HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٧٨

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا عبد الأعلى ابن عَبْدِ الْأَعْلَى أَبُو هَمَّامٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عن أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ. وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا. فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ). قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ. فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ). قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عنده منها. في طريق المدينة، فسفكوها.
ج ٣ ص ١٢٠٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٥١٩
مال حرام، لا يحلّ كسبه، ولا أكله، قاله الفيّوميّ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٣٦] (١٥٧٨) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى أَبُو هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ»، قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- : «إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبعْ»، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَسَفَكُوهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى أَبُو هَمَّام) الساميّ، أبو محمد البصريّ، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم للجريريّ، وهو مختلط، كما مرّ آنفًا؟ [قلت]: إنما أخرج له لأن عبد الأعلى ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، وقد ذكرت الذين أخذوا عنه قبل الاختلاط في «عمدة المحتاط» حيث قلت: كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةٌ سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وإِسْمَاعِيلُ سفْيَانُ تَلَا وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا وَابْنُ عَيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُرَيعٍ أَعْلَى و«إسماعيل» هو: ابن عُليّة، و«سفيان» هو: الثوريّ، و«حمّاد» الأول هو: ابن سلمة، والثاني هو: ابن زيد، و«بشر» هو: ابن المفضّل، و«الثقفيّ» بتخفيف الياء؛ للوزن، هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، و«ابن زريع» هو: يزيد. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قَطْعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ مشهور بكنيته [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ) بضمّ حرف المضارعة، وتشديد الراء المكسورة، من التعريض، وهو خلاف التصريح (بِالْخَمْرِ) أي: بتحريمها، قال القرطبيّ ﵀: هذا التعريض، وهذا التوقّع إنما فَهِمه النبيّ -ﷺ- من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، ومن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وذلك أنه لَمّا سمع أن فيهما إثمًا كبيرًا، وأن إثمهما أكبر من نفعهما، وأنه قد منع من الصلاة في حال السُّكْر، ظهر له أن هذا مناسبٌ للمنع منها، فتوقّع ذلك. انتهى . (وَلَعَلَّ اللهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا) يعني تحريمها (فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا) أي: من الخمر (شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ) قال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن الخمر وبيعها كانا مباحين إباحةً متلقاة من الشرع؛ لأن النبيّ -ﷺ- قرّر أصحابه عليها، وليس ذلك من باب البقاء على البراءة الأصلية؛ لأن إقراره دليلُ الجواز والإباحة، كما قررناه في الأصول. وفيه دليلٌ على اغتنام فرصة المصالح المالية إذا عرضت، وعلى صيانة المال، وعلى بذل النصيحة والإشارة بأرجح ما يعلمه من الوجوه المصلحية. انتهى . (قَالَ) أبو سعيد -﵁- (فَمَا) نافية (لَبِثْنَا) بكسر الموحّدة، من باب تَعِبَ؛ أي: لم نمكُث (إِلَّا يَسِيرًا) أي: وقتًا قليلًا (حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-) وفي بعض النسخ: «حتى قال -ﷺ-» («إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ) شرطيّة (أَدْرَكَتْهُ) أي: من بلغته، وهو بصفات المكلَّفين، من العقل، والبلوغ (هَذِهِ الآيَةُ) يعني بالآية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، قاله