HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٨٤

وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ) (قَالَ حَرْمَلَةُ: حدثنا. وقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ) حَدَّثَنِي يونس بن يزيد عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ اسْتَفْتَتْهُ. فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ يُخْبِرُهُ؛ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ. وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا. فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ. فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ. فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ (رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) فقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ. إِنَّكِ، وَاللَّهِ! مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عليك أربعة أشهر وعشر. قَالَت سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي. وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ. وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا. غَيْرَ أَنْ لا يقربها زوجها حتى تطهر.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص200
ج ٢ ص ١١٢٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٢٧٥
والمطلّقة طلاقًا بائنًا لهنّ الخروج لحوائجهنّ مطلقًا، ليلًا، أو نهارًا، ثم يَعُدْن إلى بيوتهنّ؛ لإطلاق حديث جابر - ﵁ -، فإنه - ﷺ - لما قال لها: «اخرجي، فجدّي» ما قيّده، لا بليل، ولا بنهار، فيُعْمَل بعمومه، وأما المطلّقة طلاقًا رجعيًّا، فلا تخرج مطلقًا، إلَّا لما استثناه الله تعالى في كتابه حيث قال - ﷾ -: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١] ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال: [٣٧٢١] (١٤٨٤) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظ، قَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ ابْنُ يَزِيدَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ كتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَرْقَمِ الزهْرِيّ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّة، فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاع، وَهِيَ حَامِل، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِه، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّاب، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ ابْنُ بَعْكَكٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّار، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ؛ إِنَّكِ وَاللهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ: فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنْ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، تقدَّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٧ - (عبد الله بن عتبة بن مسعود) الهذليّ، ابن أخي عبد الله بن مسعود، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبيد الله، ويقال: أبو عبد الرَّحمن، المدنيّ، ويقال: الكوفيّ، وُلد في عهد النبيِّ - ﷺ -، ووثقه العجليّ، وجماعة، من كبار [٢]. أدرك النبيّ - ﷺ -، ورآه، وروى عنه، وعن عمّه عبد الله بن مسعود، وعُمر، وعمّار، وعمر بن عبد الله بن الأرقم مكاتبةً، وأبي هريرة، وغيرهم. وروى عنه ابناه عُبيد الله، وعون، وحميد بن عبد الرَّحمن، والشعبيّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، وابن سيرين، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةٌ، رفيعًا، كثير الحديث، والفتيا، فقيهًا، وذكره ابن الْبَرْقيّ فيمن أدرك النبيّ - ﷺ -، ولم يثبُت له عنه رواية، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، ممن وُلد على عهد رسول الله - ﷺ -، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: كان يؤمّ الناس بالكوفة، مات في ولاية بشر بن مروان على العراق سنة أربع وسبعين، وقال خليفة: مات سنة ثلاث، أو أربع وسبعين، وأرّخه ابن قانع سنة ثلاث. رَوَى له الجماعة، سوى الترمذيّ. له في مسلم أربعة أحاديث فقط. ٨ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيُّ) هو: عمر بن عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن سُبيعة