HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٧٤

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قال رسول الله ﷺ (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِي، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطَانِ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص36
ج ٣ ص ١٢٠١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٤١
[٣١٩] وفي الحديث دليل أن العمل قد يَحبَط عن العبد بعد القبول؛ إذا ركب ما يُحبطه من الذنوب. ومن باب الرخصة في أجرة الحجام
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٤٨٢
(٥٣١٦) - وحدّثنا سعيد بن مسعود، قال: أنبا النضر بن شُمَيل، قال: أنبا شعبة، عن أبي التّيّاح، عن مُطَرِّف، عن عبد الله بن مُغَفَّل، قال: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، ثم قال: «ما لهم وللكلاب؟»، ورَخَّص في كلب الصيد، والغنم. انتهى. وأما رواية وهب بن جرير، عن شعبة، فقد ساقها أيضًا أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده» ٣/ ٣٦١ فقال: (٥٣١٧) - حدّثنا إبراهيم بن مرزوق، وأبو قلابة، قالا: ثنا وهب بن جرير، قثنا شعبة، عن أبي التّيّاح، عن مُطَرِّف، عن عبد الله بن الْمُغَفَّل؛ أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الكلاب، ثم قال: «ما بالهم وبال الكلاب؟»، ورَخَّص في كلب الصيد، والزرع، والغنم. هذا لفظ أبي قلابة، وإبراهيم لم يذكر الزرع، ورواه جماعة، فلم يذكر الزرع إلا يحيى بن سعيد، عن شعبة، فإنه ذكر الزرع. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠١٦] (١٥٧٤) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِي، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُل يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وهو السند المذكور أوّل الباب، وهو من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٦٩) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا) أي: اتَّخذ، يقال: اقتنى الشيءَ: إذا اتّخذه للادّخار، قاله في»الفتح«. وقال القرطبيّ - ﵀ -: اقتنى، واتّخذ، واكتسب كلّها بمعنى واحد. وقال الفيّوميّ - ﵀ -: قَنَوْتُ الشيءَ أَقْنُوه قَنْوًا، من باب قتل، وقِنْوةً بالكسر: جمعتُهُ، واقتنيته: اتخذته لنفسي قِنْيةً، لا للتجارة، هكذا قيّدوه، وقال ابن السّكّيت: قَنَوتُ الغنمَ أقنوها، وقنيتها أَقنِيها: اتخذتها للقِنْية، وهو مالُ قِنْية، وقِنْوة، وقِنْيان بالكسر، والياء، وقُنْوان، بالضمّ، والواو، وأقناه: أعطاه، وأرضاه. انتهى . (إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: الماشية: المالُ من الإبل، والغنم، قاله ابن السّكّيت، وجماعة، وبعضهم يجعل البقر من الماشية. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وكلبُ الماشية المباحُ اتخاذه عند مالك هو الذي يُسرَح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السُّرَاق، وكلب الزرع هو الذي يَحفظه من الوحوش بالليل والنهار، لا من السُّرّاق، وقد أجاز غير مالك اتّخاذها لسُرّاق الماشية والزرع. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله غير مالك - ﵀ - من جواز اتّخاذها للسرّاق وغيره هو الراجح عندي؛ لإطلاق النّصوص، فإنه لم يخصّ نوعًا من الحفظ، بل أباح لحفظ هذه الأشياء مطلقًا، فتقييدها بنوع من الحفظ يحتاج إلى دليل، وقد تقدّم بيان هذا قريبًا، والله تعالى أعلم. (أَوْ ضَارِي) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في معظم النسخ: «ضاري» بالياء، وفي بعضها: «ضاريًا»، بالألف، بعد الياء، منصوبًا، وفي الرواية الثانية: «من اقتنى كلبًا إلا كلب ضاريةٍ»، وذكر القاضي أن الأول رُوي: «ضاري» بالياء، و«ضَارٍ»، بحذفها، و«ضاريًا»، فأما «ضاريًا»، فهو ظاهر الإعراب، وأما «ضاري»، و«ضارٍ»، فهما مجروران على العطف على «ماشيةٍ»، ويكون من إضافة الموصوف إلى صفته، كماء البارد، ومسجد الجامع، ومنه قوله تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وسبق