HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٢٠

حدثنا أبي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ. قَالَ (لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ). وقَالَ زُهَيْرٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص5
ج ٣ ص ١١٥٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٦٧٠
وقوله: (فَاشْتَرَى مِنْهُ)؛ أي: من الجلب. وقوله: (فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ) المراد بالسيّد المالك، صاحب الجلَب، والمعنى: أن صاحب المتاع إذا أتى السوق، وعَرَف السعر، فهو بالخيار في استرداد متاعه، فإن شاء أمضى البيع، وإن شاء أبطله، وأخذ متاعه، وتقدّم تمام البحث في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي) [٣٨١٩] (١٥٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبلُغُ بِهِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وَقَالَ زُهَيْرٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبيِعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، الثقة الحافظ الفقيه الإمام الحجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٣. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدنيّ الإمام الحافظ المثبت الحجة الفقيه المشهور [٤] (ت ١٢٥) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٤٨. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الفقيه الحجة المثبت المشهور [٣] (ت ٩٥) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -) أي: يبلغ بهذا الحديث إلى النبيّ - ﷺ -، بمعنى أنه رفعه إليه، وهو من كلام ابن المسيِّب، وإنما عدل عن الصيغ المعروفة للرفع، مثل«سمعت»، أو «حدّثني»، أو «أخبرني»، أو «عن النبيّ - ﷺ -»، إلى ما هذا؛ لشكّه في صيغة الرفع بعينها، هل هي «سمعت»، أو نحو ذلك، أو طلبًا للتخفيف، أو لغير ذلك مما ذكرته في «شرحي» على «ألفية الحديث» . (قَالَ) - ﷺ - «(لَا يَبعْ حَاضَرٌ لِبَادٍ») «ثم إن قوله:»يبلغ به النبيّ - ﷺ - … إلخ«لشيخيه: ابن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وأما زهير بن حرب، فلم يقل ذلك، كما أشار إليه بقوله: (وَقَالَ زُهَيْرٌ) هو ابن حرب شيخه الثالث، وقوله: (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) مقول»قال«محكيّ؛ لقصد لفظه، يعني أن زهير بن حرب لَمْ يقل:»يبلغ به النبيّ - ﷺ - «، وإنما قال:»عن النبيّ - ﷺ - « (أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ) هو المقيم بالبلد (لِبَادٍ) هو البدويّ، ومعناه على ما فسّره به الشافعيّة، والحنبليّة: أن يَقْدَم غريبٌ، بدويًّا كان، أو قرويًّا بسلعته إلى البلد، يريد بيعها بسعر الوقت؛ ليرجع إلى وطنه، فيأتيه بلديّ، فيقول: ضَعْ متاعك عندي، لأبيعه على التدريج بأغلى من هذا السعر، فلم يعتدّوا الحكم بالبادي، وجعلوه منوطًا بمن ليس من أهل البلد، سواء كان باديًا، أو حاضرًا؛ لأنَّ المعنى في إضرار أهل البلد يتناول الصورتين، وذِكْرُ البادي مثالٌ، لا قيدٌ، وجعله مالك قيدًا، فحكى ابن عبد البرّ أنه قيل له: مَنْ أهل البادية؟ قال: أهل العمود، قيل له: القرى المسكونة التي لا يفارقها أهلها في نواحي المدينة، يَقْدَم بعضهم بالسلع، فيبيعها لهم أهل المدينة؟ قال: نعم، إنما معنى الحديث أهل العمود. وحكى ابن عبد البرّ أيضًا عن مالك أنه قال: تفسير ذلك أهل البادية، وأهل القري، فأما أهل المدائن، من أهل الريف، فإنه ليس بالبيع لهم بأس، ممن يرى أنه يعرف السوم، إلَّا من كان منهم يشبه أهل البادية، فإني لا أحبّ أن يبيع لهم حاضر، قال: وبه قال ابن حبيب، قال: والبادي الذي لا يبيع لهم الحاضر هم أهل العمود، وأهل البوادي، والبراري، مثل الأعراب، قال: وجاء النهي في ذلك؛ إرادةَ أن يُصيب الناس ثمرتهم، ثم ذكر حديث جابر - ﵁ - الآتي بعد حديث: «لا يبيع حاضر لباد، دَعُوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»، قال: فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان سلعتهم، وأسواقها، فلم يُعْنَوا بهذا الحديث. وحكى ابن عبد البرّ أيضًا، عن ابن القاسم أنه قال: ثم قال - يعني مالكًا - بعد ذلك: ولا يبيع مصريّ لمدنيّ، ولا مدنيّ لمصريّ، ولكن يشير عليه. وحكى ابن الحاجب في «مختصره» الخلاف في ذلك عن مالك، فقال: وفي «الموطّإ» يحمله على أهل العمود؛ لجهلهم بالأسعار، وقيل: بعمومه؛ لقوله: ولا يبيع مدنيّ لمصريّ، ولا مصريّ لمدنيّ. انتهى. وفسّر الحنفيّة بيع الحاضر للبادي بصورة أخرى، وهي أن يبيع الحضريّ شيئًا مما يَحتاج إليه أهل الحضر لأهل البادية؛ لطلب زيادة السعر، فقال صاحب «الهداية» بعد ذكره هذا الحديث: وهذا إذا كان أهل البلد في قحط، وعوز، وهو يبيع من أهل البدو؛ طمعًا في الثمن الغالي؛ لما فيه من الإضرار بهم، أما إذا لَمْ يكن كذلك، فلا بأس به؛ لانعدام الضرر. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: ويردّ حمل الحديث على هذه الصورة قول ابن عبّاس - ﵄ - - لَمّا سئِل عن تفسيره -: لا يكون له سِمْسَارًا، والحديثُ الذي رواه أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن سالم المكيّ؛ أن أعرابيًّا حدّثه أنه قدم بجلوبة له، على عهد النبيِّ - ﷺ -، فنزل على طلحة بن عُبيد الله، فقال: إن النبيّ - ﷺ - نهى أن يبيع حاضرٌ لباد، ولكن اذهب إلى السوق، فانظر من يبايعك، فشاورني حتى آمرك، وأنهاك. انتهى . وقال ابن قدامة - ﵀ -: بيع الحاضر للباد: هو أن يخرج الحضريّ، إلى البادي، وقد جلب السلعة، فيُعَرِّفه السعر، ويقول: أنا أبيع لك، فنهى النبيّ - ﷺ - عن ذلك، فقال: «دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض»، والبادي ههنا: من يدخل البلدة، من غير أهلها، سواء كان بدويًّا، أو من قرية، أو بلدة أخرى، نَهَى النبيّ - ﷺ - الحاضر، أن يبيع له، قال ابن عباس - ﵄ -: «نَهَى النبيّ - ﷺ -، أن تُتَلَقَّى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد»، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: «حاضر لباد»؟ قال: لا يكون له سمسارًا. متَّفقٌ عليه. وعن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»، رواه مسلم، وروى مثله ابنُ عمر، وأبو هريرة، وأنس - ﵁ -. والمعنى في ذلك: أنه متى تُرك البدويّ، يبيع سلعته، اشتراها الناس برخص، ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها، وامتنع من بيعها، إلَّا بسعر البلد، ضاق على أهل البلد، وقد أشار النبيّ - ﷺ -، في تعليله إلى هذا المعنى. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن أقرب التفاسير لبيع الحاضر للبادي، هو الذي فسّر به الشافعيّة، والحنبليّة؛ لأنه الموافق لإطلاق الحديث. وحاصله أن يَقْدَم غريب بدويًّا كان، أو قرويّا بسلعة إلى البلد يريد بيعها بسعر الوقت؛ ليرجع إلى وطنه، فيأتيه بلديّ، فيطلب منه أن يضع سلعته عنده، حتى يتربّص بها غلاء السعر، فيبيعها، فهذا ممنوع؛ لإضراره باهل البلد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في «كتاب النِّكَاح» برقم [٦/ ٣٤٥٩] (١٤١٣) فقد ساقه هناك مطوّلًا، فراجعه تستفد ، وبالله تعالى التوفيق. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في النهي عن بيع الحاضر للبادي: ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والأكثرون إلى أنه للتحريم، وذهب بعضهم إلى أنه للتنزيه، وذهبت طائفة إلى جوازه؛ لحديث: «الدين النصيحة»، وقالوا: حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي منسوخ، وحُكي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وأبي حنيفة. وردّه الجمهور بأن النهي الذي هنا خاصّ، فيُقدّم على عموم الأمر بالنصيحة، ويكون هذا كالمستثنى منها، قال النوويّ: والصحيح الأول، ولا يُقبل النسخ، ولا كراهة التنزيه بمجرّد الدعوي، وقال القفّال من الشافعيّة: والإثم على البلديّ، دون البدويّ. ذكره وليّ الدين - ﵀ - . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: وممن كَرِه بيع الحاضر للبادي: طلحة بن عبيد الله، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والشافعيّ، ونقل أبو إسحاق بن شاقلا، في جملة سماعاته؛ أن الحسن بن عليّ المصريّ، سأل أحمد عن بيع حاضر لباد؛ فقال: لا بأس به، فقال له: فالخبر الذي جاء بالنهي؛ قال: كان ذلك مرّة، فظاهرُ هذا صحة البيع، وأن [٣٤٥٩] (١٤١٣) - وحدّثني عمرو الناقد، وزهير بن حرب، وابن أبي عمر، قال زهير: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة: «أن النبيّ - ﷺ - نَهَى أن يبيع حاضر لباد، أو يتناجشوا، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبيع على بيع أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتكتفئ ما في إنائها، أو ما في صحفتها»، زاد عمرو في روايته: «ولا يسم الرجل على سوم أخيه». انتهى. النهي اختص بأول الإسلام، لِمَا كان عليهم من الضيق في ذلك، وهذا قول مجاهد، وأبي حنيفة، وأصحابه، والمذهبُ: الأول؛ لعموم النهي، وما يثبت في حقهم، يثبت في حقنا، ما لَمْ يقم على اختصاصهم به دليل. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الصواب قول الجمهور، وهو أن بيع الحاضر للبادي حرام مطلقًا؛ لعموم الأدلّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): فيما ذكره العلماء من الشروط لتحريم بيع الحاضر للبادي: قال ابن قدامة - ﵀ -: ظاهر كلام الخرقيّ أنه يحرم بثلاثة شروط: [أحدهما]: أن يكون الحاضر قصد البادي، ليتولى البيع له. [والثاني]: أدن يكون البادي جاهلًا بالسعر؛ لقوله: فيعرّفه السعر، ولا يكون التعريف إلَّا لجاهل، وقد قال أحمد، في رواية أبي طالب: إذا كان البادي، عارفًا بالسعر لَمْ يحرم. [والثالث]: أن يكون قد جلب السلع للبيع؛ لقوله: وقد جلب السلع، والجالب هو الذي يأتي بالسلع ليبيعها، وذكر القاضي شرطين، آخرين: [أحدهما]: أن يكون مريدًا لبيعها بسعر يومها. [الثاني]: أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه، وضيق في تأخير بيعه. وقال أصحاب الشافعي: إنما يحرم بشروط أربعة، وهي ما ذكرنا، إلَّا حاجة الناس إلى متاعه، فمتى اختلّ منها شرط، لَمْ يحرم البيع. انتهى . وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: إنما يحرم بشروط: [أحدها]: أن يكون عالِمًا بالنهي فيه، وهذا شرط يعمّ جميع المناهي. [والثاني]: أن يكون المتاع المجلوب مما تعمّ الحاجة إليه؛ كالأطعمة، ونحوها، فأما ما لا يحتاج إليه إلَّا نادرًا، فلا يدخل في النهي. [والثالث]: أن يظهر ببيع ذلك المتاع سعة في البلد، فإن لَمْ يظهر لكبر البلد، أو قلّة ما معه، أو لعموم وجوده، ورخص السعر، فوجهان: أوفقهما للحديث التحريم. [والرابع]: أن يَعرِض الحضريّ ذلك على البدويّ، ويدعوه إليه، أما إذا التمس البدويّ منه بيعه تدريجيًّا، أو قصد الإقامة في البلد لبيع ذلك، فسأل البدويّ تفويضه إليه، فلا بأس به؛ لأنه لَمْ يضرّ بالناس، ولا سبيل إلى منع المالك منه. ولو أن البدويّ استشار البلديّ فيما فيه حظّه، فهل يرشده إلى الادّخار، أو البيع على التدريج؟ وجهان، حكى القاضي ابن كجّ، عن أبي الطيّب بن سلمة، وأبي إسحاق المروزيّ أنه يجب عليه إرشاده إليه؛ أداءً للنصيحة، وعن أبي حفص ابن الوكيل: أنه لا يرشده إليه؛ توسيعًا على الناس، وكذا اعتبر الحنابلة هذه الشروط، وعبارة ابن تيميّة في «المحرّر»: وبيع الحاضر للبادي منهيّ عنه بخمسة شروط: أن يحضر البادي لبيع شيء بسعر يومه، وهو جاهلٌ بسعره، وبالناس إليه حاجةٌ، ويقصده الحاضر. وقال مالك في البدويّ يَقْدَمُ، فيسأل الحاضر عن السعر: أكره له أن يُخبره، وقال أيضًا: لا أرى أن يبيع مصريّ لمدنيّ، ولا مدنيّ لمصريّ، ولكن يُشير عليه، وقال أيضًا: لا يبيع أهل القرى لأهل البادية سِلَعَهم، قيل له: فإن بعث بالسلعة إلى أخ له من أهل القري، لَمْ يقدم معه سلعته؟ قال: لا ينبغي له ذلك، حكى ذلك كله عنه ابن عبد البرّ، ثم حكى عن ابن حبيب أنه قال: لا يبعث البدويّ إلى الحضريّ بمتاع يبيعه له، ولا يُشير عليه في البيع، إن قدم عليه، ثم حكى عن الليث بن سعد أنه قال: لا يشير الحاضر على البادي؛ لأنه إذا أشار عليه، فقد باع له؛ لأنَّ من شأن أهل البادية أن يرخصوا إلى أهل الحضر؛ لقلّة معرفتهم بالسوق. وقال الأوزاعيّ: لا يبيع حاضر لباد، ولكن لا بأس أن يُخبره بالسعر. وقال الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: [واعلم]: أن أكثر هذه الإحكام تدور بين اتّباع المعنى، واتّباع اللفظ، ولكن ينبغي أن يُنظر في المعنى إلى الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتّباعه، وتخصيص النصّ به، أو تعميمه على قواعد القياس، وحيث يخفي، أو لا يظهر ظهورًا قويًّا، فاتباع اللفظ أولى. وأما ما ذكره في اشتراط أن يلتمس البدويّ ذلك، فلا يقوى؛ لعدم ظهور دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه، فإن المذكور الذي علّل به النهي، لا يفترق الحال فيه، بين سؤال البلديّ وعدمه ظاهرًا. وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه، فمتوسّط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرّد ربح الناس على ما أشعر به التعليل، من قوله: «دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض». وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد، فكذلك أيضًا؛ أي: أنه متوسّط في الظهور؛ لما ذكرناه، من احتمال أن يكون المقصود مجرّد تقريب الربح، والرزق على أهل البلد. وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعيّ عليه؛ كشرطنا العلم بالنهي، ولا إشكال فيها، ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى، فيخرّج على قاعدة أصولتة، وهي أن النصّ إذا استُنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص، هل يصحّ، أم لا؟ انتهى. وقال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: جواز الإشارة عليه هو الصواب؛ لأنه إنما نُهي عن البيع له، وليسس فيه بيع له، وقد أُمر بنصحه في بعض طرق هذا الحديث، وهو قوله - ﷺ -: «وإذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له». انتهى، وبه قال ابن حزم، ذكره في «الطرح» . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: وأما إن أشار الحاضر على البادي، من غير أن يباشر البيع له، فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله، والأوزاعي، وابن المنذر، وكرهه مالك، والليث، وقول الصحابي حجة ما لَمْ يثبت خلافه. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الإشارة عليه، إذا استشاره هو الأرجح؛ لعدم تناول النصّ له، مع أن النصيحة له واجبة عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان بيع الحاضر للبادي، إذا وُجدت الشروط المذكورة: قال ابن قدامة - ﵀ -: وإن اجتمعت هذه الشروط، فالبيع حرام، وقد صرّح الخرقي ببطلانه، ونصّ عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، قال: سألت أحمد عن الرجل الحضري، ببيع للبدوي؟ فقال: أكره ذلك، وأَرُدُّ البيع في ذلك، وعن أحمد رواية أخرى: أن البيع صحيح، وهو مذهب الشافعيّ؛ لكون النهي لمعنى في غير المنهي عنه، ولنا إنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ -. وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: لو خالف الحاضر، وباع للبادي، حيث منعناه منه، كان البيع صحيحًا، عند الشافعيّ، وطائفة؛ لجمعه الأركان، والشرائط، والخلل في غيره، واختلف المالكيّة في ذلك، فقال بعضهم بالصحّة، وبعضهم بالبطلان، ما لَمْ يَفُت، والقولان عن ابن القاسم، وممن قال بالبطلان: ابن حبيب، وابن حزم الظاهريّ، وقال سحنون: وقال لي غير ابن القاسم: إنه يردّ البيع. وعن أحمد في ذلك روايتان، ومستند البطلان اقتضاء النهي الفساد، قال أصحابنا، وغيرهم: ولا خيار للمشتري، وروى سحنون، عن ابن القاسم أنه يؤدّب الحاضر إذا باع للبادي، وروى عيسى عنه إن كان معتادًا لذلك، وروى عن ابن وهب أنه لا يؤدّب، سواء كان عالمًا، أو جاهلًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن القول ببطلان البيع هو الأرجح؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد، ولم يوجد في النصّ ما يصرفه عنه، كما وُجد في بيع المصرّاة، حيث قال - ﷺ -: «فمن ابتاع مصرّاة، فهو بخير النظرين» الحديث، فإن تخييره البائع يصرف النهي فيه عن اقتضائه الفساد، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الشراء لأهل البدو: قال الإمام ابن قُدامة - ﵀ -: فأما الشراء لهم، فيصح عند أحمد، وهو قول الحسن، وكرهت طائفة الشراء لهم، كما كرهت البيع، يُروَى عن أنس - ﵁ -، قال: كان يقال: هي كلمة جامعة، يقول: «لا تبيعنّ له شيئًا، ولا تبتاعنّ له شيئًا»، وعن مالك في ذلك روايتان، ووجه القول الأول، أن النهي غير متناول للشراء بلفظه، ولا هو في معناه، فإن النهي عن البيع؛ للرفق بأهل الحضر؛ ليتسع عليهم السعر، ويزول عنهم الضرر، وليس ذلك في الشراء لهم، إذ لا يتضررون؛ لعدم الغبن للبادين، بل هو دفع الضرر عنهم، والخَلْق في نظر الشارع على السواء، فكما شَرَع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر، لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر. انتهى . وقال وليّ الدين - ﵀ -: أما شراء الحاضر للبادي، فاختلف فيه قول مالك، فمرّة منعه، ومرّة قال: لا بأس به، وقال ابن حبيب: الشراء للبادي مثل البيع، ألا ترى قوله - ﷺ -: «لا يبيع بعضكم على بيع بعض»، إنما هو لا يشتري أحدكم على شراء بعض، قال: فلا يجوز للحضريّ أن يشتري للبدويّ، ولا أن يبيع له، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، وقد عرفت الردّ عليه في حمل البيع في ذلك الحديث على الشراء قريبًا، ولم يتعرّض أصحابنا لمنع شراء الحاضر للبادي. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الشراء هو الأرجح؛ إذ الظاهر عدم تناول قوله: «ولا يبع حاضر لباد» للشراء هنا؛ لأنَّ علّة منع البيع هو التوسعة لأهل المدينة ببيع سلعته بسعر يومه، وهذا لا يوجد في الشراء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): بوّب الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» بقوله: هل يبيع الحاضر للبادي بغير أجر، وهل يُعينه، أو ينصحه؟ قال رسول الله - ﷺ -: «إذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له»، قال: ورخّص فيه عطاء، ثم روى حديث جرير - ﵁ -: «بايعت رسول الله - ﷺ - على شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، والسمع والطاعة، والنصح لكلّ مسلم»، ثم روى حديث ابن عباس - ﵄ -: «لا يبيع حاضر لباد»، فقيل لابن عباس: ما قوله: «لا يبيع
مصادر المؤلف (١٢)

١. راجع: «إسعاف ذوي الوطر» ١/ ١٢٨.

٢. «طرح التثريب» ٦/ ٧٢ - ٧٦.

٣. «المغني» ٤/ ١٥٠.

٤. ونصّه هناك:

٥. «طرح التثريب» ٦/ ٧٢.

٦. «المغني» ٦/ ٣٠٩ - ٣١٠.

٧. «المغني» ٦/ ٣٠٩ - ٣١٠.

٨. «طرح التثريب» ٦/ ٧٣ - ٧٥.

٩. «المغني» ٦/ ٣١١.

١٠. «طرح التثريب» ٦/ ٧٥.

١١. «المغني»٦/ ٣١١.

١٢. «طرح التثريب» ٦/ ٧٥.