَ مِنْ فِيهَا كِتَابًا) القائل هو أبو سلمة بن عبد الرحمن، يعني أنَّه كتب الحديث المذكور بعد سماعه من فم فاطمة بنت قيس - ﵂ -، فقوله: «من فيها» لغة في الفم، و«كتابًا» مصدر لـ «كتبتُ»؛ أي: كتبته كتابة. وقولها: (فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ) تقدَّم أن المراد به أنَّه طلّقها طلاقًا بائنًا، وهي آخر الطلقات الثلاث، لا أنَّه طلّقها بلفظ «البتّة»، فتنبّه. وقوله: (وَاقْتَصُّوا الْحَدِيثَ) ضمير الجماعة يعود إلى شيوخه الأربعة: يحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حجر، وابن أبي شيبة. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو: «لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ») يعني أن الخلاف بين محمَّد بن عمرو وبين يحيى بن أبي كثير في قوله: «أن لا تسبقيني بنفسك»، فإن محمَّد بن عمرو رواه بلفظ: «لا تفوتينا بنفسك»، من الفوات. [تنبيه]: رواية محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَة، فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ الله - ﷺ - تَسْتَفْتِيهِ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا، وَقَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، أبو محمَّد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٥ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمَّد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ) هذا هو الصحيح الذي قاله الجمهور، وقلبه بعضهم، فقال: أبو حفص بن عمرو، فتنبّه. وقولها: (فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ) هذا هو المفسّر للرواية الأخرى: «طلقها البتّة»، وكذا «طلقها ثلاثًا»، فالمراد أن الطلقة التي طلّقها كانت هي الطلقة الثلاثة، بانت بها من زوجها، فتنبّه. فقوله: (زَعَمَتْ) المراد بالزعم هنا هو القول المحقّق، لا الباطل. وقولها: (فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى) قال النوويّ - ﵀ -: هذا محمول على أنَّه أَذِن لها في الانتقال؛ لعذر، وهو البذاءة على أحمائها، أو خوفها أن يُقْتَحَم عليها، أو نحو ذلك، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في أوائل هذا الباب، وأما لغير حاجة فلا يجوز لها الخروج والانتقال، ولا يجوز نقلها، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قال ابن عباس وعائشة: المراد بالفاحشة هنا النشوز، وسوء الخلق، وقيل: هو البذاءة على أهل زوجها، وقيل: معناه إلا أن يأتين بفاحشة الزنى، فيخرجن لإقامة الحدّ، ثمَّ ترجع إلى المسكن. انتهى . وقوله: (فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَهُ إلخ) هو مروان بن الحكم، وستأتي قصّته في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، مَعَ قَوْلِ عُرْوَةَ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُجَيْنُ) بن المثنّى اليماميّ، أبو عُمير، سكن بغداد، وولي قضاء خُراسان، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٥) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. ٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثقةٌ، ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية عُقيل، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ في «الكبرى» ٣/ ٣٩٨ فقال: (٥٧٤٠) أخبرنا محمَّد بن رافع النيسابوريّ، قال: حدّثنا حُجين بن الْمُثَنَّى، قال: حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته، أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت فاطمة أنها جاءت رسول الله - ﷺ -، فاستفتته في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل عند ابن أم مكتوم الأعمى، فأبى مروان أن يصدق فاطمة في خروج المطلقة من بيتها، قال عروة: أنكرت عائشة ذلك على فاطمة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَة، خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَن، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ، كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ، فَقَالَا لَهَا: وَاللهِ مَا لَكِ نَفَقَةٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا، فَأَتَت النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ لَهُ قَوْلَهُمَا، فَقَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ»، فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الانْتِقَال، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: أَيْنَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَكَانَ أَعْمَى، تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ، وَلَا يَرَاهَا، فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا، أَنْكَحَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَرْوَانُ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، يَسْأَلُهَا عَن الْحَدِيث، فَحَدَّثَتْهُ بِه، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِن امْرَأَةٍ، سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ، حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ: فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الْقُرْآنُ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا، إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. وقوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَة، خَرَجَ إلخ) قال القرطبيّ: هو مرسلٌ، على ما قاله أبو مسعود الدمشقيّ . وقال الحافظ الرشيد العطار في «غرر الفوائد»: وفي سماع عبيد الله هذا من أبي عمرو بن حفص - ﵁ - نظرٌ، وقد ذكر غير واحد من العلماء أن هذا الحديث من هذا الوجه غير متصل، قلت: وهذا حديث انفرد به مسلم دون البخاريّ، وأخرجه في «صحيحه» متصلًا من عدّة طرق، من حديث الشعبيّ، وأبي سلمة، وغيرهما، عن فاطمة بنت قيس - ﵂ -، ولو سلّمنا أنَّه منقطع من هذا الوجه، فقد بينا أنَّه متّصلٌ في كتاب مسلم من عدّة أوجه. انتهى كلام الرشيد العطار. