HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٤٣

حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال (من بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ. إِلَّا أن يشترط المبتاع).
ج ٣ ص ١١٧٢

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص١٦٦
(١٦) - (بَابُ مَنْ بَاعَ نَخْلًا عَلَيْهَا ثَمَرٌ) وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٩٤] (١٥٤٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِع، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّم بنضه في الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنف ﵀، وهو (٢٥٨) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (مَنْ بَاعَ نَخْلًا) أي: باع أصل النخل، دون ذكر الثمر، و«النخل»: اسم جنس يُذكّر ويؤنّث، والجمع: نَخِيلٌ (قَدْ أُبِّرَتْ) بالبناء للمفعول، من التأبير، وهو التلقيح، يقال: أَبَرْتُ النخل آبُرُه أَبْرًا، بوزن أكلت الشيء آكله أكلًا، ويقال: أَبَّرْتُهُ بالتشديد أُؤَبِّره تأبيرًا، بوزن عَلَّمتُهُ أُعَلِّمه تعليمًا، والتأبير: التشقيق، والتلقيح، ومعناه: شَقُّ طلع النخلة الأنثى، ليُذَرّ فيه شيء من طلع النخلة الذكر، والحكم مستمرّ بمجرد التشقيق، ولو لم يَضَعْ فيه شيئًا، قاله في «الفتح» . وقال الفيّوميّ ﵀: أَبَرْتُ النخلَ أَبْرًا، من بابي ضَرَبَ وقَتَلَ: لَقَّحته، وأَبَّرته تأبيرًا مبالغة وتكثيرٌ، والأبُورُ وزانُ رَسُول: ما يؤبّر به، والإبارُ وزانُ كتاب: النخلة التي يُؤبَّرُ بطلعها، وقيل: الإبار أيضًا مصدرٌ؛ كالقيام، والصيام، وتأبّر النخلُ: قَبِلَ أن يؤبّر، قال أبو حنيفة السِّجِستانيّ في «كتاب النخلة»: إذا انشقّ الكافور قيل: شَقَّقَ النخلُ، وهو حين يؤبّر بالذَّكر، فيؤتى بشماريخه، فتُنفَضُ، فيطير غبارها، وهو طحين شَماريخ الْفُحَّالِ إلى شماريخ الأنثى، وذلك هو التلقيح. انتهى . وقال ابن قُدامة ﵀ أصل الإِبَار عند أهل العلم: التلقيح، قال ابن عبد البرّ: إلا أنه لا يكون حتى يتشقق الطلع، وتظهر الثمرة، فعُبِّر به عن ظهور الثمرة؛ للزومه منه، والحكم متعلق بالظهور، دون نفس التلقيح، بغير اختلاف بين العلماء، يقال: أَبَرْتُ النخلة بالتخفيف، والتشديد، فهي مُؤَبَّرة، ومأبورة، ومنه قول النبيّ - ﷺ -: «خير المال سِكَّة مأبورة» ، والسكة: النخل المصفوف، وأَبَرت النخلة آبُرها أَبْرًا، وإِبارًا، وأَبَّرتها تأبيرًا، وتأبرت النخلةُ، وائتبرت، ومنه قول الشاعر [من الرجز]: تَأَبَّرِي يَا خَيْرَةَ الْفَسِيلِ … إِذْ ضَنَّ أَهْلُ النَّخْلِ بِالْفُحُولِ يقول: تلقّحي من غير تأبير. وفسّر الخرقي المؤبَّر بما قد تشقق طلعه؛ لتعلق الحكم بذلك، دون نفس التأبير، قال القاضي: وقد يشقه الصَّعَّاد، فيظهر، وأيهما كان، فهو التأبير المراد ها هنا. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ بزيادة من «اللسان» . وقال القرطبيّ ﵀: إِبَارُ النخل، وتأبيره: تلقيحه، وتذكيره، وهو: أن يجعل في النخلة فَحَّالة، وعند ذلك يثبت ثمرها بإذن الله تعالى، يقال: أَبَرْتُ النخلة، آبِرها بكسر الباء وضمها، فهي مأبورة. ومنه قولهم: «خير المال مهرة مأمورة، وسكَّة مأبورة» . ويقال: أَبَّرت النخلة - مشدَّدًا - تأبيرًا، وهي مؤبَّرة، كقوَّمت الشيء تقويمًا، وهو مقوَّم، ويقال: تأبَّر الفسيل: إذا قبل الإِبَار، قال الراجز: تَأَبَّرِي يا خَيْرَةَ الفَسِيل … إِذْ ضَنَّ أهلُ النَّخل بالفُحُول ويقال: ائتبرتُ؛ إذا سألت غيرك أن يأبُرَ لك نخلك، أو زرعك، قال الشاعر [من الرمل]: وَليَ الأصل الذي في مثله … يُصلِح الآبِرُ زَرْعَ المؤتَبر هذا إِبَار ثمر النخل، وإبارُ كل ثمر بحسب ما جرت العادة بإنه إذا فُعل به ثبت ثمره، وانعقد، ثم قد يعبَّر به عن ظهور الثمرة وعن انعقادها، وإن لم يُفْعَل فيها شيء، ومن هنا اختلف أصحابنا في إبار الزرع، هل هو ظهوره على الأرض، أو إفراكه؟ . انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ) الذي أبرها، قال في «الفتح»: قد استُدِلّ بمنطوقه، على أن من باع نخلًا، وعليها ثمرة مؤبرة، لم تدخل الثمرة في البيع، بل تستمرّ على ملك البائع، وبمفهومه على أنها، إذا كانت غير مؤبَّرة، تدخل في البيع، وتكون للمشتري، وبذلك قال جمهور العلماء، وخالفهم الأوزاعيّ، وأبو حنيفة، فقالا: تكون للبائع قبل التأبير وبعده، وعكس ابن أبي ليلى، فقال: تكون للمشتري مطلقًا، وهذا كله عند إطلاق بيع النخل، من غير تعرّض للثمرة، فإن شرطها المشتري، بأن قال: اشتريت النخل بثمرتها، كانت للمشتري، وإن شرطها البائع لنفسه قبل التأبير، كانت له، وخالف مالك، فقال: لا يجوز شرطها للبائع. فالحاصل أنه يستفاد من منطوقه حكمان، ومن مفهومه حكمان: أحدهما: بمفهوم الشرط، والآخر بمفهوم الاستثناء. [تنبيه]: لا يشترط في التأبير أن يؤبّره أحدٌ، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم، عند جميع القائلين به. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر معنى التأبير، ما نصّه: وإذا تقرَّر هذا فظاهر هذا الحديث يقتضي بلفظه: أن الثمرة المأبورة لا تدخل مع أصولها إذا بيعت الأصول إلا بالشرط، ويقتضي دليل خطابه: أن غير المأبورة داخلة في البيع، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، والليث، وذهب أبو حنيفة: إلى أن الثمرة للبائع قبل الإبار وبعده، وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري قبل الإبار وبعده، وهذا القول مخالف للنص الصحيح، فلا يلتفت إليه، وأما أبو حنيفة فالخلاف معه مبنيّ على القول بدليل الخطاب، فهو ينفيه، وخصمه يثبته، والقول بدليل الخطاب في مثل هذا ظاهر؛ لأنه لو كان حكم غير المؤبَّر حكم المؤبَّر لكان تقييده بالشرط لغوًا لا فائدة له، فإن قيل: فائدته التنبيه بالأعلى على الأدنى، قيل له: ليس هذا بصحيح لغة ولا عرفًا، ومن جعل هذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، تعيّن أن يقال لفهمه: أُفّ، وتُفّ. انتهى . (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ») المراد بالمبتاع المشتري، بقرينة الإشارة إلى البائع، بقوله:«من ابتاع»، وقد استُدِلّ بهذا الإطلاق، على أنه يصح اشتراط بعض الثمرة، كما يصح اشتراط جميعها، وكأنه قال: إلا أن يشترط المبتاع شيئًا من ذلك، وهذه هي النكتة في حذف المفعول، وانفرد ابن القاسم، فقال: لا يجوز له شرط بعضها، قاله في«الفتح». وقال القرطبيّ ﵀: وقوله:«إلا أن يشترطه المبتاع» يعني أن الثمر المؤبَّر لا يدخل مع الأصول في البيع إلا بالشرط، وصحَّ اشتراطه؛ لأنه عينٌ موجودة، يحاط بها، أُمِن سقوطها غالبًا، بخلاف التي لم - تؤبَّر، إذ ليس سقوطها مأمونًا، فلم يتحقق لها وجود، فلا يجوز للبائع اشتراطها، ولا استثناؤها، لأنها كالجنين. هذا هو المشهور عندنا - يعني المالكيّة - وقيل: يجوز استثناؤها، وهو قول الشافعيّ، وخُرِّج هذا الخلاف على الخلاف في المسمى، هل هو مبقى على ملك البائع، أو هو مشترى من المشتري؟ [فرع]: لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع؛ جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة. قبل طيبها على مشهور قول مالك. ويرى لها حكم التبعية؛ وإن أفردت بالعقد لضرورة تخليص الرقاب. وعنه في رواية: أنه لا يجوز. وبذلك قال الشافعيّ، والثوريّ، وأهل الظاهر، وفقهاء الحديث، وهذا هو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: اختُلف في إسناد هذا الحديث على نافع، وسالم، قال الحافظ العراقيّ ﵀ في «التقريب»: عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من باع نخلًا، قد أُبّرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». وعن سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -: «من باع عبدًا، وله مالٌ، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلًا مؤبّرًا، فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». قال البيهقيّ: «هكذا رواه سالم، وخالفه نافع، فروى قصّة النخل عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -، وقصّة العبد عن ابن عمر، عن عمر، قال مسلم، والنسائيّ، والدارقطنيّ: القول ما قال نافعٌ، وإن كان سالِمٌ أحفظ منه، وذكر الترمذيّ عن البخاريّ أن حديث سالم أصحّ، وذكر في»العلل«أنه سأل البخاريّ عنه؟ فكانه رأى الحديثين صحيحين، وأنه يُحتَمل عنهما جميعًا، ورواه النسائيّ من رواية نافع، ورفع القصّتين، ورواه أيضًا من رواية نافع، وسالم، عن ابن عمر، عن عمر، مرفوعًا بالقصّتين». انتهى. قال وليّ الدين ﵀ في «شرحه»: أخرجه من الطريق الأولى الأئمّة الستّة، خلا الترمذيّ من هذا الوجه من طريق مالك، وأخرجه من الطريق الثانية الأئمة الستة، فرواه من هذا الوجه: مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق سفيان بن عيينة، وأخرجه الشيخان، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، وأخرجه مسلم فقط من رواية يونس بن يزيد، والنسائيّ، من رواية معمر، أربعتهم عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه. (واعلم): أن قصّة العبد رواها نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله، كذا رَوَى عنه مالك في «الموطإ»، ومن طريقه أبو داود في «سننه». قال ابن عبد البرّ: وهذا أحد الأربعة التي اختَلَف فيها سالمٌ ونافع عن ابن عمر. وقال البيهقيّ: هكذا رواه سالم، وخالفه نافع، فروى قصّة النخل، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -، وقصّة العبد عن ابن عمر، عن عمر، ثم رواه من طريق مالك كذلك، قال: وكذلك رواه أيوب السختيانيّ وغيره عن نافع. انتهى. واختلف الأئمة في الأرجح من روايتي نافع وسالم على أقوال: [أحدها]: ترجيح رواية نافع، روى البيهقيّ في «سننه» عن مسلم، والنسائيّ أنهما سُئلا عن اختلاف سالم ونافع في قصّة العبد؟ فقالا: القول ما قال نافع، وإن كان سالم أحفظ منه. وقال النوويّ في «شرح مسلم»: أشار النسائيّ، والدارقطنيّ إلى ترجيح رواية نافع، وهذه إشارة مردودة. [القول الثاني]: ترجيح رواية سالم، قال الترمذيّ في «جامعه»: قال محمد بن إسماعيل: وحديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - أصحّ، قال الحافظ العراقيّ ﵀ في «شرح الترمذيّ»: وسبقه إليه شيخه عليّ بن المدينيّ. وقال ابن عبد البرّ في «التمهيد»: إنه الصواب، فإنه كذلك رواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر برفع القصّتين معًا، وهذا مرجّح لرواية سالم. [القول الثالث]: تصحيحهما معًا، قال الترمذيّ في «العلل»: سألت محمدًا عن هذا الحديث، وقلت له: حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -: «من باع عبدًا»، وقال نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أيّهما أصحّ؟ قال: إن نافعًا خالف سالمًا في أحاديث، وهذا من تلك الأحاديث، روى سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، وقال نافع، عن ابن عمر، عن عمر، كأنه رأى الحديثين صحيحين، وأنه يَحْتَمِل عنهما جميعًا. قال العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: وليس بين ما نقله عنه في «الجامع»، وما نقله عنه في «العلل» اختلافٌ، فحكمه على الحديثين بالصحّة، لا ينافي حكمه في «الجامع» بأن حديث سالم أصحّ، بل صيغة «أفعل» تقتضي اشتراكهما في الصحّة. قال وليّ الدين: المفهوم من كلام المحدّثين في مثل هذا، والمعروف من اصطلاحهم فيه أن المراد ترجيح الرواية التي قالوا: إنها أصحّ، والحكم للراجح، فتكون تلك الرواية شاذّة ضعيفة، والمرجّحة هي الصحيحة، وحينئذ فبين النقلين تناف، لكن المعتمد ما في «الجامع»؛ لأنه مقول بالجزم واليقين، بخلاف ما في «العلل»، فإنه على سبيل الظنّ والاحتمال، والله أعلم. على أن ما في «العلل» هو الذي يمشي على طريقة الفقهاء؛ لعدم المنافاة، بأن يكون ابن عمر سمعه من النبيّ - ﷺ -، ومن أبيه، فرفعه تارةً، وسمعه كذلك سالمٌ، ووقفه تارة، وسمعه كذلك نافع. وقال النوويّ في «شرح مسلم»: لم تقع هذه الزيادة، - يعني قصّة العبد - في حديث نافع، عن ابن عمر، ولا يضرّ ذلك، فسالم ثقة، بل هو أجلّ من نافع، فزيادته مقبولة. انتهى. قال وليّ الدين: وما ذكرته عن سالم، ونافع هو المشهور عنهما، ورُوي عن نافع رفع القصّتين، رواه النسائيّ - أي في «العتق، والشروط من الكبرى» - من رواية شعبة، عن عبد ربّه بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر القصّتين، مرفوعتين، قال شعبة: فحدّثه بحديث أيوب، عن نافع، أنه حدّثني بالنخل، عن النبيّ - ﷺ -، والمملوك عن عمر، فقال عبد ربّه: لا أعلمهما جميعًا، إلا عن النبيّ - ﷺ -، ثم قال مرّةً أخرى: فحدّث عن النبيّ - ﷺ -، ولم يشكّ. ورواه ابن ماجه من رواية شعبة أيضًا مختصرًا: «من باع نخلًا، ومن باع عبدًا»، جميعًا، ولم يذكر قصّة أيوب. ورواه النسائيّ أيضًا - أي: في «العتق، والشروط من الكبرى» - من رواية محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، مرفوعًا بالقصّتين، وقال: هذا خطأ، والصواب حديث ليث بن سعد، وعبيد الله، وأيوب: أي: عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بقصّة العبد خاصّة موقوفةً. ورواه النسائيّ أيضًا من رواية سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن عمر بالقصّتين، مرفوعًا، قال أبو الحجّاج المزيّ ﵀: المحفوظ أنه من حديث ابن عمر - ﵄ -. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ . وقال في «الفتح»: واختُلِف على نافع وسالم، في رفع ما عدا النخل، فرواه الزهري، عن سالم، عن أبيه، مرفوعًا في قصة النخل والعبد معًا، هكذا أخرجه الحفاظ عن الزهريّ، وخالفهم سفيان بن حسين، فزاد فيه ابن عمر، عن عمر، مرفوعًا لجميع الأحاديث، أخرجه النسائي - أي: في «العتق من الكبرى» -، وروى مالك، والليث، وأيوب، وعبيد الله بن عمر، وغيرهم، عن نافع، عن ابن عمر قصة النخل، وعن ابن عمر، عن عمر قصة العبد موقوفة، كذلك أخرجه أبو داود، من طريق مالك بالإسنادين معًا. وجزم مسلم، والنسائيّ، والدارقطنيّ، بترجيح رواية نافع المفصّلة، على رواية سالم، ومال عليّ بن المدينيّ، والبخاريّ، وابن عبد البر، إلى ترجيح رواية سالم. ورُوي عن نافع رفع القصتين، أخرجه النسائيّ - أي: في «العتق من الكبرى» - من طريق عبد ربه بن سعيد، عنه، وهو وَهَم، وقد رَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، قال: ما هو إلا عن عمر شأن العبد، وهذا لا يدفع قول من صحح الطريقين، وجوّز أن يكون الحديث عند نافع، عن ابن عمر على الوجهين. انتهى المقصود من «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكرت الأحاديث الأربعة التي اختلف سالم، ونافع في رفعها ووقفها، في «ألفيّة العلل» حيث قلت: أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرِ … ابْنُهُ سَالِمٌ وَنَافِعٌ دُرِي وَاخْتَلَفَا فِي عَدَدٍ مِنَ الْخَبَرْ … فِي الرَّفْعِ وَالْوَقَفِ أَحَارَ مَنْ نَظَرْ سُئِلَ أَحْمَدُ فَلَمْ يَقْضِ بِشَيْ … كَذَاكَ عَنْ يَحْيَى أَتَاكَ يَا أُخَيْ وَمَالَ أَحْمَدُ لِوَقْفِ نَافِعِ … «فِيمَا سَقَتْ» «مَنْ بَاعَ عَبْدًا» فَاسْمَعِ وَالنَّسَئِيْ وَالدَّارَقُطْنِيْ رَجَّحَا … وَقْفَهُ فِي ثَلَاثَةٍ وَأَفْصَحَا «فِيمَا سَقَتْ» «مَنْ بَاعَ» ثُمَّ «تَخْرُجُ» … مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ نَارٌ تُزْعِجُ وَبَعْضُهُمْ زَادَ حَدِيثَ «النَّاسُ … كَإِبِلٍ مِائَهْ» فَذَا مِقْيَاسُ وَبَعْضُهُمْ رَجَحَ قَوْلَ سَالِمِ … فِي رَفْعِهَا فَاحْفَظْهُ حِفْظَ فَاهِمِ والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١٦/ ٣٨٩٤ و٣٨٩٥ و٣٨٩٦ و٣٨٩٧ و٣٨٩٨ و٣٨٩٩ و٣٩٠٠] (١٥٤٣)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٢٠٤) و«المساقاة» (٢٣٧٩)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٣٣)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٤٤)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٩٧) و«الكبرى» (٣/ ١٩٠ و٤/ ٤٤)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢١٠)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٦١٧ و٦٢٩)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٤٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨/ ١٣٥ و١٣٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٦ و٦٣ و١٥٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٤٤٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٠١ و٣٠٢ و٣٠٣)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٢٩٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٣٠٨ و٣٦٥ و١٠/ ١٧٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٩٧ و٣٢٤ و٣٢٦) و«الصغرى» (٥/ ٨٤) و«المعرفة» (٤/ ٣١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيانُ أن من باع نخلًا قد أُئرت، فثمرتها له، إذا لم يشترط المشتري، وإلا فهي له. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن المؤبَّر، يخالف في الحكم غير المؤبَّر، وقال الشافعية: لو باع نخلة، بعضها مؤئر، وبعضها غير مؤبّر، فالجميع للبائع، وإن باع نخلتين فكذلك يشترط اتحاد الصفقة، فإن أفرد فلكل حكمه، ويشترط كونهما في بستان واحد، فإن تعدد فلكل حكمه، ونصّ أحمد على أن الذي يؤبَّر للبائع، والذي لا يؤبر للمشتري، وجعل المالكية الحكم للأغلب. ٣ - (ومنها): جواز التأبير، وقد أخرج مسلم في «صحيحه» من طريق موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت مع رسول الله - ﷺ - بقوم، على رءوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟»، فقالوا: يُلَقِّحُونه، يجعلون الذَّكَرَ في الأنثى، فيلقح، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما أظن يغني ذلك شيئًا»، قال: فأُخبروا بذلك، فتركوه، فأُخبر رسول الله - ﷺ - بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ﷿». وأخرج من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس؛ أن النبيّ - ﷺ -، مَرَّ بقوم، يُلَقِّحُون، فقال:«لو لم تفعلوا لصلح»، قال: فخرج شِيصًا، فمر بهم، فقال:«ما لنخلكم؟ »، قالوا: قلت: كذا وكذا، قال:«أنتم أعلم بأمر دنياكم». ٤ - (ومنها): أن الحكم المذكور مختص بإناث النخل، دون ذكره، وأما ذكوره فللبائع نظرًا إلى المعنى، ومن الشافعية من أخذ بظاهر التأبير، فلم يفرّق بين أنثى وذكر. واختلفوا فيما لو باع نخلة، وبقيت ثمرتها له، ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة، فقال ابن أبي هريرة: هو للمشتري؛ لأنه ليس للبائع، إلا ما وُجد دون ما لم يوجد، وقال الجمهور: هو للبائع؛ لكونه من ثمره المؤبرة دون غيرها. ٥ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد، لا يفسد البيع، فلا يدخل في النهي عن بيع وشرط. ٦ - (ومنها): أن الطحاويّ استَدَلَّ بهذا الحديث على جواز بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها، واحتجّ به لمذهبه الذي حكيناه في ذلك، وقد تعقبه البيهقيّ وغيره، بأنه يَستَدِلُّ بالشيء في غير ما ورد فيه، حتى إذا جاء ما ورد فيه، استَدَلّ بغيره عليه كذلك، فيُستدلّ لجواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بحديث التأبير، ولا يَعمَل بحديث التأبير، بل لا فرق عنده كما تقدم في البيع قبل التأبير وبعده، فإن الثمرة في ذلك للمشتري، سواء شَرَطها البائع لنفسه، أو لم يشترطها، والجمع بين حديث التأبير، وحديث النهي عن بيع الثمرة قبل بُدُوّ الصلاح سهل، بأن الثمرة في بيع النخل تابعة للنخل، وفي حديث النهي مستقلة، وهذا واضح جدًّا، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن باع نخلًا عليها ثمر: قال ابن قُدامة ﵀: في هذه المسألة فصول ثلاثة: [الأول]: أن البيع متى وقع على نخل مثمر، ولم يشترط الثمرة، وكانت الثمرة مؤبرة، فهي للبائع، وإن كانت غير مؤبرة، فهي للمشتري، وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي. وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري في الحالين؛ لأنها متصلة بالأصل اتصال خلقة، فكانت تابعة له، كالأغصان، وقال أبو حنيفة، والأوزاعيّ: هي للبائع في الحالين؛ لأن هذا نماء له حَدٌّ، فلم يتبع أصله في البيع؛ كالزرع في الأرض. واحتجّ الأولون بقول النبيّ - ﷺ -: «من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر، فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع»، متفق عليه، وهذا صريح في رَدّ قول ابن أبي ليلى، وحجة على أبي حنيفة، والأوزاعيّ، بمفهومه؛ لأنه جعل التأبير حدًّا لملك البائع للثمرة، فيكون ما قبله للمشتري، وإلا لم يكن حدًّا، ولا كان ذكر التأبير مفيدًا، ولأنه نماء كامن لظهوره غاية، فكان تابعًا لأصله قبل ظهوره، وغير تابع له بعد ظهوره؛ كالحمل في الحيوان، فأما الأغصان، فإنها تدخل في اسم النخل، وليس لانفصالها غاية، والزرع ليس من نماء الأرض، وإنما هو مُودَعٌ فيها. [الثاني]: أنه متى اشترطها أحد المتبايعين، فهي له مُؤَبَّرة كانت، أو غير مؤبرة، البائع فيه والمشتري سواء، وقال مالك: إن اشترطها المشتري بعد التأبير جاز؛ لأنه بمنزلة شرائها مع أصلها، وإن اشترطها البائع قبل التأبير لم يجز؛ لأن اشتراطه لها بمنزلة شرائه لها قبل بُدُوّ صلاحها بشرط تركها. قال: ولنا أنه استثنى بعض ما وقع عليه العقد، وهو معلوم، فصح كما لو باع حائطًا، واستثنى نخلة بعينها، ولأن النبيّ - ﷺ -: «نَهَى عن الثنيا، إلا أن تُعلَم»، ولأنه أحد المتبايعين، فصحّ اشتراطه للثمرة كالمشتري، وقد ثبت الأصل بالاتفاق عليه، وبقوله - ﷺ -: «إلا أن يشترطها المبتاع»، ولو اشترط أحدهما جزءًا من الثمرة معلومًا، كان ذلك كاشتراط جميعها في الجواز، في قول جمهور الققهاء، وقول أشهب من أصحاب مالك. وقال ابن القاسم: لا يجوز اشتراط بعضها؛ لأن الخبر إنما ورد باشتراط جميعها. قال: ولنا أن ما جاز اشتراط جميعه، جاز اشتراط بعضه، كمدة الخيار، وكذلك القول في ما إذا اشترط بعضه. [الثالث]: أن الثمرة إذا بقيت للبائع، فله تركها في الشجر، إلى أوان الجذاذ، سواء استحقها بشرطه، أو بظهورها، وبه قال مالك، والشافعيّ، وقال أبو حنيفة: يلزمه قطعها، وتفريغ النخل منها؛ لأنه مبيع مشغول بملك البائع، فلزم نقله، وتفريغه، كما لو باع دارًا فيها طعام، أو قُماش له. قال: ولنا أن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع دارًا، فيها طعام، لم يجب نقله إلا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهارًا، شيئًا بعد شيء، ولا يلزمه النقل ليلًا، ولا جَمْع دواب البلد لنقله، كذلك ههنا يُفَرّغ النخل من الثمرة في أوان تفريغها، وهو أوان جذاذها، وقياسه حجة لنا؛ لِمَا بيّناه. إذا تقرر هذا، فالمرجع في جذّه إلى ما جرت به العادة، فإذا كان المبيع نخلًا، فحين تتناهى حلاوة ثمره، إلا أن يكون مما بُسره خير من رُطَبه، أو ما جرت العادة بأخذه بسرًا، فإنه يجذّه حين تَستحكم حلاوة بسره؛ لأن هذا هو العادة، فإذا استحكمت حلاوته، فعليه نقله، دوان قيل: بقاؤه في شجره خير له، وأَبقَى فعليه النقل؛ لأن العادة في النقل، قد حصلت، وليس له إبقاؤه بعد ذلك، وإن كان المبيع عنبًا، أو فاكهة سواه، فأخذه حين يتناهى إدراكه، وتستحكم حلاوته، ويُجذّ مثله، وهذا قول مالك، والشافعي. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٩٥] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّمَا نَخْلٍ اشْتُرِيَ أُصُولُهَا، وَقَدْ أُبِّرَتْ، فَإِنَّ ثَمَرَهَا لِلَّذِي أَبَّرَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الَّذِي اشْتَرَاهَا»). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلّهم تقدّموا في البابين الماضيين، و«يحيى بن سعيد» هو: القطّان، و«ابن نُمير» هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و«عبيد الله» هو: ابن عمر العُمريّ. وقوله: (اشْتُريَ أُصُولُهَا) فعلٌ ونائب فاعله. وقوله: (وَقَدْ أُبِّرَتْ) بالبناء للمفعول، والجملة حال من «نخل». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٩٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَّرَ نَخْلًا، ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا، فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْل، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدّم في الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٥٩) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيع، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، و«حمّاد» هو: ابن زيد، و«إسماعيل» هو: ابن عُليّة. [تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن أيوب، ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٣/ ٣٠١) فقال: (٥٠٦٣) - حدّثنا الصغانيّ، قال: ثنا عبيد الله القواريريّ، قثنا حماد بن زيد، قثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من ابتاع نخلًا، أو أرضًا قد أُبِّرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». انتهى. وأما رواية إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب فقد ساقها الإمام أحمد في «مسنده» (٢/ ٦) فقال: (٤٥٠٢) - حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل، أنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من باع نخلًا قد أُبِّرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٩٨] (…) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدثنا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم ذُكروا في الباب، غير «ابن شهاب»، و«سالم بن عبد الله»، فتقدّما قبل باب. وقوله: (وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا) زاد في رواية البخاريّ وغيره: «وله مال»، والجملة في محلّ نصب صفة لـ«عبدًا»، قال السنديّ ﵀: قوله: «وله مالٌ»: هي إضافة مجازيّةٌ، عند غالب العلماء، كإضافة الجلّ إلى الفرس؛ لأن العبد لا يملك، ولذلك أُضيف المال إلى البائع في قوله: «فماله للبائع»، ولا يمكن مثله مع كون الإضافة حقيقيّة في المحلّين، وقيل: المال للعبد، لكن للسيّد حقّ النزع منه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني هو الحقّ عندي؛ كما سيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثانية - إن شاء الله تعالى -. وقوله أيضًا: «وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا» الجارية في ذلك كالعبد، وهذا متّفقٌ عليه، حتى من أهل الظاهر، وقال ابن حزم: لفظ العبد يقع في اللغة العربيّة على جنس العبد والإماء؛ لأن العرب تقول: عبد، وعبدة، والعبد اسم للجنس، كما تقول: الإنسان، والفرس، والحمار، ذكره وليّ الدين ﵀ . (فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) أي: المشتري. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀ في «شرحه»: قوله: (ومن ابتاع عبدًا … الخ) هكذا رَوَى هذا الحكم البخاريّ، ومسلم، من رواية سالم، عن أبيه، عن ابن عمر - ﵄ -، ولم تقع هذه الزيادة في حديث نافع، عن ابن عمر، ولا يضرّ ذلك، فسالم ثقةٌ، بل هو أجلّ من نافع، فزيادته مقبولة، وقد أشار النسائيّ، والدارقطنيّ إلى ترجيح رواية نافع، وهذه إشارة مردودة. انتهى كلام النوويّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور أول الباب، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى وليّ التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، وإنما أتكلّم هنا فيما يتعلّق بقوله: «وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا … إلخ»، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم فيمن باع عبدًا، وله مالٌ: قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث دلالة لمالك، وقول الشافعيّ القديم: إن العبد إذا ملّكه سيده مالًا مَلَكَه، لكنه إذا باعه بعد ذلك كان ماله للبائع، إلا أن يشترط المشتري؛ لظاهر هذا الحديث، وقال الشافعيّ في الجديد، وأبو حنيفة: لا يملك العبد شيئًا أصلًا، وتأوّلا الحديث على أن المراد أن يكون في يد العبد شيء من مال السيد، فأضيف ذلك المال إلى العبد؛ للاختصاص، والانتفاع، لا للملك، كما يقال: جُلّ الدابة، وسَرْج الفرس، وإلا فإذا باع السيد العبد فذلك المال للبائع؛ لأنه مُلكه، إلا أن يشترطه المبتاع، فيصحّ؛ لأنه يكون قد باع شيئين: العبد، والمال الذي في يده، بثمن واحد، وذلك جائز، قالا: ويشترط الاحتراز من الربا، قال الشافعيّ: فإن كان المال دراهم، لم يجز بيع العبد وتلك الدراهم بدراهم، فكذا إن كان دنانير لم يجز بيعها بذهب، وإن كان حنطة لم يجز بيعها بحنطة. وقال مالك: يجوز أن يشترط المشتري، وإن كان دراهم، والثمن دراهم، وكذلك في جميع الصور؛ لإطلاق الحديث، قال: وكأنه لا حصة للمال من الثمن. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: في الحديث دليل على صحة قولنا: إن العبد يملك، خلافًا للشافعيّ، وأبي حنيفة، حيث قالا: إنه لا يملك، وقد تقدَّم ذلك. ويلتحق بالبيع في هذا الحكم كل عقد معاوضةٍ؛ كالنكاح، والإجارة، فأما العتق فيتبع العبدَ فيه مالُهُ؛ لِمَا رواه أبو داود عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أعتق عبدًا، وله مال، فمال العبد له، إلا أن يشترط السَّيد» ، وقد رواه مالك في «الموطأ» موقوفًا على ابن عمر - ﵄ -، ولا يضره الوقف، فإن المرفوع صحيح السند، وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة، والشافعيّ، حيث قالا: إن المال في العتق للسيد، فأمَّا في الصدقة والهبة، فهل يتبعه ماله فيهما، أو لا؟ قولان، سببهما تردُّدهما بين البيع والعتق؛ إذ فيهما شَبَه من كل واحد منهما، وذلك: أن الهبة، والصدقة خروج من ملك إلى ملك، فأشبهت البيع، وخروج عن ملك بغير عوض، فأشبهت العتق، والأرجح: إلحاقها بالبيع، وقطعها عن العتق؛ لاختصاص العتق بمعنى لا يوجد في غيره، على ما قد أوضحه أصحابنا في كتبهم. وأما الجناية: فالمال فيها تبع للرَّقبة، فينتقل بانتقالها؛ لأن العبد الجاني إذا كان له مال فالجناية فيه، فإن وسع الجناية بقيت الرقبة لسيده، وإن لم يكن له مال؛ تعلَّقت برقبته، فكان الرقبة مرجع عند العدم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال العلّامة ابن قُدامة ﵀: إذا باع السيّد عبده، أو جاريته، وله مال، ملّكه إياه مولاه، أو خصه به، فهو للبائع؛ لما رَوَى ابنُ عمر - ﵄ -؛ أن رسول الله - ﷺ -، قال: «من باع عبدًا، وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع»، متّفقٌ عليه، ولأن العبد، وماله للبائع، فإذا باع العبد، اختَصّ البيع به دون غيره، كما لو كان له عبدان، فباع أحدهما، وان اشترطه المبتاع، كان له للخبر، وروى ذلك نافع عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب - ﵄ -، وقَضَى به شُرَيح، وبه قال عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعيّ، وإسحاق، وقال الْخِرَقيّ: إذا كان قصده للعبد لا للمال، هذا منصوص أحمد، وهو قول الشافعيّ، وأبي ثور، وعثمان الْبَتّيّ، ومعناه أنه لا يقصد بالبيع شراء مال العبد، إنما يقصد بقاء المال لعبده، وإقراره في يده، فمتى كان كذلك صح اشتراطه، ودخل في البيع به، سواء كان المال معلومًا، أو مجهولًا، من جنس الثمن، أو من غيره، عينًا كان أو دينًا، وسواء كان مثل الثمن، أو أقل، أو أكثر، قال البتي: إذا باع عبدًا بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز، إذا كانت رغبة المبتاع في العبد، لا في الدراهم، وذلك لأنه دخل في البيع تبعًا غير مقصود، فأشبه أساسات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف، فأما إن كان المال مقصودًا بالشراء، جاز اشتراطه، إذا وجدت فيه شرائط البيع من العلم به، وأن لا يكون بينه وبين الثمن ربًا، كما يعتبر ذلك في العينين المبيعتين، لأنه مبيع مقصود، فأشبه ما لو ضَمّ إلى العبد عينًا أخرى وباعهما، وقال القاضي: هذا ينبني على كون العبد يملك، أو لا يملك، فإن قلنا: لا يملك فاشترط المشتري ما له صار مبيعًا معه، فاشتُرِط فيه ما يشترط في سائر المبيعات، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإن قلنا: يملك احتُمِلت فيه الجهالةُ وغيرها، مما ذكرنا من قبلُ؛ لأنه تبع في البيع، لا أصل، فأشبه طيّ الآبار، وهذا خلاف نصّ أحمد، وقولِ الخرقيّ؛ لأنهما جعلا الشرط الذي يختلف الحكم به، قصد المشتري دون غيره، وهو أصح إن شاء الله تعالى، واحتمال الجهالة فيه؛ لكونه غير مقصود كما ذكرنا؛ كاللبن في ضرع الشاة المبيعة، والحمل في بطنها، والصوف على ظهرها، وأشباه ذلك، فإنه مبيع، ويُحتَمَل فيه الجهالة وغيرها؛ لِمَا ذكرنا، وقد قيل: إن المال ليس بمبيع ههنا، وإنما استبقاء المشتري على ملك العبد، لا يزول عنه إلى البائع، وهو قريب من الأول. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث دليل للأصحّ عند الشافعيّة أنه إذا باع العبد، أو الجارية، وعليه ثيابه، لم تدخل في البيع، بل تكون للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع؛ لأنه مال في الجملة، وقال بعضهم: تدخل، وقال بعضهم: يدخل ساتر العورة فقط، والأصح أنه لا يدخل ساتر العورة ولا غيره؛ لظاهر هذا الحديث، ولأن اسم العبد لا يتناول الثياب. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثاية): في اختلاف أهل العلم، هل يملك العبد المال، أم لا؟ ذهب عامّة أهل العلم، إلى أنه لا يملك شيئًا، إذا لم يُمَلِّكه سيده، وقال أهل الظاهر: يملك؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وقول النبيّ - ﷺ -: «من باع عبدًا، وله مال»، فأضاف المال إليه بلام التمليك. واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٧٥]، ولأن سيده يَملِك عينه ومنافعه، فما حصل بذلك يجب أن يكون لسيده كبهيمته، قال الموفّق: فأما إن ملّكه سيده شيئًا، ففيه روايتان: [إحداهما]: لا يملكه، وهو ظاهر قول الخرقيّ، فإنه قال: والسيد يُزَكّي عما في يد عبده؛ لأنه ملكه، وقال: والعبد لا يرث، ولا مال له، فيورث عنه، وهو اختيار أبي بكر، وقولُ أبي حنيفة، والثوريّ، وإسحاق، والشافعيّ في الجديد؛ لأنه مملوك، فلم يملك كالبهيمة. [والثانية]: يملك، قال الموفّق: وهي أصح عندي، وهو قول مالك، والشافعيّ في القديم؛ للآية، والخبر، ولأنه آدميّ حيّ، فمَلَك كالحرّ، ولأنه يملك في النكاح، فملك في المال كالحرّ، ولأنه يصح الإقرار له، فأشبه الحرّ، وما ذكروه تعليل بالمانع، ولا يثبت اعتباره، إلا أن يوجد المقتضي في الأصل، ولم يوجد في البهيمة ما يقتضي ثبوت الملك لها، وإنما انتفى ملكها؛ لعدم المقتضي له، لا لكونها مملوكة، وكونها مملوكة عديم الأثر، فإن سائر البهائم التي ليست مملوكة، من الصيود والوحوش، لا تملك، وكذلك الجمادات، وإذا بطل كون ما ذكروه مانعًا، وقد تحقق المقتضي، لزم ثبوت حكمه - والله أعلم. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٨٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، غير سفيان بن عيينة، فتقدّم قبل باب. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ في «المجتبى» (٧/ ٢٩٧) فقال: (٤٦٣٦) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا سفيان، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع عبدًا، وله مالٌ، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب والذي قبله، إلا «حرملة بن يحيى»، فتقدّم قبل بابين. [تنبيه]: رواية يونس بن يزيد الأيليّ، عن ابن شهاب هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بابُ النَّهْيِ عَنِ الْمُحَاقَلَة، وَالْمُخَابَرَة، وَالْمُعَاوَمَة، وَهُوَ بَيْعُ السِّنِينَ) وبالسند المتصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠١] (١٥٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَة، وَالْمُزَابَنَة، وَالْمُخَابَرَة، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم، إِلَّا الْعَرَايَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنِ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح أسلم القرسيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٣ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ) قال في «الفتح»: قال أبو عبيد: المحاقلة: بيع الطعام في سنبله بالبرّ، مأخوذ من الحقل، وقال الليث: الحقل: الزرع إذا تشعّب من قبل أن يغلظ سُوقه، والمنهيّ عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل: بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها، وقيل: بيع ما في رؤوس النخل بالتمر، وعن مالك: هو كراء الأرض بالحنطة، أو بكيل طعام، أو إدام، والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تُنبت. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: هي: مفاعلة من الحقل، وهي المزارعة، كما قال النبيّ - ﷺ - للأنصار: «ما تصنعون بمحاقلكم؟»، يعني: مزارعهم، وفي مثل العرب: لا تُنبت البقلةَ إلا الحقلةُ، وهي التي تسمى في العراق: القراح، وقال الليث: هي بيع الزرع قبل أن يغلظ، وقال أبو عبيد: هي بيع الطعام في سنبله بالبر، وقال قوم: هي المزارعة بالجزء مما تنبته الأرض، وسيأتي القول في كراء الأرض. انتهى. وقال في موضع آخر بعد ذلك: قد تقدَّم القول في أصل اشتقاق المحاقلة، وقد فسَّرها هنا جابر بأنَّها بيع الزرع القائم بالحب كيلًا، وقال الجوهريّ في «الصحاح»: المحاقلةُ: بيع الزرع في سنبله بالبرّ، وقد نُهِي عنه، قال: وهذا يرجع إلى المزابنة، كما قدمناه، وقد فَسَّرها غيره بأنها كراء الأرض بما يخرج منها، وهو الذي صار إليه أصحابنا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: الْحَقْل: الأرض الْقَرَاحُ، وهي التي لا شجر بها، وقيل: هو الزرع إذا تشعّب ورقه، ومنه أُخذت المحاقله، وهي بيع الزرع في سُنبله بحنطة، وجمعه حُقُولٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: المحاقلة مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسّرًا في الحديث، وهو الذي يسمّيه الزرّاعون: المحارثة، وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم؛ كالثلث، والربع، ونحوهما، وقيل: هي بيع الطعام في سنبله بالبرّ، وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه، وإنما نُهي عنها؛ لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كان من جنس واحد، إلا مِثلًا بمثل، ويدًا بيد، وهذا مجهولٌ، لا يُدرى أيهما أكثر. انتهى . (وَالْمُزَابَنَةِ) هي: بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزَّبْن، وهو الدّفْعُ، كان كلّ واحد من المتبايعين يزبِنُ صاحبه عن حقّه بما يزداد منه، وإنما نُهي عنها؛ لِمَا يقع فيها من الغبن، والجهالة، قاله ابن الأثير ﵀ ، وقد تقدّم تمام البحث فيها في بابها، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَالْمُخَابَرَةِ) قال ابن الأثير ﵀: قيل: هي المزارعة على نصيب معيّن؛ كالثلث، والربع، وغيرهما، والْخُبْرة: النصيب، وقيل: هو من الْخَبَار: الأرض الليّنة، وقيل: أصل المخابرة من خيبر؛ لأن النبيّ - ﷺ - أقرّها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم؛ أي: عاملهم في خيبر. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: فأمَّا المخابرة فمأخوذة من الخبرة - بضم الخاء - وهو النصيب، هكذا حكاه أهل اللغة، وأنشدوا عليه [من الطويل]: إِذَا مَا جَعَلْتَ الشَّاةَ لِلنَّاسِ خُبْرَةً … فَشَأنَّكَ إِنِّي ذَاهِبٌ لِشُؤونِي وقال ابن الأعرابي: أصل المخابرة مأخوذ من خيبر؛ لأن النبيّ - ﷺ - كان قد أقرها في أيدي أهلها على النصيب منها، فقيل: خابرهم؛ أي: عاملهم في خيبر. قال القرطبيّ: وعلى هذا فلا تكون المخابرة منهيًّا عنها، وقد ثبت النهي عنها فهي غيرها، والصحيح ما حكاه الجوهريّ وغيره: أن المخابرة هي المزارعة بجزء مما يخرج من الأرض، وهو: الخِبْر أيضًا - بالكسر - ويشهد له ما ذكرناه آنفًا عن اللغويين، وعلى هذا فيكون الفرق بين المحاقلة والمخابرة: أن المحاقلة كراء الأرض بما يخرج منها مطلقًا، والمخابرة: كراؤها بجزء مما يخرج منها؛ كثلث وربع، وقد قال بعض الناس: إنهما بمعنى واحد، والمشهور ما ذكرناه، وهو الأولى، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: وأما المخابرة، فهي والمزارعة متقاربتان، وهما المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع؛ كالثلث، والربع، وغير ذلك من الأجزاء المعلومة، لكن في المزارعة يكون البذر من مالك الأرض، وفي المخابرة يكون البذر من العامل، هكذا قاله جمهور أصحابنا، وهو ظاهر نصّ الشافعيّ، وقال بعض أصحابنا، وجماعة من أهل اللغة، وغيرهم: هما بمعنىً، قالوا: والمخابرة مشتقة من الْخَبِير، وهو الأَكَّار أي: الفَلّاح، هذا قول الجمهور، وقيل: مشتقة من الْخَبَار، وهي الأرض اللَّيِّنة، وقيل: من الْخُبْرة، وهي النصيب، وهي. بضم الخاء، وقال الجوهريّ: قال أبو عبيد: هي النصيب من سَمَك، أو لحم، يقال: تَخَبَّروا خُبْرَةً: إذا اشتَرَوَا شاةً، فذبحوها، واقتسموا لحمها، وقال ابن الأعرابيّ: مأخوذة من خيبر؛ لأن أول هذه المعاملة كان فيها، وفي صحة المزارعة والمخابرة خلاف مشهور للسلف، وسنوضحه في باب بعده - إن شاء الله تعالى. انتهى . (وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) تقدّم شرح هذه الجملة في بابها، وفي الرواية الآتية: «وَعن بَيْعِ الثَّمَرَة، حَتَّى تُطْعِمَ» بضمّ أوله مبنيًّا للفاعل، من الإطعام: يقال: أطعمت الشجرة بالألف: أدرك ثمرها ، والمعنى: حتى تصير صالحةً للأكل. (وَلَا يُبَاعُ اِلا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ) المراد أنها تباع بالعروض، وإنما خصّ الدينار والدرهم؛ لأنهما أكثر ما يتعامل به الناس، فتنبّه. (إِلَّا الْعَرَايَا) قال النوويّ ﵀: معناه: لا يباع الرُّطَب بعد بُدُوّ صلاحه بتمر، بل يُباع بالدينار والدرهم وغيرهما، والممتنع إنما هو بيعه بالتمر إلا العرايا، فيجوز بيع الرُّطب فيها بالتمر بشرطه السابق في بابه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم أو الدنانير إلا العرايا»؛ هذا المساق فيه تثبيجٌ بالتقديم والتأخير، وذلك لا يجوز بالاتفاق، لا بهما، ولا بالعُروض إلا على شرط القطع، فيجوز بالعين، والعَرَض، فلا يصح أن يكون ذلك استثناء من بيع الثمرة بوجه، وإنما يصح رجوع الاستثناء للمحاقلة، والمخابرة، فإنها هي التي نهي عن بيعها إلا بالعين، كما يأتي بعد هذا في حديث رافع بن خديج - ﵁ - حيث قال: «أما بالذهب والورِق فلا بأس به». وقال: وقوله: «إلا العرايا» مستثنى من المزابنة، كما جاء في الحديث المتقدِّم، وترتيب هذا الحديث أن يقال: نَهَى عن المحاقلة، والمخابرة إلا بالدنانير أو الدراهم، وعن المزابنة إلا العرايا، وهذا واضح، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير، بل المعنى صحيح بدون ذلك، والاستثناء من بيع الثمر، وليس من المزابنة، نَهَى أولًا عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، ومفهومه أنه يجوز بيعه بعد بدوّ صلاحه، ثم استثنى من هذا، فبيّن: لا يجوز بيعه بعد بدوّ الصلاح بجنسه، وإنما يباع بالدينار والدرهم، ثم استثنى من هذا الاستثناء العرايا، فإنه يجوز بيعها بجنسها؛ للحاجة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٣٩٠١ و٣٩٠٢ و٣٩٠٣ و٣٩٠٤ و٣٩٠٥ و٣٩٠٦ و٣٩٠٧] (١٥٣٦)، (والبخاريّ) في «الزكاة» (١٤٨٧) و«البيوع» (٢١٩٦)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٣٧٠)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٩٠)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤) و«الكبرى» (٣/ ٩٣ و٩٤ و٩٥ و٩٦ و٤/ ٢٠ و٤٤)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢/ ٧٦٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنفه» (٧/ ١٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٢٠ و٣٦١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٠٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٩٩٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٦/ ٢٦٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٣٤١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٥٣)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٤٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٠١)، و(البغويّ) في «شرح السنة» (٢٠٧١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم المحاقلة، وسيأتي في تفسير جابر - ﵁ - أن يباع الحقل؛ أي: الزرع بكيل من الطعام معلوم. ٢ - (ومنها): بيان تحريم المزابنة، وياتي بعد حديث أنها بيع الرُّطَب في النخل بالتمر كيلًا. ٣ - (ومنها): بيان تحريم المخابرة أن الأرجح في معناها أنها كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وسيأتي تمام البحث في ذلك في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان تحريم بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. ٥ - (ومنها): بيان أن الثمر لا يباع بعد بدوّ صلاحه بجنسه، وإنما يباع بالدينار والدرهم، ونحو ذلك، مما ليس من جنسه. ٦ - (ومنها): بيان جواز بيع العرايا بجنسها من التمر، وهو مستثنى من تحريم المزابنة؛ لحاجة الفقير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلَد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جريج هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٣] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْجَزَرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَة، وَالْمُحَاقَلَة، وَالْمُزَابَنَة، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير، إِلَّا الْعَرَايَا، قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ قَالَ: أَمَّا الْمُخَابَرَةُ فَالأَرْضُ الْبَيْضَاءُ، يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُل، فَيُنْفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَر، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتمْرِ كيْلًا، وَالْمُحَاقَلَةُ في الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ، يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْجَزَرِيُّ) أبو يحيى، ويقال: أبو خِداش، ويقال: أبو الحسين، ويقال: أبو خالد الحرّانيّ القرشيّ، صدوقٌ له أوهام، من كبار [٩]. رَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وحَرِيز بن عثمان الرَّحَبيّ، والأوزاعيّ، وابن جريج، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبو جعفر النُّفَيليّ، وابنا أبي شيبة، وعبد الحميد بن محمد بن الْمُستام، وأبو أمية عمرو بن هشام، وغيرهم. قال الأثرم، عن أحمد: لا بأس به، وكان يَهِمُ، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو داود، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أحمد بن عليّ الأبّار: سألت عليّ بن ميمون عنه؟ فقال: كان قرشيًّا نِعْم الشيخ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الساجيّ: كان يَهِم، وقدَّم أحمد مسكينَ بن كثير عليه، وقال ابن سعد: حدّثنا عباد بن عمرو، حدّثنا مخلد بن يزيد، وكان فاضلًا، خيّرًا، كبير السنّ. قال أبو جعفر النُّفَيليّ: مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (حَتَّى تُطْعِمَ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، مبنيًّا للفاعل، أي: تُدْرك، وتكون صالحًا للأكل. وقوله: (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح. وقوله: (فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ) وفي بعض النسخ: فسّرها لنا جابر، وهو ابن عبد الله - ﵄ -. وقوله: (فَالأَرْضُ الْبَيْضَاءُ) أي: التي لا زرع فيها، ولا شجر. وقوله: (فَيُنْفِقُ فِيهَا) من الإنفاق، أي: يُخرج ماله في زرعها، واستثمارها. وقوله: (ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ) يعني أنه يجعل أجرته مما يخرج منها من الثمر. وقوله: (وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ … إلخ) الزعم هنا بمعنى القول المحقّق، وليس بالزعم الباطل؛ أي: قال جابر - ﵁ -. وقوله: (وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْع عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ) يعني أن معنى المحاقلة كمعنى المزابنة، لكن الفرق بينهما أَن المزابنة في النخل، والمحاقلة في الزرع، وهو أن يبيع ما على الزرع من الحبّ بكيل معلوم من الحبّ، وهو معنى قوله: «يبيع الزرع القائم بالحبّ كيلًا». وقوله: (يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ … إلخ) هو بتقدير «أن» المصدريّة؛ أي: أن يبيع الزرع … إلخ، وفي بعض النسخ: «بيعُ الزرع القائم … إلخ» بلفظ المصدر، خبر لمحذوف؛ أي: هو بيع الزرع … إلخ. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٤] (…) - (حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، كِلَاهُمَا عَنْ زَكَرِيَّاءَ، قَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: حَدَّثنا زَكَريَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَة، وَالْمُزَابَنَة، وَالْمُخَابَرَة، وَأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ - وَالإِشْقَاهُ أَنْ يَحْمَرَّ، أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ - وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الْحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْر، وَالْمُخَابَرَةُ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. قَالَ زَيْدٌ: قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٢. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيِّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ جليلٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٨. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمرو بن أبي الوليد الرَّقيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٨٠) سنةً (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٦. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجَزَريّ، أبو أسامة أصله من الكوفة، ثمّ سكن الرُّها، ثقةٌ [٦] (ت ١١٩) وقيل غيره (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٦. ٥ - (أَبُو الْوَليدِ الْمَكِّيُّ) هو: سعيد بن ميناء - بكسر الميم، والمدّ والقصر - مولى الْبَخْتريّ بن أبي ذُباب الحجازيّ المكيّ، أو المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د ت ق) تقدم في «الجنائز» ٢١/ ٢٢٠٧. [تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ الغسّاني: في «تقييده» أن أبا الوليد الذي في هذا الإسناد هو سعيد بن ميناء، قال: وزعم الحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ أن أبا الوليد المكيّ الذي في هذا الإسناد اسمه يسار بن عبد الرحمن، وقال مثل ذلك أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ . وردّ ذلك أبو محمد عبد الغنيّ بن سعيد ، وقال: هذا وَهَمٌ، وهذه التسمية خطأ، وإنما هو سعيد بن ميناء الذي روى عنه أيوب السَّخْتيانيّ، وزيد بن أبي أُنيسة. وقال البخاريّ في «تاريخه» : سعيد بن ميناء أبو الوليد المكيّ، سمع جابر بن عبد الله، وأبا هريرة، روى عنه سَلِيم بن حبّان، وزيد بن أبي أُنيسة، وتابعه على ذلك مسلم بن الحجاج . وقال ابن أبي حاتم في كتابه : يسار بن عبد الرحمن أبو الوليد، روى عن جابر بن عبد الله، روى عنه زيد بن أبي أُنيسة، ولا يتابع على هذا، ولعل الحاكم إنما نَقَل قوله من كتاب ابن أبي حاتم. انتهى كلام أبي عليّ الغسّانيّ - ﵁ - ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن أبا الوليد المكيّ حين حدّثنا بهذا الحديث جالس عند عطاء. وقوله: (وَأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ) فعل، ونائب فاعله، وأنّثه؛ لأن النخل اسم جمع يُفرّق بينه وبين واحده بالهاء، والغالب في مثله التأنيث، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (حَتَّى تُشْقِهَ) بضمّ أوله، من الإشقاه رباعيًّا، قال النوويّ ﵀: قوله: «حتّى تُشقه»، وفي رواية: «حتى تُشقح» بالحاء، وهو بضم التاء، وإسكان الشين فيهما، وتخفيف القاف، ومنهم من فتح الشين في «تشقه»، وهما جائزان: تشقه، وتشقح، ومعناهما واحد، ومنهم من أنكر «تشقه»، وقال: المعروف بالحاء، والصحيح جوازهما، وقيل: إن الهاء بدل من الحاء، كما قالوا: مَدَحَهُ، ومَدَهَهُ، وقد فَسَّر الراوي الإشقاه، والإشقاح بالاحمرار، والاصفرار، قال أهل اللغة: ولا يُشتَرط في ذلك حقيقة الاصفرار والاحمرار، بل ينطلق عليه هذا الاسم إذا تغير يسيرًا إلى الحمرة، أو الصفرة، قال الخطابيّ: الشُّقْحَةُ لون غير خالص الحمرة، أو الصفرة، بل هو تغيُّر إليهما في كُمُودة. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقوله: (أَنْ يُبَاعَ الْحَقْلُ) بفتح الحاء المهملة، وسكون القاف: وهو الزرع. وقوله: (بِأَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ) بفتح الهمزة: جمع وِسق بكسر الواو، كحِمْل وأحمال، ويقال له: وَسْق بفتح الواو، ويُجمع على وُسُوق، كفَلْس وفُلُوس، والوسق: ستون صاعًا بصاع النبيّ - ﷺ -، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى، فلا تكن من الغافلين. وقوله: (وَالْمُخَابَرَةُ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ) أي: دفع الأرض البيضاء لمن يعمل فيها بثلث ما يخرج منها، أو ربعه، وهي المزارعة، وسيأتي تمام البحث فيها في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ) أي: أمثال الثلث والربع، كالنصف، والخمس. وقوله: (قَالَ زَيْدٌ) هو: ابن أبي أُنيسة. وقوله: (قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ … إلخ) المعنى أن زيد بن أبي أُنيسة بعد أن سمع الحديث عن أبي الوليد المكي في مجلس عطاء بن أبي رباح سأل عطاء عن الحديث نفسه، هل سمعته عن جابر يذكر هذا عن رسول الله - ﷺ -؟ فأجابه قائلًا: نعم، فصار لزيد في الحديث شيخان: أبو الوليد، وعطاء، كلاهما عن جابر - ﵁ -. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا … إلخ» تحتمل هذه الإشارة أن تكون عائدة إلى الحديث، وتفسيره المتقدّم، فيكون كلُّ ذلك من قول رسول الله - ﷺ -، ويَحْتَمل أن تكون عائدة إلى الأمور التي نُهي عنها في صدر الحديث، لا إلى التفسير، وهو الأولى؛ لقول عطاء: فسّر لنا جابر، فذَكَر التفسير. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثنا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُزَابَنَة، وَالْمُحَاقَلَة، وَالْمُخَابَرَة، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُشْقِحَ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: مَا تُشْقِحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ، وَتَصْفَارُّ، وَيُؤْكَلُ مِنْهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ) بن حيّان الْعبديّ، أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (خ م د ت سي ق) تقدم في «الجنائز» ٢١/ ٢٢٠٧. [تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستّة من اسمه سَلِيم بفتح أوله، وكسر ثانيه إلا سَلِيم بن حيّان هذا، ومن عداه فَسُليم مصغّرًا، وإلى ذلك أشرت بقوله: قُلْ نَجْلُ حَيَّانَ سَلِيمٌ يُفْتَحُ … مَعْ كَسْرِ ثَانِيِهِ بِهَذَا صَرَّحُوا وَلَيْسَ يُوجَدُ بِهَذَا الضَّبْطِ فِي … كُتْبِ الأَئِمَّةِ سِوَاهُ فَاعْرِفِ وَمَنْ عَدَاهُ كُلُّهُ سُلَيْمُ … مُصَغَّرًا فَاحْفَظْ عَدَاكَ الضَّيْمُ والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (حَتَّى تُشْقِحَ) - بضم أوله، من الإشقاح رباعيًّا، يقال: أشقح ثمر النخل إشقاحًا: إذا احمرّ، أو اصفَرّ، والاسم: الشُّقْحُ - بضم المعجمة، وسكون القاف، بعدها مهملة - وقد سبق في الرواية الماضية بلفظ: «حتى تُشْقِه»، بإبدال الحاء هاءً؛ لقربها منها . وقال القرطبيّ ﵀: التشقيح، والتشقيه - بالحاء، والهاء - كما فسّره الراوي بقوله: «أن تحمرّ، وتصفرّ، ويؤكل منها»، وكذلك فسّره أهل اللغة، قالوا: يقال: أشقح النخلُ، وشَقَّحَ - مشدّدًا -: إذا أزهى، ويقال: أشقه النخل - بالهاء، فيُبدلون من الحاء هاء؛ لتقارب مخرجيهما. انتهى . وقوله: (قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ) القائل هو سَلِيم بن حيّان، وسعيد هو ابن مِيناء. قال في «الفتح» ما حاصله: وأخرج الحديث الإسماعيليّ من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سَلِيم بن حَيّان، فقال في روايته: «قلت لجابر: ما تُشقحُ … إلخ»، فظهر أن السائل عن ذلك هو سعيد، والذي فسره هو جابر. قال: وقد أخرج مسلم الحديث من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الوليد، عن جابر مطولًا، وفيه: «وأن يشتري النخل حتى يُشْقِه، والإشقاه أن يَحْمَرّ، أو يصفرّ، أو يؤكل منه شيء»، وفي آخره: «فقال زيد: فقلت لعطاء: أسمعت جابرًا يذكر هذا عن النبيّ - ﷺ -؛ قال: نعم»، وهو يَحْتَمِل أن يكون مراده بقوله هذا جميع الحديث، فيدخل فيه التفسير، ويَحْتَمِل أن يكون مراده أصل الحديث، لا التفسير، فيكون التفسير من كلام الراوي، وقد ظهر من رواية ابن مهديّ أنه جابر، والله أعلم. ومما يقوّي كونه مرفوعًا وقوع ذلك في حديث أنس أيضًا، وفيه دليل على أن المراد ببدوّ الصلاح قدر زائد على ظهور الثمرة، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر؛ لكثرة الجوائح فيها، وقد بئن ذلك في حديث أنس - ﵁ -: «فإذا احمرّت، وأُكِل منها أُمنت العاهة عليها»؛ أي: غالبًا. انتهى. وقوله: (تَحْمَارُّ، وَتَصْفَارُّ، وَيُؤْكَلُ مِنْهَا) قال الخطابيّ ﵀: لم يُرِد بذلك اللون الخالص من الصفرة والحمرة، وإنما أراد حمرةً، أو صفرةً بكمودة، فلذلك قال: «تحمارّ، وتصفارّ»، قال: ولو أراد اللون الخالص لقال: تَحْمَرّ، وتصفرّ. وقال ابن التين: التشقيح تغيّر لونها إلى الصفرة والحمرة، فأراد بقوله: «تحمارّ، وتصفارّ» ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن تشبع، قال: وإنما يقال: تَفْعَالّ في اللون الغير المتمكن، إذا كان يتلون، وأنكر هذا بعض أهل اللغة، وقال: لا فرق بين تَحْمَرّ، وتَصْفَرّ، وتحمارّ، وتصفارّ. ويَحْتَمِل أن يكون المراد: المبالغة في احمرارها واصفرارها، كما تقرر أن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٦] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ - وَاللَّفْظُ لِعُبَيْدِ اللهِ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَة، وَالْمُزَابَنَة، وَالْمُعَاوَمَة، وَالْمُخَابَرَةِ - قَالَ أحَدُهُمَا: بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ الْمُعَاوَمَةُ - وَعَنِ الثُّنْيَا، وَرَخَّصَ في الْعَرَايَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) هو: عبيد الله بن عُمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والباقون ذُكروا في الباب وما قبله، و«أيوب» هو: السّختيانيّ، و«أبو الزبير» هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ. وقوله: (وَالْمُعَاوَمَةِ) قال النوويّ ﵀: بيع المعاومة، وهو بيع السنين، معناه: أن يبيع ثمر الشجرة عامين، أو ثلاثة، أو أكثر، فيُسَمَّى بيع المعاومة، وبيع السنين، وهو باطل بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره؛ لهذه الأحاديث، ولأنه بيع غرر؛ لأنه بيع معدوم ومجهول غير مقدورٍ على تسليمه، وغير مملوك للعاقد. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: المعاومة: بيع الثمر أعوامًا، وهو المعبَّر عنه باللفظ الآخر: بيع السنين، ولا خلاف في تحريم بيعه؛ لكثرة الغَرَر والجهل. انتهى . وقوله: (قَالَ أَحَدُهُمَا: بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ الْمُعَاوَمَةُ) هذا إشارة إلى أن أبا الزبير، وسعيد بن مِيناء اختلفا، فقال أحدهما: «والمعاومة»، وقال الآخر: «وبيع السنين». [تنبيه]: ظاهر سياق المصنّف أن الغرض من قوله: «قال أحدهما … إلخ» بيان أن بيع السنين هي المعاومة، فيكون قوله: «بيعُ السنين» مبتدأ خبره جملة «هي المعاومة»، فكأنه يريد تفسير أحدهما بالآخر، وهو الذي يدلّ عليه ضبط «بيعُ» بالرفع بضبط القلم، وهذا يخالف ما يدلّ عليه سياق غيره، فقد أخرج الحديث أبو داود في «سننه» (٣/ ٢٦٢) فقال: (٣٤٠٤) - حدّثنا أحمد بن حنبل، ثنا إسماعيل (ح) وثنا مسدّد أن حمادًا وعبد الوارث حدّثاهم كلهم عن أيوب، عن أبي الزبير، قال عن حماد: وسعيد بن ميناء، ثم اتفقوا عن جابر بن عبد الله، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، قال عن حماد: وقال أحدهما: والمعاومة، وقال الآخر: بيع السنين، ثم اتفقوا: وعن الثنيا، ورَخّص في العرايا. انتهى. وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (١/ ١٥٣) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي الزبير، وسعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -؛ أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وقال الآخر: بيع السنين، وعن الثنيا، ورَخص في العرايا. انتهى. وأخرجه أيضًا البيهقيّ في «الكبرى» (٥/ ٣٣٦) ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وقال الآخر: عن بيع السنين، وعن الثنيا، ورَخَّص في العرايا. انتهى. فسياق هؤلاء صريح في أن الغرض من قوله: «قال أحدهما … إلخ» بيان الاختلاف الواقع بين أبي الزبير، وسعيد بن مِيناء، حيث رواه أحدهما بلفظ: «بيع السنين»، ورواه الآخر بلفظ: «المعاومة»، وليس الغرض تفسير بيع السنين بأنها هي المعاومة، خلاف ما يفيده لفظ المصنّف، فليُتأمل. ويَحْتَمِل أن قوله: «بيع السنين» مجرورًا على الحكاية؛ أي: قال أحدهما: «بيع السنين» بدل قول الآخر «المعاومة»، وأما قوله: «هي المعاومة» جملة مستأنفة بيّن بها معنى بيع السنين. هي المعاومة في الرواية الأخرى، وعلى هذا فيتّفق مع رواية هؤلاء، فتأمله. ووقع في «مختصر القرطبيّ» بلفظ: «وفي رواية: بيع السنين عِوَضَ المعاومةِ»، وهذا إن لم يكن إصلاحًا من القرطبيّ، ففيه دلالة أن «هي» في قوله هنا: «هي المعاومة» مصحّفة عن لفظ «عوض»، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (وَعَنِ الثُّنْيَا) - بضمّ الثاء المثلّثة، وإسكان النون، مقصورًا - بمعنى الاستثناء، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «والثُّنْيَا» - بضمّ الثاء مع الياء، و«الثَّنْوَى» بالفتح مع الواو: اسم من الاستثناء، وفي الحديث: «من استثنى فله ثنياه» ؛ أي: ما استثناه، والاسْتِثْنَاءُ: استفعال من ثَنَيت الشيءَ أَثْنِيهِ ثَنْيًا، من باب رَمَى: إذا عَطَفْته، ورددته، وثَنَيْتُهُ عن مراده: إذا صرفته عنه، وعلى هذا فَالاسْتِثْنَاءُ: صرف العامل عن تناول المستثنى، ويكون حقيقةً في المتصل، وفي المنفصل أيضًا؛ لأن «إلّا» هي التي عَدّت الفعل إلى الاسم، حتى نصبه، فكانت بمنزلة الهمزة في التعدية، والهمزةُ تعدّي الفعل إلى الجنس، وغير الجنس حقيقةً وفاقًا، فكذلك ما هو بمنزلتها. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «عن الثنيا»: هي الاستثناء، والمراد: الاستثناء في البيع، وفي رواية الترمذيّ وغيره بإسناد صحيح: «نَهَى عن الثُّنْيا إلا أن يُعْلَم»، والثنيا المبطلة للبيع قوله: بعتك هذه الصبرةَ إلا بعضها، وهذه الأشجارَ أو الأغنام، أو الثياب، أو نحوها إلا بعضها، فلا يصح البيع؛ لأن المستثنى مجهول، فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهمًا، وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة صح البيع باتفاق العلماء، ولو باع الصبرة إلا صاعًا منها، فالبيع باطل عند الشافعيّ، وأبي حنيفة، وصحح مالك أن يُستثنى منها ما لا يزيد على ثلثها، أما إذا باع ثمرة نخلات، فاستثنى من ثمرها عشرة آصع مثلًا للبائع، فمذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، والعلماء كافةً بطلان البيع، وقال مالك، وجماعة من علماء المدينة: يجوز ذلك ما لم يزد على قدر ثلث الثمرة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: و«الثُّنْيَا» - بالضم والقصر، على وزن الكُبرى - هي: الاسم من الاستثناء، وكذلك: الثَّنوى - بفتح الثاء - على وزن: طَرْفَى، ذكر ذلك في «الصحاح»، قال الهرويّ: بيع الثُّنيا هو: أن يُستثنى من المبيع شيء مجهول، فيفسد البيع، وقال القتبي: هو أن يبيع شيئًا جزافًا ويستثني منه شيئًا. قال القرطبيّ: والحاصل: أن الثنيا اسم جنس لما فيه استثناء، سواء كان ذلك من البائع، أو من المبتاع، فيكون الأصل في كل ذلك المنع؛ لأجل النَّهي، غير أن في ذلك تفصيلًا يظهر بصور: الأولى: جائزة باتفاق، وهي: أن يستثني البائع نخلات معينات من حائط، قلَّت، أو كثرت؛ لأن البيع لم يقع عليهنّ، بل على ما عداهنّ. الثانية: أن يستثني نخلات مجهولات، أو كيلًا مجهولًا من الثمرة؛ على أن يعيّن ذلك بعد البيع، فذلك ممنوع فاسد باتفاق؛ لتناول النهي له وللجهل بالمبيع والغرر. الثالثة: أن يستثني من الثَّمر كيلًا معلومًا، فذهب الجمهور إلى أن ذلك لا يجوز منه قليل ولا كثير، ورأوا أن ذلك النهي متناول له؛ لما فيه من الجهالة، وذهب مالك في جماعة أهل المدينة إلى أن ذلك جائز فيما بينه وبين ثلث الثمرة، ولا يجوز زيادة على ذلك. ورأوا: أن خرص الثمرة وحَزْرها مما يُعرف مقدارها، وأن استثناء القليل منها لا يكثر فيه الغرر، والقليل من الغرر مغتفر في مواضع كثيرة من الشرع، وما دون الثلث قليل. قال: وهذا تخصيص للعموم بالنظر. الرابعة: أن يستثني جزءًا من الثمرة مشاعًا، فيجوز عند مالك وعامة أصحابه، قلَّ، أو كثر، وذهب عبد الملك: إلى أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر، والخلاف في ذلك مبني على جواز استثناء أكثر من الأقل، وعدم جوازه، وقد بيّنا جوازه في أصول الفقه. الخامسة: أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذا الشيء بكذا، على أنك إن جئتني بالثمن إلى أجَلِ كذا رددت عليك ملكك، فهذا فاسد للنهي عنه، ولأنه ذريعة للسَّلف الذي يجر نفعًا، ويفسخ ما لم يَفُتْ، فإن فات ضمن بالقيمة، ويُفيتُه ما يُفيت البيع الفاسد. السادسة: أن يعقد المشتري على أنه إن لم يأت بالثمن إلى وقت كذا فلا بيع بينهما. فاختُلِف فيه، فبعضهم أبطل الشرط، وصحح العقد، ومنهم من ألزم قائله الشرط، وجعل للآخر الخيار، والوجهان مرويان عن مالك. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقوله: (وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا) أي: في بيع ثمرها بخرصها من التمر، وقد تقدّم البحث فيها مستوفى في بابها، فراجعه، تستفد. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أدوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ: بَيْعُ السَّنِينَ هِيَ الْمُعَاوَمَةُ). رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«أيوب» هو: السَّختيانيّ. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ … إلخ) ضمير أنه، و«يَذْكُر» لإسماعيل ابن عُليّة. [تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب هذه ساقها النسائيّ - ﵀ - في «المجتبى» (٧/ ٢٩٦): (٤٦٣٤) - أخبرنا عليّ بن حُجْر، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، وأخبرنا زياد بن أيوب، قال: حدّثنا ابن عُلَيَّة، قال: أنبأنا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، والثُّنْيا، ورَخَّصَ في العرايا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ) وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي اِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، وَعَنْ بَيْعِهَا السِّنِينَ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتى يَطِيبَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرام الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الْحَنفيّ، أبو عليّ البصريّ صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤٠/ ١٤٥١. ٣ - (رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفِ) بن أبي سارة المكيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٧] (بخ م دس) تقدم في «الحج» ١/ ٢٨٠٢. والباقيان ذُكرا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ - ﵄ - أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) أي: أُجرتها، والمراد: الكراء الذي يؤدّي إلى النزاع؛ لجهالته، أو لاشتماله على شرط فاسد، على ما سيأتي البحث عنه مستوفًى في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (وَ) نهى - ﷺ - أيضًا (عَنْ بَيْعِهَا) أي: بيع الأرض (السِّنِينَ) المراد منه بيع ما تحمله شجرة مخصوصة من الثمر إلى مدّة سنة، فأكثر، وبيع السنين هو المعاومة، كما سبق في الباب الماضي، وإنما نُهي عنه؛ لكونه غررًا؛ لأنه بيع ما لم يخلقه الله بعدُ . (وَ) نهى - ﷺ - أيضًا (عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ) أي: حتى يصلح للأكل، وهو بمعنى ما تقدّم: «حتى يبدو صلاحه». والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث الثالث - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٩] (…) - (وَحَدَّثَني أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زيدٍ - عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاق، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَطَرٌ الْوَرَّاقُ) بن طَهْمان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الْخراسانيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ كثير الخطإ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] (ت ١٢٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف لمطر، مع أنه متكلّم فيه، ولا سيّما في عطاء؟ [قلت]: إنما أخرج له متابعةً، فلا يضرّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«أبو الربيع» هو: سليمان بن داود العتكي الزهرانيّ، و«أبو كامل» هو: فضيل بن حسين الْجَحْدريّ. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد مضى شرحه، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - لَقَبُهُ عَارِمٌ، وَهُوَ أَبُو النُّعْمَانِ السَّدُوسِي - حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُون، حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَدُ بْنُ الْفَضْلِ) لَقَبُهُ عَارِمٌ، أبُو النُّعْمَانِ السُّدُوسِيُّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر بآخره، من صغار [٩] (ت ٣ أو ١٢٤) (ع) تقدم في «الحج» ٢٨/ ٣٠١٣. [تنبيه]: قوله: الَقَبُهُ عَارِمٌ) معنى العارم الشَّرِس الشِّرِّير، وهو من الأضداد، فإن محمد بن الفضل رجل صالح، بعيد من الشرّ، قال ابن الصلاح في «معرفة علوم الحديث»: كان عارم عبدًا صالحًا بعيدًا من الحرام. انتهى. ٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وشرح الحديث يأتي بعده. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١١] (…) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ - يَعْني ابْنَ زِيَادٍ - عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ فُضُولُ أَرَضِينَ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير الْقَنْطريّ، أبو صالح البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيادٍ) السَّكْسكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: هِقْلٌ لقبٌ، واسمه محمد، أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقة متقن [٩] (ت ١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٤/ ١٠٩٩. ٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمر الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءٍ) وفي رواية ابن ماجه: عن الأوزاعيّ، حدّثني عطاء، سمعت جابرًا (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - أنه (قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ) وفي بعض النسخ: «لرجل» بالإفراد (فُضُولُ أَرَضِينَ) «فُضُول» بضمّ الفاء: جمع فَضْل، كفَلْس وفُلُوس، والفضل بمعنى الزائد، يقال: خذ الفضل؛ أي: الزيادة، وقوله: «أرضين» - بفتحتين: جمع أرض بسكون الراء؛ أي: أراض فاضلة عن قدر ما يحتاجون إليه للزراعة، وقوله: (مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) بيان لـ «رجال»، وفي رواية للبخاريّ: «كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف»، وللنسائيّ: «كان لأناس فُضُول أرَضين، يُكرونها بالنصف، والثلت، والربع» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ) شرطيّة (كَانَتْ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ) أي: أرض زائدة على حاجته (فَلْيَزْرَعْهَا) بفتح حرف المضارعة، من باب فتح، ثلاثيًّا؛ أي: ليقم بزراعتها بنفسه (أَوْ لِيَمْنَحْهَا) بفتح النون، وكسرها؛ أي: ليجعلها مَنِيحة؛ أي: عطيّة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الْمِنْحة بالكسر في الأصل: الشاة، أو الناقة يُعطيها صاحبها رجلًا يشرب لبنها، ثمّ يردّها إذا انقطعِ اللبن، ثم كَثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومنحته مَنْحًا، من باب نفعَ، وضَرَب: أعطيته، والاسم الْمَنِيحة. انتهى . (أَخَاهُ) المراد به المسلم، وإن كان أجنبيًّا عنه، كما قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقال - ﷺ -: «المسلم أخو المسلم …» الحديث (فَإِنْ أَبَى) أي: امتنع من زراعتها بنفسه؛ لعجزه، أو غير ذلك، وقيل: معناه: فإن أبي أخوه أن يقبل العارية. وفي رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء الآتية: «فإن لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها إيّاه» (فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ«) أي: فلا يمنحها، ولا يُكريها. وقد استُشكِل هذا بأن في إمساكها بغير زراعة تضييعًا لمنفعتها، فيكون من إضاعة المال، وقد ثبت النهي عنها. وأجيب بحمل النهي عن إضاعة عين المال، أو منفعة لا تُخْلَف؛ لأن الأرض إذا تُرِكت بغير زرع لم تتعطل منفعتها، فإنها قد تُنبت من الكلإ، والحطب، والحشيش ما ينفع في الرعي وغيره، وعلى تقدير أن لا يحصل ذلك، فقد يكون تأخير الزرع عن الأرض إصلاحًا لها، فتُخلف في السنة التي تليها ما لعله فات في سنة الترك، وهذا كله إن حُمِل النهي عن الكراء على عمومه، فأما لو حُمل الكراء على ما كان مالوفًا لهم من الكراء بجزء مما يخرج منها، ولا سيما إذا كان غير معلوم، فلا يستلزم ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة، بل يُكريها بالذهب، أو الفضة، كما تقرر ذلك، قاله في «الفتح» . [تنبيه]: قد توسّع المصنّف - ﵀ - في هذا الباب بجمع أحاديث المزارعة، فأجاد، وأفاد، فذكر: حديث جابر - ﵁ -: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن كراء الارض، وعن بيعها السنين، وعن بيع الثمر حتى يطيب»، وفي رواية: «نهى عن كراء الأرض لا، وفي رواية: لامن كانت له أرض، فليَزرَعها، فإن لم يزرعها، فليُزرِعها أخاه»، وفي رواية: «من كانت له فضل أرض فليزرعها، أو ليَمنحها أخاه، فإن أبي فليُمسك أرضه»، وفي رواية: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يؤخذ للأرض أجرٌ، أو حظّ»، وفي رواية: «من كانت له أرض فليَزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها إياه»، وفي رواية: «من كانت له أرض فلْيَزرَعها، أو لِيُزْرِعها أخاه، ولا يُكْرِها»، وفي رواية: «نَهَى عن المخابرة»، وفي رواية: «من كان له فضل أرض، فلْيَزْرعها، أو ليُزرعها أخاه، ولا تبيعوها»، وفسّره الراوي بالكراء، وفي رواية: «من كانت له أرض فلْيَزَرعها، أو فلْيُحْرِثها أخاه، وإلا فليدَعْها»، وفي رواية: «كنا في زمان رسول الله - ﷺ - نأخذ الأرض بالثلث، والربع بالماذيانات، فقام رسول الله - ﷺ - في ذلك، فقال: من كانت له أرض فليَزْرعها، فإن لم يَزْرَعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها»، وفي رواية: «من كانت له أرض فليهبها، أو ليُعِرها»، وفي رواية: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الأرض البيضاء سنتين، أو ثلاثًا»، وفي رواية: «نهى عن بيع السنين»، وفي رواية: «من كانت له أرض، فليَزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليُمسك أرضه»، وفي رواية: «سمع رسول الله - ﷺ - ينهَى عن المزابنة، والحقول، وفسّره جابر بكراء الأرض»، ومثله من رواية أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وفي رواية ابن عمر: «كنا نَكري أرضنا، ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خَدِيج»، وفي رواية عنه: «كنا لا نرى الْخَبْر بأسًا، حتى كان عام أول، فزعم رافع؛ أن نبيّ الله - ﷺ - نَهَى عنه»، وفي رواية عن نافع؛ أن ابن عمر كان يُكري مزارعه على عهد النبيّ - ﷺ -، وفي إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدرًا من خلافة معاوية، ثم بلغه آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يُحَدِّث فيها بنهي عن النبيّ - ﷺ -، فدخل عليه، وأنا معه، فسأله، فقال: «كان رسول الله - ﷺ - ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر»، وفي رواية، عن حنظلة بن قيس، قال: «سألت رافع بن خَدِيج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبيّ - ﷺ - بما على الماذيانات، وأَقْبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيَهْلِك هذا، وَيسْلَم هذا، وَيسْلَم هذا، وَيهْلِك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زَجَر عنه، فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به». وفي رواية: «كنا نُكْرِي الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أَخْرَجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورِق فلم ينهنا». وفي رواية عن عبد الله بن مَعْقِل - بالعين المهملة، والقاف - قال: زعم ثابت - يعني ابن الضحاك - أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا بأس به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١٨/ ٣٩٠٨ و٣٩٠٩ و٣٩١٠ و٣٩١١ و٣٩١٢ و٣٩١٣ و٣٩١٤ و٣٩١٥ و٣٩١٦ و٣٩١٧ و٣٩١٨ و٣٩١٩ و٣٩٢٠ و٣٩٢١ و٣٩٢٢ و٣٩٢٣] (١٥٣٦)، و(البخاريّ) في «الحرث والمزارعة» (٢٣٤٠) و«الهبة» (٢٦٣٢)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٣٨٩)، و(النسائيّ) في «المزارعة» (٧/ ٣٦ و٣٧) و«الكبرى» (٣/ ٩٠ و٩٣ و٩٥ و١٠٠ و١٠١ و١٠٢ و١٠٣ و١٠٤ و١٠٦)، و(ابن ماجه) في «الرهون» (٢٤٥٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٩٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٣٦٩) وفي «مسنده» (١/ ٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٣٤ و٢/ ١١ و٣/ ٤٦٣ و٤٦٥ و٤/ ١٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١٤٨ و٥١٨٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٤٣٠٩) و«الأوسط» (٦/ ١٩٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٢٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٠٣٥)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٣٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٣٠) و«الصغرى» (٥/ ٤٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع، وسيأتي اختلاف العلماء في المراد بالنهي المذكور في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): جواز حراثة الأرض، وزراعتها؛ بل ورد فيه من الفضل ما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم، يَغرِس غَرْسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة». وأما الحديث الوارد في الذمّ وهو ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» من حديث أبي أمامة الباهليّ - ﵁ -، قال - ورأى سِكَّة، وشيئًا من آلة الحرث - فقال: سمعت النبيّ - ﷺ -، يقول: «لا يدخل هذا بيتَ قوم، إلا أدخله الله الذُّلُّ»، وفي رواية أبي نعيم في «المستخرج»: «إلا أدخلوا على أنفسهم ذُلًّا، لا يَخرُج عنهم إلى يوم القيامة». فمحمول على ما إذا شغله ذلك عن الجهاد في سبيل الله تعالى، والقيام بالواجبات، ولذلك قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في ترجمته لهذا الحديث - بعد ذكر «باب فضل الزرع والغرس» - ما نصّه: «باب ما يُحذَر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحدّ الذي أُمر به». انتهى. ٣ - (ومنها): الحثّ على الإحسان بمنح الأرض لمن يحتاج إلى زراعتها، وقد عَمِل بهذا الصحابة - ﵃ -، كما ترجم البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» بقوله: «باب ما كان من أصحاب النبيّ - ﷺ - يُواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمر»، ثم أورد حديث رافع بن خّديج - ﵁ - من طريق أبي النجاشيّ، عن رافع، عن عمه ظهير بن رافع - ﵁ - الآتي قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): حرص الشارع على الحثّ على التراحم، والتعاطف، وعدم طلب المقابل على الإحسان، والترغيب إلى ما فيه جلب المودّة والمحبّة، والترهيب عمّا يورث الشحناء، والبغضاء، والحقد، والحسد؛ فإن هذا هو سبب النهي عن المزارعة، كما بُيّن ذلك في بعض طرق حديث رافع - ﵁ -، كما سيأتي للمصنّف عن حنظلة بن قيس الأنصاري، قال: سألت رافع بن خديج، عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبيّ - ﷺ -، على الْمَاذْيَانَات، وأَقْبَال الجداول، وأشياء من الزرع، فيَهْلِك هذا، ويَسلَم هذا، وَيَسْلَم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به. ٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من كمال إيمانهم، وتقديمهم أمر الشارع على هوى أنفسهم، وثقتهم بأن كلّ الخير مضمون فيما أمر الله - ﷾ - به، لا فيما يبدو لهم، ويظنون الخيريّة فيه، فقد قال هذا الصحابيّ الجليل - ﵁ -: «نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله، ورسوله - ﷺ - أنفع لنا»، فبيّن أن النفع الظاهر للنفس لا يُعتمد عليه، بل الاعتماد على ما شرعه الله تعالى، فإن الخير كله مضمون فيه، وهذا هو واجب كلّ مسلم إذا سمع نهي الشارع أن يقول: سمعًا وطاعةً لله - ﷾ - ولرسوله - ﷺ -، ويعتقد أن الخير كلّه في ذلك، وإن كان يظهر له بادئ ذي بدء أنَّ ما نَهَى عنه كان نافعًا له، ورافقًا به، فإن الله - ﷾ - أعلم بمصالح عباده منهم لأنفسهم، كما قال - ﷿ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المزارعة: قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَف العلماء في كراء الأرض، فقال طاوس، والحسن البصريّ: لا يجوز بكلّ حال، سواء أكراها بطعام، أو ذهب، أو فضة، أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق حديث النهيّ عن كراء الأرض. وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وبالطعام والثياب، وسائر الأشياء، سواء كان من جنس ما يُزرَع فيها أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء ما يَخرُج منها؛ كالثلث، والربع، وهي المخابرة، ولا يجوز أيضًا أن يشترط له زرع قطعة معينة. وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط. وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما، إلا الطعام. وقال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وجماعة من المالكية، وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وبهذا قال ابن شُريح ، وابن خزيمة، والخطابيّ، وغيرهم من محققي الشافعيّة، وهو الراجح المختار، وسنوضحه في باب المساقاة - إن شاء الله تعالى -. فأما طاوس والحسن، فقد ذكرنا حجتهما، وأما الشافعيّ، وموافقوه، فاعتمدوا بصريح رواية رافع بن خَدِيج، وثابت بن الضحاك السابقين، في جواز الإجارة بالذهب والفضة، ونحوهما، وتأولوا أحاديث النهي تأويلين: [أحدهما]: حملها على إجارتها بما على الماذيانات، أو بزرع قطعة معينة، أو بالثلث والربع، ونحو ذلك، كما فسّره الرواة في هذه الأحاديث التي ذكرناها. [والثاني]: حملها على كراهة التنزيه، والإرشاد إلى إعارتها، كما نَهَى عن بيع الغرر نَهي تنزيه ، بل يتواهبونه، ونحو ذلك، وهذان التأويلان لا بُدّ منهما، أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث، وقد أشار إلى هذا التأويل الثاني البخاريّ وغيره، ومعناه عن ابن عباس - ﵄ -. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: المزارعة جائزة في قول كثير من أهل العلم، قال البخاريّ: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون على الثلث والربع، وزارع عليّ، وسعد، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عليّ، وابن سيرين. وممن رأى ذلك سعيد بن المسيّب، وطاوش، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهريّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه، وأبو يوسف، ومحمد، وروي ذلك عن معاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن يزيد، قال البخاريّ: وعامَل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر، فلهم كذا. وكرهها عكرمة، ومجاهد، والنخعيّ، وأبو حنيفة. ورُوي عن ابن عبّاس الأمران جميعًا. وأجازها الشافعيّ في الأرض بين النخيل، إذا كان بياض الأرض أقلّ، فإن كان أكثر فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء؛ لما رَوَى رافع بن خديج - ﵁ -، قال: كنّا نُخابر على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نَهَى رسول الله - ﷺ - أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله، ورسوله كرر أنفع لنا، قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت له أرضٌ، فليَزرَعها، ولا يُكريها بثلث، ولا بربع، ولا بطعام مسمّى»، وعن ابن عمر - ﵄ - قال: ما كنّا نرى بالمزارعة بأسًا حتى سمعت رافع بن خَديج يقول: نَهَى رسول الله - ﷺ - عنها. وقال جابر - ﵁ -: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن المخابرة. وهذه كلها أحاديث صحاح متّفقٌ عليها، والمخابرة: المزارعة، واشتقاقها من الْخَبَار، وهي الأرض الليّنة، والْخَبير: الأَكّار، وقيل: المخابرة: معاملة أهل خيبر، وقد جاء حديث جابر - ﵁ - مفسّرًا، فروى البخاريّ بإسناده عن جابر - ﵁ - قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف، فقال النبيّ - ﷺ -: «من كانت له أرضٌ، فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن لم يفعل، فليُمسك أرضه». ورُوي تفسيرها عن زيد بن ثابت - ﵁ -، فقد رَوَى أبو داود بإسناده عن زيد - ﵁ - قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الأرض بنصف، أو ثلث، أو ربع. واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر - ﵄ -، قال: إن رسول الله - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُج منها، من زرع، أو ثمر. متفق عليه، وقد رُوي ذلك عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله - ﵃ -. وقال أبو جعفر : عامَل رسول الله - ﷺ - أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، وعثمان، وعليّ - ﵃ -، ثم أهلوهم إلى اليوم، يُعطُون الثلث، والربع، وهذا أمر صحيحٌ، مشهور، عَمِل به رسول الله - ﷺ - حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعده. فرَوَى البخاريّ عن ابن عمر أن النبيّ - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُجُ منها، من زرع، أو ثمرٍ، فكان يُعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقًا تمرًا، وعشرون وسقًا شعيرًا، فَقَسَم عمر - ﵁ - خيبر، فخيَّر أزواج النبيّ - ﷺ - أن يَقطع لهن من الأرض والماء، أو يُمضي لهنّ الأوسق، فمنهنّ من اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الأوسق، فكانت عائشة - ﵂ - اختارت الأرض. ومثل هذا لا يجوز أن يُنسَخ؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة رسول الله - ﷺ -، فأما شيءٌ عَمِل به إلى أن مات، ثم عَمِل به خلفاؤه بعده، وأجمعت الصحابة - ﵃ -، وعَمِلوا به، ولم يُخالف فيه منهم أحد، فكيف يجوز نسخه؟ ومتى كان نسخه؟ فإن كان نُسخ في حياة رسول الله - ﷺ -، فكيف عُمل به بعد نسخه؟ وكيف خَفِي نسخه؟ فلم يبلغ خلفاءه، مع اشتهار قصّة خيبر، وعَمَلهم فيها؟ فأين كان رواي النسخ حتى لم يذكروه، ولم يخبرهم به؟ فأما ما احتجّ به المانعون، فالجواب عن حديث رافع بن خديج - ﵁ - من أربعة أوجه: [أحدها]: أنه قد فُسّر المنهيّ عنه في حديثه بما لا يُختَلَفُ في فساده، فإنه قال: كنّا أكثر الأنصار حَقْلًا، فكنّا نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تُخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالذهب والورق، فلم ينهنا. متّفقٌ عليه. وفي لفظ: فأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس. وهذا خارجٌ عن محلّ الخلاف، فلا دليل فيه عليه، ولا تعارض بين الحديثين. [الثاني]: أن خبره ورد في الكراء بثلث، أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدلّ حديثه عليها أصلًا، وحديثه الذي في المزارعة يُحمَل على الكراء أيضًا؛ لأن القصّة واحدةٌ، رُويت بألفاظ مختلفة، فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الآخر. [الثالث]: أن أحاديث رافع - ﵁ - مضطربة جدًّا، مختلفة اختلافًا كثيرًا، يوجب ترك العمل بها لو انفردت، فكيف يُقدّم على مثل حديثنا؟ قال الإمام أحمد: حديث رافع ألوان. وقال أيضًا: حديث رافع ضُرُوبٌ. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على أن النهي كان لذلك، منها: الذي ذكرناه، ومنها: خَمْسٌ أخرى، وقد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة: زيد بن ثابت، وابن عبّاس - ﵃ -، قال زيد بن ثابت: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبيّ - ﷺ - رجلين قد اقتتلا، فقال: «إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع». رواه أبو داود، والأثرم. وروى البخاريّ، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ - ﷺ - نهى عنها، قال: إن أعلمهم - يعني ابن عبّاس - أخبرني أن النبيّ - ﷺ - لم يَنْهَ عنها، ولكن قال: «أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خَراجًا معلومًا». ثم إن أحاديث رافع - ﵁ - منها ما يُخالف الإجماع، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق، ومنها ما لا يُختَلَف في فساده، كما بيّنّاه، وتارة يُحدّث عن بعض عمومته، وتارة عن سماعه، وتارة عن ظُهير بن رافع - ﵁ -، وإذا كانت أخبار رافع هكذا، وجب اطّراحها، واستعمال الأخبار الواردة في شأن خيبر الجارية مجرى التواتر التي لا اختلاف فيها، وبها عمل الخلفاء الراشدون، وغيرهم، فلا معنى لتركها بمثل هذه الأحاديث الواهية. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «الأحاديث الواهية» فيه نظر لا يخفى، فكيف تكون واهية، وقد أخرجها الشيخان في «صحيحيهما»، واعتمدا عليها؛ بل الصواب أنها صحيحة، ويجب تأويلها بما لا يتنافَى مع حديث شأن خيبر، وذلك هو التأويل الأول في كلام ابن قُدامة، وغير ذلك مما سنبيّنه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. قال: [الجواب الرابع]: أنه لو قُدّر صحّة خبر رافع ، وامتنع تأويله، وتعذّر الجمع، لوجب حمله على أنه منسوخ؛ لأنه لا بدّ من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر؛ لكونه معمولًا به من جهة النبيّ - ﷺ - إلى حين موته، ثم من بعده إلى عصر التابعين، فمتى كان نسخه؟ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى النسخ هنا غير صحيحة؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا عند تعذّر العمل بالنصّين، وهنا لا يتعذّر، بل يُحْمَل على أحد المحامل التي ذكرها هو أو غيره، كما فعل هو هنا في حديث جابر، وزيد بن ثابت - ﵄ - حيث قال: وأما حديث جابر - ﵁ - في النهي عن المخابرة، فيجب حمله على أحد الوجوه التي حُمل عليها خبر رافع، فإنه قد روى حديث خيبر أيضًا، فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن، ثم لو حُمل على المزارعة لكان منسوخًا بقصّة خيبر؛ لاستحالة نسخها، كما ذكرنا، وكذلك القول في حديث زيد بن ثابت - ﵁ -. قال: فإن قال أصحاب الشافعيّ: تُحمَل أحاديثكم على الأرض التي بين النخيل، وأحاديث النهي على الأرض البيضاء؛ جمعًا بينهما. قلنا: هذا بعيدٌ لوجوه خمسة: [أحدها]: أنه يبعُدُ أن تكون بلدةٌ كبيرةٌ يأتي منها أربعون ألف وسق، ليس فيها أرض بيضاء، ويبعد أن يكون قد عامَلهم على بعض الأرض دون بعض، فينقل الرواة كلهم القصّة على العموم من غير تفصيل، مع الحاجة إليه. [الثاني]: أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه، وما ذكرناه دلّ عليه بعض الروايات، وفسّره الراوي له بما ذكرناه، وليس معهم سوى الجمع بين الأحاديث، والجمع بينهما بحمل بعضها على ما فسّره راويه به أولى من التحكّم بما لا دليل عليه. [الثالث]: أن قولهم يُفضي إلى تقييد كلّ واحد من الحديثين، وما ذكرناه حمل لأحدهما وحده. [الرابع]: أن فيما ذكرناه موافقةَ عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، وهم أعلم بحديث رسول الله - ﷺ -، وسنّته، ومعانيها، وهو أولى من قول من خالفهم. [الخامس]: أن ما ذهبنا إليه مُجمَعٌ عليه، فإن أبا جعفر روى ذلك عن أهل كلّ بيت بالمدينة، وعن الخلفاء الأربعة، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، واستمرار ذلك، وهذا مما لا يجوز خفاؤه، ولم يُنكره من الصحابة منكِر، فكان إجماعًا، وما رُوي في مخالفته، فقد بيّنّا فساده، فيكون هذا إجماعًا من الصحابة - ﵃ -، لا يسوغ لأحد خلافه. والقياس يقتضيه، فإن الأرض عينٌ تُنمّى بالعمل فيها، فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها؛ كالأثمان في المضاربة، والنخل في المساقاة، أو نقول: أرضٌ، فجازت المزارعة عليها؛ كالأرض بين النخيل، ولأن الحاجة داعيةٌ إلى المزارعة؛ لأن أصحاب الأرض قد لا يقدرون على زرعها، والعمل عليها، والأكَرَةُ يحتاجون إلى الزرع، ولا أَرْضَ لهم، فاقتضت حكمة الشرع جواز المزارعة، كما قلنا في المضاربة، والمساقاة، بل الحاجة ههنا آكد؛ لأن الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مُقتاتًا، ولكون الأرض لا يُنتفع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال، ويدلّ على ذلك قول راوي حديثهم: نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، والشارع لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ والمفاسد، فدلّ على غلط الراوي في النهي عنه، وحصول المنفعة فيما ظنّه منهيًّا عنه. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن قُدامة - ﵀ - تحقيق نفيسٌ، غير محاولته تضعيف حديث رافع بن خديج - ﵁ -، فإنه غير مقبول، فإن الحديث صحيح، وقد اتفق الشيخان على تخريجه، والجمع بينه وبين حديث قصّة خيبر ممكنٌ، كما سبق في كلامه هو، فكيف يضعّفه؟ والحقّ أن الحديث صحيح، وأنه لا يعارض الحديث المذكور، كما قاله الحذّاق العارفون بعلل الأحاديث، وفقهها، فمن تأمّله، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مُجمَلها على مفسّرها، ومطلقها على مقيّدها على أن الذي نَهَى عنه النبيّ - ﷺ - في حديثه كان أمرًا بيّن الفساد، وهي: المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه - ﵁ - قال: «كنا نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه»، وفي لفظ: «كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله - ﷺ - بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع»، وقال أيضًا: «ولم يكن لهم كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس»، فهذا، وما أشبهه من حديثه من أبين ما فيه، وأصحّه، وأصرح ما فسّر به ما أجمله، أو أطلقه، أو اختصره في سائر رواياته، فالواجب أن تُحْمَلَ تلك المجملاتُ على المفسّر المبيّن، المتّفق عليه لفظًا، وحكمًا. قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على أن النهي كان لتلك العلل. وقال الإمام الليث بن سعد - ﵀ -: الذي نَهَى عنه رسول الله - ﷺ - أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام عَلِمَ أنه لا يجوز. وأيضًا فقد وقع في حديث جابر - ﵁ - نحو ما وقع في حديث رافع، لكن الجواب هو الجواب المذكور، فقد وقع في بعض طرقه: «أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْرِيّ، ومن كذا، ومن كذا، فقال - ﷺ -: من كان له أرض، فليَزْرَعها، أو ليمنعها أخاه»، فهذا مفسّر مبين ذُكر فيه سبب النهي، وأُطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيّد المبيّن، وأن المراد بالنهي هو هذا النوع. وقال الإمام البيهقيّ - ﵀ - في «السنن الكبرى»: «باب من أباح المزارعة بجزء معلوم مشاع، وحمل النهي عنها على التنزيه، أو على ما لو تضمّن العقد شرطًا فاسدًا»، ثم أورد الأحاديث، وأورد إنكار ابن عبّاس، وزيد بن ثابت - ﵃ - على رافع بن خَدِيج، حيث قال ابن عبّاس - ﵄ -: «إن رسول الله - ﷺ - لم يُحرّم المزارعة، ولكن أمر أن يرفُق الناس بعضهم من بعض». وقال زيد بن ثابت - ﵁ -: يغفر الله لرافع بن خَدِيج، أنا والله كنت أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان من الأنصار إلى رسول الله - ﷺ -، قد اقْتَتَلا، فقال: «إن كان هذا شأنَكم، فلا تُكروا المزارع»، فسمع قوله: «لا تُكروا المزارع». قال البيهقيّ - ﵀ -: زيد بن ثابت، وابن عبّاس - ﵄ - كأنهما أنكرا - والله أعلم - إطلاق النهي عن كراء المزارع، وعَنَى ابن عبّاس بما لم يُنه عنه من ذلك: كراءها بالذهب والفضّة، وبما لا غرر فيه، وقد قيّد بعض الرواة عن رافع الأنواع التي وقع النهي عنها، وبيّن علّة النهي، وهي ما يُخشى على الزرع من الهلاك، وذلك غرر في العوض، يوجب فساد العقد، قال: وقد روينا عن زيد بن ثابت ما يوافق رواية رافع بن خَديج وغيره، فدلّ أن ما أنكره غير ما أثبته، والله أعلم. قال: ومن العلماء من حمل أخبار النهي على ما لو وقعت بشروط فاسدة، نحو شرط الجداول، والماذْيَانات، وهي الأنهار، وهي ما كان يشترط على الزارع أن يزرعه على هذه الأنهار خاصّة لربّ المال، ونحو شرط القصارة، وهي ما بقي من الحبّ في السنبل بعدما يداس، ويقال: القِصْرِيّ، ونحو شرط ما يسقي الربيع، وهو النهر الصغير، فكانت هذه، وما أشبهها شروطًا شرطها ربّ المال لنفسه خاصّةً، سوى الشرط على النصف، والربع، والثلث، فيرى أن نهي النبيّ - ﷺ - عن المزارعة إنما كان لهذه الشروط؛ لأنها مجهولة، فإذا كانت الحصص معلومةً، نحو النصف، والثلث، والربع، وكانت الشروط الفاسدة معدومةً، كانت المزارعة