بيان هذا مرات، ويكون ثبوت الياء في «ضاري» على اللغة القليلة، في إثباتها في المنقوص، من غير ألف ولام، والمشهور حذفها، وإلى هذا أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله - ﵀ -: وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتِ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ «مُرِ» لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي قال: وقيل: إن لفظة «ضارِ» هنا صفة للرجل الصائد، صاحب الكلاب المعتاد للصيد، فسمّاه ضاريًا؛ استعارةً، كما في الرواية الأخرى: «إلا كلب ماشيةٍ، أو كلب صائد»، وأما رواية: «إلا كلبَ ضاريةٍ»، فقالوا: تقديره: إلا كلب ذي كلابِ ضاريةٍ، والضاري هو الْمُعَلَّمُ الصيد المعتادُ له، يقال منه: ضَرَى الكلبُ يَضْرِي، كشَرَى يَشْرِي ضَرًا، وضَرَاوَةَ، وأضراه صاحبه؛ أي: عَوَّده ذلك، وقد ضَرَى بالصيد: إذا لَهَجَ به، ومنه قول عمر - ﵁ -: إن للّحمِ ضراوةً كضراوة الخمر، قال جماعة: معناه: إن له عادةَ يَنْزع إليها، كعادة الخمر، وقال الأزهريّ: معناه: إن لأهله عادةً في أكله، كعادة شارب الخمر في ملازمته، وكما أن من اعتاد الخمر لا يكاد يصبر عنها، كذا من اعتاد اللحم. انتهى . (نَقَصَ) يَحْتَمِل أن يكون مبنيًّا للفاعل، و«قيراطان» فاعله، وأن يكون مبنيًّا للمفعول، و«قيراطان» نائب فاعله، بناء على أنه جاء لازمًا، ومتعدّيًا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: نَقَصَ نَقْصًا، من باب قَتَلَ، ونُقصانًا، وانتَقَصَ: ذهب منه شيءٌ بعد تمامه، ونقصته يتعدّى، ولا يتعدَّى، هذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدَّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصتُ زيدًا حقَّه، وانتقصته مثله، ودرهمٌ ناقصٌ غير تامّ الوزن. انتهى . (مِنْ عَمَلِهِ) قال النوويّ - ﵀ -،: معناه: من أجر عمله (كل يَوْم) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ «نَقَصَ»، وقوله: (قِيرَاطَانِ«) مرفوع على الفاعليَّة، كما مرّ آنفًا، قال النوويّ - ﵀ - القيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء من أجزاء عمله. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: اختُلف في معنى قوله:«نقص من عمله كلّ يوم قيراطان»، وأقرب ما قيل في ذلك قولان: [أحدهما]: أن جميع ما عَمِله من عَمَل ينقُص لمن اتّخذ ما نُهي عنه من الكلاب بإزاء كلّ يوم يُمسكه فيه جزءان من أجزاء ذلك العمل، وقيل: من عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه، وذلك لترويع الكلب للمسلمين، وتشويشه عليهم بنُباحه، ومنع الملائكة من دخول البيت، ولنجاسته على ما يراه الشافعيّ. [الثاني]: أن يُحبط من عمله كلّه عملان، أو من عَمَل يوم إمساكه على ما تقدّم، عقوبةً له على ما اقتحم من النهي. قال: والقيراط: مَثَلٌ لمقدارٍ اللهُ أعلم به، وإن كان قد جرى العرف في بلاد يُعرف فيها القيراط، فإنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا، ولم يكن هذا اللفظ غالبًا عند العرب، ولذلك قال - ﷺ -: «تُفتح عليكم أرض يُذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها، فاستوصوا بها خيرًا»، رواه مسلم، يعني بذلك مصر. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٤٠١٦ و٤٠١٧ و٤٠١٨ و٤٠١٩ و٤٠٢٠ و٤٠٢١ و٤٠٢٢] (١٥٧٤)، و(البخاريّ) في «الذبائح والصيد» (٥٤٨٠ و٥٤٨١ و٥٤٨٢)، و(الترمذي) في «الأحكام» (١٤٨٧)، و(النسائيّ) في «الصيد والذبائح» (٧/ ١٨٦ و١٨٨) و«الكبرى» (٣/ ١٤٩)، و(مالك) في «الموطإ» (١٨٠٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٤١)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١٠/ ٤٣٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٢٦٤ و٧/ ٢٩٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٢٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤ و٨ و٣٧ و٤٧ و٥٥ و٦٠ و٧١ و١٠١ و١١٣ و١٤٧ و١٥٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٤٠٠٤)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ١٥١) و«الكبير» (١٢/ ٣٠٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٢٩١ و٣٣١ و٤٠٠ و٤٠١٣ و١٠/ ٢٠٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٥٩ و٣٦٣ و٣٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٨٠٩) و«الصغرى» (٥/ ٢٠٩) و«المعرفة» (٤/ ٣٩٤ و٣٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان شؤم اقتناء الكلب غير المأذون. ٢ - (ومنها): جواز اتخاذ الكلب لحفظ الماشية، وللصيد. ٣ - (ومنها): أن من اتّخذ كلبًا، لم يأذن به الشارع، مما سبق آنفًا، فقد جنى على نفسه، حيث يذهب عليه كلّ يوم قيراطان من عمله الصالح، فما أعظمه من خسارة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. ٤ - (ومنها): أن الْأصَحّ عَن الشافِعِيَّة إِبَاحَة اتِّخَاذ الْكِلَاب؛ لِحِفْظِ الدَّرْب، إِلْحَاقًا لِلْمَنْصُوصِ بِمَا فِي مَعْنَاهُ، كَمَا أشَارَ إِلَيْهِ ابْن عَبْد الْبَرّ. ٥ - (ومنها): أنهم اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُون فِي اتِّخَاذه، مَا لَمْ يَحْصُل الاتِّفَاق عَلَى قَتْله، وَهُوَ الْكَلْب الْعَقُور، وَأَمَّا غَيْر الْعَقُور، فَقَدْ اخْتُلِفَ هَلْ يَجُوز قَتْله مُطْلَقًا، أَمْ لَا؟ ٦ - (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَرْبِيَة الْجَرْو الصَّغِير؛ لِأَجْلِ الْمَنْفَعَة الَّتِي يَئُولُ أَمْره إِلَيْهَا إِذَا كَبِرَ، وَيَكُون الْقَصْد لِذَلِكَ قَائِمًا مَقَام وُجُود الْمَنْفَعَة بِه، كَمَا يَجُوز بَيْع مَا لَمْ يُنْتَفَع بِهِ فِي الْحَال؛ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِع بِهِ فِي الْمَآل. ٧ - (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة الْكَلْب الْجَائِز اتِّخَاذه؛ لِأَنَّ فِي مُلَابَسَته مَعَ الاحْتِرَاز عَنهُ، مَشَقَّة شَدِيدَة، فَالْإذْن فِي اتِّخَاذه، إِذْن فِي مُكَمِّلَات مَقْصُوده، كَمَا أنَّ الْمَنْع مِنْ لَوَازِمه، مُنَاسِب لِلْمَنْعِ مِنْهُ. قال الحافظ - ﵀ -: وَهُوَ اسْتِدْلَال قَوِيّ، لَا يُعَارِضهُ إِلَّا عُمُوم الْخَبَر الْوَارِد فِي الْأمْر مِنْ غَسْل مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْب، مِنْ غَيْر تَفْصِيل، وَتَخْصِيص الْعُمُوم غَيْر مُسْتَنْكَر، إِذَا سَوَّغَهُ الدَّلِيل. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بطهارة الكلب هو الحقّ، ولا يلزم منه التعارض مع الأمر بغسل ولوغه؛ لأن ذلك لدليل خاصّ به، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن فِيه الْحَثَّ عَلَى تَكْثِير الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَالتَّحْذِيرَ مِنَ الْعَمَل بمَا يَنْقُصهَا، وَالتَّنْبيه عَلَى أَسْبَاب الزِّيَادَة فِيهَا، وَالنَّقْص مِنْهَا؛ لِتُجْتَنَب، أَوْ تُرْتَكَب. ٩ - (ومنها): أن فيه بَيَانَ لُطْف الله تَعَالَى بِخَلْقِه، فِي إِبَاحَة مَا لَهُمْ بِهِ نَفْع. ١٠ - (ومنها): أنه - ﷺ - بيّن لأمته كلّ ما يحتاجون إليه، من أُمُور مَعَاشهمْ، وَمَعَادهمْ. ١١ - (ومنها): أن فِيهِ تَرْجِيحَ الْمَصْلَحَة الرَّاجِحَة عَلَى الْمَفْسَدَة؛ لِوُقُوعِ اسْتِثْنَاء مَا يُنْتَفَع بِه، مِمَّا حَرُمَ اتِّخَاذه. ١٢ - (منها): ما قَالَ الحافظ ابْن عَبْد الْبَرّ - ﵀ -: فِي هَذَا الْحَدِيث إِبَاحَة اتِّخَاذ الْكِلَاب لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَة، وَكَذَلِكَ الزرْع؛ لِأنَّهَا زِيادَة حَافِظ، وَكَرَاهَة اتِّخَاذهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أنَّهُ يَدْخُل فِي مَعْنَى الصَّيْد وَغَيْره، مِمَّا ذُكِرَ اتِّخَاذهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِع، وَدَفْع الْمَضَارّ قِيَاسًا، فَتَمَحَضَّ كَرَاهَة اتِّخَاذهَا لِغَيْرِ حَاجَة؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيع النَّاس، وَامْتِنَاع دُخُول الْمَلَائِكَة لِلْبَيْتِ الَّذِي هُمْ فِيه، قال: وَفي قَوْله: «نَقَصَ مِنْ عَمَله» - أي: مِنْ أَجْر عَمَله - مَا يُشِير إِلَى أَنَّ اتِّخَاذهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ اتِّخَاذه مُحَرَّمًا، امْتَنَعَ اتِّخَاذه عَلَى كُلّ حَال سَوَاء نَقَصَ الْأَجْرَ، أَوْ لَمْ يَنْقُص، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذهَا مَكْرُوه، لَا حَرَام، قَالَ: وَوَجْه الْحَدِيث عِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِي الْمُتَعَبَّد بِهَا فِي الْكِلَاب، مِنْ غَسْل الْإنَاء سَبْعًا، لَا يَكَاد يَقُوم بِهَا الْمُكَلَّف، وَلَا يَتَحَفَّظ مِنْهَا، فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاتِّخَاذِهَا مَا يَنْقُص أَجْره مِنْ ذَلِكَ. ويُرْوَى أَن الْمَنْصُور، سَأَلَ عَمْرو بْن عُبَيْد، عَن سَبَب هَذَا الْحَدِيث، فَلَمْ يَعْرِفهُ، فَقَالَ الْمَنْصُور: لِأَنَّهُ يَنْبَح الضَّيْف، ويُرَوِّع السَّائِل. انتهى. وتعقّبه الحافظ - ﵀ - فقال: مَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَم التَّحْرِيم، وَاسْتَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْعُقُوبَة، تَقَع بِعَدَمِ التَّوْفِيق لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاط، مِمَّا كَان يَعْمَلهُ مِنَ الْخَيْر، لَوْ لَمْ يَتَّخِذ الْكَلْب. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الاتِّخَاذ حَرَامًا، وَالْمُرَاد بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإثْم الْحَاصِل بِاتِّخَاذِه، يُوَازِي قَدْر قِيرَاط، أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْر، فَيَنْقُص مِنْ ثَوَاب عَمَل الْمُتَّخِذ، قَدْر مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنَ الْإثْم بِاتخَاذِه، وَهُوَ قِيرَاط، أَوْ قِيرَاطَان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب: قِيلَ: إن سَبَب النُّقْصَان امْتِنَاع الْمَلَائِكَة مِنْ دُخُول بَيْته، أَوْ مَا يَلْحَق الْمَارِّينَ مِنَ الْأَذَى، أَوْ لِأَنَّ بَعْضهَا شَيَاطِين، أَوْ عُقُوبَة لِمُخَالَفَةِ النَّهْي، أَوْ لِوُلُوغِهَا فِي الْأَوَاني عِنْد غَفْلَة صَاحِبهَا، فَرُبَّمَا يَتَنَجَّس الطَّاهِر مِنْهَا، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَادَة، لَمْ يَقَع مَوْقِع الطَّاهِر. وَقَالَ ابْن التين: الْمُرَاد أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذهُ، لَكَانَ عَمَله كَامِلًا، فَإذَا اقْتَنَاهُ نَقَص مِنْ ذَلِكَ الْعَمَل، وَلَا يَجُوز أَنْ يَنْقُص مِنْ عَمَل مَضَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عَمَله فِي الْكَمَال عَمَل مَنْ لَمْ يَتَّخِذهُ. انتهى. وتعقّبه الحافظ - ﵀ - فقال: وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَم الْجَوَاز مُنَازَع فِيه، فَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي «الْبَحْر» اخْتِلَافًا فِي الْأَجْر، هَلْ يَنْقُص مِنْ الْعَمَل الْمَاضِي، أَوْ الْمُسْتَقْبَل؟ وَفِي مُحَصَّل نُقْصَان الْقِيرَاطَيْن، فَقِيلَ: مِنْ عَمَل النَّهَار قِيرَاط، وَمِنْ عَمَل اللَّيْل آخَر. وَقِيلَ: مِنْ الْفَرْض قِيرَاط، وَمِنْ النَّفْل آخَر، وَفِي سَبَب النُقْصَان، يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في الجمع بين روايتي قيراط، وقيراطين: اخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْن، فِي الْقِيرَاطَيْنِ وَالْقِيرَاط، فَقِيلَ: الْحُكْم للزَّائِد؛ لِكَوْنِهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظهُ الْآخَر، أَوْ أَنَّهُ - ﷺ - أَخْبَرَ أَوَّلًا بِنَقْص قِيرَاط وَاحِد، فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الْأَوَّل، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصِ قِيرَاطَيْن، فِي التَأكِيد فِي التَّنْفِير مِنْ ذَلِكَ، فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الثَّانِي. وَقِيلَ: يَنْزِل عَلَى حَالَيْنِ: فَنُقْصَان الْقِيرَاطَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَة الْأَضْرَار بِاتِّخَاذِهَا، وَنَقْص الْقِيرَاط بِاعْتِبَارِ قِلَّته. وَقِيلَ: يَخْتَصّ نَقْص الْقِيرَاطَيْنِ بِمَنْ اتَّخَذَهَا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة خَاصَّة، وَالْقِيرَاط بِمَا عَدَاهَا. وَقِيلَ: يَلْتَحِق بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ سَائِر الْمُدُن وَالْقُرَى، وَيَخْتَصّ الْقِيرَاط بِأَهْلِ الْبَوَادِي، وَهُوَ يَلْتَفِت إِلَى مَعْنَى كَثْرَة التَأَذِّي وَقِلَّته. وَكَذَا مَنْ قَالَ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي نَوْعَيْنِ مِنَ الْكِلَاب: فَفِيمَا لَابسه آدمِيّ قِيرَاطَان، وَفِيمَا دُونه قِيرَاط. وَجَوَّزَ ابْن عَبْد الْبَرّ أَنْ يَكُون الْقِيرَاط الَّذِي يَنْقُص أَجْر إِحْسَانه إِلَيْهِ؛ لِأَنَهُ مِنْ جُمْلَة ذَوَات الْأَكْبَاد الرَّطْبَة، أَوْ الْحَرَّى، وَلَا يَخْفَى بُعْده، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الاختلاق المذكور في تعيين نوع العمل الذي نقص منه القيراط، أو القيراطان، مما لا فائدة فيه، قال بعض المحقّقين: لا سبيل إلى تعيين هذا بالقياس، فإن مثله يتوقّف على السماع، ولم يوجد، فلسنا بحاجة إلى تعيين ذلك، ومقصود الشارع أن اقتناء الكلب بدون حاجة ينقص من عمل الشخص قيراطين كلّ يوم، فيجب أن يُحذر منه، وليس عندنا ما نتحقّق به قدر القيراطين، ولا تعيين أعمال ينقص منها ذلك القدر، فلا حاجة إلى الخوض في أمثال هذه المباحث، قال: ويُعجبني قول الأُبيّ - ﵀ -: والله أعلم بمراد رسول الله - ﷺ -، وذِكْر القيراط هنا تقدير لمقدار الله أعلم به، والمراد به نقص جزءٍ ما. انتهى ، وهو بحث مهمّ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: اخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا، هَلْ هُمَا كَالْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورينِ فِي الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَة، وَاتِّبَاعهَا؟ فَقِيلَ: بِالتَّسْوِيَةِ. وَقِيلَ: اللَّذَانِ فِي الْجِنَازَة مِنْ بَاب الْفَضْل، وَاللَّذَانِ هُنَا مِنْ بَاب الْعُقُوبَة، وَبَاب الْفَضْل أَوْسَع مِنْ غَيْره، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني هو الأشبه، فتأمله، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال الشيخ وليّ الله الدهلويّ - ﵀ -: السرّ في النهي عن اقتناء الكلب أنه يُشبه الشيطان بجبلّته؛ لأنه ديدنه لعبٌ وغضبٌ، واطّراح في النجاسات، وإيذاء للناس، ويقبل الإلهام من الشياطين، فرأى منهم صدودًا وتهاونًا، ولم يكن سبيل إلى النهي عنه بالكلّيّة؛ لضرورة الزرع، والماشية، والحراسة، والصيد، فعالج ذلك باشتراط أتمّ الطهارات ؛ أي: حيث أوجب غسل ما ولغ فيه بالتراب سبع مرّات. وذكر الدميريّ - ﵀ - في «حياة الحيوان» أن الجيفة أحبّ إلى الكلب من اللحم الغريض، ويأكل العَذِرة، ويرجع في قيئه . وذكر التهانويّ - ﵀ - أن من عيوب الكلب أنه تعوزه الحميّة الجنسيّة، فإنه يعادي أبناء جنسه، وكلما كان في موضع، وجاء كلب فيه آخر طرده، ولم يتحمّله. ثم إن الكلب تتبعه أمراض، وأدواء كثيرة، وفي لُعابه سميّة تضرّ بالإنسان، فالاجتناب عن اقتنائه إلا لحاجة فيه حِكَمٌ كثيرة، ذكر هذه الفوائد صاحب «تكملة فتح الملهم» - ﵀ - ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠١٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة الصغير، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمَير، تقدّم قريبًا. ٣ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيه عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (١٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و«سفيان» هو: ابن عُيينة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠١٨] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، ويَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهْوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كلْبَ ضَارِيةٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولى ابن عمر - ﵄ -، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (إِلَّا كَلْبَ ضَارِيةٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ) قال في «العمدة»: قوله: «ضارية» من ضَرَى الكلبُ بالصيد ضَراوةً؛ أي: تَعَوَّد، وكان حقه أن يقال: «ضَارٍ»، ولكنه أُنِّث للتناسب للفظ «ماشية»، نحو «لا دَرَيتَ، ولا تَلَيْتَ»، وحقه تَلَوْت، وكذلك نحو الغَدَايا، والعَشَايا، وقيل: صفة للجماعة الصائدين أصحابِ الكلاب المعتادة للصيد، فسُمُّوا ضاريةً؛ استعارةً. انتهى . وقال في «الفتح» في «كتاب الذبائح والصيد» عند قول البخاريّ: «باب من اقتنى كلبًا إلخ» ما نصّه: ذكر فيه حديث ابن عمر - ﵄ - في ذلك من ثلاثة طُرُق عنه، ووقع في الرواية الأولى: «ليس بكلب ماشية، أو ضارية»، وفي الثانية: «إلا كلبًا ضاريًا لصيد، أو كلب ماشية»، وفي الثالثة: «إلا كلب ماشية، أو ضاريًا»، فالرواية الثانية تفسر الأولى والثالثة، فالأولى إما للاستعارة على أن «ضاريًا» صفة للجماعة الضارين أصحابِ الكلاب المعتادة، الضارية على الصيد، يقال: ضَرَا على الصيد ضَرَاوَةً؛ أي: تَعَوّد ذلك، واستمرّ عليه، وضَرَا الكلبُ وأضراه صاحبه؛ أي: عَوَّده، وأغراه بالصيد، والجمع ضَوَارِ. وإما للتناسب للفظ «ماشية»، مثل: «لا دريتَ، ولا تليت»، والأصل تلوت، والرواية الثالثة فيها حذف تقديره: أو كلبًا ضاريًا. ووقع في الرواية الثانية في غير رواية أبي ذرّ: «إلا كلبَ ضاري»، بالإضافة، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، أو لفظ «ضاري» صفة للرجل الصائد؛ أي: إلا كلب رجل معتادِ للصيد، وثبوت الياء في الاسم المنقوص مع حذف الألف واللام منه لغة. انتهى . والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠١٩] (…) - (حَدثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ مُحَمّدٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ - عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاط»، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ، أبو عبد الله المدني، مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُويطِب، وقد يُنسب إليه، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و(١٣) (خ م د ت س) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥٤/ ١٩٣٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ) عبد الله هو ابن عمر - ﵄ -، يعني أبا هريرة - ﵁ - يزيد في روايته لهذا الحديث قوله: «أو كلب حرث»، وهذا من ابن عمر - ﵄ - ليس طعنًا، في أبي هريرة - ﵁ -، وإنما هو إخبار بأنه حفظ ما لم يحفظه هو، ودليل ذلك أن ابن عمر - ﵄ - حدّث بها، كما سيأتي للمصنّف بعد حديثين، من طريق أبي الحكم، عن ابن عمر - ﵄ -. ثم إن هذه الزيادة لم ينفرد بها أبو هريرة - ﵁ -، بل رواها معه سفيان بن أبي زُهير الشنئيّ، كما سيأتي لمسلم في هذا الباب، وعبد الله بن مغفّل، كما هو عند الترمذيّ في «جامعه» ، وأحمد في «مسنده» . والحاصل أن زيادة «أو كلب حرث» صحيحة، لا غبار عليها، فتبصّر، ولا تلتفت لما يثيره الملحدون الطاعنون في السنة، من أن الصحابة كان بعضهم يكذّب بعضًا، ويطعن بعضهم في بعض، فإن هذا هم الضلال المبين، والزيغ المستبين، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. والحديث تقدّم البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠٢٠] (…) - (حَدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ ضَارٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ»، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وَكيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب. ٢ - (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بن عبد الرحمن بن صفوان بن أُميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٣. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«إسحاق بن إبراهيم» هو: ابن راهويه. وقوله: (قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أبُو هُرَيْرَةَ إلخ) هذا لا يعارض ما سبق في الرواية التي قبله من أن عبد الله بن عمر - ﵄ - قاله؛ لاحتمال أن يقوله كلّ منهما، فتأمل. والحديث متّفق عليه، إلا قول سالم، وتقدّم البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠٢١] (…) - (حَدَّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا أَهْلِ دَارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ كَلْبَ صَائِدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوَيةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨. ٣ - (عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب العمريّ المدنيّ، ضعيف [٦] (خت م د ت ق) تقدم في «النكاح» ٢٢/ ٣٥٤٢. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم: لعمر بن حمزة، وهو ضعيف؟ [قلت]: إنما أخرج له متابعة، فقد أخرجه في الإسنادين السابقين عن محمد بن أبي حرملة، وحنظلة بن أبي سفيان، كلاهما عن سالم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث سبق البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠٢٢] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْحَكَم، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلا كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقصُ مِنْ أَجْرِهِ كُل يَوْمٍ قِيرَاط»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو الْحَكَمِ) عمران بن الحارث الْبَجَليّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر - ﵃ -. ورَوى عنه قتادة، وسلمة بن كُهيل، وحُصين بن عبد الرحمن. قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: عمران بن الحارث كوفيّ، تابعيّ، ثقة عندهم. أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: ذكر الحافظ في «التهذيب» في ترجمة أبي الحكم هذا، ما نصّه: رَوَى له مسلم حديثًا واحدًا عن ابن عمر - ﵄ - فيمن اتَّخَذ كلبًا، ووقع في روايته «عن أبي الحكم» غير مُسَمًّى، ولا منسوب، وقد جزم النوويّ بأنه عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجليّ، وجزم عبد الغنيّ بن سعيد بأن أبا الحكم الذي رَوَى عن ابن عمر، وعنه قتادة بَجَليّ، وأن الذي روَى عن ابن عباس، وعنه حُصين، وسلمة بن كُهيل سُلَميّ، وهذا مما يُقَوِّي قول النوويّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كونه بجليًّا هو الصواب؛ لأنه هكذا نسبه الإمام أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٧، وكذا البيهقي في «الكبرى» ٦/ ٩، وأما كونه عبد الرحمن بن أبي نُعم، كما ادّعاه النوويّ، فليس بجيّد، بل هو عمران بن الحارث، كما صرّح به البيهقيّ في «سننه» ٦/ ٩، وكذا المزّيّ في «تحفة الأشراف» ٥/ ٢٩٩، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ثم رأيت في هذا كلامًا لولي الدين العراقي - ﵀ -، ونصّه: وأبو الحكم هو عمران بن الحارث السُّلميّ، كما ذكره المزّيّ، وليس له عند مسلم سوى هذا الحديث، وذَكَر النوويّ أنه عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجليّ، والأول أثبتُ. انتهى. والحاصل أن أبا الحكم هذا هو عمران بن الحارث البجليّ، لا عبد الرحمن بن أبي نُعْم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: روايات الإمام أحمد، والبيهقي لهذا الحديث: قال الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» ٢/ ٢٧: (٤٨١٣) - حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا يزيد ؛ أنا همّام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الْحَكَم الْبَجَليّ، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اتخذ كلبًا، غير كلب زرع، أو ضرع، أو صيد، نَقَصَ من عمله كلَّ يوم قيراط»، فقلت لابن عمر - ﵄ -: إن كان في دارٍ، وأنا له كارهٌ؟ قال: هو على ربّ الدار الذي يملكها. انتهى. وقال البيهقيّ - ﵀ - في «السنن الكبرى» ٦/ ٩: وقد رَوَى أبو الحكم
مصادر المؤلف (٢٤)

