HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٠٤

حدثنا يحيى بن يحيى وعمرو الناقد (واللفظ ليحيى) (قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا. وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بن عيينة) عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ، السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ. فَقَالَ (مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص55
ج ٣ ص ١٢٢٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٥٣
[٣٣٩] حديث ابن عباس ﵁: (قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُم يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ) ، أجاز الشافعي السَّلَم حالًّا، وقال: السَّلَم بيع من البيوع، والبيوع جائزة حالَّة ومؤجلة، فكذلك السَّلَم ، ومعنى ذكر الأجل في الحديث: إذا جعلاه واتفقا عليه كالبيع. وحديث حكيم بن حزام تأويله: إذا باع الرجل من الرجل ملك غيره، ثم اشتراه له، يدل على هذا ما روى يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق، فقال: (لَا تَبع مَا لَيسَ عِندَكَ) ، ولأن الأجل لو كان شرطا لجواز السَّلَم؛ لما جاز حتى يجتمع فيه الكيل والوزن والأجل، فلما أجيز السَّلَم في الكيل وحده؛ والوزن وحده؛ علم أن الأجل فيه ليس بشرط. ومن باب الاحتكار
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٤٧
التفصيل، كما لو أسلم في ثمر، أو ثياب، ولم يُبيّن نوعها، ولا صفتها المعيّنة. وقولنا: «بعين حاضرة»: تحرّز من الدَّين بالدين. وقولنا: «أو ما هو في حكمها»: تحرّز من اليومين، والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليها، فإنه يجوز عندنا تأخيره ذلك القدر بشرط، وبغير شرط؛ لِقُرب ذلك، ولا يجوز اشتراط زيادة عليها. وقولنا: «إلى أجل معلوم»: تحرّز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهليّة، يُسلمون إليه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقوله: «في»الطعام«: المراد به هنا ما يعمّ البُرّ وغيره، بدليل ما ذكره في الحديث، وإن كان الطعام كثيرًا ما يُطلق على الحنطة، كما سبق بيان ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب. [٤١١١] (١٦٠٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ -وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا. ٣ - (سفيان) بن عيينة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابن أبي نَجِيح) عبد الله بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة، رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت ١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في «الجنائز» ٦/ ٢١٣٤. ٤ - (عبد الله بن كثير) الداريّ المكيّ، أبو مَعبد القارئ، أحد الأئمة، مولى عمرو بن علقمة الكنانيّ، وكان عطارًا بمكة، وأهل مكة يقولون للعطار: داريّ، ويقال: بل هو من ولد الدار بن هانئ رهط تميم الداريّ، وقال أبو نعيم الأصبهاني: هو مولى بني عبد الدار، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن أبي الزبير، ومجاهد، وقرأ عليه القرآن، وأبي المنهال: عبد الرحمن بن مطعم، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وعنه أيوب، وجرير بن حازم، وابن أبي نجيح، وابن جريج، وحماد بن سلمة، وشِبْل بن عباد، وابن خَثيم، وابن عيينة، وجماعة. قال عليّ ابن المدينيّ: كان ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال حماد بن سلمة: رأيت أبا عمرو بن العلاء، يقرأ على عبد الله بن كثير، وقال ابن عيينة: لم يكن بمكة أقرأ منه، ومن حميد بن قيس. وقال جرير بن حازم: كان فصيحًا بالقرآن. وذكر أبو عمرو الداني: أنه أخذ القراءة عن عبد الله بن السائب المخزوميّ، والمعروف أنه إنما أخذها عن مجاهد، وقال ابن المجاهد، عن بشر بن موسى، عن الحميديّ، عن سفيان: رأيت قاسم الرحال في جنازة عبد الله بن كثير، سنة عشرين ومائة. وقال البخاريّ: عبد الله بن كثير المكيّ القرشيّ، سمع مجاهدًا، سمع منه ابن جريج. قال الجيانيّ: وقول البخاريّ: إنه من بني الدار وَهَمٌ، وإنما هو سهميّ، كذا يقوله النسابون، والمحدثون، وقال: والذي ذكر ابن عيينة: أنه رأى قاسم الرحال في جنازته، هو السهميّ، لا القارئ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: عبد الله بن كثير الرازيّ القارئ ثقة، وقال أبو عبيد: إليه صارت قراءة أهل مكة، وبه اقتدى أكثرهم، وصحح ابن البادي أن نسبته إلى دارين، قال: لأنه كان عطارًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط، كرّره مرّتين. [تنبيه]: مدار هذا الحديث -كما قال في «الفتح»- على «عبد الله بن كثير»: وقد اختُلف فيه، فقيل: هو عبد الله بن كثير بن المطّلب بن أبي وداعة السهميّ، وبهذا جزم الكلاباذيّ، وابن طاهر، والدمياطيّ. وقيل: هو عبد الله بن كثير القارئ المشهور، وبهذا جزم القابسيّ، وعبد الغنيّ، والمزّيّ، قال الحافظ: وهو أرجح، فإنه مقتضى صنيع البخاريّ في «تاريخه»، وكلاهما ثقتان. انتهى . ٥ - (أبو المنهال) عبد الرحمن بن مُطعم البُنَانيّ البصريّ، نزيل مكة، تقدّم قريبًا. ٦ - (ابن عباس) البحر الحبر -﵄-، تقدّم أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين، غير شيخيه. ٤ - (ومنها): أن فيه عبدَ الله بن كثير أحد القرّاء السبعة، الذي قال عنه الشاطبيّ في «حرز الأماني»: وَمَكَّةُ عَبْدُ اللهِ فِيهَا مُقَامُهُ … هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ كَاثِرُ الْقَوْمِ مُعْتَلَى وفيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، حبر الأمة، وبحرها، وأحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) عبد الرحمن بن مطعم، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال المهملة، من باب تعب (النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ) بضمّ أوله، من الإسلاف، أو التسليف، يقال: أسلف إسلافًا، وسلّف تسليفًا، والاسم السّلَف، وهو على وجهين: [أحدهما]: قرض، لا منفعة للمقرض غير الأجر، والشكر. [والثاني]: أن يُعطي مالًا في سلعة إلى أجل معلوم. قاله السنديّ ، والمراد هنا الثاني. (فِي الثِّمَارِ) بكسر الثاء المثلّثة، وتخفيف الميم، وفي رواية للبخاريّ: «في الثمر» بالثاء المثلّثة أيضًا، وهو مفرد الأول، قال الفيّوميّ ﵀: الثَّمَرُ -بفتحتين- والثَّمَرَةُ مثله، فالأول مذكَّر، ويُجْمَع على ثِمَارٍ، مثلُ جَبَلٍ وجِبَال، ثم يجمع الثِّمَارُ على ثُمُرٍ، مثلُ كتاب وكُتُب، ثم يُجمع على أَثْمَارٍ، مثل عُنُق وأعناق، والثاني مؤنَّث، والجمع ثَمَرَاتٍ، مثل قَصَبة وقَصَبات، والثَّمَرُ: هو الْحَمْلُ الذي تُخرجه الشجرة، سواءٌ أُكِل أو لا، فيقال: ثَمَرُ الأراك، وثَمَرُ الْعَوْسَج، وثَمَرُ الدَّوْمِ، وهو الْمُقْلُ، كما يقال: ثَمَرُ النخل، وثَمَرُ العنب، قال الأزهريّ: وأَثْمَرَ الشجرُ: أطلع ثمره أوّلَ ما يُخرجه، فهو مُثْمِرٌ، ومن هنا قيل لما لا نفع فيه: ليس له ثَمَرَةٌ. انتهى . (السَّنَةَ وَالسَّنتيْنِ) بالنصب على الظرفيّة متعلّق بـ «يُسلفون»، وقال السنديّ: منصوب إما على نزع الخافض؛ أي: إلى السنة والسنتين، أو على المصدر؛ أي: إسلاف السنة والسنتين. انتهى . (فَقَالَ) -ﷺ-: («مَنْ أَسْلَفَ) بالهمز، وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عُليّة، عن ابن أبي نَجيح:»من سلّف«بتشديد اللام، وهو بمعناه، كما سبق (فِي تَمْرٍ) بفتح التاء المثنّاة فوقُ، وسكون الميم، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر الأصول»تَمْر«بالمثنّاة، وفي بعضها»ثَمَر«بالمثلّثة، وهو أعمّ. انتهى . وفي رواية البخاريّ:«من أسلف في شيء». وقال القرطبيّ ﵀: إنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية؛ لأنه غالب ما يُسلَم فيه عندهم. انتهى . (فَلْيُسْلِفْ) بضم حرف المضارعة، من الإسلاف، أو التسليف (فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) هكذا الرواية بالواو، وهي هنا بمعنى«أو»؛ لأن المراد اعتبار الكيل فيما يُكال، والوزن فيما يوزن. وقال النوويّ ﵀: قوله:«ووزن معلوم»هكذا في جميع النسخ:«ووزن معلوم»بالواو، لا بـ«أو»، ومعناه: إن أسلم كيلًا، أو وزنًا، فليكن معلومًا، وفيه دليلٌ لجواز السلم في المكيل وزنًا، وهو جائز بلا خلاف، وفي جواز السلم في الموزون كيلًا وجهان لأصحابنا، أصحّهما جوازه؛ كعكسه. انتهى . وقال السنديّ ﵀: قوله:«ووزن معلوم»بالواو في الأصول، فقيل: الواو للتقسيم؛ أي: بمعنى«أو»؛ أي: كيلٌ فيما يكال، ووزنٌ فيما يوزن. وقيل: بتقدير شرط؛ أي: في كيل معلوم، إن كان كيليًّا، ووزن معلوم، إن كان وزنيًّا، أو مَن أسلف في مكيل، فليُسلف في كيل معلوم، ومن أسلف في موزون، فليُسلف في وزن معلوم. انتهى . (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»)؛ أي: وقتٍ محدّد، احترز به عن الأجل المجهول الذي كانوا فيَ الجاهليّة يسلفون إليه، قيل: ظاهره اشتراط الأجل في السلم، وبه يقول الجمهور، وهو الصحيح، وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٤٦/ ٤١١١ و٤١١٢ و٤١١٣ و٤١١٤] (١٦٠٤)، و(البخاريّ) في «السلم» (٢٢٣٩ و٢٢٤٠ و٢٢٤١ و٢٢٥٣)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٦٣)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٣١١)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٩٠) و«الكبرى» (٤/ ٤٠)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢٨٠)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٦١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٤٠٥٩ و١٤٠٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٥٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٥١٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٧ و٢٢٢ و٢٨٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٤٧٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٩٢٥) و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٦١٤ و٦١٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١١٢٦٣ و١١٢٦٤ و١١٢٦٥)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٣، ٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤١١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٨ و١٩ و٢٤) و«المعرفة» (٤/ ٤٠٣ و٤١٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤/ ٢٩٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢١٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة السلم في التمر، وجميع الثمار. ٢ - (ومنها): اشتراط تعيين الكيل فيما يُسْلَم فيه من المكيل، من أجل اختلاف المكاييل، إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد، فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق، قال في «الفتح»: واتّفقوا على اشتراط الكيل فيما يُسلم فيه من المكيل، كصاع الحجاز، وقفيز العراق، وإِرْدَبّ مصر، بل مكاييل هذه البلاد في نفسها مختلفة، فإذا أطلق صُرف إلى الأغلب. انتهى . ٣ - (ومنها): أن ما يوزن لا يُسلم فيه مكيلًا، وبالعكس، قال