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن هذا الحديث من هذا الوجه مرسلٌ؛ لأنَّ عبيد الله بن عبد الله لم يسمع من أبي عمرو بن حفص، لكن لا يضرّ إرساله؛ لأنَّ مسلمًا قد أخرجه متّصلًا من عدّة طرق، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، ومن رواية الشعبيّ، عنها، ومن رواية غيرهما عنها، كما هو واضح من أحاديث الباب، وإنما أورده مسلم، مع إرساله؛ متابعةً، ومعلوم أن المتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبا عبد الرحمن المكيّ، أخا أبي جهل، وابن عمّ خالد بن الوليد، وأمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة. قال الزبير بن بكّار: كان شريفًا مذكورًا، مدحه كعب بن الأشرف اليهوديّ، وشهد الحارث بن هشام بدرًا مع المشركين، وكان فيمن انهزم، فعيّره حسّان بن ثابت، فقال [من الكامل]: إِنْ كُنْتِ كَاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي … فَنَجَوْتِ مَنْجَى الْحَارِثِ بْنِ هَشَامِ تَرَكَ الأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُمْ … وَنَجَا بِرَأْسِ طِمْرَةٍ وِلِجَامِ فأجاب الحارث [من الكامل]: اللهُ يَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ قِتَالَهُمْ … حَتَّى رَمَوْا فَرَسِي بِأَشْقَرَ مُزْبِدِ فَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا … أُقْتَلْ وَلَا يُنْكِي عَدُوِّي مَشْهَدِي فَفَرَرْتُ عَنْهُمْ وَالأَحِبَّةُ فِيهِمُ … طَمَعًا لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُرْصَدِ ويقال: إن هذه الأبيات أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار، قال الزبير: ثمَّ شهد أُحدًا مشركًا حتى أسلم يوم فتح مكة، ثمَّ حسن إسلامه، قال: وحدثني عمي، قال: خرج الحارث في زمن عمر بأهله وماله من مكة إلى الشام، فتبعه أهل مكة، فقال: لو استبدلت بكم دارًا بدار ما أردت بكم بدلًا، ولكنها النقلة إلى الله، فلم يزل بالشام حتى ختم الله له بخير. قال الزبير: لم يترك الحارث إلا ابنه عبد الرحمن، فأُتي به، وبناجية بنت عتبة بن سُهيل بن عمرو إلى عمر، فقال: زوّجوا الشريدة بالشريد، عسى الله أن ينشر منهما، فنشر الله منهما ولدًا كثيرًا. وكان الحارث يُضرب به المثل في السؤدد، حتى قال الشاعر [من الكامل]: أَظَنَنْتَ أَنَّ أَبَاكَ حِينَ نَسَبْتَنِي … فِي الْمَجْدِ كَانَ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ أَوْلَى قُرَيشٍ بِالْمَكَارِمِ وَالنَّدَى … فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ وَالإِسْلَامِ وقال الزبير بن بكّار في «الموفّقيّات» من طريق محمَّد بن إسحاق في قصّة سَقيفة بني ساعدة، قال: فقام الحارث بن هشام، وهو يومئذ سيد بني مخزوم، ليس أحد يعدل به إلا أهل السوابق مع رسول الله - ﷺ -، فقال: والله لولا قول رسول الله - ﷺ -: «الأئمة من قريش» ما أُبعد منها الأنصار، ولكانوا لها أهلًا، ولكنه قولٌ لا شكّ فيه، فوالله لو لم يبق من قريش كلها إلا رجلٌ واحد لصيّر الله هذا الأمر فيه، وكان الحارث يَحمل في قتال الكفّار، ويرتجز: إِنِّي بِرَبِّي وَالنَّبِيِّ مُؤْمِنُ … وَالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَمَاتِ مُوقِنُ أَقْبِحْ بِشَخْصٍ لِلْحَيَاةِ مُوطِنُ وذكر ابن سعد وغيره: أنَّه توفّي في طاعون عَمَواس سنة (١٨). وقوله: (وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) - واسم أبيه عمرو، ويُلقّب ذا الرمحين - ابن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة، وكان من السابقين الأولين، وهاجر الهجرتين، ثمَّ خَدَعه أبو جهل إلى أن رجعوه من المدينة إلى مكة، فحبسوه، وكان النبيّ - ﷺ - يدعو له في القنوت، كما ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ -، وذكر العسكريّ أنَّه شهد بدرًا، وغلّطوه. قال ابن قانع، والقراب، وغيرهما: مات سنة (١٥) بالشام في خلافة عمر - ﵁ -، وقيل: استُشهد باليمامة. وقيل: باليرموك. وقوله: (قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبِ) بن حَلْحَلَة الْخُزاعيّ، أبو سعيد، أو أبو إسحاق المدنيّ، نزيل دمشق، من أولاد الصحابة، وله رؤية، مات سنة بضع وثمانين، تقدَّم في «الجنائز» ٤/ ٢١٣٠. وقوله: (فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَرْوَانُ إلخ) حاصل قصّته هو ما أخرجه عبد الرزاق في «مصنّفه» ٧/ ٢٢ فقال: (١٢٠٢٥) عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ أن عبد الله بن عمرو بن عثمان طلَّق، وهو غلام شابٌّ في إِمْرة مروان ابنةَ سعيد بن زيد، وأمها ابنة قيس، فطلّقها البتة، فأرسلت إليها خالتها فاطمة بنت قيس، فأمرتها بالانتقال من بيت زوجها عبد الله بن عمرو، فسمع ذلك مروان، فأرسل إليها، فأمرها أن ترجع إلى مسكنها، فسألها ما حملها على الانتقال قبل أن تنقضي عدتها؟ فأرسلت تخبره أن فاطمة بنت قيس أفتتها بذلك، وأخبرتها أن رسول الله - ﷺ - أفتاها بالخروج، أو قال: بالانتقال حين طلقها أبو عمرو بن حفص المخزوميّ، فأرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن ذلك، فأخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص المخزوميّ، قالت: وكان رسول الله - ﷺ - أمّر عليًّا على بعض اليمن، فخرج معه زوجها، وبعث إليها بتطليقة، كانت بقيت لها، وأَمَرَ عياش بن أبي ربيعة، والحارث بن هشام أن يُنفقا عليها، فقالا: والله ما لها نفقة، إلا أن تكون حاملًا، قالت: فأتيت النبيّ - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: «لا نفقة لك، إلا أن تكوني حاملًا»، واستأذنته في الانتقال، فأذن لها، فقالت: أين أنتقل يا رسول الله؟ قال: عند ابن أم مكتوم، وكان أعمى، تضع ثيابها عنده، ولا يُبصرها، فلم تزل هنالك، حتى مضت عدّتها، فأنكحها النبيّ - ﷺ - أسامة بن زيد. انتهى. وقوله: (سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا) هكذا هو في معظم النسخ: «بالعصمة» بكسر العين، وفي بعضها «بالقضيّة» بالقاف، والضاد، وهذا واضحٌ، ومعنى الأوّل بالثقة، والأمر القويّ الصحيح، قاله النوويّ . وقولها: (قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ) أرادت به الردّ على قول مروان من مَنْعِه المبتوتة من الانتقال من بيتها، واستدَلّت عليه بأن الآية إنما تضمّنت نهي غير المبتوتة بقرينة قول الله - ﷾ -: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، تقول: وأيّ أمر يحدث بعد تمام الطلقات الثلاث؟ بخلاف غير المبتوتة، فإنها بصدد أن يَحدُث لمطلّقها أمر، إما بالارتجاع، أو باستئناف النكاح . وقولها: (فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟) اعتراض على مروان بأنّه يوجب للمبتوتة السكنى، ويمنع من خروجها، دون النفقة، وحاصل اعتراضها: أنكم إذا لم توجبوا النفقة فكيف تمنعونها من الخروج؟ والنفقة جزاء الاحتباس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، وَحُصَيْنٌ، وَمُغِيرَةُ، وَأَشْعَثُ، وَمُجَالِدٌ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَدَاوُدُ، كُلُّهُمْ عَنْ الشَّعْبِيّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ، فَقَالَتْ: فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَة، قَالَتْ: فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدَّم في الباب الماضي. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (سَيَّارُ) بن أبي سيّار وَرْدان، أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، أو البصريّ، ثقةٌ [٦] (١٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٤ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٥ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، يدلّس [٦] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٦ - (أَشْعَثُ) بن سوّار الكِنْديّ النجّار الكوفيّ، مولى ثقيف، ويقال له: شعبة النجار، وأشعث التابوتيّ، وأشعث الأفرق، ويقال: الأثرم، صاحب التوابيت، وكان على قضاء الأهواز، ضعيف [٦]. رَوَى عن الحسن البصري، والشعبيّ، وعديّ بن ثابت، وعكرمة، وأبي إسحاق، وعون بن أبي جُحيفة، والحكم بن عتيبة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوريّ، وهشيم، وحفص بن غياث، وبشير بن ميمون، وأبو خالد الأحمر، وعبثر بن القاسم، وابن نمير، وغيرهم. قال الثوريّ: أشعث أثبت من مجالد، وقال يحيى بن سعيد: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وأشعث دونهما، وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، ورأيت عبد الرحمن يَخُطّ على حديثه، وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن حدّثا عن سفيان عنه بشيء قط، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أشعث بن سوار أحب إلي من إسماعيل بن مسلم، وسمع من الشعبيّ، ولم يسمع من إبراهيم، وقال مرةً: ضعيفٌ، وقال ابن الدّورقيّ عنه: ثقةٌ، وقال أحمد: هو أمثل في الحديث من محمَّد بن سالم، ولكنه على ذلك ضعيف الحديث، وقال العجليّ: أمثل من محمَّد بن سالم، وقال أبو زرعة: لَيِّنٌ، وقال النسائيّ، والدارقطنيّ: ضعيفٌ، وقال ابن عديّ: ولأشعث بن سوّار روايات عن مشايخه، وفي بعض ما ذكرت يخالفونه، وفي الجملة يُكتب حديثه، وأشعث بن عبد الملك خير منه، ولم أجد له فيما يرويه متنًا منكرًا، إنما في الأحايين يخلط في الإسناد، ويخالف. وقال الْبَرْقانيّ: قلت للدارقطنيّ: أشعث عن الحسن، قال: هم ثلاثة يحدثون جميعًا عن الحسن: الْحُمْرانيّ، وهو ابن عبد الملك، أبو هانئ ثقةٌ، وابن عبد الله بن جابر الْحُدّانيّ، يُعتبر به، وابن سوّار، يُعتبر به، وهو أضعفهم، روى عنه شعبة حديثًا واحدًا. وقال ابن حبَّان: فاحش الخطأ، كثير الوهم، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في حديثه، وقال العجليّ: ضعيف يُكتب حديثه، وقال مرةً: لا بأس به، وليس بالقويّ، قال: وقال ابن مهديّ: هو أرفع من مجالد، قال: والناس لا يتابعونه على هذا، مجالدٌ أرفع منه، وقال ابن شاهين في «الثقات» عن عثمان بن أبي شيبة: صدوقٌ، قيل: حجةٌ؟ قال: لا، وقال بندار: ليس بثقة، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: أشعث وإسماعيل بن مسلم أيهما أعلى؟ قال: إسماعيل دون أشعث، وأشعث ضعيفٌ، وقال البزار: لا نعلم أحدًا ترك حديثه، إلا من هو قليل المعرفة، واستنكر له العقيليّ روايته عن الحسن، عن أبي موسى، حديث: «الأذنان من الرأس»، وقال: لا يتابع عليه. قال عمرو بن عليّ: مات سنة (١٣٦). أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث متابعةً. ٧ - (مُجَالِدُ) بن سعيد بن عُمير بن بِسطام بن ذي مرّان بن شُرَحبيل بن ربيعة بن مَرثد بن جُشَم الْهَمْدانيّ، أبو عمرو، ويقال: أبو سعيد الكوفيّ، ليس بالقويّ، وقد تغيّر في آخره، من صغار [٦]. روى عن الشعبيّ، وقيس بن أبي حازم، وأبي الودّاك جَبْر بن نَوْف، وزياد بن عِلاقة، ومحمد بن بشر الْهَمْدانيّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه إسماعيل، وإسماعيل بن أبي خالد، وهو من أقرانه، وجرير بن حازم، وشعبة، والسفيانان، وابن المبارك، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال البخاريّ: كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وكان ابن مهديّ لا يروي عنه، وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئًا، وقال ابن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: مجالد؟ قال: في نفسي منه شيء، وقال أحمد بن سنان القطان: سمعت ابن مهديّ يقول: حديث مجالد عند الأحداث: أبي أسامة، وغيره ليس بشيء، ولكن حديث شعبة، وحماد بن زيد، وهشيم، وهؤلاء، يعني أنَّه تغير حفظه في آخر عمره، وقال عمرو بن عليّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول لبعض أصحابه: أين تذهب؟ قال: إلى وهب بن جرير أكتب السيرة عن أبيه، عن مجالد، قال: تكتب كذبًا كثيرًا، لو شئتَ أن يجعلها إلى مجالد كلها عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عبد الله فعل، وقال أبو طالب عن أحمد: ليس بشيء، يرفع حديثًا كثيرًا لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيف، واهي الحديث، كان يحيى بن سعيد يقول: لو أردت أن يرفع لي مجالد حديثه كله رفعه، قلت: ولِمَ يرفعه؟ قال: للضعف، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي: يُحتج بمجالد؟ قال: لا، وهو أحب إلي من بشر بن حرب، وأبي هارون العبديّ، وشهر بن حوشب، وعيسى الخياط، وداود، وليس مجالد بقويّ في الحديث، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، ووثقه مرةً، وقال ابن عديّ: له عن الشعبيّ، عن جابر أحاديث صالحةٌ، وعن غير جابر، وعامة ما يرويه غير محفوظ. وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة أربع وأربعين ومائة في ذي الحجة. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث متابعةً، ومقرونًا. ٨ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدَّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. ٩ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمَّد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ١٠ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو من (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. و«فاطمة» ذُكرت قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، وَدَاوُدَ، وَمُغِيرَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَأَشْعَثَ، عَن الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ زُهَيْرٍ، عَنْ هُشَيْمٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية. وكلهم ذُكروا في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَم، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ، وَسَقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ، فَسَأَلْتُهَا عَن الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، أَيْنَ تَعْتَدُّ؟ قَالَتْ: طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا، فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ) أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ) قال النوويّ - ﵀ -: معنى «أتحفتنا»: ضيّفتنا، و«رُطَب ابن طاب» نوع من الرُّطَب الذي بالمدينة، وقد ذكرنا أن أنواع تمر المدينة مائة وعشرون نوعًا. انتهى . وقوله: (وسقتنا سَوِيق سُلْت) قال النوويّ - ﵀ -: بسين مهملة مضمومة، ثمَّ لام ساكنة، ثمَّ مثناة فوقُ، وهو حَبّ متردّد بين الشعير والحنطة، قيل: طبعه طبع الشعير في البرودة، ولونه قريب من لون الحنطة، وقيل: عكسه، واختَلَف أصحابنا في حكمه على ثلاثة أوجه مشهورة، الصحيح أنَّه جنس من الحبوب، ليس هو حنطة، ولا شعيرًا، والثاني أنَّه حنطة، والثالث أنَّه شعير، وتظهر فائدة الخلاف في بيعه بالحنطة، أو بالشعير متفاضلًا، وفي ضمّه إليهما في إتمام نصاب الزكاة، وفي غير ذلك. وفي هذا الحديث استحباب الضيافة، واستحبابها من النساء؛ لزوارهنّ، من فُضلاء الرجال، وإكرام الزائر، وإطعامه، والله أعلم. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَن الشَّعْبِيّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، قَالَ: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمَّد المعروف ببُندار، تقدَّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدَّم قبل باب. ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدَّم أيضًا قبل باب. ٥ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الْحَضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) (ع) تقدم في «الحيض» ٥/ ٧٠٤. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَن الشَّعْبِيّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَأَرَدْتُ النُّقْلَةَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّك، عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَاعْتَدِّي عِنْدَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ) - بتقديم الزاي، مصغّرًا - الضبّيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٩) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيّ، عَمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدُ، اختلط بآخره، ويدلّس [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ إلخ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع هنا، وكذا جاء في «صحيح مسلم» في آخر الكتاب، وزاد: «فقال: هو رجل من بني فِهْر، من البطن الذي هي منه»، قال القاضي عياض: والمشهور خلاف هذا، وليس هما من بطن واحد، هي من بني مُحارب بن فِهر، وهو من بني عامر بن لؤيّ، قال النوويّ: وهو ابن عمها مجازًا يجتمعان في فِهْر، واختَلَفِت الرواية في اسم ابن أم مكتوم، فقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: غير ذلك. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٠٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَم، وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ، فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، ثُمَّ أَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى، فَحَصَبَهُ بِه، فَقَالَ: وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالَ عُمَرُ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ الله، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا - ﷺ - لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمَّد بن عمرو بن عَبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. ٢ - (أَبُو أَحْمَدَ) محمَّد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ الزُّبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٤. والباقون ذُكروا قبله. قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هو السبيعيّ. وقوله: (قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ الكوفيّ المخضرم المتوفّى سنة أربع، أو خمس وسبعين، تقدّمت ترجمته في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. وقوله: (فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ) يعني مسجد الكوفة، فإن أبا إسحاق، والأسود، والشعبيّ كلهم من أهل الكوفة. وقوله: (فَحَصَبَهُ بِهِ) من بابي ضرب، ونصر؛ أي: رماه بذلك الحصى. وقوله: (فَقَالَ: وَيْلَكَ) هو كقولهم: تربت يمينك، وعقرى حلقى، مما يجري على اللسان، ولا يراد به حقيقة معناه، وأصل الويل كلمة عذاب، أو واد في جهنّم، أو باب لها ، والله تعالى أعلم. وقوله: (لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ إلخ) المراد به الآية التي ذكرها بعدُ. وقوله: (وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا - ﷺ -) انتقد الدارقطنيّ، والبيهقيّ أن زيادة: «وسنة نبينا» لا تصحّ؛ والمحفوظ: «لا نترك كتاب ربنا» فقط، قال الدارقطنيّ في «سننه» ٤/ ٢٥: (٧١) - نا الحسين بن إسماعيل، نا أحمد بن محمَّد بن يحيى بن سعيد، نا يحيى بن آدم، نا عمار بن رُزيق، عن أبي إسحاق، عن الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، قالت: طلّقني زوجي ثلاثًا، فأردت النفقة، فأتيت النبيّ - ﷺ -، فقال: «انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم»، قال أبو إسحاق: فلما حدّث به الشعبيّ حصبه الأسود، وقال: ويحك تحدّث، أو تُفتي بمثل هذا؟ قد أتت عمر، فقال: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله - ﷺ -، وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، ولم يقل فيه: «وسنة نبينا»، وهذا أصح من الذي قبله؛ لأنَّ هذا الكلام لا يثبت، ويحيى بن آدم أحفظ من أبي أحمد الزبيري، وأثبت منه والله أعلم، وقد تابعه قَبيصة بن عُقبة، ثمَّ أورد رواية قبيصة بعده، والله تعالى أعلم. وقوله: (لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ) ذكر بعض الأصوليين هذا الحديث، بلفظ: «صدقت، أم كذبت»، فتمسك به بعض الملاحدة على أن الصحابة كان يكذّب بعضهم بعضًا في رواية الحديث، فلا ثقةَ في رواياتهم أصلًا، ولكن ذلك جهل منهم بالأحاديث، فإن قوله: «صدقت، أم كذبت» إنما ذكره بعض الأصوليين من غير مراجعة كتب الحديث، فإنَّه لا يوجد في شيء من الروايات إلا قول عمر - ﵁ -: «حفظت، أو نسيت»، قال ابن القيّم - ﵀ -: وما يرويه بعض الأصوليين: «لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبيّنا لقول امرأة لا ندري، أصدقت أم كذبت» غلطٌ، ليس في الحديث، وإنما الذي في الحديث: «حفظت، أم نسيت». انتهى . والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٣٧١٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ بِقِصَّتِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [١٠] (٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ) هو: سليمان بن قَرْم - بفتح القاف، وسكون الراء - ابن معاذ التيميّ الضبّيّ، أبو داود البصريّ النحويّ، ومنهم من ينسبه إلى جدّه، سيئ الحفظ، يتشيّع [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وأبي يحيى القَتّات، وعطاء أبي السائب، وابن المنكدر، والأعمش، وسماك بن حرب، وعاصم بن بَهْدلة، وغيرهم. وروى عنه سفيان الثوريّ، وهو من أقرانه، وحسين بن محمَّد المروزيّ، ويعقوب بن إسحاق الحضرميّ، ويونس بن محمَّد المؤدب، وأبو داود الطيالسيّ، ونسبه إلى جدّه، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبي يتتبع حديث قطبة بن عبد العزيز، وسليمان بن قَرْم، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه، وقال: هؤلاء قوم ثقات، وهم أتم حديثًا من سفيان، وشعبة، وهم أصحاب كتب، وإن كان سفيان وشعبة أحفظ منهم، وقال محمَّد بن عوف، عن أحمد: لا أرى به بأسًا، لكنه كان يُفرط في التشيع، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مرةً: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال ابن عديّ: له أحاديث حسان أفراد، وهو خير من سليمان بن أرقم بكثير، وتدلّ صورة سليمان هذا على أنَّه مفرط في التشيع، وفرّق بينه وبين سليمان بن معاذ الضبيّ، فقال: لم أر للمتقدمين فيه كلامًا، وفي بعض ما يروي مناكير، وقد قال غير واحد أن سليمان بن معاذ هو سليمان بن قَرْم، منهم أبو حاتم. قال الحافظ: وممن فرّق بينهما ابن حبَّان تبعًا للبخاريّ، ثمَّ ابن القطان، وذكر عبد الغني بن سعيد في «إيضاح الاشكال» أن من فرق بينهما فقد أخطأ، وكذا قال الدارقطنيّ، وأبو القاسم الطبرانيّ، وقال ابن حبَّان: كان رافضيًّا غاليًا في الرفض، ويقلب الأخبار مع ذلك، وقال في «الثقات»: سليمان بن معاذ يروي عن سماك، وعنه أبو داود، وجزم ابن عقدة بأنّه سليمان بن قَرْم، وأن أبا داود الطيالسي أخطأ في قوله: سليمان بن معاذ، قال الآجريّ، عن أبي داود: كان يتشيع، وذكره الحاكم في «باب من عيب على مسلم إخراج حديثهم»، وقال: غمزوه بالغلوّ في التشيع، وسوء الحفظ جميعًا، أعني سليمان بن قَرْم. والحاصل أن أحدًا لم يقل: سليمان بن معاذ إلا الطيالسيّ، وتبعه ابن عديّ، فإن كان معاذ اسم جدّه فلم يخطئ، والله أعلم. انتهى. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٤٨٠)، و(٢٦٤١): «المرء مع من أحبّ». و«أبو إسحاق» وهو السَّبيعيّ ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سليمان بن معاذ، عن أبي إسحاق هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ صُخَيْرٍ الْعَدَوِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، فَآذَنْتُهُ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو جَهْمٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ، لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاء، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ»، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا أُسَامَةُ أُسَامَةُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «طَاعَةُ الله، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ»، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، فَاغْتَبَطْتُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ صُخَيْرٍ الْعَدَوِيِّ) قال في «التهذيب»: أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم العدويّ، وقد يُنسب إلى جده، واسم أبي الجهم: صُخير ، ويقال: عُبيد بن حُذيفة بن غانم بن عبد الله بن عُبيد بن عُويج، ثقة [٤]. رَوَى عن عمه محمَّد بن أبي الجهم بن حُذيفة، وابن عمر، وفاطمة بنت قيس، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوريّ، وأبو العُميس، وعليّ بن صالح بن حيّ، وشَريك. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن حبَّان: صدوقٌ، وذكره ابن حبَّان في «الثقات»، وقال الزبير بن بكار: كان فقيهًا، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وفي «سنن ابن ماجه»: عن أبي بكر بن أبي الجهم بن صخير. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نسبه في «التهذيب» إلى «سنن ابن ماجه» هو الذي وقع في «صحيح مسلم» في هذا الإسناد، والظاهر أنَّه اختُلف في صخر، هل هو اسم أبي الجهم، أو اسم والده؟ والله تعالى أعلم. أخرج له البخاريّ في «جزء القراءة»، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذه الحديث، وأعاده بعده. [تنبيه]: قوله: «ابن صُخير» قال النوويّ: هكذا هو نسخ بلادنا «صُخير» بضمّ الصاد، على التصغير، وحَكَى القاضي عياض عن بعض رواتهم أنَّه «صخر» بفتحها، على التكبير، والصواب المشهور هو الأوّل. انتهى . والباقون ذُكروا في الباب، و«سفيان» هو الثوريّ. وقولها: (طَلَّقَهَا ثَلَاثًا) تقدَّم أن المراد: طلّقها آخر طلقات ثلاث، لا أنَّه طلّقها ثلاثًا بلفظ واحد، فتنبّه. وقولها: (وَلَا نَفَقَةً) تعني نفقة يناسب حالها، وإلا فسيأتي في الرواية التالية أنَّه أرسل إليها بخمسة آصع تمر، وخمسة آصع شعير، وقد تقدَّم أنَّه أمر لها بشعير، فسخطته، فتنبّه. وقوله: (فَرَجُلٌ تَرِبٌ، لَا مَالَ لَهُ) هو بفتح التاء، وكسر الراء، وهو الفقير، فأكده بأنّه لا مال له؛ لأنَّ الفقير قد يُطلق على من له شيء يسير، لا يقع موقعًا من كفايته، قاله النوويّ . وقوله: (فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا أُسَامَةُ أُسَامَةُ) يعني أنها أشارت بيدها كراهية لأسامة، وتقليلًا من شأنه، ثمَّ اغتبطته بعد ذلك، ورأت خيرًا، وفيه عدم مراعاة الكفاءة في النسب؛ لأنه مولى، وهي قرشيّة، وإنما الكفاءة في الدين، وهو قول مالك، وروى الدارقطنيّ عن حنظلة بن أبي سفيان الْجُمَحيّ، عن أمّه، قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال، ذكره الأبيّ - ﵀ - . وقولها: (فَاغْتَبَطْتُ) تقدَّم أنَّه بالبناء للفاعل، ومعناه: حسنت حالي. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧١٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْم، قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: أَرْسَلَ إِلَيَّ زَوْجِي أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَة، عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِطَلَاقِي، وَأَرْسَلَ مَعَهُ بِخَمْسَةِ آصُعِ تَمْرٍ، وَخَمْسَةِ آصُعِ شَعِيرٍ، فَقُلْتُ: أَمَا لِي نَفَقَةٌ إِلَّا هَذَا، وَلَا أَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِكُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَشَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «كَمْ طَلَّقَكِ؟» قُلْتُ: ثَلَاثًا، قَالَ: «صَدَقَ، لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ، اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَر، تُلْقِي ثَوْبَكِ عِنْدَهُ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك، فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَخَطَبَنِي خُطَّابٌ، مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو الْجَهْم، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ، خَفِيفُ الْحَال، وَأَبُو الْجَهْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاء، أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَلَكِنْ عَلَيْكِ بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. والباقون ذُكروا في الباب، و«عبد الرحمن» هو ابن مهديّ، و«سفيان» هو: الثوريّ. وقولها: (أَرْسَلَ إليّ زوجي بِطَلَاقِي) أي: بآخر طلاقها الثلاث. وقولها: (بِخَمْسَةِ آصُعِ تَمْرٍ) بمدّ الهمزة: جمع صاع على القلب، قال الفيّوميّ - ﵀ -: والصاع يُذَكَّر، ويؤنّث، قال الفراء: أهل الحجاز يؤنثون الصاع، ويجمعونها في القلّة على أَصْوُعٍ، وفي الكثرة على صِيعَانٍ، وبنو أسد، وأهل نجد يُذَكِّرون، ويجمعون على أَصْوَاعٍ، وربما أنّثها بعض بني أسد، وقال الزجاج: التذكير أفصح عند العلماء، ونقل الْمُطَرِّزيّ، عن الفارسيّ أنَّه يجمع أيضًا على آصع بالقلب، كما قيل: دار، وآدُرٌ بالقلب، وهذا الذي نقله جعله أبو حاتم من خطأ العوامّ، وقال ابن الأنباريّ: وليس عندي بخطأ في القياس؛ لأنه وإن كان غير مسموع من العرب، لكنه قياس ما نُقِل عنهم، وهو أنهم ينقلون الهمزة من موضع العين إلى موضع الفاء، فيقولون: أَبْآرٌ، وآبارٌ. انتهى . وقوله: (قَالَ: «صَدَقَ) فاعل»صدق«ضمير عيّاش بن أبي ربيعة؛ أي: صدق في قوله:»ليس لكِ نفقة«فوق ما أُعطيت. وقوله: (فِي بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ) تقدَّم الكلام فيه قريبًا. وقوله: (فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ) أي: أعمى، وجمعه أَضِرّاء؛ كشديد وأشِدّاء، وسُمّي الأعمى ضريرًا؛ لأنه به ضررًا بذهاب عينه. وقوله: (تُلْقِي ثَوْبَكِ عِنْدَهُ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ«تُلْقي»، وهي لغة صحيحة، والمشهور في اللغة«تلقين»بالنون. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: حذف نون الرفع دون ناصب، وجازم لغة، كما قال ابن مالك في«الكافية الشافية»: وَحَذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ«نِي»أَتَى … وَالْفَكُّ وَالإِدْغَامُ أَيْضًا ثَبَتَا وَدُونَ«نِي»في الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِ تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي وقوله: (خَفِيفُ الْحَالِ) هو بمعنى«تربٌ»، وهو كناية عن فقره. (وَأَبُو الْجَهْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ) وفي بعض النسخ:«فيه شدّة»، ووقع في«شرح النوويّ»هنا:«أبو الجهيم»بالتصغير، فقال النوويّ: هكذا هو في النسخ في هذا الموضع:«أبو الجهيم»بضم الجيم مصغرٌ، والمشهور أنَّه بفتحها مكبرٌ، وهو المعروف في باقي الروايات، وفي كتب الأنساب، وغيرها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي وقع في نسخة النوويّ وقع مثله في النسخة الهنديّة، وبقية النسخ بالتكبير، وهو الصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْم، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَسَأَلْنَاهَا، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَة، فَخَرَجَ فِي غَزْوَةِ نَجْرَانَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَزَادَ: قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، فَشَرَّفَنِي اللهُ بِأَبِي زَيْدٍ، وَكَرَّمَنِي اللهُ بِأَبِي زَيْدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلَد النبيل الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَخَرَجَ فِي غَزْوَةِ نَجْرَانَ) بفتح النون، وسكون الجيم: بلدة من بلاد هَمْدان، من اليمن، قال البكريّ: سُمّيت باسم بانيها . وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير أبي عاصم. وقولها: (فَشَرَّفَنِي اللهُ بِأَبِي زَيْدٍ، وَكَرَّمَنِي اللهُ بِأَبِي زَيْدٍ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في بعض النسخ: «بأبي زيد» في الموضعين، على أنَّه كنية، وفي بعضها: «بابن زيد» بالنون في الموضعين، وادَّعَى القاضي أنها رواية الأكثرين، وكلاهما صحيح، هو أسامة بن زيد، وكنيته أبو زيد، ويقال: أبو محمَّد. انتهى . [تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» ٣/ ١٥٣ فقال: (٤٥٣٧) - حدّثنا أحمد بن سعيد الدارميّ، قثنا أبو عاصم، قال: أنبا سفيان، قال: حدّثني أبو بكر بن أبي الجهم، قال: دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن على فاطمة بنت قيس، فسألناها، فقالت: كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فخرج في غزوة نجران، فبعث إليّ مع عيّاش بن أبي ربيعة خمسة آصع شعير، وخمسة آصع تمر، فقلت: ما لي نفقة إلا هذا، ولا أعتدّ في داركم؟ قالت: فجمعت ثيابي، وأتيت رسول الله - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: «كم طلّقك؟» قلت: ثلاثًا، قال: «صدقَ، لا نفقة لك، واعتدّي في بيت ابن أم مكتوم، فإذا حللت فآذنيني»، فلما حللت خطبني رجال كثير من قريش، فلما يَعْلَقْ بنفسي إلا معاوية، وأبو الجهم«، فأتيت رسول الله - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال:»أما معاوية فمسكين، تَرِبٌ، لا مال له، وأما أبو الجهم فرجل ضرّاب للنساء، ولكن أنكحي أسامة بن زيد«، قال: فجعلت أصبعي في أذني، فقلت: أسامة بن زيد؟ مَدَّ بها أبو عاصم صوته، قال أحمد بن سعيد: إنكارًا، فقال:»طاعة الله، وطاعة رسوله خير لك«، قالت: فتزوجت أسامة، فشَرَّفني الله بابن زيد، وأكرمني. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧١٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ، عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْر، فَحَدَّثَتْنَا أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَاتًّا، بِنَحْوِ حَدِيثِ سُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير، تقدَّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية شعبة، عن أبي بكر بن أبي الجهم هذه ساقها الطبريّ - ﵀ - في «تهذيب الآثار» ١/ ٤٢٥ فقال: (٧٠٣) - حدّثنا ابن المثنى، حدّثنا وهب بن جرير، حدّثنا شعبة، عن أبي بكر بن أبي الجهم، قال: دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن على فاطمة
مصادر المؤلف (٥٥)