الأسلميّة. وعنه عبد الله بن عتبة بن مسعود، وابنه عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، فيما كتب إليهما، ذكره ابن حبّان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عندهم حديث سبيعة - ﵂ - هذا فقط. ٩ - (سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةُ) زوجة سعد بن خَوْلة، روت عن النبيّ - ﷺ - عدّتها، وروى عنها عمر بن عبد الله بن الأرقم، ومسروق بن الأجدع، وزُفر بن أوس بن الْحَدَثَان، وعبيد أبو سَوِيَّةَ، وعمرو بن عُتبة بن فَرْقَد، قال ابن عبد البرّ: روى عنها فُقهاء المدينة والكوفة حديثها هذا، وروى ابن عمر عنها حديث: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت …» الحديث، قال: وزعم العقيليّ أن سُبيعة التي روى عنها ابن عمر غير الأولي، ولا يصحّ عندي. روى لها الجماعة، سوى الترمذيّ، ولها عندهم هذا الحديث فقط، راجع «تحفة الأشراف» (١١/ ١١٠ - ١١١)، وقد كرّره المصنّف - ﵀ - في هذا الباب ثلاث مرّات، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف: - ﵀ -، وله فيه شيخان، قرن بينهما، ثم فصّل، لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس بن يزيد، وبعده مسلسل بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن) فيه أربعةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمر بن عبد الله. ٤ - (ومنها): أن صحابيّته من المقلّين من الرواية، فليس لها إلَّا هذا الحديث عند الجماعة، إلَّا الترمذيّ، كما سبق آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) ظاهر هذا السياق يدلّ أن عبيد الله قرأ كتاب عمر بن عبد الله، وهو الذي صرّح به في «تهذيب التهذيب» حيث قال عند ذكر من روى عن عمر هذا ما نصّه: وعنه عبد الله بن عتبة بن مسعود، وابنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فيما كَتَب عنه. انتهى . لكن رواية البخاريّ في «الطلاق» من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، صريحة على أنه رواه عن أبيه، ولفظه: حدّثنا يحيى بن بُكير، عن الليث، عن يزيد؛ أن ابن شهاب كتب إليه؛ أن عبيد الله بن عبد الله أخبره عن أبيه، «أنه كتب إلى ابن أرقم …» الحديث ، ولهذا رأيت إدخاله في السند، بعد أن كنت ملت إلى حذفه. والحاصل أن الظاهر أنه إنما رواه عن أبيه، لا عن عمر المذكور، والله تعالى أعلم. (حَدَّثَهُ أَن أَبَاهُ) عبد الله بن عتبة (كتَبَ) فيه العمل بالمكاتبة، وهو مذهب الجمهور، وقد عقد الإمام البخاريّ - ﵀ - للمكاتبة، والمناولة بابًا في «كتاب العلم» من «صحيحه»، فقال: «بابُ ما يُذكر في المناولة، وكتابِ أهل العلم بالعلم إلى البلدان»، وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف، فبعث بها إلى الآفاق، ورأى عبد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ومالكٌ ذلك جائزًا، واحتجّ بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبيّ - ﷺ - حيث كتب لأمير السريّة كتابًا، وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبيّ - ﷺ -، ثم أخرج بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود؛ أن عبد الله بن عباس، أخبره؛ أن رسول الله - ﷺ -، بعث بكتابه رجلًا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مَزّقه … قال الحافظ - ﵀ -: والمكاتبة من أقسام التحمّل، وهو أن يكتب الشيخ حديثه بخطّه، أو يأذن لمن يَثِق به بكتبه، ويرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن له في روايته عنه، وقد سوّى البخاريّ بينها وبين المناولة، ورجّح قوم المناولة عليها؛ لحصول المشافهة فيها بالإذن، دون المكاتبة. وقد جوّز جماعة من القدماء إطلاق الإخبار فيهما، والأَولى ما عليه المحقّقون من اشتراط بيان ذلك. انتهى . (إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَرْقَمَ الزُّهْرِيِّ) ولفظ البخاريّ: «أنه كتب إلى ابن الأرقم»، قال في «الفتح»: جزم جمع من الشُّرّاح أنه عبد الله بن الأرقم الزهريّ الصحابي المشهور، ووَهِموا في ذلك، وإنما هو ولده عمر بن عبد الله، كذلك وقع واضحًا مُفَسَّرًا في رواية يونس، وليس لعمر المذكور في «الصحيحين» سوى هذا الحديث الواحد، ووقع في رواية عُقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه كتب إليه؛ أن الْقَ سُبيعة، فسَلْها، كيف قضى لها؟ قال: فأخبرني زُفَر بن أوس بن الْحَدَثان أن سبيعة أخبرته، والقائل: أخبرني زُفر: هو عبيد الله بن عبد الله، بَيَّن ذلك النسائيّ في روايته من طريق زيد ابن أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، ووضح بذلك أن لابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فيه طريقين، والطريق الثالثة رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن الْمِسْور بن مَخْرَمة؛ أن سبيعة الأسلمية نُفِست، وهذا يَحْتَمِل أن يكون المسور حمله، أو أرسله عن سبيعة، أو حَضَر القصة، فإنه حَفِظَ خطبة النبيّ - ﷺ - في شأن فاطمة الزهراء، وكانت قبل قصة سبيعة، فلعله حضر قصة سبيعة أيضًا. انتهى . (يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ) بضمّ السين المهملة، وفتح الموحدة، تصغير سبع (بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ) - ﵂ -، نسبة إلى بني أسل، ذكرها ابن سعد في المهاجرات، ووقع في رواية لابن إسحاق، عند أحمد: «سُبيعة بنت أبي برزة الأسلميّ»، قال الحافظ: فإن كان محفوظًا، فهو أبو برزة آخر غير الصحابيّ المشهور، وهو إما كنية للحارث، والد سبيعة، أو نُسبت في الرواية المذكورة إلى جدّ لها. انتهى . (فَيَسْأَلَهَا حَدِيثَهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الله، إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو، ويقال: سعد بن خَوْليّ، بفتح الخاء، وسكون الواو، وكسر اللام، وتشديد التحتانيّة ؛ أي: كانت زوجًا له (وَهُوَ في في عَاصَ بْنِ لُؤَيٍّ) أي: عِدادهم، وذكر ابن إسحاق أنه كان حليفًا لهم، ثم لأبي رُهم بن عبد العزّى منهم، وقيل: كان من الفُرس الذين نزلوا اليمن . وقال النوويّ: قوله: «في بني عامر» هكذا هو في النسخ: «في بني عامر» بـ «في»، وهو صحيحٌ، ومعناه: ونسبه في بني عامر؛ أي: هو منهم. انتهى ، ولفظ النسائيّ: «وهو من بني عامر بن لُؤيّ». وفي «الإصابة»: سعد بن خولة القرشيّ العامريّ، من بني مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤيّ. وقيل: من حلفائهم، وقيل: من مواليهم، قال ابن هشام: هو فارسيّ من اليمن، حالف بني عامر، ذكره موسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهما في البدريين، وله ذكر في «الصحيحين» من حديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ -، حيث مرض بمكة، فقال النبيّ - ﷺ -: «لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله - ﷺ -) أن مات بمكة». انتهى . (وَكَانَ) سعد هذا (مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا) أي: غزوة بدر (فَتُوُفِّيَ عَنْهَا) بالبناء للمفعول؛ أي: مات، وفي رواية النسائيّ: «فتُوفّي عنها زَوْجُهَا»، وفيه الإظهار في مقام الإضمار للإيضاح (فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ) بكسر الحاء: المرة من الحجّ، وهو غير قياس، والجمع حِججٌ، مثلُ سدرة وسِدَر، قال ثعلبٌ: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب، قاله الفيّوميّ . و«الوداع» بفتح الواو اسم من التوديع، يقال: ودّعته توديعًا: إذا شيّعته عند سفره، وإنما سُمي بذلك لأن النبيّ - ﷺ - ودعّ الناس فيه. وقوله: «فتُوفّي عنها في حجة الوداع» قال في «الفتح»: نَقَل ابنُ عبد البرّ الاتفاق على ذلك، وفي ذلك نظر، فقد ذَكَر محمد بن سعد أنه مات قبل الفتح، وذكر الطبريّ أنه مات سنة سبع ، ووقع في «تفسير سورة الطلاق» من «صحيح البخاريّ» أن زوج سبيعة قُتِل - ﵁ - وهي حُبلي، ومعظم الروايات على أنه مات، وهو المعتمد. وأجاب الكرمانيّ، فقال: لعل سبيعة قالت: قُتِل بناءً على ظن منها في ذلك، فتبيّن أنه لَمْ يُقتل. وتعقّبه الحافظ، فقال: وهذا الجمع يَمُجُّه السمع، وإذا ظنت سبيعة أنه قُتل، ثم تبيّن لها أنه لَمْ يُقتل، فكيف تجزم بعد دهر طويل بأنه قُتل؟ فالمعتمد أن الرواية التي فيها قُتِل إن كانت محفوظة، تَرَجَّحت؛ لأنَّها لا تنافي مات، أو تُوُفِّي، وإن لَمْ يكن في نفس الأمر قُتل، فهي رواية شاذّةٌ. انتهى . (وَهِيَ حَامِلٌ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن سُبيعة حامل من زوجها المتوفّى هذا. قال الفيّوميّ: حَمَلَت المرأةُ ولدَهَا، ويجعلُ حَمَلت بمعنى عَلِقَتْ، فيتعدّى بالباء، فيقال: حَمَلت به في ليلة كذا، وفي موضع كذا؛ أي: حَبِلَت، فهي حاملٌ، بغير هاء؛ لأنَّها صفة مختصّةٌ، وربّما قيل: حاملةٌ بالهاء. قيل: أرادوا المطابقة بينها وبين حَمَلَت. وقيل: أرادوا مجاز الحمل، إما لأنَّها كانت كذلك، أو ستكون، فإذا أريد الوصف الحقيقيّ قيل: حاملٌ بغير هاء. انتهى . (فَلَمْ تَنْشَبْ) أي: لَمْ تَلْبَث، ولم تتأخّر، قال ابن الأثير: يقال: لَمْ يَنْشَب أن فَعَلَ كذا؛ أي: لَمْ يلبث، وحقيقته لَمْ يتعلّق بشيء غيره، ولا اشتغل بسواه. انتهى . (أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا) «أن» مصدريّة، والمصدر المؤوّل بدل من الضمير الفاعل في «ينشَب»؛ أي: لَمْ ينشب وضعُ حملها (بَعْدَ وَفَاتِهِ) أي: وفاة سعد بن خَوْلة المذكور، وقال أبو عمر: وَضَعت بعد وفاة زوجها بليال، وقيل: بخمس وعشرين ليلةً، وقيل: بأقل من ذلك، ذكره في «العمدة» . (فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا) بتشديد اللام؛ أي: ارتفعت، أو بَرَأت (تَجَمَّلَتْ) أي: تزيّنت، وتحسّنت، يقال: جَمِل الرجل بالضمّ، والكسر جَمَالًا، فهو جميل، وامرأة جميلة، قال سيبويه: الجمال رقّةُ الْحُسن، والأصل جمالةٌ بالهاء، مثلُ صَبُحَ صَبَاحَةً، لكنهم حذفوا الهاء؛ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وتجمّل تجمُّلًا: بمعنى تزيّن، وتحسّن، إذا اجتلب البهاء، والإضاءة، ذكره الفيّومي . (لِلْخُطَّابِ) بضم الخاء المعجمة، جمع خاطب، ككاتب وكُتّاب (فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ) بالسين المهملة، والنون، ثم موحدة: جمع سُنْبُلة، واختُلف في اسمه، فقيل: عمرو، قاله ابن الْبَرْقيّ، عن ابن هشام، عمن يَثِق به، عن الزهريّ، وقيل: عامر، رُوي عن ابن إسحاق، وقيل: حبة - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة - وقيل: بنون، وقيل: لَبِيدُرَيَّه - بالإضافة - وقيل: أصرم، وقيل: عبد الله، ووقع في بعض الشروح: وقيل: بَغِيض. قال الحافظ: وهو غلط، والسبب فيه أن بعض الأئمة سُئل عن اسمه، فقال: بَغِيض يَسأل عن بغيض، فظنّ الشارح أنه اسمه، وليس كذلك؛ لأن في بقية الخبر اسمه لَبِيدُريه، وجزم العسكريّ بأن اسمه كنيته. انتهى . (ابْنُ بَعْكَكٍ) - بموحدة، ثم عين مهملة، ثم كافين، بوزن جعفر - ابن الحارث بن عَمِيلة - بفتح أوله - ابن السَّبَّاق بن عبد الدار القرشيّ الْعَبْدريّ، وكذا نسبه ابنُ إسحاق، وقيل: هو ابن بعكك بن الحجاج - ﵀ - بن الحارث بن السباق، نَقَلَ ذلك عن ابن الكلبيّ ابنُ عبد البرّ، قال: وكان من المؤلَّفة، وسكن الكوفة، وكان شاعرًا. ونَقَل الترمذيّ، عن البخاريّ أنه قال: لا يُعلم أن أبا السَّنَابل عاش بعد النبيّ - ﷺ -، كذا قال، لكن جزم ابن سعد أنه بقي بعد النبيّ - ﷺ - زمنًا. وقال ابنُ مَنْدَهْ في «الصحابة»: عِداده في أهل الكوفة، وكذا قال أبو نعيم: إنه سكن الكوفة، وفيه نظرٌ؛ لأن خليفة قال: أقام بمكة حتى مات، وتبعه ابن عبد البرّ. ويؤيد كونه عاش بعد النبيّ - ﷺ - قول ابن الْبَرْقيّ: إن أبا السنابل تزوج سُبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابل بن أبي السنابل، ومقتضى ذلك أن يكون أبو السنابل عاش بعد النبيّ - ﷺ -؛ لأنه وقع في رواية عبد ربه بن سعيد، عن أبي سلمة: أنَّها تزوجت الشابّ، وكذا في رواية داود بن أبي عاصم: أنَّها تزوجت فَتًى من قومها، وتقدم أن قصتها كانت بعد حجة الوداع، فيحتاج أن كان الشاب دخل عليها، ثم طلّقها إلى زمان عدة منه، ثم إلى زمان الحمل حتى تضع، وتَلِد سنابل، حتى صار أبوه يُكْنَى به أبا السنابل. وقد أفاد محمد بن وضأح، فيما حكاه ابن بشكوال وغيره عنه؛ أن اسم الشابّ الذي خطب سُبيعة هو وأبو السنابل، فآثرته على أبي السنابل: أبو البِشْر بن الحارث، وضبطه بكسر الموحدة، وسكون المعجمة. وقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ قصة سبيعة، من رواية الأسود، عن أبي السنابل، بسند على شرط الشيخين إلى الأسود، وهو من كبار التابعين، من أصحاب ابن مسعود، ولم يوصف بالتدليس، فالحديث صحيح، على شرط مسلم، لكن البخاريّ على قاعدته في اشتراط ثبوت اللقاء، ولو مرّةً، فلهذا قال ما نقله الترمذيّ. انتهى . (رَجُلٌ) بالرفع بدلٌ من «أبو السنابل» (مِنْ بَني عَبْدِ الدَّار، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاك، مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلكِ تَرَجَّيْنَ) من الترجية، وفي رواية: «تريدين» (النِّكَاحَ؟ إِنَّكِ وَاللهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ) أي: ليس من شأنك النِّكَاح، ولستِ من أهله، يقال: امرأة ناكحٌ، مثل حائضٍ، وطالقٍ، ولا يقال: ناكحة، إلَّا إذا أرادوا بناء الاسم لها، فيقال: نكحت فهي ناكحة، قاله في «العمدة» . (حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ) برفع «أربعةُ» على الفاعليّة و«تَمُرُّ»، ووقع عند النسائيّ بلفظ: «أربعةَ أشهر وعشرًا» بالنصب، ويمكن أن يوجّه بأن يكون النصب على الظرفية، والعامل فاعل «تمرّ» مقدّرًا؛ أي: تمرّ عليك العدّة أربعة أشهر وعشرًا، ويَحْتَمِل أن يكون على حكاية لفظ القرآن، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ سُبَيْعَةُ) - ﵂ - (فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) كناية عن استتارها بثيابها، وتحفّظها عن أن يظهر شيء من جسدها (حِينَ أَمْسَيْتُ) أي: دخلت في وقت المساء، وإنما اختارت المساء؛ لكونه أستر (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عما قال لي أبو السنابل (فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ، حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوُّجِ إِنْ بَدَا لِي) أي: ظهر لي التزوّج؛ أي: إن أرادت ذلك، ففيه أن النِّكَاح ليس بواجب على المرأة، وتقدّم اختلاف أهل العلم في حكم النِّكَاح مفصّلًا في الباب الأول من «كتاب النِّكَاح»، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا) أي: وإن لَمْ تَتَطَهَّر من نفاسها (غَيْرَ أَنْ لَا يَقْرَبُهَا) بفتح الراء، وتُضمّ، قال الفيّوميّ: وقَرِبْتُ الأمرَ أقرَبه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قَتَلَ قِرْبَانًا بالكسر: فعلته، أو دانيته، ومن الأول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني: «لا تَقرَب الْحِمَى»؛ أي: لا تدن منه. انتهى . والمعنى هنا: لا يجامعها (زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ) لأن النفاس يمنع من جماعها. قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا الذي قاله ابن شهاب - ﵀ - من أنها تتزوّج حين وضعت حملها، وإن لَمْ تتطهّر من نفاسها هو مذهب الجمهور، وقد شذّ الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وحمّاد، فقالوا: لا تنكح ما دامت في دم نفاسها، والحديث حجة عليهم، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سُبيعة بنت الحارث الأسلميّة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٧٢١] (١٤٨٤)، و(البخاريّ) في «الطلاق» (٥٣١٩)، و(أبو داود) في «الطلاق» (٢٣٠٦)، و(النسائيّ) في «الطلاق» (٦/ ١٩٤ و١٩٥ و١٦٦) و«الكبرى» (٣/ ٣٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٣٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ١٩٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٧٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٢٩٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها، وذلك بوضع حملها، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): جواز الإفتاء بحضرة من هو أعلم منه؛ لأن الصحابة - ﵁ - كانوا يُفتون في حياة النبيّ - ﷺ -، ومنهم أبو السنابل بن بعكك - ﵁ -، حيث أفتى سبيعة بأنها لا تحلّ بوضع حملها، بل بأربعة أشهر وعشر. ٣ - (ومنها): أن المفتي إذا كان له ميلٌ إلى شيء، لا ينبغي له أن يُفتي فيه؛ لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو المرجوح، كما وقع لأبي السنابل، حيث أفتى سُبيعة أنَّها لا تحلّ بالوضع؛ لكونه خطبها، فمنعته، ورجا أنَّها إذا قبِلت ذلك منه، وانتظرت مضيّ المدّة حضر أهلها، فرغّبوها في زواجه، دون غيره، كما بُيّن في رواية أبي سلمة أنه خطبها رجلان: أحدهما شابّ، والآخر كهلٌ، فحطّت إلى الشابّ، فقال الكهل - هو أبو السنابل -: لَمْ تحلل، وكان أهلها غَيْبًا، فرجا إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها. ٤ - (ومنها): ما كان في سُبيعة - ﵂ - من الشهامة والفِطنة، حيث تردّدت فيما أفتاها به حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع، وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي، أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النصّ في تلك المسألة، قال الحافظ - ﵀ -: ولعلّ ما وقع من أبي السنابل من ذلك هو السرّ في إطلاق النبيّ - ﷺ - أنه كَذَبَ في الفتوى المذكورة، كما أخرجه أحمد من حديث ابن مسعودمنه، على أن الخطأ قد يُطلق عليه الكذب، وهو في كلام أهل الحجاز كثير، وحمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: إنما كذّبه؛ لأنه كان عالمًا بالقصّة، وأفتى بخلافه، حكاه ابن داود عن الشافعيّ في «شرح المختصر»، وهو بعيد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض من زلّة الأقلام، بل من الخطأ الفادح، فلا ينبغي أن نقول: إن هذا الصحابيّ مع علمه بحكم الله تعالى أفتى بخلافه؛ لأجل أن ينال شهوته، حاشا لله، ثم حاشا لله، فالواجب علينا أن نؤول مثل هذا بما لا يتعارض مع منصب الصحبة، فنقول: إن الكذب معناه هنا الخطأ؛ أي: أخطأ في هذه الفتوي، لظنه الحكم كذلك، فليُتنبّه، والله الهادي إلى سواء السبيل. ٥ - (ومنها): أن فيه الرجوعَ في الوقائع إلى الأعلم. ٦ - (ومنها): مباشرة المرأة بنفسها السؤال عما ينزل بها، ولو كان مما تَستحي النساء من مثله، لكن خروجها من منزلها ليلًا يكون أستر لها، كما فعلت سُبيعة. ٧ - (ومنها): أن الحامل تنقضي عدّتها بالوضع على أي صفة كان، من مُضْغة، أو عَلَقَة، سواء استبان خلق الآدميّ، أم لا؛ لأنه - ﷺ - رتّب الحلّ على الوضع من غير تفصيل، وتوقّف ابن دقيق العيد فيه من جهة أن الغالب في إطلاق وضع الحامل هو الحمل التامّ المتخلّق، وأما خروج المضغة، أو العلقة، فهو نادرٌ، والحمل على الغالب أقوي، ولهذا نُقل عن الشافعيّ قولٌ بأن العدّة لا تنقضي بوضع قطعة لحم، ليس فيها صورةٌ بيّنة، ولا خفيّة. وأجيب عن الجمهور بأن المقصود في انقضاء العدّة براءة الرحم، وهو حاصلٌ بخروج المضغة، أو العلّقَة، بخلاف أم الولد، فإن المقصود منها الولادة، وما لا يصدق عليه أنه أصل آدميّ، لا يُقال فيه: ولدت، وسيأتي مزيد بسط في هذا في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): جواز تجمّل المرأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطبها؛ لقول أبي السنابل: «ما لي أراك متجمّلةً؟»، وفي رواية ابن إسحاق: «فتهيّأت للنكاح، واختضبت»، وفي رواية معمر، عن الزهريّ، عند أحمد: «فلقيها أبو السنابل، وقد اكتحلت»، وفي رواية الأسود: «فتطيّبت، وتصنّعت». ٩ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المرأة لا يجب عليها الزَّواج؛ لقولها في الخبر من طريق الزهريّ: «وأمرني بالتزويج إن بدا لي». ١٠ - (ومنها): أن الثيّب لا تُزوّج إلَّا برضاها من ترضاه، ولا إجبار لأحد عليها، وقد تقدّم بيانه في بابه. ١١ - (ومنها): أنه استُدلّ بقولها: «فأفتاني بأني حللت حين وضعت حملي» على أنه يجوز العقد عليها إذا وَضَعت، ولو لَمْ تطهر من دم النفاس، وبه قال الجمهور، وإلى ذلك أشار ابن شهاب في آخر حديثه، حيث قال: «ولا أرى بأسًا أن تتزوّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر». وقال الشعبيّ، والحسن، والنخعيّ، وحماد بن سلمة: لا تنكح حتى تطهر. قال القرطبيّ: وحديث سبيعة حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله في بعض طرقه: «فلما تعلّت من نفاسها»؛ لأن «تعلّت» وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به هنا: تعلّت من آلام نفاسها؛ أي: استقلّت من أوجاعها، وتغييراته. ولو سُلّم أن معناه ما قاله الخليل، فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنَّها حكاية واقعة سُبيعة، وإنما الحجة في قوله - ﷺ -: «إنها حلّتْ حين وضعتْ»، كما في حديث ابن شهاب هذا. وفي رواية معمر، عن الزهريّ: «حللتِ حين وضعتِ حملك»، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبيّ بن كعب - ﵁ -: «أن امرأته أم الطفيل قالت لعمر - ﵁ -: قد أمر رسول الله - ﷺ - سبيعة أن تنكِح إذا وضعت». وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فعلّق الحلّ بحين الوضع، وقصره عليه، ولم يقل: إذا طهرت، ولا إذا انقطع دمك، فصحّ ما قاله الجمهور. انتهى كلام القرطبي - ﵀ - ، وهو تحقيق حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها: ذهب جمهور العلماء من السلف، وأئمة الفتوى في الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تحلّ بوضع الحمل، وتنقضي عدّة الوفاة. وخالف في ذلك عليّ - ﵁ -، فقال: تعتدّ آخر الأجلين، ومعناه أنَّها إن وضعت قبل مضيّ أربعة أشهر وعشر، تربّصت إلى انقضائها، ولا تحلّ بمجرّد الوضع، وإن انقضت المدّة قبل الوضع، تربّصت إلى الوضع، أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حُميد، عن عليّ - ﵁ - بسند صحيح. وبه قال ابن عبّاس - ﵄ -، كما في قصّته مع أبي هريرة - ﵁ - الآتية في هذا الباب، ويقال: إنه رجع عنه، ويقوّيه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك. وعن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى أنه أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدّتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، وقد ثبتٌ عن ابن مسعود - ﵁ - من عدّة طرق أنه كان يوافق الجماعة، حتى كان يقول: «من شاء لاعنته على ذلك». ويظهر من مجموع الروايات في قصّة سبيعة. أن أبا السنابل رجع عن فتواه أَوّلًا أنَّها لا تحلّ حتى تمضي مدّة عدّة الوفاة؛ لأنه قد روى قصّة سبيعة وردّ النبيّ - ﷺ - ما أفتاها أبو السنابل به من أنَّها لا تحلّ حتى يمضي أربعة أشهر وعشر، ولم يَرِد عن أبي السنابل تصريح في حكمها لو انقضت المدّة قبل الوضع، هل كان يقول بظاهر إطلاقه من انقضاء العدّة، أو لا؟ لكن نقل غير واحد الإجماع على أنَّها لا تنقضي في هذه الحالة الثانية حتى تضع. وقد وافق سحنون من المالكيّة عليًّا - ﵁ -، نقله المازريّ وغيره، وهو شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع. والسبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، عامّ في كلّ من مات عنها زوجها، يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عامّ أيضًا، يشمل المطلّقة، والمتوفّى عنها، فجمع أَوَّلئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلّقة، بقرينة ذكر عدد المطلّقات، كالآية، والصغيرة قبلهما، ثم لَمْ يمهلوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها المدّة، ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى، وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حقّ بعض من شمله العموم. قال القرطبيّ: هذا حسنٌ، فإن الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، لكن حديث سبيعة نصّ بأنها تحلّ بوضع الحمل، فكان فيه بيان للمراد بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أنه في حقّ من لَمْ تضع، وإلى ذلك أشار ابن مسعود لعبه بقوله: «إن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة»، وفهم بعضهم منه أنه يرى نسخ الأولى بالأخيرة، وليس ذلك مراده، وإنما يعني أنَّها مخصّصة لها، فإنها أَخرجت منها بعض متناولاتها. وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: لولا حديث سُبيعة لكان القول ما قال عليّ، وابن عبّاس - ﵄ -؛ لأنهما عدّتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المتوفّى عنها زوجها، فلا تخرج من عدّتها إلَّا بيقين، واليقين آخر الأجلين. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من العمل بحديث سُبيعة - ﵂ -، فإذا وضعت الحامل حملها بعد وفاة زوجها، فقد انقضت عدّتها، سواء كان قريبًا من وفاته، ولو لحظة، أو بعيدًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما تنقضي بوضعه العدّة، من الحمل: قال العلامة ابن قدامة - ﵀ - ما ملخّصه: إذا ألقت المرأة بعد فرقة زوجها، أو موته شيئًا لَمْ يخلُ من خمسة أحوال: [أحدها]: أن تضع ما بأن فيه خلق الآدميّ، من الرأس، واليد، والرجل، فهذا تنقضي به العدّة بلا خلاف بين العلماء، قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أن عدّة المرأة تنقضي بالسقط، إذا عُلم أنه ولد، وممن نحفظ عنه ذلك: الحسن، وابن سيرين، وشُريح، والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، قال: وذلك لأنه إذا بأن فيه شيء من خلق الآدميّ عُلم أنه حملٌ، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. [الحال الثاني]: أن تُلقي نطفة، أو دمًا، لا تدري، هل هو ما يُخلق منه الآدميّ، أو لا؟ فهذا لا يتعلّق به شيء من الإحكام؛ لأنه لَمْ يثبت أنه ولدٌ، لا بالمشاهدة، ولا بالبيّنة. [الحال الثالث]: أن تُلقي مضغة، لَمْ تَبِن فيها الخلقة، فشهدت ثقاتٌ من القوابل أن فيه صورة خفيّةً، بأن بها خلقة آدميّ، فهذا في حكم الحال الأول؛ لأنه قد تبيّن بشهادة أهل المعرفة أنه ولد. [الحال الرابع]: أن تُلقي مضغة، لا صورة فيها، فشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدميّ، فاختلف عن أحمد، فنقل أبو طالب أن عدّتها لا تنقضي، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لَمْ يبن فيه خلق آدميّ، فأشبه الدم، وقد ذُكر هذا قولًا للشافعيّ، ونقل الأثرم عنه أن عدتها لا تنقضي به، ولكن تصير أم ولد؛ لأنه مشكوك في كونه ولدًا، فلا تنقضي عدتها، ويثبت كونها أم ولد؛ احتياطًا في كلّ منهما. [الحال الخامس]: أن تضع مضغة لا سورة فيها، ولم تشهد القوابل بأنها مبتدأ خلق آدميّ، فهذا لا تنقضي به عدّة، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لَمْ يثبت
مصادر المؤلف (٢٥)

