HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٥٨

حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. حدثني عبد الله بن كعب عن مَالِكٍ. أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي الْمَسْجِدِ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ. وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ. فَقَالَ (يَا كَعْبُ!) فَقَالَ: لَبَّيْكَ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قُمْ فَاقْضِهِ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص30
ج ٣ ص ١١٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٣٦٠
هذا، ولا أنقص منه: «أفلح إن صدق»، ولم ينكر عليه حلفه على ترك الزيادة، وهي من فعل الخير. ويمكن الفرق بأنه في قصة الأعرابي كان في مقام الدعاء إلى الإسلام، والاستمالة إلى الدخول فيه، فكان يَحْرِص على ترك تحريضهم على ما فيه نوع مشقة مهما أمكن، بخلاف من تمكّن في الإسلام، فيَحُضُّه على الازدياد من نوافل الخير. انتهي . ٤ - (ومنها): أنه ينبغي لمن حلف أن لا يفعل خيرًا أن يحنث، ويكفّر عن يمينه. ٥ - (ومنها): استحباب الشفاعة إلى أصحاب الحقوق، وقبول الشفاعة في الخير. ٦ - (ومنها): أن فيه سرعةَ فهم الصحابة لمراد الشارع، وطواعيتهم لما يشير به، وحرصهم على فعل الخير. ٧ - (ومنها): أن فيه الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط، ورفع الصوت عند الحاكم. ٨ - (ومنها): أن فيه جواز سؤال المدين الحطيطة من صاحب الدَّين خلافًا لمن كرهه من المالكية، واعتَلَّ بما فيه من تحمّل المنّة، وقال القرطبيّ: لعل من أطلق كراهته أراد أنه خلاف الأولى. ٩ - (ومنها): أن فيه هبةَ المجهول، كذا قال ابن التين، وفيه نظر؛ لما قدّمناه من رواية ابن حبان، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٧٧] (١٥٥٨) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ؛ أنهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْه، فِي عَهْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ - فِي الْمَسْجِد، فَارْتَفَعَتْ أَصوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ فِي بَيْتِه، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِه، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: «يَا كعْبُ»، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسولَ الله، فَأشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْب: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قُمْ فَاقْضِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التّجيبيّ، تقدَّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) ذُكر قبل حديث. ٣ - (يُونُسُ) الأيليّ، تقدَّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري، تقدَّم أيضًا قريبًا. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ، يقال: له رؤيةٌ [٢] (ت ٧ أو ٩٨) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٠. ٦ - (أَبُوهُ) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاريّ السلَميّ المدنيّ الصحابيّ الشهير، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا، مات في خلافة عليّ - ﵄ - (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٣/ ١٦٥٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهري. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه هو أحد الثلاثة الذين نزلت فيهم آية: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية [التوبة: ١١٨]، رُوي له ثمانون حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري؛ أنه قال: (حَدثَنى عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) يقال: له رؤية (عَنْ أبِيهِ) كعب بن مالك - ﵁ - (أنهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) أي: طالب أن يقضيه، وفي الرواية التالية من طريق عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك؛ «أنه كان له مال على عبد الله بن أبي حَدْرد الأسلميّ، فلقيه، فلزمه، فتكلّما حتى ارتفعت أصواتهما …». [تنبيه]: «ابن أبي حَدْرد» - بفتح الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وفتح