القرطبيّ ﵀ . (وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ») أي: لا يحلّ له أن يشرب الخمر، ولا أن يبيعها (قَالَ) أبو سعيد: (فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ) يقال: استَقبلتُ الشيءَ: إذا واجهته، فهو مُستَقبَلٌ بفتح الموحّدة، اسم مفعول ، والمعنى أنهم توجّهوا، وذهبوا (بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا) أي: من الخمر (فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَسَفَكُوهَا) أي: أراقوها، وصبّوها، يقال: سَفَكتُ الدمَ، والدمعَ، من باب ضرب، وفي لغة من باب قَتَلَ: أرقته، والفاعل: سافكٌ، وسَفّاكٌ مبالغة . قال القرطبيّ ﵀: وقد فهمت الصحابة -﵃- من نهيه -ﷺ- عن الشرب والبيع أنها لا يُنتفع بها بوجه من الوجوه، ولذلك بادروا إلى إراقتها، وإتلافها، ولو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لنبَّه النبيّ -ﷺ- عليها، كما نبَّه على ما في جلد الميتة من المنفعة؛ لَمّا قال:»هلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به» متّفقٌ عليه، وعلى هذا فلا يجوز تخليلها، ولا أن تعالج بالملح والسَّمك فيصنع منها الْمُرْي، وإلى مَنْع ذلك ذهب الجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وغيرهم، وحُكي جواز تخليلها عن أبي حنيفة، والأوزاعيّ، والليث، وقد دلَّ على فساد هذا ما ذكرناه آنفًا، وما يأتي من نهيه عن اتخاذ الخمر خلًّا، وسيأتي مزيد بيان على هذا. قال القاضي عياض ﵀: وفي هذا أيضًا: منع الانتفاع بها للتداوي، وغير ذلك من العطش عند عدم الماء، ولتجويز لقمة غُصّ بها، وهو قول مالك، والشافعيّ، وغيرهم. وأجاز ذلك أبو حنيفة، وأحمد، وقاله بعض أصحابنا، ورُوي عن الشافعي: جوازه أيضًا إذا خاف التلف، وقاله أبو ثور. قال: وإذا امتنع الانتفاع بها مطلقًا فلا يصحّ تملكها لمسلم، ولا تُقَرّ في يديه، بل تتلف عليه، ويجب ذلك عليه، ويتلفها الوصيّ على اليتيم. وقد ذكر ابن خواز منداد من قدماء أصحابنا العراقيين أنها تُملك، ونَزَع إلى ذلك بأنها يمكن أن يزال بها الغُصص، ويُطفأ بها الحريق، فتملك لذلك، وهذا نقلُ لا يُعرف لمالك، ولا يُلتفت لشيء مما قيل هنالك؛ لأنا لا نسلم جواز ذلك، على ما ذكرناه آنفًا فيمن غص بلقمة. ولو سلّمنا ذلك فلا يُلتفت إليه لِنُدوره، وعدم وقوعه، وإنما ذلك تجويز وهميّ، وتقدير ذهنيّ، فاعتباره وسواسٌ أعرض النبيّ -ﷺ- وأصحابه عنه، ولم يلتفتوا إلى شيء منه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٤٠٣٦] (١٥٧٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٣٢٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم بيع الخمر، وهو مجمع عليه، قال النوويّ: والعلة فيها عند الشافعيّ وموافقيه كونها نجسة، أو ليس فيها منفعة مباحة مقصودة، فيُلْحَق بها جميع النجاسات، كالسرجين ، وذرق الحمام، وغيره، وكذلك يُلحق بها ما ليس فيه منفعة مقصودة، كالسباع التي لا تصلح للاصطياد، والحشرات، والحبة الواحدة من الحنطة، ونحو ذلك، فلا يجوز بيع أي من ذلك، وأما الحديث المشهور في كتب «السنن» عن ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- قال: «إن الله إذا حَرّم على قوم أكل شيء حَرَّم عليهم ثمنه»، فمحمول على ما المقصود منه الأكل، بخلاف ما المقصود منه غير ذلك؛ كالعبد، والبغل، والحمار الأهليّ، فإن أكلها حرام، وبيعها جائز بالاجماع. انتهى. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الأشياء قبل ورود الشرع لا تكليف فيها بتحريم ولا غيره، وفي المسألة خلاف مشهور للأصوليين: الأصح: أنه لا حكم، ولا تكليف قبل ورود الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. والثاني: أن أصلها على التحريم، حتى يرد الشرع بغير ذلك. والثالث: على الإباحة. والرابع: على الوقف، وهذا الخلاف في غير التنفس ونحوه من
مصادر المؤلف (١٠)

١. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٧.

٢. وفي نسخة: «وقال -ﷺ-».

٣. «المفهم» ٤/ ٤٥٥.

٤. المفهم«٤/ ٤٥٥.

٥. »المفهم«٤/ ٤٥٦.

٦. »المصباخ المنير«٢/ ٤٨٨.

٧. »المصباح المنير«١/ ٢٧٩.

٨. يعني المالكيّة.

٩. «المفهم» ٤/ ٤٥٦ - ٤٥٧.

١٠. تقدّم في «كتاب الطهارة» أن الأرجح كون السرجين ونحوه طاهرًا، فتنبّه.