في «الفتح»: وهو أحد الوجهين، والأصحّ عند الشافعيّة الجواز، وحمله إمام الحرمين على ما يُعدّ الكيل في مثله ضابطًا. انتهى. ٤ - (ومنها): أنه يؤخذ من رواية «من أسلف في شيء» جواز السلم في كلّ شيء، من الحيوان، وغيره من العُروض، مما تجتمع شروط السلم فيه، وهو مذهب الجمهور، من الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتيا، وقد منع السلم، والقرض في الحيوان: الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، ورُوي عن ابن عمر، وابن مسعود -﵃-، قال القرطبيّ: والكتاب، والسُّنَّة حجة عليهم، فمن الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ومن السُّنَّة: «أنه -ﷺ- استسلف من رجل بكرًا» الحديث. رواه مسلم، وقد تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على اشتراط كون الْمُسْلَم فيه معلوم المقدار، قال القرطبيّ ﵀: وكذلك لا بُدَّ أن يكون معلوم الصفة المقصودة المعيَّنة؛ ليرتفع الغرر والجهالة، وهو مجمع عليه، وإنما لم يذكر اشتراطها في هذا الحديث؛ لأنهم كانوا يشترطونها ويعملون عليها، فاستغني عن ذكرها، واعتني بذكر ما كانوا يُخِلُّون به من المقدار والأجل، وأما رأس مال السَّلم: فقد اشترط فيه أبو حنيفة أن يكون معلوم الكيل، أو الوزن، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز السَّلم بما كان معينًا، ولو لم يعلم كيله، ولا وزنه، وبه قال الشافعيّ في أحد قوليه، ولم يَرِدْ عن مالك فيه نصٌّ، لكن يتخرج من مسألة جواز بيع الجِزاف فيما يجوز فيه جواز السَّلم بالمعين جزافًا، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن التقدير في الجزاف كالتحقيق، فيستوي في جواز ذلك رأس مال السَّلم وغيره. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . ٦ - (ومنها): أن فيه دليلًا على اشتراط الأجل في السَّلم، قال القرطبيّ: وهو قول أبي حنيفة، والمشهور من قول مالك، غير أن أبا حنيفة لم يُفرق بين قريب الأجل وبعيده، وأما أصحابنا -يعني: المالكيّة- فقالوا: لا بدَّ من أجل تتغير فيه الأسواق، وأقله عند ابن القاسم خمسة عشر يومًا، وقال غيره: ثلاثة أيام، ولم يَحُدَّها ابن عبد الحكم في روايته عن مالك، بل قال: أيامًا يسيرة، وهذا في البلد الواحد. وأما في البلدين فيغني ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعيّن وقت الخروج. وقال الشافعيّ: يجوز السَّلم الحالّ، وهذا الحديث حجة عليه، ولا سيما على رواية من رواه: «من أسلم فلا يسلم إلا في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»، وكذلك الحديث الذي قال فيه: «نَهَى رسول الله -ﷺ- عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السَّلم»؛ لأن السَّلم لمّا كان بيعَ معلومٍ في الذمة كان بيعَ غائبٍ، فإن لم يكن فيه أجل كان هو البيع المنهيّ عنه، وإنما استثنى الشرع السَّلم من بيع ما ليس عندك؛ لأنه بيع تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج أن يشتري الثمر، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبَّانها لينفقه عليها، فظهر أن صفقة السَّلم من المصالح الحاجيَّة، وقد سَمَّاها الفقهاء بيع المحاويج، فإن جاز حالًّا بطلت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة، والله أعلم. وأما رأس مال السَّلم فيجوز أن يتأخر عندنا ثلاثة أيام بشرط وبغير شرط، ولا يجوز تأخيره زيادة عليها بالشرط، وإن وقع كذلك بطل؛ لأنه ظهر مع الزيادة عليها مقصود الدَّين بالدَّين، فلا يجوز بخلاف ما قبلها؛ إذ لا يتبيَّن فيه المقصد إلى ذلك؛ إذ يكون تأخير اليومين والثلاثة ليهيِّئ الثمن، ويحتال في تحصيله، ولم يجز الكوفيون، ولا الشافعيّ تأخيره عن العقد والافتراق، ورأوا أنه كالصَّرف، وهذا القياس غير مسلَّم لهم؛ لأن البابين مختلفان بأخص أوصافهما، فإن الصَّرف بابه ضيق، كثرت فيه التعبُّدات والشروط بخلاف السَّلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر، وأيضًا فإنه على نقيضه، ألا ترى: أن مقصود الشرع في الصَّرف المناجزة، والمقصود في السَّلم التوسيع بالتأخير؛ فكيف تُحمل فروع أحدهما على الآخر مع وجود هذه الفوارق؟. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . [تنبيه]: ذكر العلماء لصحة السلم ستة شروط؛ استنباطًا من حديث الباب، وغيره، فمنها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، وسأورد هذه الشروط مع بيان بعض ما يتفرّع منها من المسائل، ملخّصًا من كلام الإمام العلامة موفّق الدين أبي محمد ابن قُدامة ﵀، في كتابه المفيد «المغني»، وأرتّبها في مسائل متممة للمسائل الماضية فأقول: (المسألة الرابعة): في الكلام على الشرط الأول: قال ابن قُدامة ﵀ ما حاصله: الشرط الأول أن يكون المُسْلَم فيه، مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا، فيصح في الحبوب، والثمار، والدقيق، والثياب، والإبريسم، والقطن، والكتان، والصوف، والشعر، والكاغد، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والأدوية، والطيب، والخلول، والأدهان، والشحوم، والألبان، والزئبق، والشَّبّ، والكبريت، والكحل، وكل مكيل، أو موزون، أو مذروع، وقد جاء الحديث في الثمار، وحديث ابن أبي أوفى -﵁- في الحنطة، والشعير، والزبيب، والزيت، وأجمع أهل العلم على أن السلم في الطعام جائز، قاله ابن المنذر، وأجمعوا على جواز السلم في الثياب. ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة، كالجوهر، من اللؤلؤ، والياقوت، والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، والبِلَّوْر؛ لأن أثمانها تختلف اختلافا متباينًا بالصغر، والكبر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، وصفائها، ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور ونحوه؛ لأن ذلك يختلف، ولا بشيء معين؛ لأن ذلك يَتْلَف، وهذا قول الشافعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن مالك صحة السلم فيها، إذا اشترط منها شيئًا معلومًا، وإن كان وزنًا فبوزن معروف، والذي قلناه أولى؛ لِمَا ذكرنا. ولا يصح فيما يَجمع أخلاطًا مقصودة، غير متميزة، كالغالية، والنَّدّ، والمعاجين، التي يتداوى بها؛ للجهل بها، ولا في الحوامل من الحيوان؛ لأن الولد مجهول، غير متحقَّق، ولا في الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط؛ لأن الصفة لا تأتي عليه. وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيه، إذا ضُبط بارتفاع حائطه، ودور أعلاه وأسفله؛ لأن التفاوت في ذلك يسير، ولا يصح في القَسِيّ المشتملة على الخشب، والقرن، والعصب، والتُّوز؛ إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك، وتمييز ما فيه منها، وقيل: يجوز السلم فيها، والأولى ما ذكرنا. قال القاضي: والذي يجمع أخلاطًا على أربعة أضرب: [أحدها]: مختلط مقصود متميز؛ كالثياب المنسوجة من قطن وكتان، أو قطن وإبريسم، فيصح السلم فيها؛ لأن ضبطها ممكن. [الثاني]: ما خلطه لمصلحته، وليس بمقصود في نفسه؛ كالإنفحة في الجبن، والملح في العجين والخبز، والماء في خل التمر والزبيب، فيصح السلم فيه؛ لأنه يسير لمصلحته. [الثالث]: أخلاط مقصودة غير متميزة؛ كالغالية والنَدّ، والمعاجين، فلا يصح السلم فيها؛ لأن الصفة لا تأتي عليها. [الرابع]: ما خلطه غير مقصود، ولا مصلحة فيه؛ كاللبن المشوب بالماء، فلا يصح السلم فيه. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): مما يتفرعّ على الشرط المذكور مما اختَلَف فيه أهل العلم السلم في الحيوان: قال ابن قُدامة ﵀: واختلفت الرواية -أي: عن أحمد- في السلم في الحيوان، فرُوي: لا يصح السلم فيه، وهو قول الثوريّ، وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وحذيفة، وسعيد بن جبير، والشعبيّ، والجوزجانيّ؛ لما رُوي عن عمر بن الخطاب -﵁-، أنه قال: إن من الربا أبوابًا، لا تخفى، وإن منها السلمَ في السنّ، ولأن الحيوان يختلف اختلافًا متباينًا، فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى صفاته التي يختلف بها الثمن، مثل: أزجّ الحاجبين، أكحل العينين، أقنى الأنف، أشم العِرْنين، أهدب الأشفار، أَلْمَى الشفة، بديع الصفة، تعذّر تسليمه؛ لندرة وجوده على تلك الصفة، وظاهر المذهب صحة السلم فيه، نَصّ عليه في رواية الأثرم. قال ابن المنذر: وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوان: ابنُ مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيِّب، والحسن، والشعبيّ، ومجاهد، والزهريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وحكاه الجوزجانيّ عن عطاء، والحكم؛ لأن أبا رافع -﵁-، قال: «استَسْلَف النبيّ -ﷺ- من رجل بكرًا»، رواه مسلم، ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «أمرني رسول الله -ﷺ-، أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة، إلى مجيء الصدقة»، ولأنه ثبت في الذمة صداقًا، فثبت في السلم، كالثياب، فأما حديث عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف، ثم هو محمول على أنهم يشترطون من ضراب فحل بني فلان، قال الشعبيّ: إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان؛ لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم. رواه سعيد، وقد رُوي عن علي -﵁- أنه باع جملا له يُدعى عُصيفيرًا بعشرين بَعيرًا إلى أجل، ولو ثبت قول عمر، في تحريم السلم في الحيوان، فقد عارضه قول من سمينا ممن وافقنا. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو بحث مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): مما اختلفوا فيه أيضًا: السلم في غير الحيوان مما لا يكال، ولا يوزن: قال ابن قُدامة ﵀: واختلفت الرواية -أي: عن أحمد- في غير الحيوان، مما لا يكال، ولا يوزن، ولا يذرع، فنقل إسحاق بن إبراهيم، عن أحمد؛ أنه قال: لا أرى السلم إلا فيما يكال، أو يوزن، أو يوقف عليه، قال أبو الخطاب: معناه: يوقف عليه بحدّ معلوم، لا يختلف كالذرع، فأما الرمان، والبيض، فلا أرى السلم فيه، وحَكَى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق: أنه لا خير في السلم في الرمان، والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والخيار؛ لأنه لا يكال، ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير، فعلى هذه الرواية لا يصح السلم في كل معدود مختلف، كالذي سميناه، وكالبقول؛ لأنه يختلف، ولا يمكن تقدير البقل بالحزم؛ لأن الحزم يمكن في الصغير والكبير، فلم يصح السلم فيه كالجواهر، ونقل إسماعيل بن سعيد، وابن منصور: جواز السلم في الفواكه، والسفرجل، والرمان، والموز، والخضروات ونحوها؛ لأن كثيرًا من ذلك، مما يتقارب، وينضبط بالصغر والكبر، وما لا يتقارب ينضبط بالوزن، كالبقول ونحوها، فصح السلم فيه، كالمذروع، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعيّ، والأوزاعيّ، وحَكَى ابن المنذر عن الشافعيّ المنع من السلم في البيض، والجوز، ولعل هذا قول آخر، فيكون له في ذلك قولان. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني عندي أرجح؛ لإمكان ضبطها بما ذُكر، ضبطًا تقريبيًّا، وهو كاف في مثل هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في الكلام على الشرط الثاني: وهو أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرًا، فإن السلم فيه عوض في الذمة، فلا بد من كونه معلومًا بالوصف، كالثمن، ولأن العلم شرط في المبيع، وطريقه إما الرؤية، وإما الوصف، والرؤية ممتنعة ههنا، فتعيَّن الوصف، والأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها، ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف: الجنس، والنوع، والجودة والرداءة، فهذه لا بدّ منها في كل مُسْلَم فيه، ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في اشتراطها، وبه يقول أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ. الضرب الثاني: ما يختلف الثمن باختلافه، مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف، وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه، وذِكْرها شرط في السلم عند أحمد، والشافعيّ، وقال أبو حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة؛ لأنها تشتمل على ما وراءها من الصفات. ولنا أنه يبقى من الأوصاف من اللون، والبلد، ونحوهما ما يختلف الثمن، والغرض لأجله، فوجب ذِكْره كالنوع، ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأن ذلك يتعذر، وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المُسْلَم فيه، إذ يبعد وجود المُسْلَم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة، التي يختلف الثمن بها ظاهرًا، ولو استقصى الصفات حتى انتهى إلى حال يندر وجود المُسْلَم فيه بتلك الأوصاف، بطل السلم؛ لأن من شرط السلم أن يكون المُسْلَم فيه عامَّ الوجود عند المحل، واستقصاء الصفات يمنع منه. انتهى ، وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في الكلام على الشرط الثالث: وهو معرفة مقدار المُسْلَم فيه بالكيل، إن كان مكيلًا، وبالوزن إن كان موزونًا، وبالعدد إن كان معدودًا، لقول النبيّ -ﷺ-: «من أسلم في شيء، فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم»، متّفقٌ عليه، ولأنه عوض غير مشاهَد يثبت في الذمة، فاشتُرط معرفة قدره، كالثمن، قال الموفّق: ولا نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافًا، ويجب أن يقدّره بمكيال، أو أرطال معلومة عند العامة، فإن قدّره بإناء معيّن، أو صنجة معينة، غير معلومة لم يصح؛ لأنه يهلك، فيتعذر معرفة قدر المُسْلَم فيه، وهذا غرر، لا يحتاج إليه العقد. قال ابن المنذر: أجمع كل من نَحْفَظ عنه من أهل العلم، على أن المُسْلَم في الطعام، لا يجوز بقفيز لا يُعلم عياره، ولا في ثوب بذرع فلان؛ لأن المعيار لو تَلِف، أو مات فلان بطل السلم، منهم: الثوريّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وإن عيَّن مكيال رجل، أو ميزانه، وكانا معروفين عند العامة جاز، ولم يختصّ بهما، وإن لم يُعْرَفا لم يَجُز. انتهى ، وهو بحث نفيس أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): مما يتفرّع على الشرط الثالث المذكور اختلافهم، فيما إذا أسلم فيما يكال وزنًا، أو فيما يوزن كيلًا، قال ابن قُدامة: نقل الأثرم أنه سأل أحمد، عن السلم في التمر وزنًا؟، فقال: لا إلا كيلًا، قلت: إن الناس ههنا لا يعرفون الكيل، قال: وإن كانوا لا يعرفون الكيل، فيَحْتَمِل هذا أنه لا يجوز في المكيل إلا كيلًا، ولا في الموزون إلا وزنًا، وهكذا ذكره القاضي، وابن أبي موسى؛ لأنه مبيع يُشترط معرفة قَدْره، فلم يَجُز بغير ما هو مقدّر به في الأصل، كبيع الرطوبات بعضها ببعض، ولأنه قدّر المُسْلَم بغير ما هو مقدّر به في الأصل، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزنًا، ونقل المروذيّ عن أحمد: أنه يجوز السلم في اللبن إذا كان كيلًا أو وزنًا، وهذا يدل على إباحة السلم في المكيل وزنًا، وفي الموزون كيلًا؛ لأن اللبن لا يخلو من كونه مكيلًا، أو موزونًا، وقد أجاز السلم فيه بكل واحد منهما، وهذا قول الشافعيّ، وابن المنذر، وقال مالك: ذلك جائز، إذا كان الناس يتبايعون التمر وزنًا، قال ابن قُدامة: وهذا أصح إن شاء الله تعالى؛ لأن الغرض معرفة قَدْره، وخروجه من الجهالة، وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأيِّ قَدْر قَدَّره جاز، ويفارق بيع الربويات، فإن التماثل فيها في المكيل كيلًا، وفي الموزون وزنًا شرط، ولا نعلم هذا الشرط إذا قدّرها بغير مقدارها الأصلي. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه ابن قُدامة: هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجته، كما بيّنه هو في كلامه المذكور آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في الكلام على الشرط الرابع: وهو أن يكون مؤجلًا أجلًا معلومًا، وقد اختلف أهل العلم في ثلاثة مواضع من هذا الشرط: [أحدها]: أنه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلًا، ولا يصح السلم الحالّ، قال أحمد في رواية المرُّوذيّ: لا يصح حتى يشترط الأجل، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعيّ، وقال الشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر: يجوز السلم حالًّا؛ لأنه عقد يصح مؤجلًا، فصح حالًا، كبيوع الأعيان، ولأنه إذا جاز مؤجلًا، فحالًّا أجوز، ومن الغرر أبعد. واحتجّ الأولون بقول النبيّ -ﷺ-: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم»، فأمر بالأجل، وأمْره يقتضي الوجوب، ولأنه أمَر بهذه الأمور؛ تبيينًا لشروط السلم، ومنعًا منه بدونها، وكذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن، فكذلك الأجل، ولأن السلم إنما جاز رخصةً للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه: أما الاسم فلأنه يسمى سَلَمًا وسَلَفًا؛ لتعجّل أحد العوضين، وتأخر الآخر، ومعناه ما ذكرناه في أول الباب، من أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، ومع حضور ما يبيعه حالًّا لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت، ويفارق بيوع الأعيان، فإنها لم تثبت على خلاف الأصل، لمعنى يختص بالتأجيل، وما ذكروه من التنبيه غير صحيح؛ لأن ذلك إنما يجزئ فيما إذا كان المعنى المقتضي موجودًا في الفرع بصفة التأكيد، وليس كذلك ههنا، فإن البعد من الضرر، ليس هو المقتضي لصحة السلم المؤجل، وإنما المصحِّح له شيء آخر، لم نذكر اجتماعهما فيه، وقد بيّنا افتراقهما. إذا ثبت هذا، فإنه إن باعه ما يصح السلم فيه حالًّا في الذمة صح، ومعناه معنى السلم، وإنما افترقا في اللفظ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال هو ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط كونه مؤجّلًا؛ لظاهر قوله -ﷺ-: «إلى أجل معلوم»، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [الموضع الثاني]: مما اختلفوا فيه أيضًا: أنه لا بد من كون الأجل معلومًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقول النبيّ -ﷺ-: «إلى أجل معلوم»، قال ابن قُدامة ﵀: ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافًا، فأما كيفيته، فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصح أن يؤجله بالحصاد، والجذاذ، وما أشبهه، وكذلك قال ابن عباس، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى: أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال مالك، وأبو ثور، وعن ابن عمر: أنه كان يبتاع إلى العطاء، وبه قال ابن أبي ليلى، وقال أحمد: إن كان شيء يُعرف، فأرجو، وكذلك إن قال: إلى قُدُوم الغزاة، وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء؛ لأن ذلك معلوم، فأما نفس العطاء، فهو في نفسه مجهول، يختلف، ويتقدم، ويتأخر، وَيحْتَمِل أنه أراد نفس العطاء؛ لكونه يتفاوت أيضًا، فأشبه الحصاد، واحتَجّ من أجاز ذلك، بأنه أجل يتعلق بوقت من الزمن، يُعرف في العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتًا كثيرًا، فأشبه إذا قال: إلى رأس السنة. واحتجّ الأولون بما رُوي عن ابن عباس -﵄-: أنه قال: «لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم»؛ ولأن ذلك يختلف، ويقرب ويبعد، فلا يجوز أن يكون أجلًا، كقدوم زيد. [فإن قيل]: فقد رُوي عن عائشة -﵂-، أنها قالت: «إن رسول الله -ﷺ-، بَعَث إلى يهوديّ: أن ابعث إليّ بثوبين إلى الميسرة». [قلنا]: قال ابن المنذر: رواه حَرَمِيّ بن عُمارة، قال أحمد: فيه غفلة، وهو صدوق، قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته، إذ لم يُتابَع عليه، ثم لا خلاف في أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور أخرجه النسائيّ في «سننه»، وهو حديث صحيح، كما بيّنته في «شرح النسائيّ» ، فالظاهر أن الحديث يدلّ لمن قال بجواز السلم إلى العطاء، ونحوه، مما يُعْلَم عادة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: إذا جعل الأجل إلى شهر، تعلّق بأوله، وإن جعل الأجل اسمًا يتناول شيئين: كجمادى، وربيع، ويوم النفر، تعلق بأولهما، وإن قال: إلى ثلاثة أشهر: إلى انقضائها؛ لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة، وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها، وكذلك لو قال: إلى شهر كان آخره، وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ الآية [التوبة: ٣٦]، وأراد الهلالية، وإن كان في أثناء شهر، كمّلنا شهرين بالهلال، وشهرًا بالعدد ثلاثين يومًا، وقيل: تكون الثلاثة كلها عددية، قاله الموفّق ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [الأمر الثالث]: في كون الأجل معلومًا بالأهلة، وهو أن يُسلم إلى وقت يُعلم بالهلال، نحو أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره، أو يوم معلوم منه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، ولا خلاف في صحة التأجيل بذلك، ولو أسلم إلى عيد الفطر، أو النحر، أو يوم عرفة، أو عاشوراء، أو نحوها جاز؛ لأنه معلوم بالأهلة، وإن جعل الأجل مقدَّرًا بغير الشهور الهلالية، فذلك قسمان: [أحدهما]: ما يعرفه المسلمون، وهو بينهم مشهور، ككانون، وشباط، أو عيد لا يختلف، كالنيروز، والمهرجان عند من يعرفهما، فظاهر كلام الخرقيّ، وابن أبي موسى، أنه لا يصح؛ لأنه أسلم إلى غير الشهور الهلالية، أشبه إذا أسلم إلى الشعانين، وعيد الفطير؛ لأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين، أشبه ما ذكرنا، وقال القاضي: يصح، وهو قول الأوزاعيّ، والشافعيّ، قال الأوزاعيّ: إذا أسلم إلى فصح النصارى، وصومهم جاز؛ لأنه معلوم لا يختلف، أشبه أعياد المسلمين، وفارق ما يختلف، فإنه لا يعلمه المسلمون. [القسم الثاني]: ما لا يعرفه المسلمون، كعيد الشعانين، وعيد الفطير، ونحوهما، فهذا لا يجوز السلم إليه؛ لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه؛ لأن قولهم غير مقبول، ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم، لا يعرفه المسلمون، وإن أسلم إلى ما لا يختلف، مثل كانون الأول، ولا يعرفه المتعاقدان، أو أحدهما لم يصح؛ لأنه مجهول عنده، قاله الموقق أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في الكلام على الشرط الخامس: وهو كون المُسْلَم فيه عامّ الوجود في محله، قال الموفّق ﵀: ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأنه إذا كان كذلك، أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه، وإذا لم يكن عامّ الوجود، لم يكن موجودًا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه، كبيع الآبق، بل أولى، فإن المسلم احتُمِل فيه أنواع من الغرر للحاجة، فلا يُحتَمل فيه غرر آخر؛ لئلا يكثر الغرر فيه، فلا يجوز أن يسلم في العنب، والرطب، إلى شباط أو آذار، ولا إلى محل لا يُعلم وجوده فيه، كزمان أول العنب، أو آخره، الذي لا يوجد فيه إلا نادرًا، فلا يؤمَن انقطاعه. ولا يجوز أن يُسلم في ثمرة بستان بعينه، ولا قرية صغيرة؛ لكونه لا يؤمَن تلفه وانقطاعه. قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، كالإجماع من أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك: الثوريّ، ومالك، والأوزا عيّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وإسحاق، قال: ورَوينا عن النبيّ -ﷺ-: أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير، في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان، فقال النبيّ -ﷺ-: «أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى، إلى أجل مسمى»، رواه ابن ماجه وغيره، ورواه أبو إسحاق الجوزجانيّ في «المترجم»، وقال: أجمع الناس على الكراهة لهذا البيع، ولأنه إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، لم يؤمَن انقطاعه وتلفه، فلم يصح كما لو أسلم في شيء، قدّره بمكيال معين، أو صنجة معينة، أو أحضر خرقة، وقال: أسلمت إليك في مثل هذه. [تنبيه]: لا يُشترط كون المُسْلَم فيه موجودًا، حال السَّلَم، بل يجوز أن يسلم في الرُّطَب في أوان الشتاء، وفي كل يوم معدوم، إذا كان موجودًا في المحلّ، وهذا قول مالك، والشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وقال الثوريّ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي: لا يجوز حتى يكون جنسه موجودًا حال العقد إلى حين المحلّ؛ لأن كل زمن يجوز أن يكون محلًّا للمُسْلَم فيه؛ لموت المُسْلَم إليه، فاعتبر وجوده فيه كالمحلّ. واحتجّ الأولون بأن النبيّ -ﷺ-، قدم المدينة، وهم يُسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم»، ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطًا لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنه يلزم منه انقطاع المُسْلَم فيه أوسط السنة، ولأنه يثبت في الذمة، ويوجد في محله غالبًا، فجاز السلم فيه كالموجود، ولا نُسَلِّم أن الذين يَحُل بالموت، وإن سلَّمنا فلا يلزم أن يُشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة، والمحل ما جعله المتعاقدان محلًّا، وههنا لم يجعلاه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الأولون هو الأرجح؛ لأن النبيّ -ﷺ- حينما بيّن لهم التعامل الصحيح في السلم لم يستفصلهم ذلك، فدلّ على أنه يجوز، ولو كان ينقطع في بعض الأحيان، فإن الشرط وجوده وقت حلول الأجل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: إذا تعذر تسليم المُسْلَم فيه عند المحلّ، إما لغيبة المسلم إليه، أو عجزه عن التسليم، حتى عُدم المسلم فيه، أو لم تَحْمِل الثمار تلك السنة، فالْمُسْلِم بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد، فيطالب به، وبين أن يَفسخ العقد، ويرجع بالثمن، إن كان موجودًا، أو بمثله إن كان مثليًّا، وإلا بقيمته، وبه قال الشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وقيل: إنه ينفسخ العقد بنفس التعذر؛ لكون المُسْلَم فيه من ثمرة العام، بدليل وجوب التسليم منها، فإذا هلكت انفسخ العقد، كما لو باعه قفيزًا من صبرة، فهلكت، والأول هو الصحيح، فإن العقد قد صح، وإنما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى عبدًا، فأبق قبل القبض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في الكلام على الشرط السادس: وهو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة، وأكثر ما لم يكن ذلك شرطًا؛ لأنه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن يكون سَلَمًا، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس. وحجة الأولين: أنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف، ويفارق المجلس ما بعده بدليل الصرف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما قاله مالك ﵀ هو الظاهر؛ لأنه لم يرد نصّ باشتراط القبض، وما ذكروه من الاستدلال ليس بواضح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة عشرة): في اختلافهم في اشتراط معرفة صفة الثمن المعيّن: قال الموفّق ﵀: لا خلاف في اشتراط معرفة صفته، إذا كان في الذمة؛ لأنه أحد عِوَضَي السَّلَم، فإذا لم يكن معيّنًا اشتُرِط معرفة صفته كالمُسْلَم فيه، إلا أنه إذا أطلق، وفي البلد نقد معيّن، انصرف الإطلاق إليه، وقام مقام وصفه، فأما إن كان الثمن معينًا، فقال القاضي وأبو الخطاب: لا بد من معرفة وصفه، واحتجا بقول أحمد ﵀ يقول: أسلمت إليك كذا وكذا درهمًا، ويصف الثمن، فاعتبر ضبط صفته، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه عقد لا يملك إتمامه في الحال، ولا تسليم المعقود عليه، ولا يؤمَن انفساخه، فوجب معرفة رأس المُسْلَم فيه ليردّ بدله كالقرض والشركة، ولأنه لا يؤمَن أن يظهر بعض الثمن مستحقًّا، فينفسخ العقد في قَدْره، فلا يُدْرَى في كم بقي، وكم انفسخ. وقيل: لا يشترط؛ لأنه لم يُذكر في شرائط السلم، وهو أحد قولي الشافعيّ؛ لأنه عِوَضٌ مشاهَد، فلم يُحتجْ إلى معرفة قَدْره، كبيوع