HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٢٢

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يحيى التميمي. أخبرنا أبي خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقْ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ). غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى (يرزق).
ج ٣ ص ١١٥٧

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٢٣
[٢٩٤] وحديث: (دَعُوا النَّاسَ يَرزُقِ اللهُ بَعضَهُم مِن بَعض) ، هذا نظر من النبي ﷺ لأهل الحاضرة على أهل البادية، يفضلهم عليهم لإقامتهم الجماعات، ولعلمهم بالسنن، قال بعض العلماء: لا بأس أن يشتري حاضر لباد، وأما إذا باع حاضر لباد لم يجز . قال بعض العلماء: قوله: (لا يَبع) أي: لا يشتر ، وقيل: معناه: لا يساوم ، وقال الشافعي: هو أن يتبايع الرجلان السلعة، ولم يتفرقا فيجيء رجل فيعرض على المشتري سلعة أجود مما اشتراه بأقل من ثمنها، فيفاسخه البيع، ويشتري هذه الرخيصة، فهو عاص؛ لنهي رسول الله ﷺ . وفي الحديث دليل على تحريم الخديعة والغرور، وأما: (تَلَقِّي الرُّكبَانِ): كانوا إذا أشرفوا على بلدة بسلعهم؛ ولا يعرفون سعرها؛ يتلقاهم متلقٍّ فيشتريها منهم بالغبن فنهى النبي ﷺ عن ذلك، لئلا يُخدعَ مسلم، ثم جعل له الخيار إذا قدم السوق. وأما: (بَيعُ الحَاضِرِ لِلْبَادِ)، فإن العرب إذا قدموا بسلعهم الأسواق؛ ولم يكن لهم من يتوكل لهم في البيع؛ لم يتربصوا بها وباعوها بسعر يومها، فأصاب الناس ربحا، وإذا تربصوا بها بطَل هذا المعنى، وهذا النهي على معنى الاختيار: (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) فلو لم يجز البيع؛ لم يكن في ذلك ما يمنع الرزق، فاستُدِل بذلك على أن البيع جائز، والإثمَ حاصل. قال بعض العلماء : (أصل الغرر هو ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسرُّه، وهو مأخوذ من قولهم: طويت الثوب على غِرِّه، أي: على كسره الأول، فكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، أو معجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل: أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره، ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجرة لم تثمر، في نحوها من الأمور التي لا تعلم، ولا تُدرى هل تكون أم لا، فإن البيع فيها مفسوخ. وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع، تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة، وجماع الأمر: الغرر ما دخل المقصود منه الجهل، ومن ذلك: بيع الحصاة، وهو أن يعترض الرجل القطيع من الغنم فيرمي فيها بحصاة، فأية شاة منها أصابت الحصاةُ فقد استحقها البيع). وأما (المُصَرَّاة): فقال الشافعي: التَّصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة، وتُترك من الحلب يومين أو ثلاثة حتى يجتمع لها لبن؛ فيراه مشتريها كثيرا، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحَلْبة حَلْبة أو حَلْبتين، عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور . قال أهل اللغة: أصل التَّصرية: حبس الماء وجمعه، والشاة المُصَرَّاة: التي قد صُرِّي اللبن في ضرعها، يعني: حُقِن وجُمع فلم يحلب، وسميت الصَّراة صَراةً لأنها مياه اجتمعت، قال أبو عبيد: ولو كان من الربط لكانت مصرورة أو مصرَّرة . وقول الشافعي صحيح، والعرب تَصُرُّ ضروع الحَلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباط صِرارًا، فإذا راحت حُلَّت تلك الأَصِرَّة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها عليها) ، ومن هذا قول عنترة: العَبْدُ لا يحُسنُ الكَرَّ … إنما يُحسن الحَلْبَ والصَّرَّ وقال مالك بن نويرة - وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر ﵁، فمنعهم من ذلك، ورد على كل رجل منهم صدقته، وقال: أنا جنة لكم مما تكرهون - وقال: وقُلْتُ خُذُوها هذِهِ صَدَقاتكُمْ … مُصَوَّرَة أَخْلَافُها لَمْ تُجَرَّدِ سأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَحْذَرُونه … وأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي قيل: يحتمل أن يكون أصل المُصَرَّاة: المُصَرَّرَة، أبدل إحدى الراءين ياء كقولهم: تقضى البازي، وأصله تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها، قال العجاج: تَقَضِّيَ البازِي إِذا البازِي كَسَرْ . وممن قال بظاهر الحديث، وقال يردها ويرد معها صاعا من تمر: مالك والشافعي وأحمد، وأبو عبيد ، وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها ، لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وإبطال رد المثل في ما له مثل، وتقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة وبمقدار، واحتجوا بقوله ﷺ: (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) ، وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن . وفي الحديث بيان أن دين الإسلام تعبد، فما كشف لنا عن دليله فالدليل متبوع، وما تعرى عن الدليل؛ فما عقل من ظاهره فالعمل واجب بذلك، فلما كانت ألبان الإبل والبقر والغنم تختلف لا محالة، وجعل النبي ﷺ قيمة الزيادة التي حدثت في الضروع بالتصرية صاع تمر لا سَمْراء، علم أن ذلك تعبد لا لعلة، وهو مسَلَّم لحكمه لا اعتراض عليه بالعلل. وقول أهل العراق: إنه يرجع على بائعها بنقصان عيبها، وليس له ردها، قال بعض العلماء التصرية: جمع اللبن في الضرع بترك الحِلاب، والتحفيل - كذلك -: يقال شاة محفّلة. ومن باب ما ورد في فساد البيع قبل القبض
