HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٣٩

قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ إن رسول الله ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ في روايته: أن تباع.
ج ٣ ص ١١٦٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص١١٠
وقال في «الفتح»: هي عطيّة ثمر النخل، دون الرقبة، كان العرب في الجدب يتطوّع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له، كما يتطوّع صاحب الشاة، أو الإبل بالْمَنِيحَة، وهي عطيّة اللبن، دون الرقبة، قال حسّان بن ثابت - ﵁ - فيما ذكر ابن التين، وقال غيره: هي لسُوَيد بن الصَّامت الأنصاريّ [من الطويل]: فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةِ … وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ ومعنى «سنهاء»: أن تَحمِل سنة دون سنة، والرّجّبية: التي تُدَعَّم حين تميل من الضعف. والعرية: فَعِيلة بمعنى مفعولة، أو فاعلة، يقال: عَرَى النخلَ - بفتح العين، والراء - بالتعدية يَعرُوها: إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لآخر، على سبيل الْمِنْحَة؛ ليأكل ثمرها، وتَبقَى رقبتها لمعطيها، ويقال: عَرِيت النخلُ - بفتح العين، وكسر الراء - تَعرَى على أنه قاصر، فكأنها عَرِيت عن حكم أخواتها، واستُثبتت بالعطية، واختلف في المراد بها شرعًا ، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الرابعة في شرح حديث زيد بن ثابت التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٧١] (١٥٣٩) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُحَاقَلَة، وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْر، وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْح، وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْقَمْحِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ رَسُول الله - ﷺ -؛ أنهُ قَالَ: «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتمْرِ». وَقَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُول الله - ﷺ -؛ أَنهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرَّطَب، أَوْ بِالتمْر، وَلَمْ يُرَخِّصْ في غَيْرِ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو عُمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُراسان، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٥) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. ٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد أبو خالد الأمويّ مولاهم الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. ٣ - (زيدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحّاك بن لوذان الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور، كتب الوحي، ومات سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد (٥٠) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٢/ ٧٩٣. والباقون تقدّموا قريبًا، وشرح الحديث يأتي بعده. وقوله: (وَقَالَ سَالِمٌ … إلخ) موصول بالإسناد المذكور، وليس معلّقًا، وقد أفرد حديث زيد هذا بعده من طريق نافع، عن ابن عمر، عنه، وأخرجه الترمذيّ من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت؛ ولم يفصل حديث ابن عمر، من حديث زيد بن ثابت، وأشار الترمذيّ إلى أنه وَهِمَ فيه، والصواب التفصيل، ولفظ الترمذيّ: عن زيد بن ثابت، أن النبيّ - ﷺ - نَهَى عن المحاقله، والمزابنة، إلا أنه قد أذِن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها. قال الحافظ: ومراد الترمذيّ أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يَرِد في حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه ابن عمر بغير واسطة، ورَوَى ابن عمر استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت، فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظة احتَمَلَ أن يكون ابن عمر حَمَل الحديث كله عن زيد بن ثابت، وكان عنده بعضه بغير واسطة. انتهى. وقوله: (رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر. وقوله: (فِي بَيْعِ الْعَرِية) قال في «الفتح»: وهذا من أصرح ما ورد في الردّ على مَن حَمَل من الحنفية النهي عن بيع الثمر بالتمر على عمومه، ومَنَع أن يكون بيع العرايا مستثنى منه، وزعم أنهما حكمان مختلفان وردا في سياق واحد، وكذلك مَن زعم منهم - كما حكاه ابن المنذر عنهم - أنّ بيع العرايا منسوخ بالنهي عن بيع الثمر بالتمر؛ لأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ. انتهى . وقوله: (بِالرُّطَب، أَوْ بِالتَّمْرِ) قال في «الفتح»: كذا عند البخاريّ ومسلم من رواية عُقَيل، عن الزهريّ بلفظ «أو»، وهي مُحْتَملة أن تكون للتخيير، وأن تكون للشك، وأخرجه النسائيّ، والطبرانيّ، من طريق صالح بن كيسان، والبيهقيّ من طريق الأوزاعيّ، كلاهما عن الزهريّ، بلفظ: «بالرطب وبالتمر، ولم يرخص في غير ذلك»، هكذا ذكره بالواو، وهذا يؤيد كون «أو» بمعنى التخيير، لا الشكّ، بخلاف ما جزم به النوويّ، وكذلك أخرجه أبو داود، من طريق الزهريّ أيضًا، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، وإسناده صحيح، وليس هو اختلافًا على الزهريّ، فإن ابن وهب رواه عن يونس، عن الزهريّ بالإسنادين، أخرجهما النسائيّ، وفرّقهما. وإذا ثبتت هذه الرواية كانت فيها حجة للوجه الصائر إلى جواز بيع الرطب المخروص على رؤوس النخل بالرطب المخروص أيضًا على الأرض، وهو رأي ابن خيران من الشافعية، وقيل: لا يجوز، وهو رأي الإصطخريّ، وصححه جماعة، وقيل: إن كانا نوعًا واحدًا لم يجز؛ إذ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق، وصححه ابن أبي عصرون، وهذا كله فيما إذا كان أحدهما على النخل، والآخر على الأرض، وقيل: ومثله ما إذا كانا معًا على النخل، وقيل: إن محله فيما إذا كانا نوعين، وفي ذلك فروع أخر يطول ذكرها، وصَرَّح الماورديّ بإلحاق البسر في ذلك بالرطب. انتهى . وقوله: (وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) فيه أن الترخيص خاصّ في العرايا بالرطب، وبالتمر، وقد اختلف السلف هل يُلحق العنب، أو غيره بالرطب في العرايا؟ فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعيّة، منهم المحبّ الطبريّ. وقيل: يُلحق العنب خاصّة، وهو مشهور مذهب الشافعيّ، وقيل: يُلحق كل ما يُدّخر، وهو قول المالكيّة، وقيل: يُلحق كلّ ثمرة، وهو مَنقول عن الشافعيّ أيضًا، قاله في «الفتح» . وقال ابن قُدامة ﵀: ولا يجوز بيع العرية في غير النخل، وهو اختيار ابن حامد، وقول الليث بن سعد، إلا أن يكون مما ثمرته لا يجري فيها الربا، فيجوز بيع رطبها بيابسها؛ لعدم جريان الربا فيها، ويَحْتَمِل أن يجوز في العنب والرطب دون غيرهما، وهو قول الشافعيّ؛ لأن العنب كالرطب، في وجوب الزكاة فيهما، وجواز خرصهما، وتوسيقهما، وكثرة تيبيسهما، واقتياتهما في بعض البلدان، والحاجة إلى أكل رطبهما، والتنصيص على الشيء يوجب ثبوت الحكم في مثله، ولا يجوز في غيرهما؛ لاختلافهما في أكثر هذه المعاني، فإنه لا يمكن خرصها؛ لتفرّقها في الأغصان، واستتارها بالأوراق، ولا يُقتات يابسها، فلا يحتاج إلى الشراء به. وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار، وهو قول مالك، والأوزاعيّ؛ قياسًا على ثمرة النخيل. ولنا ما روى الترمذي؛ أن النبيّ - ﷺ -، نهى عن المزابنة: الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وكل ثمرة بِخِرْصها. وهذا حديث حسن، وهذا يدل على تخصيص العرية بالتمر، وعن زيد بن ثابت - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -؛ أنه رخّص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك، وعن ابن عمر، قال: نَهَى رسول الله - ﷺ -، عن المزابنة، والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وعن كل ثمرة بخرصه، ولأن الأصل يقتضي تحريم بيع العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة، ولا يصح قياس غيرها عليها؛ لوجهين: [أحدهما]: أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها، وسهولة خرصها، وكون الرخصة في الأصل لأهل المدينة، وإنما كانت حاجتهم إلى الرطب دون غيره. [الثاني]: أن القياس لا يُعْمَل به، إذا خالف نَصًّا، وقياسهم يخالف نصوصًا غير مخصوصة، وإنما يجوز التخصيص بالقياس على المحل المخصوص، ونَهْيُ النبي - ﷺ - عن بيع العنب بالزبيب، لم يدخله تخصيص، فيقاسَ عليه، وكذلك سائر الثمار، والله أعلم. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم إلحاق غير التمر بالتمر هو الأرجح عندي؛ لظهور أدلّته، عملًا بالنصّ؛ لأن الترخيص في ذلك على خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم جواز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم تساويهما كيلًا، وهو المسمّى بالمزابنة الذي ورد النهي عنه، فما ثبتٌ على خلاف الأصل يُقتصر عليه، فلا يكون محلًّا للقياس، فتأمّل بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: تكلّم الحافظ الرشيد العطّار ﵀ في «غُرَر الفوائد» (١/ ٢٧٨) على هذا السند، فقال: هذا من الأحاديث المرسلة، وهو حديث يَشتمل على ثلاثة أحاديث، اثنان مرسلان، والثالث متصل، أخرجه في «كتاب البيوع»، فقال فيه: وحدَّثني محمد بن رافع، ثنا حُجَين، ثم ساقه إلى آخره، ثمّ قال: هكذا أورده مسلم ﵀ في كتابه. [فإن قيل]: كيف اختار إخراج المراسيل في «صحيحه»، وليست من شرطه، ولا داخلة في رَسْمه؟. [فالجواب]: أن مسلمًا ﵀ من عادته أن يورد الحديث كما سمعه، وكان هذا الحديث عنده عن محمد بن رافع على هذه الصفة، فأورده كما سمعه منه، ولم يَحتَجّ بالمرسل الذي فيه، وإنما احتَجَّ بما في آخره من المسند، وهو حديث سالم، عن عبد الله، عن زيد بن ثابت أن رسول الله - ﷺ - رَخَّصَ بعد ذلك في بيع الْعَرِيّة … الحديث، فهذا القدر الذي احتَجَّ به مسلم منه. [فإن قيل]: فقد كان يمكنه أن يقتصر على هذا المسند خاصّةً، وَيحذف ما فيه من المرسيل، ولا يطوِّل كتابه بما ليس من شرطه. [قيل]: هذه مسألة اختَلَف العلماء فيها، فمنهم من أجاز تقطيع الحديث الواحد، وتفريقه في الأبواب، إذا كان مشتملًا على عِدّة أحكام، كل حكم منها مستقل بنفسه، غير مرتبط بغيره؛ كحديث جابر الطويل في الحجّ، ونحوه. ومنهم من منع ذلك، واختار إيراد الحديث كاملًا كما سمعه، والظاهر من مذهب مسلم: إيراد الحديث بكامله، من غير تقطيع له، ولا اختصار، إذا لم يقل فيه: مثل حديث فلان، أو نحوه، والله ﷿ أعلم. [فإن قيل]: فهل يُسْنَد هذان المرسلان من وجه يصحّ؟ [قيل]: نعم، كلاهما مسند متصل في «الصحيح»، أما حديث سعيد بن المسيِّب، فقد أخرجه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ومن حديث سعيد بن مِيناء، وأبي الزبير، كلاهما عن جابر، عن النبيّ - ﷺ -. وأخرجه أيضًا هو، والبخاريّ من حديث عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ - ﷺ -، فثبت اتصاله. وأما حديث سالم فقد أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - بنحوه . وأخرجه البخاريّ في «صحيحه» متصلًا من الوجه الذي أورده مسلم مرسلًا، وهو ما أخبرنا الشيخ أبو عليّ ناصر بن عبد الله الفقيه بالحرم الشريف تُجاه الكعبة المعظمة، أنا أبو الحسن علي بن حميد بن عمار المقرئ بمكة شرّفها الله، أنا أبو مكتوم عيسى بن أبي ذرّ الهرويّ، أنا أبي، أنا عبد الله بن أحمد السرخسيّ، وابراهيم بن أحمد المستملي، ومحمد بن مكيّ الكشميهنيّ، قالوا: أنا محمد بن يوسف الفربريّ، أنا محمد بن إسماعيل البخاريّ (ح) وأخبرنا عاليًا أبو القاسم الخزرجيّ، واللفظ له، أنا محمد بن بركات السعيديّ، أخبرتنا كريمة، أنا أبو الهيثم الكشميهنيّ، أنا الفربريّ، أنا البخاريّ، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر»، قال سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت؛ أن رسول الله - ﷺ - رَخَّصَ بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غيره. انتهى كلام الرشيد العطّار: ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل الى المؤلف: ﵀ الكتاب قال: [٣٨٧٢] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّم نفسه في الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٥٥) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ) - ﵁ (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ) - بتشديد الخاء المعجمة - مبنيًّا للفاعل، من الترخيص، وفي لفظ للبخاريّ: «أرخص»، من الإرخاص، وهما بمعنى التسهيل في الأمر، والتيسير فيه، يقال: رخّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا: إذا يسّره، وسهّله، قاله الفيّوميّ ﵀ . (لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ) فَعِيلة بمعنى مفعولة، كما تقدّم. (أنْ يَبِيعَهَا) أي: يبيع ثمرتها (بِخَرْصِهَا) بفتح الخاء المعجمة، وأشار ابن التين إلى جواز كسرها، وجزم ابن العربيّ بالكسر، وأنكر الفتح، وجوّزهما النوويّ، وقال: الفتح أشهر، قال: ومعناه: تقدير ما فيها إذا صار تمرًا، فمن فتح قال: هو مصدرٌ؛ أي: اسم للفعل، ومن كسر قال: هو اسم للشيء المخروص. انتهى. والخرص: هو التخمين، والْحَدْسُ، وسيأتي تمام البحث في تفسير العرايا في المسألة الآتية - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (مِنَ التَّمْرِ) بيان لـ«خرصها». واستُدِلّ بأحاديث الباب على تحريم بيع الرطب باليابس منه، ولو تساويا في الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي إنما يصح حالة الكمال، والرطبُ قد ينقص إذا جَفّ عن اليابس نقصًا لا يتقدر، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة الاكتفاء بالمساواة حالة الرطوبة، وخالفه صاحباه في ذلك؛ لصحة الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، وأصرح من ذلك حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -؛ أن النبي - ﷺ - سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر، فقال: «أينقص الرُّطَب إذا جَفّ؟» قالوا: نعم، قال: «فلا إذًا»، أخرجه مالك، وأصحاب «السنن»، وصححه الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت - ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١٤/ ٣٨٧١ و٣٨٧٢ و٣٨٧٣ و٣٨٧٤ و٣٨٧٥ و٣٨٧٦ و٣٨٧٧ و٣٨٧٨ و٣٨٧٩] (١٥٣٩)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢١٨٨) و«المساقاة» (٢٣٨٠)، و(الترمذيّ) في «البيوع) (١٣٠٢)، و(النسائيّ) في»البيوع«(٧/ ٢٦٧) و»الكبرى«(٤/ ٢١)، و(ابن ماجه) في»التجارات«(٢٢٦٩)، و(مالك) في»الموطّإ«(٢/ ٦١٩ و٦٢٠)، و(الشافعيّ) في»مسنده«(٢/ ١٥٠) وفي»الرسالة«فقرة (٩٠٨)، و(عبد الرزّاق) في»مصنّفه«(١٤٤٨٦)، و(أحمد) في»مسنده«(٥/ ١٨٢ و١٨٨ و١٩٠)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(٥٠٠١)، و(الطبرانيّ) في»الكبير«(٤٧٦٤ و٤٧٦٥ و٤٧٦٦ و٤٧٦٩ و٤٧٧٠ و٤٧٧١ و٤٧٧٢ و٤٧٧٣)، و(الطحاويّ) في»شرح معاني الآثار«(٤/ ٢٩)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٣/ ٢٩٣)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٥/ ٣٠٩ و٣١٠) و»المعرفة«(٤/ ٣٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه الترخيصَ في العرايا، واستثناءها من المزابنة المنهيّ عنها. ٢ - (ومنها): أنه قال ابن الملقّن ﵀: يؤخذ من الحديث الرخصة في الرُّطَب، وإلحاق العنب به قياسًا، وقال المحامليّ، وابن الصبّاغ: نصًّا، وألحق الماورديّ البسر أيضًا، وهل يتعدّى إلى غيرهما من الثمار؟ فيه قولان للشافعيّ، أصحّهما: المنع، والثاني: نعم؛ للحاجة، كما جوّز في العنب القياس. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الأرجح عدم إلحاق غير التمر بالتمر؛ لقوّة حججه، فراجعه، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضًا أن الرخصة عاقة لجميع الأغنياء والفقراء حيث أطلق الرخصة من غير تقييد بأحد، وهو أصحّ قولي الشافعيّ، والثاني: أنه تختصّ بالفقراء؛ لأنهم سبب الرخصة، كما ذكره الشافعيّ في «الأمّ»، لكن بغير إسناد، وحكاه ابن دقيق العيد وجهًا، وتبع الفورانيّ في ذلك، ومثار الخلاف أن اللفظ العامّ إذا ورد على سبب خاصّ، هل يخصّصه، أو هو على عمومه؛ وفيه خلاف في كتب الأصول ، والأرجح أنه لا يخصص إلا بالقرينة، ومن أدلّته أنه لما نزلت آية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] قال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ قال - ﷺ -: «بل لأمتي كلها» ، وهو حديث صحيح. ٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه نظر الإمام لرعيّته، وفكره في مصالحهم، وما يحتاجون إليه من أمور دنياهم على وجه الشرع. ٥ - (ومنها): ما قال وليّ الدين ﵀: الرخصة وردت في بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والبسر في معنى الرطب، كما صرَّح به الماوردي من الشافعيّة، ووردت رواية في بيعه برطب أيضًا، وهي في «الصحيحين»، وفي سنن أبي داود، والنسائيّ من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه؛ أن النبيّ - ﷺ - رَخَّص في العرايا بالتمر والرطب، فتمسك بذلك بعضهم على جواز بيع الرطب على النخل برطب على الأرض، أو على النخل، وسياتي تمام البحث فيه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تفسير العَرَايا: قال الإمام البخاريّ ﵀: أباب تفسير العَرَايا،: وقال مالك: العَرِية أن يُعرِي الرجلُ الرجلَ النخلةَ، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرخّص له أن يشتريها منه بتمر، وقال ابن إدريس: العرية، لا تكون إلا بالكيل من التمر، يدًا بيد، لا يكون بالْجِزاف، ومما يقويه: قول سهل بن أبي حَثْمة: «بالأوسق الموسقة»، وقال ابن إسحاق في حديثه، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -: كانت العرايا، أن يُعري الرجل في ماله النخلة والنخلتين، وقال يزيد، عن سفيان بن حسين: العرايا نخل، كانت توهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرُخِّص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر. ثم أخرج بسنده عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت - ﵃ -؛ أن رسول الله - ﷺ -، رَخَّص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا، قال موسى بن عقبة: والعرايا نخلات معلومات، تأتيها فتشتريها. انتهى. قال في «الفتح»: قوله: وقال مالك: العرية أن يُعريَ الرجل الرجل النخلة؛ أي: يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرُخّص له؛ أي: للواهب أن يشتريها؛ أي: يشتري رُطَبَها منه؛ أي: من الموهوبة له بتمر؛ أي: يابس. وهذا التعليق وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب، عن مالك. وروى الطحاويّ من طريق ابن نافع، عن مالك؛ أن العرية: النخلة للرجل في حائط غيره، وكانت العادة أنهم يَخرُجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين، فيَكرَه صاحب النخل الكثير، دخول الآخر عليه، فيقول له: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرًا، فرُخِّص له في ذلك. ومن شرط العرية عند مالك: أنها لا تكون بهذه المعاملة، إلا مع الْمُعرِي خاصة؛ لِمَا يدخل على المالك من الضرر، بدخول حائطه، أو ليدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي، والكُلَف، ومن شرطها أن يكون البيع بعد بُدُوّ الصلاح، وأن يكون بتمر مؤجل، وخالفه الشافعي في الشرط الأخير، فقال: يشترط التقابض. وقوله: «وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر، يدًا بيد، ولا تكون بالجزاف»، ابن إدريس هذا رجح ابن التين أنه عبد الله الأوديّ الكوفيّ، وتردد ابن بطال، ثم السبكيّ، في «شرح المهذب»، وجزم المزيّ في «التهذيب» بأنه الشافعيّ، والذي في «الأم» للشافعيّ، وذكره عنه البيهقيّ، في «المعرفة» من طريق الربيع عنه، قال: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة، فأكثر بخرصه من التمر، بأن يُخرَص الرُّطَب، ثم يُقَدَّر كم ينقص إذا يبس؟ ثم يشتري بخرصه تمرًا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا، فسد البيع. انتهى. وهذا وإن غاير ما علقه البخاريّ لفظًا، فهو يوافقه في المعنى؛ لأن محصلهما أن لا يكون جزافًا، ولا نسيئة. قال الحافظ: وقد جاء عن الشافعيّ، بلفظ آخر، قرأته بخط أبي علي الصدفي بهامش نسخته، قال: لفظ الشافعيّ: ولا تباع العريّة بالتمر، إلا أن تُخرَص العريّة، كما يُخرص المعشّر، فيقال: فيها الآن كذا وكذا، من الرُّطَب، فإذا يبس كان كذا وكذا، فيَدفَع من التمر بكيله خرصًا، ويقبض النخلة بثمرها، قبل أن يتفرقا، فإن تفرقا قبل قبضها فسد. قوله: «ومما يقويه»؛ أي: قول الشافعيّ بأن لا يكون جزافًا، قول سهل بن أبي حثمة: «بالأوسق الموسقة»، وقول سهل هذا أخرجه الطبريّ، من طريق الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن سهل موقوفًا، ولفظه: «لا يباع الثمر في رءوس النخل، بالأوساق الْمُوَسَّقَة، إلا أوسقًا: ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة يأكلها الناس». وما ذكره البخاريّ عن الشافعيّ، هو شرط العرية عند أصحابه، وضابط العرية عندهم: أنها بيع رُطَب، في نخل، يكون خرصه إذا صار تمرًا، أقل من خمسة أوسق، بنظيره في الكيل من التمر، مع التقابض في المجلس. ثم إِنَّ صور العرية كثيرة: [منها]: أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلات بأعيانها، بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه، ويقبض منه التمر، ويسلم إليه النخلات بالتخلية، فينتفع برطبها. [ومنها]: أن يهب صاحبُ الحائط لرجل نخلات، أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها، ويشتري منه رطبها، بقدر خرصه بتمر، يعجله له. [ومنها]: أن يهبه إياها، فيتضرر الموهوب له، بانتظار صيرورة الرطب تمرًا، ولا يحب أكلها رطبًا؛ لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب، أو من غيره، بتمر يأخذه معجلًا. [ومنها]: أن يبيع الرجل ثمر حائطه، بعد بُدُوّ صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة، يُبقيها لنفسه، أو لعياله، وهي التي عُفي له عن خرصها في الصدقة، وسُمِّيت عرايا؛ لأنها أُعريت من أن تُخرَص في الصدقة، فرُخّص لأهل الحاجة، الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من تمر قُوْتهم، أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها. [ومما يطلق عليه اسم عَرِيّة]: أن يُعرِي رجلًا تمر نخلات، يُبِيح له أكلها، والتصرف فيها، وهذه هبة مخصوصة. [ومنها]: أن يُعري عامل الصدقة لصاحب الحائط، من حائطه نخلات معلومة، لا يَخرُصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع فيهما. ذكر ذلك كله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم العَرَايا: ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحتها، منهم: مالك، وأهل المدينة، والأوزاعيّ، وأهل الشام، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحل بيعها؛ لأن النبيّ - ﷺ -: «نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر»، متفق عليه، ولأنه يبيع الرطب بالتمر، من غير كيل في أحدهما فلم يجز، كما لو كان على وجه الأرض، أو فيما زاد على خمسة أوسق. واحتجّ الجمهور بالحديث المتفق عليه: «أن النبي - ﷺ - رخص في العرايا، في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق»، فقد رواه جماعة من الصحابة: أبو هريرة، وزيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهم. قال ابن قُدامة ﵀: خرّجه أئمة الحديث في كتبهم، وحديثهم في سياقه: «إلا العرايا»، كذلك في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ولو قُدِّرَ تعارضُ الحديثين وجب تقديم حديثنا؛ لخصوصه، جمعًا بين الحديثين، وعملًا بكلا النصين. وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة، هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله - ﷺ - أولى، والقياس لا يُصار إليه مع النصّ، مع أن في الحديث أنه أرخص في العرايا، والرخصة استباحة المحظور، مع وجود السبب الحاظر، فلو منع وجود السبب من الاستباحة، لم يبق لنا رخصة بحال. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ . وقال في «الفتح» - بعد أن أورد صور العرايا المذكورة في المسألة السابقة -: وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعيّ، والجمهور، وقَصَر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية، وقَصَرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة، من صور البيع، وزاد أنه رُخّص لهم أن يأكلوا الرطب، ولا يشتروه لتجارة، ولا ادّخار. ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة، وهو أن يُعرِي الرجل تمر نخلة من نخله، ولا يُسَلِّم ذلك له، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرُخص له أن يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب، بخرصه تمرًا، وحَمَله على ذلك أَخذُه بعموم النهي عن بيع الثمر بالتمر. وتُعُقّب بالتصريح باستثناء العرايا، في حديث ابن عمر، كما تقدم، وفي حديث غيره. وحكى الطحاويّ عن عيسى بن أبان، من أصحابهم: أن معنى الرخصة، أن الذي وُهِبت له العرية لم يملكها؛ لأن الهبة لا تُملك إلا بالقبض، فلمّا جاز له أن يُعطي بدلها تمرًا، وهو لم يملك المبدَل منه، حتى يستحق البدل، كان ذلك مستثنى، وكان رخصة، وقال الطحاوي: بل معنى الرخصة فيه: أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به، ويعطي بدله، ولو لم يكن واجبًا عليه، فلما أُذن له أن يحبس ما وعد به، ويعطي بدلًا، ولا يكون في حكم من أَخلَف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة، واحتج لمذهبه بأشياء، تَدُلُّ على أن العرية العطية، ولا حجة في شيء منها؛ لأنه لا يلزم من كون أصل العرية العطية، أن لا تُطلق العرية شرعًا على صور أخرى. قال ابن المنذر: الذي رَخّص في العرية، هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر، في لفظ واحد، من رواية جماعة من الصحابة، قال: ونظير ذلك: الإذنُ في السَّلَم، مع قوله - ﷺ -: «لا تبع ما ليس عندك»، قال: فمن أجاز السلم، مع كونه مستثنى من بيع ما ليس عندك، ومنع العرية، مع كونها مستثناة من بيع الثمر بالتمر، فقد تناقض، وأما حملهم الرخصة على الهبة، فبعيد مع تصريح الحديث بالبيع، واستثناء العرايا منه، فلو كان المراد الهبة، لما استثنيت العرية من البيع، ولأنه عبّر بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع، والمنع إنما كان في البيع، لا الهبة، وبأن الرخصة قُيِّدت بخمسة أوسق، أو ما دونها، والهبة لا تتقيد؛ لأنهم لم يفرقوا في الرجوع في الهبة، بين ذي رحم وغيره، وبأنه أَبُو كان الرجوع جائزًا، فليس إعطاؤه بالتمر بدل الرطب، بل هو تجديد هبة أخرى، فإن الرجوع لا يجوز، فلا يصح تأويلهم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن لك مما ذُكِر أن الحق هو ما عليه الجمهور من جواز بيع العرايا؛ لوضوح أدلّته، وتبين لك أيضًا أن التأويلات التي ذكرها الحنفيّة لأحاديث العرايا كلها باطلة؛ لمعارضتها النصوص الصريحة. وإنْ تَعْجَب فعجبٌ ما أطال به صاحب، تكملة فتح الملهم» نفسه في شرحه مؤيّدًا مذهبه الحنفيّ، قاتل الله التعصّب، والله المستعان. قال القرطبيّ ﵀ بعد أن ذكر مذهب الحنفيّة في تأويل أحاديث العرايا، ما نصّه: وهذا المذهب إبطال لحديث العريّة من أصله، فيجب اطّراحه، وذلك أن حديث العريّة تضمّن أنه بيعٌ مرخّصٌ فيه في مقدار مخصوص، وأبو حنيفة يُلغي هذه القيود الشرعيّة. انتهى . والحاصل أن الواجب هو الأخذ بما دلّت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، وإلغاء ما خالفها من الآراء، التي لا تعتمد إلا على الأدلة القياسيّة، ولقد تكرّر إنشاد قول القائل: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَ مَعَ الرِّيَاحِ فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه اختَلَف العلماء في أن هذه الرخصة هل يُقتَصَر بها على مورد النصّ، وهو النخل، أم يتعدى إلى غيره؟ على أقوال: [أحدها]: اختصاصها بالنخل، وهذا قول الظاهرية، على قاعدتهم في ترك القياس. [الثاني]: تعدّيها إلى العنب، بجامع ما اشتركا فيه من إمكان الخرص، فإن ثمرتهما متميزة مجموعة في عناقيدها، بخلاف سائر الثمار، فإنها متفرقة مستترة بالأوراق، لا يتأتى خرصها، وبهذا قال الشافعيّ. [الثالث]: تعديها إلى كل ما ييبس ويُدَّخَر من الثمار، وهذا هو المشهور عند المالكية، وجعلوا ذلك علة الحكم في محل النصّ، وأناطوا الحكم به وجودًا وعدمًا، حتى قالوا: لو كان البسر مما لا يتتمر، والعنب مما لا يتزبب لم يجز شراء العرية منه بخرصها، بل يخرج عن محل الرخصة؛ لعدم العلة. [الرابع]: تعدّيها إلى كل ثمرة مُدَّخَرة، وغير مُدَّخرة، وهذا قول محمد بن الحسن، وهو قول عن الشافعيّ . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح عدم إلحاق غير التمر بالتمر؛ لأن هذا الترخيص ورد على خلاف النصّ الوارد في النهي عن المزابنة؛ للضرورة، فيُقتصر ما عداه على الأصل، وهو منع المزابنة، وقد أسلفت تحقيق ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم القائلين بجواز بيع العرايا في مقدارها: قال ابن قُدامة ﵀: لا تجوز العرايا في زيادة على خمسة أوسق، بغير خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق، بغير خلاف بين القائلين بجوازها، فأما في خمسة أوسق، فلا يجوز عند الإمام أحمد ﵀، وبه قال ابن المنذر، والشافعيّ في أحد قوليه، وقال مالك، والشافعيّ في قول: يجوز، ورواه إسماعيل بن سعيد، عن أحمد؛ لأن في حديث زيد، وسهل أنه رَخّص في العرية مطلقًا، ثم استثنى ما زاد على الخمسة في حديث أبي هريرة، وشكّ في الخمسة، فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه على مقتضى الإباحة، ولنا أَنَّ النبيّ - ﷺ -، نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية، فيما دون خمسة أوسق، وشكّ في الخمسة، فيبقى على العموم في التحريم، ولأن العرية رخصة، بُنيت على خلاف النص والقياس يقينًا فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع الشك. ورَوَى ابن المنذر بإسناده أن النبيّ - ﷺ -، رَخَّصَ في بيع العرية، في الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة، والتخصيص بهذا يدل على أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه، كما اتفقنا على أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة؛ لتخصيصه إياها بالذكر. وروى مسلم عن سهل؛ أن رسول الله - ﷺ -، رخص في بيع العرية النخلة، والنخلتين، ولأن خمسة الأوسق في حكم ما زاد عليها، بدليل وجوب الزكاة فيها، دون ما نقص عنها، ولأنها قدر تجب الزكاة فيه، فلم يجز بيعه عرية، كالزائد عليها. فأما قولهم: أرخص في العرية مطلقًا، فلم يثبت أن الرخصة المطلقة سابقة على الرخصة المقيدة، ولا متأخرة عنها، بل الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة، وبعضهم مقيدة، فيجب حمل المطلق على المقيد، ويصير القيد المذكور في أحد الحديثين، كأنه مذكور في الآخر، ولذلك يقيد فيما زاد على الخمسة اتفاقًا. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد، وجماعة من تقديره بأقل من خمسة أوسق، هو الأرجح؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في أنه هل يجوز أن يشتري أكثر من خمسة فيما زاد على صفقة؟ قال ابن قدامة ﵀: لا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، فيما زاد على صفقة، سواء اشتراها من واحد، أو من جماعة، وقال الشافعي: يجوز للإنسان بيع جميع ثمر حائطه عرايا، من رجل واحد، ومن رجال في عقود متكررة؛ لعموم حديث زيد، وسهل، ولأن كل عقد جاز مرة، جاز أن يتكرر، كسائر البيوع. ولنا أن النهي عن المزابنة عامّ، استُثنِيَ منه العرية، فيما دون خمسة أوسق، فما زاد يبقى على العموم في التحريم؛ ولأن ما لا يجوز عليه العقد مرة، إذا كان نوعًا واحدًا، لا يجوز في عقدين، كالذي على وجه الأرض، وكالجمع بين الأختين، فأما حديث سهل، فإنه مقيد بالنخلة والنخلتين، بدليل ما روينا، فيدل على تحريم الزيادة عليهما، ثم إن المطلق يُحْمَل على المقيد، كما في العقد الواحد. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الحنبليّة من عدم جواز أكثر من خمسة أوسق مطلقًا هو الأرجح؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): قال ابن قُدامة ﵀ أيضًا: إن باع رجل عَرِيتين من رجلين، فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز، وقال أبو بكر، والقاضي: لا يجوز؛ لِمَا ذكرنا في المشتري، ولنا أن الْمُغَلَّب في التجويز حاجة المشتري، بدليل ما رَوَى محمود بن لبيد، قال: «قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالًا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله - ﷺ -؛ أن الرُّطَب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، الذي في أيديهم، يأكلونه رُطَبًا»، وإذا كان سبب الرخصة حاجة المشتري، لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع، فلا يتقيد في حقه بخمسة أوسق، ولأننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري، وحاجة البائع إلى البيع، أفضى إلى أن لا يحصل الإرفاق؛ إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين، فتسقط الرخصة، فإن قلنا: لا يجوز ذلك بطل العقد الثاني، وإن اشترى عريتين، أو باعهما، وفيهما أقل من خمسة أوسق جاز وجهًا واحدًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول أرجح؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): أنه لا يشترط في بيع العرية، أن تكون موهوبة لبائعها، قال ابن قُدامة: هذا ظاهر كلام أصحابنا، وبه قال الشافعيّ، وظاهر قول الْخِرَقي أنه شرط، وقد روى الأثرم، قال: سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا؟ فقال: العريا أن يُعري الرجل الجار، أو القرابة للحاجة، أو المسكنة، فللمُعرَى أن يبيعها ممن شاء. وقال مالك: بيع العرايا الجائز هو أن يُعري الرجلُ الرجلَ نخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط، دخول الرجل المعرَى؛ لأنه ربما كان مع أهله في الحائط، فيؤذيه دخول صاحبه عليه، فيجوز أن يشتريها منه. واحتجوا بأن العرية في اللغة: هبة ثمرة النخيل عامًا، قال أبو عبيد: الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامَها ذلك، قال الشاعر الأنصاري، يَصِف النخل [من الطويل]: فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةٍ … وَلَكِنْ عَرَاَيَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ يقول: إنا نُعرِيها الناس، فتعيّن صرف اللفظ إلى موضوعه لغة، ومقتضاه في العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك. ولنا حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، وهو حجة على مالك، في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب، ولأنه أَبُو كان لحاجة الواهب، لما اختص بخمسة أوسق؛ لعدم اختصاص الحاجة بها، ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأن الظاهر من حال صاحب الحائط، الذي له النخيل الكثير، يعريه الناس، أنه لا يعجز عن أداء ثمن العرية، - وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأن علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه، سوى التمر، فمتى وجد ذلك جاز البيع، ولأن اشتراط كونها موهوبة، مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رُطَبًا، ولا ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة؛ إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولأن ما جاز بيعه إذا كان موهوبًا، جاز وإن لم يكن موهوبًا، كسائر الأموال، وما جاز بيعه لواهبه، جاز لغيره، كسائر الأموال، وإنما سُمِّي عرية؛ لتعريه عن غيره وإفراده بالبيع. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأظهر عدم اشتراط كونها موهوبة للبائع؛ لوضوح مستنده، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): أنه إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر، لا أقل منه، ولا أكثر، ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلومًا بالكيل، ولا يجوز جِزافًا، قال ابن قُدامة: لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافًا؛ لما رَوَى زيد بن ثابت - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - أرخص في العرايا، أن تُباع بخرصها كيلًا»، متفق عليه، ولمسلم: «أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا، يأكلها أهلها رُطَبًا»، ولأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين، وسقط في أحدهما للتعذر، فيجب في الآخر بقضية الأصل، ولأن ترك الكيل من الطرفين، يُكثِرُ الغرر، وفي تركه من أحدهما يقلل الغرر، ولا يلزم من صحته مع قلة الغرر، صحته مع كثرته. ومعنى خرصها بمثلها من التمر: أن يُطيف الخارص بالعَرِيّة، فينظر كم يجيء منها تمرًا؛ فيشتريها المشتري بمثلها تمرًا، وبهذا قال الشافعيّ، ونقل حنبل عن أحمد أنه قال: يخرصها رُطَبًا، ويعطي تمرًا رُخصة، وهذا يَحْتَمِل الأول، ويَحْتَمِل أنه يشتريها بتمر، مثل الرطب الذي عليها؛ لأنه بيعٌ اشتُرطت المماثلة فيه، فاعتبرت حال البيع، كسائر البيوع، ولأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال، وأن لا يباع الرُّطَب بالتمر، وخولف الأصل في بيع الرُّطَب بالتمر، فيبقَى فيما عداه على قضية الدليل، وقال القاضي: الأول أصح؛ لأنه يبنى على خرص الثمار في العُشرِ الصحيح، ثم خرصه تمرًا، ولأن المماثلة في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادّخار، وبيع الرطب بمثله تمرًا يفضي إلى فوات ذلك. فأما إن اشتراها بخرصها رطبًا لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعيّ، والثاني: يجوز، والثالث: لا يجوز مع اتفاق النوع، ويجوز مع اختلافه، ووجه جوازه ما رَوَى الْجُوزَجاني عن أبي صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله - ﷺ -: «أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو التمر، ولم يرخص في غير ذلك»، ولأنه إذا جاز بيع الرطب بالتمر، مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال، فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى. واحتجّ الأولون بما رَوَى مسلم بإسناده، عن زيد بن ثابت - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - أرخص في العرايا، أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا»، وعن سهل بن أبي حثمة - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ -، نَهَى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: «ذلك الربا، تلك المزابنة»، إلا أنه رخص في العرية: النخلة، والنخلتين، يأخذها أهل البيت، بخرصها تمرًا، يأكلونها رُطُبًا، رواه مسلم، ولأنه مبيع يجب فيه مثله تمرًا، فلم يجز بيعه بمثله رطبًا، كالتمر الجافّ، ولأن من له رطب، فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري على ما أسلفناه، وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر، فلا يجوز العمل به مع الشك، سيّما وهذه الأحاديث تبيّنه، وتزيل الشك. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): يُشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس، وهذا قول الشافعيّ، قال ابن قُدامة: ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبر فيه شروطه، إلا ما استثناه الشرع مما لا يمكن اعتباره في بيع العرايا، والقبض في كل واحد منهما على حسبه، ففي التمر اكتياله أو نقله، وفي الثمرة التخليةُ، وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل، بل لو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة، ثم مضيا جميعًا إلى النخلة، فسلّمها إلى مشتريها، ثم مشيا إلى التمر فتسلّمه من مشتريها، أو تسلّم التمر، ثم مضيا إلى النخلة جميعًا، فسلمها إلى مشتريها، أو سلم النخلة، ثم مضيا إلى التمر، فتسلمه جاز؛ لأن التفرق لا يحصل قبل القبض. إذا ثبت هذا، فإن بيع العَرِيّة يقع على وجهين: [أحدهما]: أن يقول: بعتك ثمرة هذه النخلة بكذا وكذا، من التمر ويصفه. [والثاني]: أن يكيل من التمر بقدر خرصها، ثم يقول: بعتك هذا بهذا، أو يقول: بعتك ثمرة هذه النخلة بهذا التمر، ونحو هذا، وإن باعه بمعيّن، فقَبضُهُ بنقله وأخذه، وإن باع بموصوف فقبضه باكتياله. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة عشرة): قال ابن قُدامة ﵀ أنه لا يجوز بيع العريّة إلا لمحتاج إلى أكلها رُطَبًا، ولا يجوز بيعها لغنيّ، وهذا أحد قولي الشافعيّ، وأباحها في القول الآخر مطلقًا لكل أحد؛ لأن كل بيع جاز للمحتاج، جاز للغنيّ كسائر البياعات، ولأن حديث أبي هريرة، وسهل مطلقان. قال: ولنا حديث زيد بن ثابت، حين سأله محمود بن لبيد: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالًا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله - ﷺ -؛ أن الرُّطَب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رُطَبًا يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، يأكلونه رطبًا، ومتى خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط؛ ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها، كالزكاة للمساكين، والترخصِ في السفر فعلى هذا، متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجًا، ومعه من الثمن مما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها لواهبها، تحرزًا من دخول صاحب العرية حائطه، كمذهب مالك، أو لغيره، فإنه لا يجوز. وقال ابن عقيل: يباح، ويحتمله كلام أحمد؛ لأن الحاجة وجدت من الجانبين، فجاز كما لو كان المشتري محتاجًا إلى أكلها، ولنا حديث زيد الذي ذكرناه، والرخصة لمعنى خاص، لا تثبت مع عدمه؛ ولأنه في حديث زيد، وسهل: «يأكلها أهلها رطبًا»، ولو جاز لتخليص الْمُعري لَمَا شرط ذلك. فيشترط إذًا في بيع العرية شروط خمسة: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وبيعها بخرصها من التمر، وقبض ثمنها قبل التفرق، وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر، واشترط القاضي، وأبو بكر شرطًا سادسًا، وهو حاجة البائع إلى البيع، واشترط الخرقي كونها موهوبة لبائعها، واشترط أصحابنا لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطبًا، فإن تركها حتى تصير تمرًا، بطل العقد. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط كون المشتري محتاجًا إلى أكلها رطبًا هو الظاهر؛ لِمَا تقدّم من رواية مسلم: «أن تؤخذ بمثل خرصها يأكلها أهلها رُطبًا»، وأما الحديث الذي ذكره ابن قُدامة عن زيد بن ثابت: «أن رجالًا من المحتاجين شكوا إلى رسول الله - ﷺ - أن الرطب يأتي إلخ»، فليس بثابت؛ إذ لم يوجد له سند، كما نقله الزيلعيّ في «نصب الراية» (٤/ ١٣ - ١٤) عن صاحب «التنقيح»، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل الى المؤلّف: ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٧٣] (…) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ؛ أَنهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ؛ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - رَخَّصَ فِي الْعَرِيةِ يَأَخُدُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأَلُونَهَا رُطَبًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (رَخَّصَ في الْعَرِيَّةِ) وفي بعض النسخ: «في بيع العريّة». وقوله: (رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ … الخ) وفي الرواية الآتية: «قال يحيى: العريّة أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رُطبًا بخرصها تمرًا». وقال القرطبيّ ﵀: العريّة في اللغة - على ما نقله الجوهريّ -: النخلة يُعْرِيهَا صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل ثمرها له عامًا، فيَعْرُوها؛ أي: يأتيها، وهي: فَعِيلة، بمعنى مفعولة. وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت، فصارت في عداد الأسماء، كالنَّطِيحة، والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة؛ قلت: نخلةٌ عَرِيٌّ، وأنشد لسويد بن الصامت: وَلَيْسَتْ بِسَنْهاءٍ ولا رُجَّبِيَّة … ولكن عَرَايَا في السِّنِين الْجَوائح وقال غيره: هي فَعِيلة، بمعنى: فاعلة؛ أي: عَرِيت من ملك مُعْريها. وقال غيرهما: عراه يعروه: إذا أتاه يطلب منه عرية، فأعراه؛ أي: أعطاه إياها، كما يقال: سألني فأسألته، وطلبني فأطلبته، فالعريَّة: اسم للنخلة المعطى ثمرها، فهي اسم لعطيَّة خاصة، وقد سَمَّت العرب عطايا خاصّة بأسماء خاصّة، كالمنيحة: لعطية الشاة لِلَّبن، والإفقار: لما رُكِب فقاره، والإخبال: لما ينتفع به من المال. قال القرطبيّ: فقد حصل من نقل أهل اللغة: أن العرية عطية؛ لا بيعٌ، ولما ثبتٌ ذلك فسَّر مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، والأوزاعيّ العرية المذكورة في الحديث: بأنَّها إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا، على ما تقتضيه اللغة، غير أنهم اختلفوا في شروط كثيرة، وأحكام متعددة، وحاصل مذهب مالك في العرية: أنها عطية ثمرة نخلة أو نخلات من حائط، فيجوز لمن أُعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين، والعروض، ومن معطيها خاصة بخرصها تمرًا، وذلك بشروط: أحدها: أن تكون أقل من خمسة أوسقٍ، وفي الخمسة خلاف. وثانيها: أن تكون بخرصها من نوعها ويابسها نخلًا، وعنبًا، وفي غيرهما مما يوصق، ويدَّخَر للقوت، خلاف. وثالثها: أن تقوَّم بالخرص عند الجداد. ورابعها: أن يكون المشترَى جملتها، لا بعضها. وخامسها: أن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من الْمُعْرِي قبل ذلك على شرط القطع لم يجز، لتعدِّي محل الرُّخصة. وأما الشافعيّ: فالعرية عنده: بيع الرُّطب في رؤوس النخل بتَمْر مُعَجَّل، فلم يُعَرِّج على اللغة المعروفة فيها، وكانه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث، فإنه قال: العرية: أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا، وهذا لا ينبغي أن يعوَّل عليه؛ لأن يحيى بن سعيد ليس صحابيًّا، فيقال: فهمه عن النبيّ - ﷺ -، ولا رفعه للنبيّ - ﷺ -، ولا يثبت به عرف غالب شرعيّ حتى يرجِّحه على اللغة، وغايته: أن يكون رأيًا ليحيى، لا رواية له، ثم يعارضه تفسير ابن إسحاق، فإنه قال: العرايا: أن يهب الرجل للرجل النخلات، فيشقّ عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها، ثم هو عين المزابنة المنهيّ عنها، ووضع رخصة في موضع لا تُرهق إليه حاجة وَكِيدة، ولا تندفع بها مفسدة، فإن المشتري لها بالتمر متمكن من بيع تمره بعين أو عروض، ويشتري بذلك رطبًا، فإن قيل: قد يتعذَّر هذا، قيل: فأَجِز بيع الرُّطب بالتمر؛ إذا كان الرطب لا على رؤوس النخل؛ إذ قد يتعذر بيع التمر على من هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به، ولا يجوز ذلك، فلا يجوز تفسير العرية بما ذكر. وأمَّا أبو حنيفة: فإنَّه فسَّر العرية بما إذا وهب رجل ثمر نخلة، أو نخلات، ولم يقبضها الموهوب له، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمرًا، ويتمسك بالثمرة، جاز له ذلك؛ إذ ليس من باب البيع، وإنما هو من باب الرجوع في الهبة؛ التي لم تجب بناء على أصله في أن الهبة لا تجب إلا بالقبض، وهذا المذهب إبطال لحديث العريّة من أصله فيجب إطّراحه، وذلك: أن حديث العرية تضمن أنه بيع مُرَخَّص فيه في مقدار مخصوص، وأبو حنيفة يلغي هذه القيود الشرعية. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال الحافظ ﵀ بعد ذكر كلام القرطبيّ فيما قاله في الردّ على الشافعيّ، ما نضه: والشافعي أقعد باتباع أحاديث هذا الباب من غيره، فإنها ناطقة باستثناء العرايا من بيع المزابنة، وأما إلزامه الأخير فليس بلازم؛ لأنها رخصة وقعت مقيدةً بقيد، فيتبع القيد، وهو كون الرطب على رؤوس النخل، مع أن كثيرًا من الشافعية ذهبوا إلى إلحاق الرطب بعد القطع بالرطب على رؤوس النخل بالمعنى كما تقدم، والله أعلم. قال: وكل ما ورد من تفسير العرايا في الأحاديث لا يخالفه الشافعيّ، فقد روى أبو داود من طريق عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، وهو أخو يحيى بن سعيد، قال: العرية الرجل يُعْرِي الرجل النخلة، أو الرجلُ يستثني من ماله النخلة يأكلها رطبًا، فيبيعها تمرًا، وقال أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه»: حدثنا وكيع، قال: سمعنا في تفسير العرية أنها النخلة يرثها الرجل، أو يشتريها في بستان الرجل. وإنما يتجه الاعتراض على من تمسك بصورة من الصور الواردة في تفسير العرية، ومنع غيرها، وأما مَن عَمِل بها كلها ونظمها في ضابط يجمعها، فلا اعتراض عليه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الحافظ ﵀ أن ما ذهب إليه الشافعيّ ﵀ أولى من غيره، وهو أنه يعمل بكل ما دلّت به أحاديث العرايا، وقد تقدّمت صورها، فالعمل بكل الروايات أولى وأحقّ من إلغاء بعضها، فتأمل بالإنصاف، وأما مذهب إليه الحنفيّة من إلغاء أحاديث العريّة، ودفعهم لها بالتأويلات الباردة، والمتعسّفة، فيجب اطّراحه، كما قال القرطبيّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال القرطبيّ ﵀ أيضًا: قوله: (رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأكُلُونَهَا رُطَبًا) الخِرْصُ - بكسر الخاء - هو: اسم للمخروص، وبفتحها هو: المصدر، والرواية هنا: بالكسر، و«أهل البيت» - على مذهب مالك، ومن قال بقوله -: هم الْمُعْرُون، فيضمنون مقدار العرية، فيدفعون ذلك للمُعْرَى له تمرًا عند الجداد رفقًا به حيث كفي المؤن، وأعطي ما يقتات به. ويحصل من ذلك للمُعْرِي دفع ضرر تكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها، وسقيها، واجتنانها، فظهر لمالك: أن العرية إنما رخص فيها لأنها من باب المعروف، والرفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه، وأما على مذهب الشافعيّ، فأهل البيت عنده هم: المشترون الذين يشترون الرطب بالتمر ليأكلوها رطبًا. فظهر له: أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر لأكل الرطب، وقد ذكرنا آنفًا ضعف هذا المعنى. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد مرّ أنه لا ضعف فيما ذهب إليه الشافعيّ ﵀، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٧٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيىَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَني نَافِعٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا في السند الماضي، وفي الباب الماضي، و«عبد الوهّاب» هو: ابن عبد المجيد الثقفيّ. [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٣/ ٢٩٦) فقال: (٥٠٤٧) - حدّثنا إسماعيل القاضي، قثنا عليّ بن المدينيّ، قثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى يقول: أخبرني نافع؛ أنه سمع ابن عمر حَدَّث أن زيد بن ثابت حدَّثه، أن رسول الله - ﷺ - رَخَّصَ في العَرِيّة يأخذها أهل البيت بخرصها، ثم يأكلونها رُطَبًا. انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٧٥] (…) - (وَحَدَّثناهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أنهُ قَالَ: وَالْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ تُجْعَلُ لِلْقَوْم، فَيَبِيعُونَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير الواسطي، أبو معاوية بن أبي خازم، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَالَ: وَالْعَرِيَّةُ … الخ) فاعل «قال» ضمير يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما بيّنه في الرواية التالية، فتنبّه. [تنبيه]: رواية هشيم، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها البيهقيّ في «الكبرى» (٥/ ٣١٠) فقال: (١٠٤٤١) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، ورَخَّصَ في العرايا، قال: والْعَرِيّة: النخلة تُجْعَل للقوم، يبيعونها بخرصها تمرًا. انتهى، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: نقل أبو مسعود الدمشقيّ في «الأجوبة» (١٣) كلام الدارقطنيّ، حيث قال: وأخرج حديث هُشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عُمر، عن زيد بن ثابت في بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، وبيع العرايا، ويقال: إن هُشيمًا وَهِمَ فيه، وأوّله عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -، وعن زيد، عن النبيّ - ﷺ - في العرايا فقط. قال أبو مسعود: أما حديث هُشيم، فقال: حدّثنا يحيى بن يحيى، حدّثنا هُشيم، عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، ولم يزد على هذا، ومثله حديث عبد الوهّاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد، عن النبيّ - ﷺ - في العرايا فقط، وألغى مسلم حديث الأول، والذي وَهِمَ فيه هُشيم، فلم يُخرجه، إنما أخرجه في عقب حديث زيد، عن النبيّ - ﷺ - في العرايا، فلم يتأمّل عليّ بن عمر هذا، ولو تأمّله لم يَنسُب إلى الوهم فيه. انتهى كلام أبي مسعود ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد أبو مسعود الدمشقيّ ﵀ في هذا التعقّب على الدارقطنيّ حيث اعترض على مسلم بما هو بريء منه، فإن صنيعه يدلّ على مهارته في علم الحديث، وقوّة فِطنته في علله حيث تفطّن لوهم هشيم، فذكر متابعته لسليمان بن بلال في أصل الحديث، كما تابعه الثقفيّ، ثم حذف محلّ الوهم، وهذا من جملة ما أشار إليه في أول كتابه بأنه يوضح علل الحديث كلما أتى عليها، فقد أوضح هنا حيث حذف ما وَهِمَ فيه هشيم من متن الحديث، وذكر ما لم يَهِم فيه، وهو الإسناد، وهذا هو غاية الحِذق، فللَّه درّه محدّثًا حافظًا، وناقدًا بصيرًا. وقد سقتُ في التنبيه الأول حديث هُشيم مما أخرجه البيهقيّ في «الكبرى»، وفيه وهمه المذكور، كما قال الدارقطنيّ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٧٦] (…) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ ثَابِتٍ، أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، قَالَ يَحْيَى: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا). رجال هذا الإسناد: ستة: وهم المذكورون قبله، غير شيخه، والليث بن سعد، فتقدّما قبل ثلاثة أبواب. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٧٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُباعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله، و«ابن نُمير» هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و«عُبيد الله» هو ابن عمر العمريّ. وقوله: (أَنْ تُباعَ بِخَرْصِهَا) في تأويل المصدر بدل من «العرايا»؛ أي: في بيعها. وقوله: (كَيْلًا) منصوب على التمييز. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، بِهَذَا الإسْنَاد، وَقَالَ: أَنْ تُؤْخَذَ بِخَرْصِهَا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: و«ابن المثنّى» هو: محمد، و«يحيى بن سعيد» هو: القطّان، و«عبيد الله» هو المذكور في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٢٩)