١. انظر ما كتبه ابن حزم - ﵀ - في كتابه «المحلَّى» (١٠/ ٢٨٢ - ٣٠٣) في هذه المسألة، وإِن كنت لا أوافقه في بعض أبحاثه، لكنه - ﵀ - أجاد في كثير منه.

٢. وفي نسخة: «فلم تلبث».

٣. في «التقريب»: مقبول، والظاهر أنه ثقةٌ، فقد روى عنه ثقتان، واحتجّ به الشيخان، ووثقه ابن حبّان، نبّه على هذا صاحب «التحرير»، وهو الصواب.

٤. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٣٦.

٥. «صحيح البخاريّ» رقم (٥٣١٩).

٦. «الفتح» ١/ ٢٠٨.

٧. «الفتح» ١٢/ ٢٠٨.

٨. «الفتح» ١٢/ ٢٠٨.

٩. قال في «الفتح»: واتّفقوا على سكون الواو، وأغرب ابن التين، فحكى عن القابسيّ فتحها. انتهى.

١٠. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٧٦ «كتاب الوصايا» رقم (٢٧٤٢).

١١. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٠.

١٢. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ١٣٩.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ١٢١.

١٤. قال في «الفتح» في «كتاب الوصايا»: وجزم الليث بن سعد في «تاريخه» عن يزيد بن أبي حبيب بأن سعد بن خولة مات في حجة الوداع، وهو الثابت في «الصحيح»، خلافًا لمن قال: إنه مات في مدّة الْهُدنة مع قريش سنة سبع. انتهى.

١٥. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٧٦ «كتاب الوصايا» رقم (٢٧٤٢).

١٦. «المصباح المنير» ١/ ١٥١.

١٧. «النهاية» ٥/ ٥٢.

١٨. «عمدة القاري» ١٥٣/ ١٧.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ١١٠.

٢٠. «الفتح» ١٢/ ٢٠٩ «كتاب الطلاق» رقم (٥٣١٨).

٢١. راجع: «الفتح» ١٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.

٢٢. «عمدة القاري» ١٧/ ١٠٣.

٢٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٦.

٢٤. المراد فوائد حديث سبيعة الأسلميّة - ﵂ - برواياته المختلفة عند المصنّف، أو فيما أشرت إليه في الشرح، لا خصوص سياق المصنّف هذا فقط، فليُتنبّه.

٢٥. «المفهم» ٤/ ٢٨١ - ٢٨٢، و«الفتح» ١٣/ ٢١٢.