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٦٨٢
البلد، فهذا مذكور في كتب الحنفية. انتهى . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٨٢٠] (١٥٢١)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢١٥٨ و٢١٦٣) و«الإجارة» (٢٢٧٤)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٣٩)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٥٧)، و«الكبرى» (٦٠٩١)، و(ابن ماجة) في «التجارات» (٢١٧٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨/ ١٩٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٤٥٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٦٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٦٤ و٢٧٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٤٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٣٨٢١] (١٥٢٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْر، عَن جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ»، غَيْرَ أَنَّ في رِوَايَةِ يَحْيَى : «يُرْزَقُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيميُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ الكوفيّ، نُسب لجدّه، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٣ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) هو زهير المذكور في السند الثاني، وهو زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٤٥) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) «دَعُوا» أمر بمعنى اتركوا، و«يرزق» مرفوع على الاستئناف المفيد للتعليل، فكأنه قال: دعوهم؛ لأنَّ الله تعالى يرزق بعضهم من بعض، وَيجوز أن يكون مجزومًا على أنَّه جواب الأمر. والمعنى: اتركوا الناس يتعاملون فيما بينهم، ولا تتدخّلوا في شؤونهم، فإن الله تعالى يرزق المشتري من البائع، ويرزق البائع من المشتري، فلا يحل لأحد التدخل بينهما، فإن البائع إذا ورد من خارج المدينة ببضاعته؛ ليبيعها بما يراه من السعر، فاشتراه منه أهل البلد بما هو مناسب لهم، فقد حصل رزق بعضهم من بعض، وإذا تدخّل غيرهما في ذلك، بأن قال بعض أهل البلد للبائع: إن بضاعتك هذه سيكون لها ثمن أغلى مما تريده الآن، فلتضعها عندي، حتى أنتظر غلاء السعر، فأبيعها لك، فقد أَدخل على أهل المدينة ضررًا بذلك، فلذلك نهى النبيّ - ﷺ - عن ذلك، فقال: «لا يبع حاضر لباد»، والله تعالى أعلم. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى) وفي نسخة: «غير أن رواية يحيى» بحذف كلمة «في». وقوله: («يُرْزَقُ») أي: ببناء الفعل للمفعول، يعني يحيى بن يحيى رواه مبنيًّا للمفعول، وأما أحمد بن يونس، فقد رواه بلفظ: «يرزق الله بعضهم من بعض»، بالبناء للفاعل، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٨٢١ و٣٨٢٢] (١٥٢٢)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٤٢)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٢٣)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٥٦) و«الكبرى» (٤/ ١٢)، و(ابن ماجة) في «التجارات» (٢١٧٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨/ ٢٠٠)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٣٤٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٤١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٥٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٠٧ و٣١٢ و٣٨٦ و٣٩٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٧٣ و٢٧٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤/ ١٢٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٤٧) و«الصغرى» (٥/ ١٧٩) و«المعرفة» (٤/ ٣٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٣٨٢٢] (…) - (حَدَّثَنَا أَ«بو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وهو أيضًا من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٤٦) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير ساقها الترمذيّ في«جامعه»٣/ ٥٢٦ فقال: (١٢٢٣) حدّثنا نصر بن عليّ، وأحمد بن منيع قالا: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -:«لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»، وقال: حديث حسنٌ صحيح. وأخرجه الإمام أحمد في«مسنده»مصرّحًا بسماع أبي الزبير عن جابر ٣/ ٣٠٧ فقال: (١٤٣٣٠) - حدَّثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله - ﷺ -:«لا يبيع
مصادر المؤلف (٣)

١. «الفتح» ٥/ ٦٣٣.

٢. وفي نسخة: «غير أن رواية يحيى» بحذف كلمة «في».

٣. هو ابن الإمام أحمد، راوي المسند عنه، فتنبّه.