١. مختصر من«قال: حدّثنا».

٢. «الفتح» ١٢/ ٤٣٣.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٧ - ٥١٨.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٤.

٥. «المفهم» ٤/ ٤٥٠ - ٤٥١.

٦. «شرح النوويّ»١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

٧. «المصباح المنير»٢/ ٦٢١.

٨. «شرح النوويّ» ١٠/ ٢٣٨ - ٢٤١.

٩. «المفهم» ٤/ ٤٥١ - ٤٥٢.

١٠. «الفتح» ٦/ ١١٦ - ١١٧.

١١. «تكملة فتح الملهم» ١/ ٥٤٠.

١٢. «الفتح» ٦/ ١١٧.

١٣. راجع: «حجة الله البالغة» ١/ ١٨٥ مبحث تطهير النجاسات.

١٤. «حياة الحيوان» ٢/ ٢٢٦.

١٥. «تكملة فتح الملهم» ١/ ٥٤١ - ٥٤٢.

١٦. «عمدة القاري» ٢١/ ٩٨.

١٧. «الفتح» ١٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤ «كتاب الذبائح والصيد» رقم (٥٤٨٠).

١٨. وفي نسخة: «حدّثنا إسماعيل، وهو ابن جعفر».

١٩. راجع: «جامع الترمذيّ» ٤/ ٨٠.

٢٠. راجع: «المسند» ٥/ ٥٦.

٢١. اسم أبي سفيان: الأسود، كما قاله في «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٠٥.

٢٢. هكذا وقع نسبته بجليًّا في رواية أحمد في «المسند»، والبيهقيّ في «الكبرى»، والذي وقع في «التهذيبين»، و«التقريب»، و«تحفة الأشراف»: أنه «سُلَميّ»، فليُنظر.

٢٣. هو ولد الإمام راوي «المسند» عنه.

٢٤. هو ابن هارون، كما سيأتي في رواية البيهقيّ.