جائزة، وإلى هذه ذهب أحمد بن حنبل، وأبو عُبيد، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم من أهل الحديث، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من أصحاب الرأي - رحمهم الله تعالى - والأحاديث التي مضت في معاملة النبيّ - ﷺ - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع دليلٌ لهم في هذه المسألة. وقال أيضًا: ومن ذهب إلى هذا زعم أن الأخبار التي ورد النهي فيها عن كرائها بالنصف، أو الئلث، أو الربع إنما هو لِمَا كانوا يُلحقون به من الشروط الفاسدة، فقصّر بعض الرواة بذكرها، وقد ذكرها بعضهم، والنهي يتعلّق بها دون غيرها. انتهى المقصود من كلام البيهقيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد البيهقي - ﵀ -، وأفاد في كلامه المذكور. والحاصل أن المزارعة جائزة، إلا ما كان فيها العوض مجهولًا، أو دخلت فيه الشروط الفاسدة، على ما فُصّل آنفًا. فبهذا تتفق السنن المأثورة عن رسول الله - ﷺ -، وتتاكف، ويزول عنها الاضطراب المتوهّم، والاختلاف الذي يظهر في بادئ الرأي، ويظهر أن لكلّ منها وجهًا صحيحًا، ومَرَدًّا مَلِيحًا، وأن ما نَهَى عنه النبيّ - ﷺ - غير ما أباحه وفعله، وفعله أيضًا خلفاؤه الراشدون، وصحابته الأكرمون - ﵃ -، وهذا هو الواجب، والواقع في نفس الأمر، ولله الحمد، والمنّة، وله الفضل والنعمة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَس، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُؤْخَذَ لِلأَرْضِ أَجْرٌ، أَوْ حَظٌّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٤٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ) نزيل بغداد، أبو يعلى، ثقةٌ فقيهٌ سنّيٌّ، طُلب للقضاء، فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب [١٠] (٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٣. ٣ - (خَالِدُ) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٤ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سُليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٩. ٥ - (بُكَيْرُ بْنُ الأَخْنَسِ) السَّدُوسيّ، ويقال: الليثيّ، ثقةٌ [٤] (خ م د س ق) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١/ ١٥٧٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَنْ يُؤْخَذَ لِلأَرضِ) وفي نسخة: «على الأرض». وقوله: (أَجْرٌ، أَوْ حَظٌّ) الظاهر أن «أو» هنا للشكّ من الواوي، والمراد بالحظّ هو الكراء. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١٣] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِك، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَزْرَعَهَا، وَعَجَزَ عَنْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُؤَاجِرْهَا إِيَّاهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أبوه) عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقة [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَلْيَزْرَعْهَا) بفتح حرفْ المضارعة؛ أي: يزرعها بنفسه، لا بأجير يستأجره لزراعتها. وقوله: (وَلَا يُؤَاجِرْهَا إِيَّاهُ) أي: لا يُعط أخاه تلك الأرض بأجرة، وهذا النهي كما تقدّم محمول على التنزيه، إن كان بالثلث والربع، أو بأجرة معلومة، وإن كان بشروط فاسدة، كان يستثني صاحب الأرض بعض ما يخرج منها لنفسه، أو يدفعه بما على الماذيانات، أو السواقي، فعلى التحريم؛ لاشتماله على شروط فاسدة، مضرّة بأحد الجانبين. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: سَأَلَ سُلَيْمَان بْنُ مُوسَى عَطَاء، فَقَالَ: أَحَدَّثَكَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِهَا»؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى) الأمويّ مولاهم الدمشقيّ الأشدق، صدوقٌ فقيهٌ في حديثه بعض لين، وخُولط قبل موته بقليل [٥] (م ٤) تقدّم في «المقدّمة» ٥/ ٢٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَا يُكْرِهَا) بضمّ حرف المضارعة؛ أي: لا يأخذ عليها كراء؛ أي: أجرة. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١٥] (…) - (حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ؛ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، غير عمرو، فتقدّم قريبًا، و«سفيان» هو: ابن عيينة، و«عمرو» هو: ابن دينار. وقوله: (نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ) أي: المزارعة، وقد تقدّم أن جابرًا - ﵁ - فسّر المخابرة بأنها الأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل، فيُنفق فيها، ثم يأخذ من الثمر. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعتات المصنف - ﵀ -، وهو (٢٦٠) من رباعيّات الكتاب. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: إِن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا تَبِيعُوهَا»، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: مَا قَوْلُهُ: وَلَا تَبِيعُوهَا ، يَعْنِي الْكِرَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ) الأول بفتح حرف المضارعة، من الزرع؛ أي: ليزرعها بنفسه، والثاني بضمها، من الإزراع؛ أي: ليجعلها مزرعة لأخيه، والمراد أنه يُعيره إياها بلا عوض، وهو معنى الرواية الأخرى: «فليَمنحها أخاه». وقوله: (فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ … إلخ) القائل هو سَليم بن حيّان، وسعيد هو: ابن مِيناء. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِر، قَالَ: كنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِيّ، وَمِنْ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ، وَإِلَّا فَلْيَدَعْهَا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّم نفسه قبل أربعة أبواب، و«أحمد بن يونس» هو: أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب لجدّه، و«زهير» هو: ابن معاوية بن حُدَيج. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٦١) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (كُنَّا نُخَابِرُ) أي: نزارع. وقوله: (فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِيِّ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بقاف مكسورة، ثم صاد مهملة ساكنة، ثم راء مكسورة، ثم ياء مشدّدة، على وزن الْقِبْطِيّ، هكذا ضبطناه، وكذا ضبطه الجمهور، وهو المشهور، قال القاضي: هكذا رويناه عن أكثرهم، وعن الطبريّ: بفتح القاف والراء، مقصور، وعن ابن الخزايرّ: بضم القاف مقصور، قال: والصواب الأول، وهو ما بَقِي من الْحَبّ في السنبل بعد الدِّيَاس، ويقال له: القُصَارة بضم القاف، وهذا الاسم أشهر من الْقِصْرِيّ. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: «الْقِصْريّ» - بكسر القاف، وسكون الصاد المهملة - هي الرواية الصحيحة، وهو ما يبقى من الحبوب في سُنبله بعد الدوس، وهي لغة شاميّةٌ، قاله ابن دُريد، وقد قيّده بعضهم بفتح القاف مقصورًا، وبعضهم بضمّها مقصورًا. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: الْقِصْرَى، بالكسر، والْقَصَرُ، والْقَصَرَةُ محرّكتين، والْقُصْرَى، كبُشْرَى: ما يبقى في الْمُنْخُل بعد الانتخال، أو يَخْرُج من القتّ بعد الدَّوْسة الأولى، أو الْقِشْرة العليا من الحبّة. انتهى . والمراد من قوله: «فنُصيب من الْقِصْريّ، ومن كذا» على ما فسّره الزمخشري في «الفائق» أن ربّ الأرض كان يشترط على المزارع أن يزرع له خاصّةً ما تسقيه الجداول والربيع، وأن تكون له القصارة، فنُهي عن ذلك . ومما يؤيّد هذا التفسير ما أخرجه ابن ماجه في «سننه»، وأحمد في «مسنده»، وصححه ابن حبّان عن أسيد بن ظُهير، عن رافع بن خديج - ﵁ - قال: كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أعطاها بالثلث، والربع، والنصف، واشترط ثلاث جداول والقُصارة، وما سقى الربيع، وما يسقي الربيع، وكان العيش إذ ذاك شديدًا، وكان يعمل فيها بالحديد، وبما شاء الله، ويصيب منها منفعةً، فأتانا رافع بن خَدِيج، فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهاكم عن أمر كان لكم نافعًا، وطاعة الله، وطاعة رسوله أنفع لكم، إن رسول الله - ﷺ - ينهاكم عن الْحَقْل ويقول: «من استغنى عن أرضه، فليمنحها أخاه، أو ليَدَعْ» . فالمراد من إصابة الْقِصريّ اشتراط القُصارة، ومن قوله: «من كذا» اشتراط الجداول، والربيع ، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإحراث، وهو بمعنى قوله: «فليُزرعها». وقوله: (وَاِلا) «إلّا» هي «إن» الشرطيّة، أُدغمت في «لا» النافية، وفعل الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه، وإن لم يُحرثها. وقوله: (فَلْيَدَعْهَا) أي: فيترك أرضه، يعني لا يؤاجرها أخاه. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكياب قال: [٣٩١٨] (…) - (حَدَّثَنِي أبُو الطَاهِر، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ - قَالَ ابْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ - حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ؛ أَنَّ أَبَا الزبَيْرِ الْمَكي حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَأْخُدُ الأَرْضَ بِالثُّلُث، أَوِ الرُّبُعِ بِالْمَاذِيَانَات، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَلْيُمْسِكْهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوق، تُكُلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٤. ٢ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهام، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٣. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبل بابين، و«أبو الطاهر» هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح، و«ابن وهب» هو: عبد الله. وقوله: (نَأْخُذُ الأَرْضَ بِالثُّلُث، أَوِ الرُّبُعِ) يعني أنهم كانوا يأخذون الأرض من صاحبها مزارعةً على أن يعطوه ثلث ما يخرج منها، أو ربعه، ويشترط هو أيضًا لنفسه ما يخرج على الماذيانات، وهو شرط فاسد، ولذا نُهُوا عنه. وقوله: (بِالْمَاذِيَانَاتِ) قال النوويّ - ﵀ -: هي بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناه تحتُ، ثم ألف، ثم نون، ثم ألف، ثم مثناة فوقُ - هذا هو المشهور، وحَكَى القاضي عن بعض الرواة فتح الذال في غير «صحيح مسلم»، وهي مسايل المياه، وقيل: ما يَنْبُت على حافتي مَسِيل الماء، وقيل: ما يَنْبُت حول السواقي، وهي لفظة مُعَرَّبة ليست عربية. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الماذيانات معروفة بكسر الذال، وقد تُفتح، وليست عربيّةً، ولكنها سواديّةٌ، وهي مسايل الماء، والمراد بها هنا ما يَنبُت على شطوط الجداول، ومسايل الماء، وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له، أو كان منه سبب. انتهى . وقال صاحب «التكملة»: وقد ذكر جابر - ﵁ - في هذا الحديث الثلث، والربع مع الماذيانات، فلعل أصحاب الأرضين كانوا يشترطون لأنفسهم ثلث جميع الخارج، أو ربعه بالإضافة إلى ما خرج بالماذيانات، ويَحْتَمل أن يكونوا يشترطون ثلث ما خرج بالماذيانات، أو ربعه، والكلّ فاسد؛ لما فيه من الغرر، والله أعلم. انتهى . والحديث بهذا السياق من أفراد المصنف - ﵀ -، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩١٩] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَهَبْهَا، أَوْ لِيُعِرْهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمَّادِ) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَنُ أبي عوانة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢١٥) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٢. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٤ - (سُلَيْمَانَ) بن مِهْران الأعمش، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. و«جابر» - ﵁ - ذُكر قبله. وقوله: (مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَهَبْهَا، أوْ لِيُعِرْهَا) الظاهر أن «أو» هنا للتنويع؛ أي: إن شاء يجعلها لأخيه هبةَ، يُملّكه رقبتها، وإن شاء يجعلها عارية تُردّ إليه. ويَحْتَمل أن تكون للشكّ من الراوي في أيّ اللفظتين قال. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٢٠] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَاعِر، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّاب، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَدَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا رَجُلًا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو الْجَوَّابِ) - بفتح الجيم، وتشديد الواو - الأحوص بن جَوّاب الضبيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢١١) (م دت س) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. ٢ - (عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ) - بتقديم الراء مصغّرًا - الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقة [٧] (١٥٩) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. والباقيان ذكرا في الباب. [تنبيه]: رواية عمّار بن رُزيق، عن الأعمش هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٣/ ٣٢٢) فقال: (٥١٥٩) - حدّثنا محمد بن إسحاق الصغاني، قثنا أبو الجوّاب، قثنا عمّار بن رُزَيق، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت له أرض، فليَزْرَعها، أو لِيُزْرعها رجلًا». انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٢١] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَن بُكَيْرًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، قَالَ بُكَيْرٌ: وَحَدَّثَني نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُكْرِي أَرْضَنَا، ثُمَّ تَرَكْنَا ذَلِكَ حِينَ سَمِعْنَا حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيَلِيُّ) أبو جعفر نزيل مصر، ثقة فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقية [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشون التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٦) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٤/ ٥٥٥. ٥ - (النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) الأنصاريّ الزرَقيّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م ت س ق) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٤. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) المراد به المزارعة، وهي المخابرة. وقوله: (قَالَ بُكَيْرٌ … الخ) موصول بالسند السابق، وليس معلّقًا، فتنبّه. وقوله: (نُكْرِي أرْضَنَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإكراء بالمدّ، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الكِراء بالمدّ: الأجرة، وأكريته الدار وغيرها إكراءً، فاكتراها بمعنى: آجرتها، فاستأجرها. انتهى . والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٢٢] (…) - (وَحَدثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنف - ﵀ -، وهو (٢٦٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (عَنْ بَيْعِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ) هي: التي لا غرس فيها، ولا زرع. وقوله: (سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) معناه أن يبيع ثمر نخلة، أو نخلات بأعيانها سنتين، أو ثلاثًا، وإنما نُهي عنه؛ لأنه باع شيئًا لا وجود له حال العقد. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَج، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ سِنِينَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (عَمْرٌو افَّماقِدُ) ابن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٣ - (حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ) ابن قيس القارئ المكيّ، ثقة [٦] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الحج» ١٠/ ٢٨٨١. ٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ) ويقال: ابن عتيك - بالكاف - وهو وَهْمٌ، المدنيّ، صدوقٌ [٤]. رَوَى عن جابر بن عبد الله، وابن الزبير، وعبد الله بن بابيه، وطلق بن حبيب. ورَوَى عنه حميد بن قيس الأعرج، وزياد بن سعد، وابن جريج، وزياد بن إسماعيل.
مصادر المؤلف (٨٦)

