والحديث من أفراد المصنف ﵀، وقد تقدّم بيان مسائله في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٩) - (بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٧٣] (١٥٩٢) - (حَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشتَرِ بِهِ شَعِيرًا، فَذَهَبَ الْغُلَامُ، فَأَخَذَ صَاعًا، وَزِيَادَةَ بَعْضِ صاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ انْطَلِقْ، فَرُدَّهُ، وَلَا تَأخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإنِّي كنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»، قَالَ: وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ، قِيلَ لَهُ: فَإنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارعَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) وله (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) وله (٧٢) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠.
٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩.
٥ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة مولى عمر بن عبيد الله التيميّ المدنىّ، ثقةٌ ثبتٌ يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥١.
٦ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠١.
٧ - (مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن نافع بن نَضْلة بن عوف بن عُبيد بن عُويج بن عَدِيّ بن كعب بن لؤيّ بن غالب القرشيّ، وهو معمر بن أبي معمر، وقيل غير ذلك في نسبه.
أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن عمر بن الخطاب، وعنه سعيد بن المسيِّب، وبُسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن جُبير المصريّ، وعبد الرحمن بن عقبة العدويّ مولاه.
قال ابن عبد البرّ: كان من شيوخ بني عديّ.
وجاء أنه حَلَق رأس رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٥٩٢)، و(١٦٠٥): «من احتكر فهو خاطئ»، وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين، ومسلسلٌ بالتحديث والإخبار، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، وأن صحابيّه -﵁- من المقلّين من الرواية، ليس له في الكتب الستة إلا الحديثان المذكوران في ترجمته، راجع: «تحفة الأشراف» .
شرح الحديث:
(عَنْ مَعْمَرِ) بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) -﵁- (أنَّه أَرْسَلَ غُلَامَهُ)؛ أي: خادمه، قال صاحب «التنبيه»: لا أعرف اسم هذا الغلام. انتهى. (بِصَاعِ قَمْحٍ) بفتح القاف، وسكون الميم، آخره حاء مهملة: هو البرّ (فَقَالَ: بِعْهُ، ثمَّ اشتَرِ بِهِ)؛ أي: بثمنه (شعِيرًا، فَذَهَبَ الْغُلَامُ، فَأَخَذَ
صَاعًا)؛ أي: من الشعير (وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ) أي: بيع صاع القَمْح بصاع الشعير والزيادة (انْطَلِقْ) أي: اذهب (فَرُدَّهُ، وَلَا تَأخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) أي: لا تأخذ الشعير بالقَمح إلا متماثلين في الكيل (فَإنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»، قَالَ) معمر -﵁- (وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ) أي: يوم قول النبيّ -ﷺ-: «الطعام بالطعام …» (الشَّعِيرَ، قِيلَ لَهُ)؛ أي: لمعمر (فَإنَّهُ) أي: الشعير (لَيْسَ بِمِثْلِهِ) أي: مثل الْقَمْح، يعني أنه ليس من جنسه؛ أي: أن القمح والشعير جنسان مختلفان، فلا يحرم فيهما التفاضل؛ لقوله -ﷺ-: «فإذا اختَلَفت الأجناس، فبيعوا كيف شئتم»، فلماذا تريد أن تفسخ هذا البيع؟ (قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارعَ)؛ أي: يشابه، ويشارك، ومعناه أخاف أن يكون في معنى المماثل، فيكون له حكمه في تحريم الربا، واحتجّ مالك بهذا الحديث في كون الحنطة والشعير صنفًا واحدًا، لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، قال النوويّ: ومذهبنا، ومذهب الجمهور أنهما صنفان، يجوز التفاضل بينهما؛ كالحنطة مع الأرز، ودليلنا ما سبق عند قوله -ﷺ-: «فإذا اختَلَفَت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم»، مع ما رواه أبو داود، والنسائيّ في حديث عبادة بن الصامت -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعيرُ أكثرُهما يدًا بيد»، وأما حديث مَعْمَر هذا فلا حجة فيه؛ لأنه لم يصرِّح بأنهما جنس واحد، وإنما خاف من ذلك، فَتَوَرَّع عنه احتياطًا. انتهى .
وقال القرطبيّ ﵀: قد تقدَّم ذكر الخلاف في عدِّ البُرِّ والشعير صنفًا واحدًا بما يغني عن إعادته، لكنا نبيِّن في هذا الحديث أن حديث مَعْمَر لا حجَّة فيه لأصحابنا، وإن كانوا قد أطبقوا على الاحتجاج به، ووجه ذلك أن غايتهم في التمسك به أن يحتجوا بمذهب معمر، وهو قول صحابيّ، وهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال.
قال: إن قول معمر هذا رأي منه، لا رواية، وما استَدَلّ به من قوله -ﷺ-: «الطَّعام بالطَّعام» لا حجَّة له فيه؛ لأنه إن حُمِل على عمومه لزم منه ألا يباع