الراء، ثم دال مهملة - قال الجوهريّ وغيره: لم يأت من الأسماء على «فعلع» بتكرير العين غير حدرد. وهو عبد الله بن أبي حدرد، واسمه سلامة، وقيل: عُبيد بن عُمير بن أبي سلامة بن سعد بن شيبان بن الحارث بن قيس بن هوازن بن أسلم بن أفصى الأسلميّ، أبو محمد، له ولأبيه صحبة، وقال ابن منده: لا خلاف في صحبته، وقال ابن سعد: أول مشاهده الحديبية، ثم خيبر، مات سنة (٧١) عن (٨١) سنة، أفاده في «الإصابة» . وقوله: (دَيْنًا) منصوب على أنه مفعول ثان لـ «تقاضى»، والأول «ابنَ أبي حدرد»، وقوله: (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب صفة لـ «دينًا»، وضمير «له» لكعب، و«عليه» لابن أبي حدرد، وفي رواية الطبرانيّ أنه كان أوقيّتين (في عَهْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ -) أي: في زمانه (فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وهو متعلّقٌ بـ «تقاضى» (فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا) وفي بعض النسخ: «فارتفعت أصواتهم» (حتَّى سَمِعَهَ) أي: الأصوات، وفي رواية النسائيّ: «حتى سمعهما» (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (وَهُوَ فِي بَيْتِهِ) جملة حالية من «رسول الله - ﷺ -» (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: من حجرته، وفي رواية الأعرج، عن عبد الله بن كعب التالية: «فمرّ بهما رسول الله - ﷺ -» وظاهر الروايتين التخالف، وجمع بعضهم بينهما باحتمال أن يكون مرّ بهما أوّلًا، ثم إن كعبًا أشخص خصمه للمحاكمة، فسمعهما النَّبيّ - ﷺ - أيضًا، وهو في بيته، قال الحافظ: وفيه بُعد؛ لأن في الطريقين أنه - ﷺ - أشار إلى كعب بالوضيعة، وأمر غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك تقدَّم لهما لَمَا احتاج إلى الإعادة، والأَولى فيما يظهر لي أن يُحمَل المرور على أمر معنويّ، لا حسّيّ. انتهى. (حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ) - بكسر المهملة، وسكون الجيم، وحكي فتح أوله - وهو الستر، وقيل: أحد طرفي الستر الْمُفَرج، قاله في «الفتح» . وقال المجد - ﵀ -: «السِّجْفُ»، ويُكسر، وككتاب: السترُ، جمْعه سُجُوفٌ، وأَسْجافٌ، أو السَّجْف: السِّتران المقرونان بينهما فُرْجةٌ، أو كل بابٍ سُتِر بسترين مقرونين، فكلُّ شِقّ سَجْف، وسِجَافٌ، وأسجف السترَ: أرسله. انتهى . (وَنَادَى كعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَأشَارَ) وفي نسخة: «قال: فأشار» (إِلَيْهِ بِيَده أَنْ ضَعِ الشطْرَ مِنْ دَيْنِكَ) أي: نصفه، و«أن» هنا يَحْتَمل أن تكون مصدريّة، ويقدّر الجار قبلها؛ أي: بأن ضع، وَيحْتَمل أن تكون تفسيرية؛ أي: فرع، و«أن» التّفسيريّة هي التي تقع بعد جملة فيها معنى القول، دون حروفه، وتتأخر عنها جملة، وأن لا يدخل عليها جارّ، كما هو مبسوط في «مغني اللبيب» لابن هشام الأنصاريّ - ﵀ - . وقال شيخنا المناسيّ - ﵀ - في «نظمه»: وَثَالِثٌ كـ «أَيْ» أَتَتْ مُفَسِّرَهْ … وَزُمْرَةُ الْكُوفَةِ فِيهَا مُنْكِرَهْ وَشَرْطُهَا لِمُثْبِتٍ سَبْقُ الْجُمَلْ … وَبَعْدَهَا الْجُمَلُ مُطْلَقًا حَصَلْ وَالْقَوْلُ مَعْنَاهُ بَدَا فِي السابِقَهْ … لَا لَفْظُهُ وَبَعْضُهُمْ قَدْ أَطْلَقَهْ وَعَدَمُ الْخَافِضِ أَمَّا إِنْ قُرِنْ … بِهَا فَمَصْدَرِيةٌ عِنْدَ الْفَطِنْ وفي رواية الأعرج التالية: «فقال: يا كعب، فأشار بيده، كأنه يقول: النصف، فأخذ نصفًا مما عليه، وترك نصفًا» (قَالَ كَعْب: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية للبخاريّ: «لقد فعلت»، وفيها مبالغة في امتثال الأمر (قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) لابن أبي حدرد («قُمْ فَاقْضِهِ») فيه إشارة إلى أنه لا يُجمع بين الوضيعة والتأجيل. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «قم، فاقضه»: أمر على جهة الوجوب؛ لأن ربّ الدَّين لَمّا أطاع بوضع ما وَضَع تعيّن على الْمِدْيان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يُجمَع على ربّ الدَّين وَضِيعةٌ ومَطْلٌ، وهكذا ينبغي أن يُبَتّ الأمرُ بين المتصالحين، فلا يُترك بينهما عُلقة ما أمكن. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٩٧٧ و٣٩٧٨ و٣٩٧٩] (١٥٥٨)، و(البخاريّ) في «المساجد» (٤٥٧) و«الخصومات» (٢٤١٨ و٢٤٢٤) و«الصلح» (٢٧٠٦ و٢٧١٠)، و(أبو داود) في «الأقضية» (٣٥٩٥)، و(النسائيّ) في «آداب القضاة» (٨/ ٢٣٩ و٢٤٤) وفي «الكبرى» (٣/ ٤٧٦)، و(ابن ماجه) في «الأحكام» (٢٤٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٤٥٤ و٤٦٠ و٦/ ٣٨٦ و٣٩٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٤٧٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠٤٨)، و(الطبراني) في «الكبير» (١٩/ ١٢٦ و١٢٧ و١٢٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٣٨)، و(عبد بن حميد) (١/ ١٤٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٥٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢١٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الوضع من الدَّين. ٢ - (ومنها): جواز المخاصمة في المسجد في الحقوق، والمطالبة بالديون. ٣ - (ومنها): جواز ملازمة الغريم، والتقاضي منه. ٤ - (ومنها): إرخاء الستر على الباب للحاجة. ٥ - (ومنها): بيان جواز حكم الحاكم في داره، وهذا إذا لم يؤدّ إلى تضرّر الناس بضيق المكان، أو نحوه، وإلا فعليه أن يحكم في محلّ واسع. ٦ - (ومنها): جواز رفع الصوت في المسجد، وقد بوّب الإمام البخاريّ في «صحيحه»: «باب رفع الصوت في المسجد»، ثم أخرج بسنده عن السائب بن يزيد، قال: كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد، لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - ﷺ -؟ ثم أخرج حديث كعب بن مالك المذكور في الباب، قال في «الفتح»: أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك، فقد كرهه مالك مطلقًا، سواء كان في العلم، أم في غيره، وفرّق غيره بين ما يتعلّق بغرض دنيويّ، أو نفع دنيويّ، وبين ما لا فائدة فيه، وساق حديث عمر الدالّ على المنع، وحديث كعب الدال على عدمه، إشارة منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تُلجئ الضرورة إليه، ووردت أحاديث في النهي عن رفع الصوت في المساجد، لكنها ضعيفة، أخرج ابن ماجه بعضها، فكأن البخاريّ أشار إليها . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وعلى تقدير صحتها تُحْمَل على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وفي غير مصلحة، وأحاديث الإباحة على ما كان للمصلحة، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح» أيضًا في موضع آخر: قال المهلّب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لَمَا تركهما النَّبيّ - ﷺ -، ولبيّن لهما ذلك، قال الحافظ: ولمن منع أن يقول: لعله تقدَّم النهي عن ذلك، فاكتفى به، واقتصر على التوصّل بالطريق المؤدّية إلى ترك ذلك بالصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت. انتهى. ٧ - (ومنها): أن الإشارة بمنزلة الكلام إذا فُهمت؛ لأنها دالّة على الكلام؛ كالحروف والأصوات، فتصحّ شهادة الأخرس، ويمينه، ولعانه، وعُقُوده، إذا فُهم ذلك عنه. ٨ - (ومنها): استحباب الشفاعة إلى صاحب الحقّ. ٩ - (ومنها): إشارة الحاكم بالصلح بين المتخاصمين، على جهة الإرشاد، وهنا وقع الصلح على الإقرار، وهو متّفق على جوازه، وأما الصلح عن الإنكار فأجازه أبو حنيفة، ومالك، وهو قول الحسن، وقال الشافعيّ: هو باطل، وبه قال ابن أبي ليلى. ١٠ - (ومنها): قبول الشفاعة في غير معصية. ١١ - (ومنها): بيان ما كان عليه النَّبيّ - ﷺ - من الثقة بأصحابه، حيث أمر كعبًا - ﵁ - بوضع النصف من الدَّين في الحالة التي اشتدّ غضبه فيها، ولا يفعل ذلك إلا من كان على ثقة من أصحابه بأنهم يُؤْثرون أمره على كلّ شيء، ويقدّمونه على غرض أنفسهم، فلذا لم يكن جواب كعب - ﵁ - بعد هذه الشدّة إلا أن يقول: «قد فعلت يا رسول الله»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ؛ أنَّهُ تَقَاضَى دَيْنًا لَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدَّم قريبًا. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس الْعَبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٩/ ٤١٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عثمان بن عُمر، عن يونس هذه ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٤٥٧) - حدّثنا عبد الله بن محمد، قال: حدّثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس، عن الزهريّ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب؛ أنه تقاضى ابنَ أبي حدرد دينًا كان له عليه، في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - ﷺ -، وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرته، فنادى: «يا كعبُ»، قال: لبيك يا رسول الله، قال: «ضَع من دَينك هذا»، وأومأ إليه؛ أي: الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: «قم، فاقضه». انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٧٩] (…) - (قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ، فَلَقِيَهُ، فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا ، فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَأشَارَ بِيَدِه، كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ، فَأَخَدَ نِصْفًا مِمَّا عَلَيْه، وَتَرَكَ نِصْفًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنَةَ الكِنديّ، أبو شُرَحْبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ) الأعرج، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كَانَ لَهُ مَالٌ) تقدَّم أن في رواية الطبرانيّ أنه كان أوقيّتين. وقوله: (حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) وفي بعض النسخ: «حتى ارتفعت الأصوات». وقوله: (فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) ظاهره يخالف ما تقدَّم أنه - ﷺ - كان في حجرته، فسمع أصواتهما، وأوّله الحافظ بأن المراد من المرور في هذا الحديث المرور المعنويّ، يعتي علمه بهما، ولا يبعد أن يكون - ﷺ - مرّ بهما أوّلًا، فلم يلتفت إليهما في أول الأمر حتى دخل حجرته، ثم لما ارتفعت أصواتهما كشف سَجْف حجرته، وقال ما قال . وقوله: (كَأنه يَقُولُ النِّصْفَ) بالنصب مفعولًا لمقدّر؛ أي: ضَع النصف. [تنبيه]: ذكر الإمام مسلم - ﵀ - هذه الرواية معلّقة، قال النوويّ - ﵀ -: هذا أحد الأحاديث المقطوعة في «صحيح مسلم»، ويسَمَّى مُعَلَّقًا، وسبق في «التَّيمم» مثله بهذا الإسناد، وهذا الحديث المذكور هنا متصلٌ عن الليث، ورواه البخاريّ في «صحيحه» عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، بإسناده المذكور هنا، ورواه النسائيُّ عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة. انتهى . [تنبيه آخر]: هذا الحديث أخرجه البخاريّ في «صحيحه» متّصلًا من رواية الليث بن سعد، فقال: (٢٢٩٢) - حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، حدّثني جعفر بن ربيعة، وقال غيره: حدّثني الليث، قال: حدّثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاريّ، عن كعب بن مالك - ﵁؛ أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ دَينٌ، فلقيه، فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فمرّ بهما النَّبيّ - ﷺ -، فقال: «يا كعبُ»، وأشار بيده، كأنه يقول النصف، فأخذ نصف ما عليه، وترك نصفًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ أفلَسَ فَلَهُ الرجُوعُ فِيهِ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: أفلس الرجل: كأنه صار إلى حالٍ ليس له فلوسٌ، كما يقال: أقهر: إذا صار إلى حال يُقْهَر عليه، وبعضهم يقول: صار ذا فُلُوس، بعد أن كان ذا دراهم، فهو مُفلِس، والجمع مَفَاليسُ، وحقيقته الانتقال من حالة الْيُسْر إلى حالة الْعُسْر، وفَلّسه القاضي تفليسًا: نادَى عليه، وشَهَرَه بين الناس بأنه صار مُفْلسًا، والفَلْسُ: الذي يُتعامَل به، جمْعه في القلّة: أَفْلُس، وفي الكثرة: فُلُوس. انتهى . وقال في «الفتح»: الْمُفْلِس شرعًا: من تزيد ديونه على موجوده، سُمّي مُفلِسًا؛ لأنه صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال، وهي الفلوس، أو سُمي بذلك؛ لأنه يُمنَع التصرف، إلا في الشيء التافه، كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة، لا يملك فيها فَلْسًا، فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسلب. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ - قوله: «أفلس الرجل»: في اللغة: صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دنانير، كما يقال: أخبث الرجل؛ أي: صار أصحابه خُبَثاء، وأقطف الرجل: إذا صارت دابّته قَطُوفًا، والْمُفْلِس في عرف العرب: من لا مال له عينًا، ولا عَرَضًا، ولا غيره، ولذلك قال النَّبيّ - ﷺ - لأصحابه - ﵃ -: «أتدرون من المفلس؟»