HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٩٥

حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ. فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال (لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ. وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بصاع. ولا درهم بدرهمين).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص48
ج ٣ ص ١٢١٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٦٨١
يَحْتَجّ بإطلاقه من لم يقل بسدِّ الذرائع، وهو الشافعيّ، وأبو حنيفة، وكافتهم، فأجازوا شراء الْبَرْنيّ مثلًا ممن باع منه الجمع، ومنعه مالك ﵀ على أصله في سدِّ الذرائع، فإن هذه الصورة تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلًا، ويكون الثمن لغوًا، ولا حجَّة لهم في هذا الحديث؛ لأنَّه -ﷺ- لم يَنُصّ على جواز شراء التمر الثاني ممن باع منه التمر الأول، ولا تناولَه ظاهر اللفظ بعموم، بل بإطلاقه، والمطلق يَحْتَمِل التقييد احتمالًا يوجب الاستفسار، فكأنه إلى الإجمال أقرب، وبهذا فرق بين العموم والإطلاق، فإن العموم ظاهر في الاستغراق، والمطلق صالح له، لا ظاهر فيه، وإذا كان كذلك فيتقيد بأدنى دليل، وقد دلَّ على تقييده الدليلُ الذي دلَّ على سدِّ الذرائع، كما بيّنَّاه في الأصول، وقد نصَّ ابن عبَّاس -﵄- على مَنْع مثل هذا، حيث مَنَع فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مُرْجأ؟ وفي هذا الحديث من الفقه: جواز اختيار طيبات الأطعمة دون أدانيها، وجواز الوكالة، وفيه ما يدلُّ على أن البيوع الفاسدة كلَّها تفسخ، وتُرَدُّ إذا لم تَفُتْ. انتهى . والحديث تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٧٨] (١٥٩٥) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «لَا صَاعَي تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَىْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٣ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقون ذُكروا في الباب، و«إسحاق بن منصور» هو: الْكَوْسج، و«يحيى» هو ابن أبي كثير، و«أبو سعيد» هو: الخدريّ -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ) بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول؛ أي: نُعْطَى، وكان هذا العطاء مما كان رسول الله -ﷺ- يَقسمه فيهم مما أفاء الله تعالى عليهم من خيبر، قاله في «الفتح» . (تَمْرَ الْجَمْعِ) بفتح، فسكون (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) أي: في زمنه، ثم فسّر الْجَمْع بقوله: (وَهُوَ الْخِلْطُ) بكسر الخاء المعجمة، وسكون اللام، آخره طاء مهملة: هو المختلط من أنواع شتى، وإنما خُلط لرداءته، وجمعه: أخلاطٌ ، وقوله: (مِنَ التَّمْرِ) بيان للخِلْط (فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ) أي: من الجمع (بِصَاعٍ) أي: من النوع الجيّد، كالْجَنيب، والْبَرْنيّ (فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: (لَا صاعَي تَمْرٍ بِصَاعٍ) بنصب «صاعَى»؛ لأن «لا» هي النافية للجنس، تعمل عمل «إنّ»، فتنصب اسمها إذا كان مضافًا، كهذا، أو شبيهًا بالمضاف، كقولك: لا طالبًا للعلم ممقوت، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» حيث قال: عَمَلَ «إِنَّ» اجْعَلْ لِـ «لا» فِي النَّكِرَهْ … مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ فَانْصِبْ بِهَا مُضَافًا أوْ مُضَارِعَهْ … وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ و«صاعي» أصله «صاعين»، حُذفت نون؛ لإضافته إلى «تمر»، كما قال في «الخلاصة»: نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَـ «طُورِ سِينَا» والمعنى: لا يحلّ لكم أن تبيعوا صاعين من تمر بصاع منه، وإن اختلفا في الْجَودة. ووقع في بعض النسخ: «لا صاعين تمرًا، ولا صاعين حنطةً»، وعليه و«تمرًا»، و«حنطةً» منصوبان على التمييز. (وَلَا صَاعَي حِنْطَةٍ بِصَاعٍ) أي: لا تبيعوا صاعي حنطة، بصاع منها، وقوله: (وَلَا