١. راجع: «الفتح» ١١/ ٦٢٠ - ٦٢٣ «كتاب النكاح» رقم (٥١٩١).

٢. وفي نسخة: «فقال لها».

٣. «شرح النوويّ» ١٠/ ٩٤ - ٩٥.

٤. «المفهم» ٤/ ٢٦٦.

٥. راجع: «الإصابة» ١١/ ٢٦٦.

٦. «شرح النوويّ» ١٠/ ٩٥.

٧. «إكمال المعلم» ٥/ ٤٨ - ٤٩.

٨. «الفتح» ١٠/ ٥٩٩.

٩. «المفهم» ٤/ ٢٦٧.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٣٥.

١١. «شرح النوويّ» ١٠/ ٩٦.

١٢. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ٩٩.

١٣. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ١٠٠.

١٤. «المفهم» ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠.

١٥. «المفهم»٤/ ٢٧٠.

١٦. «المفهم»٤/ ٢٧١.

١٧. «شرح النوويّ» ١٠/ ٩٨.

١٨. «شرح النوويّ» ١٠/ ٩٧.

١٩. «الأحنف»: هو الأعرج، أو الذي يمشي على ظهر قدميه.

٢٠. «المفهم» ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢.

٢١. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٣/ ١٠٢.

٢٢. «سنن الدارقطنيّ» ٣/ ٣٠٢.

٢٣. «المفهم» ١٣/ ١٠٢.

٢٤. «المصباح المنير»٢/ ٤٤٢.

٢٥. «القاموس المحيط»٢/ ٣٧٥.

٢٦. تقدَّم عن«القاموس» أنَّه بكسر الباء، وفتحها، من بابي ضرب، وسَمِع.

٢٧. «الاستذكار» ١٨/ ٧٦ - ٧٧.

٢٨. «المفهم» ٤/ ٢٧٠ - ٢٧١.

٢٩. أخرجه أبو داود في «سننه» في «كتاب اللباس» رقم (٤١١٢)، والترمذيّ في «جامعه» في «الأدب» رقم (٢٧٧٨)، وأحمد في «مسنده» (٢٥٩٩٧).

٣٠. «الفتح» ١٠/ ٤٢٢.

٣١. راجع: «الاستذكار» ١٨/ ٨٢.

٣٢. ذكره الحافظ أبو بكر الهيثميّ: في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٠٦) عن ابن عمر - ﵂ -، وقال: رواه الطبرانيّ في «الصغير»، و«الأوسط»، وفيه الحسن بن صالح بن حيّ وثقه أحمد، وغيره، وضعّفه الثوريّ وغيره. انتهى.

٣٣. حديث حسنٌ، أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر - ﵄ - بلفظ: «عَلِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت»، وأخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عبّاس - ﵄ - بلفظ: «عَلِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنَّه أدبٌ لهم»، راجع: «الصحيحة» للشيخ الألبانيّ - ﵀ - (٣/ ٤٣١ - ٤٣٢) رقم (١٤٤٦ و١٤٤٧).

٣٤. «التمهيد» ١٩/ ١٦١ - ١٦٢.

٣٥. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ٥/ ٥٢٨ - ٥٤٢.

٣٦. «شرح النوويّ» ١٠/ ٩٩ - ١٠٠.

٣٧. بتشديد الراء، وإسكان الواو، بعدها ذال معجمة.

٣٨. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٠١.

٣٩. «المفهم» ٤/ ٢٧٦.

٤٠. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٠٢.

٤١. «تكملة فتح الملهم» ١/ ٢١١.

٤٢. وفي نسخة: «حدّثنا يحيى بن حبيب بن عربيّ».

٤٣. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٠٢ - ١٠٣.

٤٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٠٣.

٤٥. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٠٣ - ١٠٤.

٤٦. راجع: «القاموس» ٤/ ٦٧.

٤٧. راجع: «تهذيب السنن» ٣/ ١٩٤.

٤٨. هذا يخالف ما وقع في «صحيح مسلم» من كونه اسم والد أبي الجهم، فليتأمّل.

٤٩. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٠٤.

٥٠. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٠٤ - ١٠٥.

٥١. «شرح الأبّيّ» ٤/ ١٢٨.

٥٢. وفي نسخة: «فيه شدّة».

٥٣. «المصباح المنير» ١/ ٣٥١ - ٣٥٢.

٥٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٤.

٥٥. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٠٦.