، قالوا ما هو المعروف عندهم، فأجابوه بقولهم: من لا درهم له، ولا متاع، رواه مسلم، وهو في عرف الشرع: عبارة عن مِدْيان، قَصَر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون، فطَلَب الغرماء أخذ ما بيده، وإذا كان كذلك، فللحاكم أن يَحْجُر عليه، ويمنعه من التصرّف فيما بيده، ويحصِّلُهُ، ويجمع الغرماء، فيقسمه عليهم، وهذا مذهب الجمهور، من الصحابة، وغيرهم. انتهى . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: المفلس هو الذي لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، ولهذا لما قال النبي - ﷺ - لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، قال: «ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات، أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أُخِذ من سيئاتهم، فردّ عليه، ثم صُك له صَكّ إلى النار»، أخرجه مسلم بمعناه، فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس، وقول النَّبيّ - ﷺ -: «ليس ذلك المفلس»، تَجَوُّز لم يُرِد به نفي الحقيقة، بل أراد أن فلس الآخرة أشدّ وأعظم، بحيث يصير مفلس الدنيا، بالنسبة إليه كالغنيّ، ونحو هذا قوله - ﷺ -: «ليس الشديد بالصُّرَعَة، ولكن الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب»، متّفق عليه، وقولُهُ: «ليس السابق من سبق بعيرُهُ، وإنما السابق من غُفر له» ، وقوله: «ليس الغِنَى عن كثرة الغرض، إنما الغني غنى النفس»، متفق عليه، ومنه قول الشاعر [من الخفيف]: لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إِنَّما الْمَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ وإنما سُمِّي هذا مُفلسًا؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، والمفلس في عُرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخَرْجُهُ أكثر من دَخْلِه، وسَمَّوه مُفلسًا، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مُسْتَحَقُّ الصرف في جهة دَينه، فكأنه معدوم، وقد دل عليه تفسير النبي - ﷺ - مُفْلِسَ الآخرة، فإنه أخبر أن له حسناتٍ، أمثالَ الجبال، لكنها كانت دون ما عليه، فقُسمت بين الغرماء، وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سُمِّي بذلك لِمَا يؤول إليه، من عدم ماله بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سُمِّي بذلك؛ لأنه يُمْنَع من التصرف في ماله، إلا الشيء التافه، الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - ، وسيأتي بيان مذهب العلماء في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» بقوله: باب إذا وَجَد ماله عند مُفلس في البيع، والقرض، والوديعة، فهو أحقّ به، وقال الحسن: إذا أفلس، وتبيَّن، لم يَجُزْ عتقُهُ، ولا بيعُه، ولا شراؤه». انتهى. قال في«الفتح»: قوله:«في البيع»: إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه نصًّا. وقوله:«والقرض»: هو بالقياس عليه، أو لدخوله في عموم الخبر، وهو قول الشافعيِّ في آخرين، والمشهور عن المالكية التفرقة بين القرض والبيع. وقوله:«والوديعة»: هو بالإجماع، وقال ابن الْمُنَيِّر: أَدْخَلَ هذه الثلاثةَ، إما لأن الحديث مطلق، وإما لأنه وارد في البيع، والآخران أولى؛ لأن ملك الوديعة لم ينتقل، والمحافظة على وفاء من اصطنع بالقرض معروفًا مطلوب. وقوله:«وقال الحسن: إذا أفلس إلخ»: أما قوله:«وتبيّن»، فإشارة إلى أنه لا يمنع التصرف قبل حكم الحاكم، وأما العتق فمحله ما إذا أحاط الدين بماله، فلا ينفذ عتقه، ولا هبته، ولا سائر تبرعاته، وأما البيع والشراء، فالصحيح من قولي العلماء أنَّهما لا ينفذان أيضًا، إلا إذا وقع منه البيع لوفاء دين، وقال بعضهم: يوقف، وهو قول الشافعيّ، واختُلِف في إقراره، فالجمهور على قبوله، وكأن البخاريّ أشار بأثر الحسن إلى معارضة قول إبراهيم النخعيّ: بيع المحجور وابتياعه جائز. وقوله: «وقال سعيد بن المسيِّب: قضى عثمان إلخ» أي: ابن عفان إلخ، وصله أبو عبيد في «كتاب الأموال»، والبيهقيّ بإسناد صحيح إلى سعيد، ولفظه: «أفلس مولى لأم حبيبة، فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى»، فذكره،
مصادر المؤلف (١٩)