١. «الفتح» ٥/ ٦٨٠.

٢. «المصباح المنير» ١/ ١.

٣. أخرجه الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» (٣/ ٤٦٨)، والطبرانيّ في «المعجم الكبير» (٧/ ١٠٧)، وهو حديث ضعيف، راجع: «ضعيف الجامع الصغير» للشيخ الألبانيّ ﵀ (ص ٤٢٩) رقم (٢٩٢٦).

٤. راجع: «المغني» ٦/ ١٣٠، و«لسان العرب» ٤/ ٣ - ٤.

٥. تقدّم أنه حديث ضعيف.

٦. أي اشتداده وقوّته.

٧. «المفهم» ٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨.

٨. ٥/ ٦٨٢.

٩. «المفهم» ٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨.

١٠. «الفتح» ٥/ ٦٨٢.

١١. «المفهم» ٤/ ٣٩٩.

١٢. «طرح التثريب» ٦/ ١١٦ - ١١٩.

١٣. «الفتح» ٥/ ٦٨١.

١٤. «الفتح» ٥/ ٦٨٢ - ٦٨٣.

١٥. «المغني» ٦/ ١٣٠ - ١٣٣.

١٦. هو ولد الإمام أحمد راوي «المسند» عنه، فتنبّه.

١٧. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٦/ ١٢٤.

١٨. رواه أحمد في «مسنده» (٣٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٩).

١٩. راجع: «الموطأ» (٢/ ٧٧٥).

٢٠. «المفهم» ٤/ ٣٩٩ - ٤٠٠.

٢١. «المغني» ٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٩١ - ١٩٢.

٢٣. «المغني»٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠.

٢٤. هكذا ترجم القرطبيّ ﵀، وهو الأليق، كما لا يخفى على من تأمله، خلاف ما ترجم به النوويّ ومن تبعه، فإنه تكرار لما سبق، فتنبّه.

٢٥. «الفتح» ٥/ ٦٨٤.

٢٦. «المفهم» ٤/ ٣٩١ - ٣٩٢ و٤٠١.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ١٤٤.

٢٨. «النهاية» ١/ ٤١٦.

٢٩. «النهاية» ٢/ ٢٩٤.

٣٠. «النهاية» ٢/ ٧.

٣١. «المفهم» ٤/ ٤٠١.

٣٢. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣.

٣٣. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٣، و«القاموس المحيط» ٤/ ١٤٤.

٣٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٩٣ - ١٩٤.

٣٥. أي تخليط.

٣٦. «المفهم» ٤/ ٤٠٢.

٣٧. وفي نسخة: «فسّرها لنا جابر».

٣٨. وفي نسخة: «بيع الزرع القائم».

٣٩. قال في «التقريب»: ثقة له أفراد. وقوله: له أفراد فيه نظر، فقد وثقه جل الأئمة، إلا ما روي عن أحمد، وهو بالنظر إلى توثيقهم على الإطلاق كلا شيء، فتأمله.

٤٠. «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٠٧.

٤١. «الأوهام التي في المدخل» ص ١٣١.

٤٢. «التاريخ الكبير» ٣/ ٥١٢.

٤٣. «الكنى والأسماء» ٢/ ٨٥٧.

٤٤. «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٠٧.

٤٥. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٥٩ - ٨٦٠.

٤٦. «شرح النوويّ»١٠/ ١٩٤ - ١٩٥.

٤٧. «المفهم» ٤/ ٤٠٣.

٤٨. «سَليم» بفتح السين المهملة، وكسر اللام، و«حيّان» بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة.

٤٩. «الفتح» ٥/ ٦٧٢.

٥٠. «المفهم» ٤/ ٤٠٣.

٥١. «الفتح» ٥/ ٦٧٢ - ٦٧٣.

٥٢. بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة.

٥٣. بكسر الحاء، وتخفيف السين المهملتين.

٥٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٩٣.

٥٥. «المفهم» ٤/ ٤٠٣.

٥٦. حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في «سننه» (١/ ٦٨) بلفظ: «من حلف، فقال: إن شاء الله، فله ثُنْياه».

٥٧. «المصباح المنير» ١/ ٨٥.

٥٨. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٩٥.

٥٩. «المفهم» (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٥).

٦٠. راجع: «جامع الأصول» لابن الأثير ١/ ٤٨١.

٦١. وفي نسخة: «لرجل».

٦٢. هذا أولى من قوله في «التقريب»: صدوق، فتنبّه.

٦٣. «المصباح المنير»٢/ ٥٨٠.

٦٤. «الفتح»٦/ ١٤٤.

٦٥. المراد فوائد أحاديث الباب كلها، كما أوردته في التنبيه الماضي، فتنبّه.

٦٦. هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من ابن سُريج، بالسين المهملة، والجيم، فليُحرّر.

٦٧. قوله في بيع الغرر: «نهي تنزيه» فيه نظر، بل الصواب أنه نهي تحريم، كما مضى في محلّه، فتنبّه.

٦٨. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٩٨ - ١٩٩.

٦٩. الظاهر أنه ابن جرير الطبريّ، والله تعالى أعلم.

٧٠. هذه عبارة سخيفة، كيف يقال: لو قُدْر إلخ مع كونه هو الواقع حقيقةً، لا تقديرًا؟ فقد أخرجه الشيخان في «صحيحيهما»، واعتدّاه، فيا للعجب لمثل هذا!!! إن هذا لهو العجب العجاب!!!.

٧١. تقدّم أن الظاهر أنه الطبري، والله أعلم.

٧٢. راجع: «السنن الكبرى» للبيهقيّ ٦/ ١٣٣ - ١٣٦.

٧٣. وفي نسخة: «على الأرض».

٧٤. [تنبيه]: سليمان بن موسى هذا لم يدخله أصحاب البرامج في رجال مسلم، وذلك تقليدًا منهم لصاحب «تهذيب الكمال» حيث نصّعلى أن مسلمًا أخرج له في «المقدّمة» فقط، وتبعه الحافظ في «التهذيب»، و«التقريب»، وهذا وهم، كما ترى فقد أخرج له هنا، وكنت قلّدتهما في ذلك في «شرح المقدّمة»، لكن تبيّن الصواب خلاف ذلك، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.

٧٥. وفي نسخة: «فقلت لسعيد: ما ولا تبيعوها؟».

٧٦. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٩٩ - ٢٠١.

٧٧. «المفهم» ٤/ ٤١٠.

٧٨. «القاموس المحيط» ٢/ ١١٨.

٧٩. «الفائق» ٢/ ٣٥٢.

٨٠. حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه ٢/ ٨٢٢، وأحمد ٤/ ٤٦٤، وابن حبان في «صحيحه» ١١/ ٦٠٦.

٨١. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٤٥٣.

٨٢. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٩٨.

٨٣. «المفهم» ٤/ ٤٠٨.

٨٤. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٤٥٤.

٨٥. جعله في «التقريب» من الثامنة، وقال: لا بأس به، والذي يظهر لي أنه من السابعة، وهو ثقة. راجع ترجمته في: «التهذيب»، والله تعالى أعلم.

٨٦. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٣٢.