١. قال في «اللسان»: يروى «رُجبيّة» بضتم الراء، وتخفيف الجيم المفتوحة، وتشديدها. انتهى.

٢. «الفتح» ٥/ ٦٦٢.

٣. وفي نسخة: «نهى عن المزابنة».

٤. بضمّ الحاء المهملة، مصغّرًا، وآخره نون.

٥. «الفتح» ٥/ ٦٥٤.

٦. «الفتح» ٥/ ٦٥٤ - ٦٥٥.

٧. ٥/ ٦٥٥.

٨. «المغني» ٦/ ١٢٨ - ١٢٩.

٩. تقدّم قبل حديث.

١٠. «المصباح المنير»١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.

١١. «الفتح» ٥/ ٦٥٤.

١٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»٧/ ١٤٠.

١٣. راجع: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» من هامشه ٧/ ١٤٠ - ١٤١.

١٤. حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في «سننه»، ولفظه: أن رجلًا أصاب من امرأة - يعني ما دون الفاحشة - فلا أدري ما بلغ، غير أنه دون الزنى، فأتى النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له، فأنزل الله ﷾: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، فقال: يا رسول الله ألي هذه؟ قال: «لمن أخذ بها»، وفي لفظ: «هي لمن عَمِل بها من أمتي».

١٥. «طرح التثريب» ٦/ ١٣٩.

١٦. «الفتح»٥/ ٦٦٣ - ٦٦٤.

١٧. «المغني» ٦/ ١١٩ - ١٢٠.

١٨. «الفتح» ٥/ ٦٦٤ - ٦٦٥.

١٩. «المفهم» ٤/ ٣٩٤.

٢٠. «طرح التثريب» ٦/ ١٤٠.

٢١. «المغني» ٦/ ١٢١ - ١٢٢.

٢٢. «المغني» ٦/ ١٢٢ - ١٢٣.

٢٣. «المغني» ٦/ ١٢٣ - ١٢٤.

٢٤. «المغني» ٦/ ١٢٤ - ١٢٦.

٢٥. «المغني» ٦/ ١٢٨.

٢٦. وفي نسخة: «في بيع العريّة».

٢٧. «المفهم»٤/ ٣٩٢ - ٣٩٤.

٢٨. «المفهم» ٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥.

٢٩. «قثنا» في الموضعين مختصر من «قال: حدّثنا»، فتنبّه.