دِرْهَمَ) بالبناء على الفتح من غير تنوين؛ لأنه اسم «لا» غير مضاف، ولا شبيهٌ به، كما أسلفت بحثه آنفًا (بِدِرْهَمَيْنِ«) أي: ولا تبيعوا درهمًا واحدًا بدرهمين، فإنه من الربا الذي توعّد الله ﷿ آكله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]، ولعنه رسول الله -ﷺ- فيما يأتي للمصنّف من حديث جابر -﵁-:»لعن رسول الله -ﷺ- آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء«، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٤٠٧٨] (١٥٩٥)، و(البخاريّ) في«البيوع»(٢٠٨٠)، و(النسائيّ) في«البيوع»(٢٧٢) و«الكبرى»(٤/ ٢٥)، و(ابن ماجه) في«التجارات»(٢٢٥٦)، و(الطّيالسيّ) في«مسنده»(١/ ٢٩١)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٤٩ و٥٠) و«الكبرى»(٤/ ٢٥)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣/ ٣٩٠ و٣٩١)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٥٠٢٤)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(٤/ ٦٨)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٥/ ٢٩١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٧٩] (١٥٩٤) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أبِي نَضْرَةَ، قَالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَم، قَالَ: فَلَا بأسَ بِهِ، فَأَخْبَرْتُ أبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إنِّي سَألْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: أوَ قَالَ ذَلِكَ؟ إنَّا سَنَكْتُبُ إلَيْهِ، فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ، قَالَ: فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِتَمْرٍ، فَأَنكَرَهُ، فَقَالَ: «كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أرْضِنَا؟»، قَالَ: كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا -أَوْ فِي تَمْرِنَا- الْعَامَ بَعْضُ الشَّىْءِ، فَأَخَذْتُ هَذَا، وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: «أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ، لَا تَقْرَبَنَّ هَذَا، إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْء، فَبِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) هو: ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ أبِي نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة العبديّ؛ أنه (قَالَ: سَألتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) -﵄- (عَنِ الصَّرْفِ) أراد بالصرف هنا بيع الذهب بالذهب متفاضلًا (فَقَالَ: أيَدًا بِيَدٍ؟) أي: أتبيعه مقابضةً بلا تأخير البدلين، أو أحدهما؟ (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأسَ بِهِ) وفي الرواية التالية: «سألت ابن عمر، وابن عباس -﵄- عن الصرف، فلم يريا به بأسًا»، قال النوويّ ﵀: معنى ذلك أن ابن عمر وابن عباس -﵄- كانا يعتقدان أنه لا ربا فيما كان يدًا بيد، وأنه يجوز بيع درهم بدرهمين، ودينار بدينارين، وصاع تمر بصاعين من التمر، وكذا الحنطة، وسائر الربويات كانا يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلًا، وأن الربا لا يحرم في شيء من الأشياء، إلا إذا كان نسيئة، وهذا معنى قوله: أنه سألهما عن الصرف، فلم يريا به بأسًا، يعني الصرف متفاضلًا، كدرهم بدرهمين، وكان معتمدهما حديث أسامة بن زيد: «إنما الربا في النسيئة»، ثم رجع ابن عمر، وابن عباس -﵄- عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلًا حين بلغهما حديث أبي سعيد -﵁-، كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحًا، وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدلّ على أن ابن عمر، وابن عباس -﵄- لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه. انتهى . (فَأَخْبَرْتُ أبَا سَعِيدٍ) الخدريّ -﵁- (فَقُلْتُ: إِنِّي سَألتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) -﵄- (عَنِ الصَّرْفِ) أي: بيع الذهب بالذهب متفاضلًا (فَقَالَ: أيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأسَ بِهِ، قَالَ) أبو سعيد -﵁- (أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟) يعني ابن عبَّاس (إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ، فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ) أي: بهذه الفتوى (قَالَ) أبو سعيد: (فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِتَمْرٍ) تقدّم أنه بلال -﵁- (فَأنْكَرَهُ) أي: أنكر -ﷺ- ذلك التمر؛ لكونه ليس من تمرهم (فَقَالَ: «كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا؟»، قَالَ) ذلك الفتى (كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا -أَوْ) للشكّ من الراوي (فِي تَمْرِنَا- الْعَامَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ «كان» أي: وجد في هذا العام في تمرنا (بَعْضُ الشَّىْءِ) أي: من الرداءة (فَأَخَذْتُ هَذَا) التمر الجيّد (وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ) أي: زدت في كيل التمر الرديء؛ ليكون مقابلًا لجودته (فَقَالَ) -ﷺ- («أَضْعَفْتَ) أي: اشتريت بالضعف (أَرْبَيْتَ) أي: عاملت بالربا (لَا تَقْرَبَنَّ) بفتح الراء، وتُضمّ، يقال: قَرِبتُ الأمرَ أقرَبه، من باب تَعِب، وفي لغة من باب نصر قِربانًا بالكسر: إذا فعلته، أو دانيته، ومن الأول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني:»لا تقرَبِ الْحِمَى«، وقوله: (هَذَا) مفعول»تقربنّ«(إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ) أي: أوقعك في الشكّ، قال ابن الأثير ﵀: الريبُ: الشكّ، وقيل: هو الشكّ مع التُّهْمة، يقال: رابني الشيءُ، وأرابني: بمعنى شكَّكني، وقيل: أرابني في كذا؛ أي: شكّكني، وأوهَمنى الريبةَ فيه، فإذا استيقنته قلتَ: رابني بغير ألف. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀:«الرَّيبُ»: الظنّ والشكّ، ورَابَنِي الشيءُ يَرِيبُنِي: إذا جعلك شاكًّا، قال أبو زيد: رَابَنِي من فلان أمرٌ يَرِيبُنِي ريبًا: إذا استيقنتَ منه الرَّيبَةَ، فإذا أسأت به الظنّ، ولم تستيقن منه الرِّيبَةَ قلتَ: أَرَابَني منه أمرٌ هو فيه إِرَابَةً، وأَرَابَ فلان إِرَابَةً، فهو مُرِيبٌ: إذا بلغك عنه شيءٌ، أو توهمته، وفي لغة هذيل: أَرَابَنِي بالألف، فَرِبْتُ أنا، وارْتَبْتُ: إذا شككتَ، فأنا مُرْتَابٌ، وزيد مُرْتَابٌ منه، والصلة فارقة بين الفاعل والمفعول، والاسم: الرِّيبَةُ، وجمعها: رِيَبُ، مثل سِدْرَةٍ وسِدَرٍ. انتهى . (فَبِعْهُ) أي: بع التمر الذي رابك منه شيء (ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ») أي: اشتر بثمن التمر الذي بعته التمر الذي تريد شراءه، وهو الجيّد، فقوله:«الذي»مفعول«اشتر»، و«من التمر»بيان للموصول، والمراد: التمر الجيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٤٠٧٩ و٤٠٨٠] (١٥٩٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ١٠ و٦٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣/ ٣٣٨٩ و٣٩٥)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٢/ ٥١٨)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(٤/ ٦٨ و١٠٦ و١١٩)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٥/ ٢٨١ و٢٨٦) و«الصغرى»(٥/ ٣٧) و«المعرفة»(٤/ ٣٠٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٨٠] (…) - (حَدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّرْفِ، فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأسًا، فَإنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَسَألْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا، فَأنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ -ﷺ- هَذَا اللَّوْنَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: «أنَّى لَكَ هَذَا؟»، قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ، فَإنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا، وَسِعْرَ هَذَا كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَيْلَكَ أَرْبَيْتَ إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ، فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بسِلْعَتِكَ، أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا، أَمِ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟ قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ، فَنَهَانِي، وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ -قَالَ- فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ؛ أنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فكَرِهَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى، تقدّم قريبًا. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. و«أبو نضرة»، و«أبو سعيد الخدريّ» ذُكرا قبله. وقوله: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّرْفِ، فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأسًا) قال القرطبيّ ﵀: يعني به صرف الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، سألهما عن التفاضل بينهما، فأفتياه بالجواز أخذًا منهما بظاهر قوله -ﷺ-: «إنما الربا في النسيئة»، فإن هذا اللفظ ظاهره الحصر، فكأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة، وهكذا وقع هذا اللفظ في البخاريّ، وهو مقتضى قوله هنا: «لا ربا فيما كان يدًا بيد»، فينتفي ربا الفضل، وقد قدَّمنا أن هذا الخلاف شاذٌّ، متقدَّم، مرجوع عنه، كما قد نَصّ عليه هنا من رجوع ابن عمر، وابن عبَّاس عنه. انتهى . وقوله: (فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلهِمَا) أي: أنكرت قول أبي سعيد: فهو ربا؛ لأجل فتوى ابن عمر، وابن عبّاس -﵃- بجوازه، وإنما أنكره ظنّا منه أن أبا سعيد قاله برأيه، مثل ما قالا، فبيّن له أبو سعيد -﵁- بأنه إنما قال له مستدلًّا بما سمعه من رسول الله -ﷺ-، لا بما استنبطه بفهمه كما فعلا. وقوله: (صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ) صاحب النخل تقدّم أنه بلالٌ -﵁-، ومعنى كونه صاحب نخله: قيامه بخدمة نخله، وإحضار ما يصلح للأكل منها إليه. وقوله: (وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ -ﷺ- هَذَا اللَّوْنَ) قال القرطبيّ ﵀: يشير به إلى أنه نوع رديء من التمر، وهو الذي سُمّي في الحديث المتقدّم بالجمع. انتهى . وقوله: (أنَّى لَكَ هَذَا؟) أي: من أين لك هذا التمر الجيّد؟ وقوله: (وَيْلَكَ أَرْبَيْتَ) أي: عاملت بالربا. وقوله: (فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا، أَمِ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟) قال القرطبيّ ﵀: هذا استدلال نظريّ ألحق فيه الفرع بالأصل بطريق الأولى والأحق، وهي أقوى طرق القياس، ولذلك وافق على القول به أكثر منكري القياس، وقد بيَّنَّاه في الأصول، وكأنّ أبا سعيد -﵁- إنما عَدَل إلى هذه الطريقة؛ لأنه لم يحضره شيء من نصوص حديث عبادة، وفضالة المتقدِّمة، وهي أحقّ وأولى بالاستدلال بها على ذلك. انتهى . وقوله: (فَأتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ أي: بعدما سمعت من أبي سعيد -﵁- تحريم ربا الفضل. وقوله: (فَنَهَانِي) هذا تصريح بأن ابن عمر -﵄- رجع عن قوله في الصرف، وكونه لا يرى بأسًا في التفاضل فيه. وقوله: (فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ) هو: صُهيب البكريّ البصريّ، ويقال:
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المفهم» ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣.

٢. وفي نسخة: «لا صاعين تمرًا، ولا صاعين حنطةً».

٣. «الفتح» ٤/ ٣١١.

٤. راجع: «القاموس المحيط» ص ٣٨٧.

٥. هذا رقم مكرّر، فليُتنبّه.

٦. «شرح النوويّ»١١/ ٢٣ - ٢٥.

٧. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٤٩٦.

٨. «النهاية»٢/ ٢٨٦.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٧.

١٠. «المفهم» ٤/ ٤٨٤.

١١. «المفهم» ٤/ ٤٨٥ - ٤٨٦.

١٢. «المفهم» ٤/ ٤٨٦.