١. راجع: «الفتح» ٦/ ٥٨٨.

٢. «الفتح» ٦/ ٥٨٨ - ٥٨٩.

٣. وفي نسخة: «أصواتهم».

٤. وفي نسخة: «قال: فأشار إليه».

٥. راجع: «الإصابة» ٦/ ٥٢ - ٥٤.

٦. «الفتح» ٢/ ٢٠٥ «كتاب الصلاة».

٧. «القاموس المحيط» ٣/ ١٥٠.

٨. راجع: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٧٤ - ٧٥.

٩. أي ثالث الأوجه من معاني «أن».

١٠. «المفهم» ٤/ ٤٣٠.

١١. ذكرت في «شرح النسائيّ» هنا اختلاف العلماء في حكم التقاضي في المسجد، فراجعه ٣٩/ ٣١٩ رقم الحديث (٥٤١٠).

١٢. وفي نسخة: «حتى ارتفعت الأصوات».

١٣. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٤٩٣.

١٤. راجع ما تقدَّم في: «شرح المقدّمة» من كلام الحافظ رشيد الدين العطّار - ﵀ - في هذا الإسناد ١/ ٩٦.

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨١.

١٦. «الفتح» ٦/ ٢٠٨.

١٧. «المفهم» ٤/ ٤٣٠ - ٤٣١.

١٨. هذا ليس حديثًا مرفوعًا، بل هو من كلام عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، قال في خطبته يوم عرفة: «ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له»، قال في «الفتح»: أخذه من قوله - ﷺ - لما سمع وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا، وصوتًا للإبل: «أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البرّ ليس بالإيضاع».

١٩. «المغني» ٦/ ٥٣٦ - ٥٣٧.