الأعيان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثاني أرجح؛ لقول النبيّ -ﷺ-: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»، ولم يذكر معرفة ذلك، فلو كان لازمًا لَمَا تركه -ﷺ-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة عشرة): في اختلافهم في اشتراط تعيين مكان الإيفاء: ذهب بعضهم إلى أنه ليس بشرط، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وطائفة من أهل الحديث، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وهو أحد قولي الشافعيّ؛ لقول النبيّ -ﷺ-: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم»، ولم يذكر مكان الإيفاء، فدل على أنه لا يشترط، وفي الحديث الذي فيه: أن اليهوديّ أسلم إلى النبيّ -ﷺ-، فقال النبيّ -ﷺ-: «أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى» ، ولم يذكر مكان الإيفاء، ولأنه عقد معاوضة، فلا يُشترط فيه ذكر مكان الإيفاء، كبيوع الأعيان. وقال الثوريّ: يُشترط ذكر مكان الإيفاء، وهو القول الثاني للشافعيّ، وقال الأوزاعيّ: هو مكروه؛ لأن القبض يجب بحلوله، ولا يُعلم موضعه حينئذٍ، فيجب شرطه؛ لئلا يكون مجهولًا. وقال أبو حنيفة، وبعض أصحاب الشافعيّ: إن كان لحمله مؤنة وجب شرطه، وإلا فلا يجب؛ لأنه إذا كان لحمله مؤنة، اختلف فيه الغرض، بخلاف ما لا مؤنة فيه. وقال ابن أبي موسى: إن كانا في برّية لزم ذكر مكان الإيفاء، وإن لم يكونا في برّية، فذِكْرُ مكان الإيفاء حسن، وإن لم يذكراه كان الإيفاء مكان العقد؛ لأنه متى كانا في برّية، لم يمكن التسليم في مكان العقد، فإذا ترك ذِكْره كان مجهولًا، وإن لم يكونا في برّية اقتضى العقد التسليم في مكانه، فاكتفى بذلك عن ذكره، فإنْ ذَكَره كان تأكيدًا فكان حسنًا، فإنْ شرط الإيفاء في مكان سواه صح؛ لأنه عقد بيع، فصح شرط ذِكْر الإيفاء في غير مكانه، كبيوع الأعيان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول وهو عدم اشتراط مكان الإيفاء أرجح؛ لقوّة أدلته، كما سبق آنفًا. هذه خلاصة ما يتعلّق بحديث: «من أسلف سلفًا، فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»، فهي تفريعٌ، وتفصيل لهذه الشروط المذكورة فيه، فالكلام، وإن طال إلا أن المقام اقتضى ذلك؛ لأن المقصود من الشرح إيضاح معاني الأحاديث المذكورة في الكتاب، على وجه مفيد، وهذا يكون على حسب مفاهيم الأحاديث، فبهذا أعتذر إلى من يقول لي طوّلت، وأسأمت، اللَّهم انفعنا بما علّمتنا، وعلِّمنا ما ينفعنا، وزدنا علمًا، إنك جواد كريم، رؤوف رحيم. وصلّى الله، وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١١٢] (…) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدُّثَنَا عبد الوَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ أَسْلَفَ فَلَا يُسْلِفْ إِلَّا في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) وله بضع و(٩٠) سنة (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (عبد الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تم البحث فيه مستوفًى في الحديث السابق، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١١٣] (…) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عبد الوَارِثِ، وَلَمْ يَذْكرْ: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْن سَالِمٍ) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (م) تقدم في «الحيض» ١٠/ ٧٤٨. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (عَنِ ابْنِ عيَيْنَةَ) كذا وقع في النسخ، والصواب: «عن ابن عُليّة»، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في نسخ بلادنا: «عن ابن عيينة»، وكذا وقع في رواية أبي أحمد الْجُلُوديّ، ووقع في رواية ابن ماهان، عن مسلم، عن شيوخه هؤلاء الثلاثة: عن ابن عُلَيّة، وهو إسماعيل بن إبراهيم، قال أبو عليّ الغسانيّ، وآخرون من الحفاظ: والصواب رواية ابن ماهان، قالوا: ومن تأمل الباب عَرَف ذلك، قال القاضي عياض: لأن مسلمًا ذكر أوّلًا حديث ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، وفيه ذكر الأجل، ثم ذكر حديث عبد الوارث، عن ابن أبي نَجِيح، وليس فيه ذكر الأجل، ثم ذكر حديث ابن عُلَيّة، عن ابن أبي نَجِيح، وقال: بمثل حديث عبد الوارث، ولم يذكر: «إلى أجل معلوم»، ثم ذكر حديث سفيان الثوريّ، عن ابن أبي نَجِيح، وقال: بمثل حديث ابن عيينة، يذكر فيه الأجل. انتهى. والحاصل أن الصواب في هذا الإسناد: «عن ابن عُليّة»، وأما ابن عيينة، فهو الذي ذُكر في أول حديث الباب، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: رواية ابن عُليّة عن ابن أبي نَجِيح هذه ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٢١٢٤) - حدّثنا عمرو بن زُرارة، أخبرنا إسماعيل ابن عُلَيّة، أخبرنا ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس -﵄- قال: قَدِمَ رسول الله -ﷺ- المدينةَ، والناسُ يُسْلِفُون في الثمر العامَ والعامين، أو قال: عامين، أو ثلاثةً -شك إسماعيل- فقال: «من سلف في تمر، فَلْيُسْلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم». انتهى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١١٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، بِإِسْنَادِهِمْ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، يَذْكُرُ فِيهِ: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عبدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) العَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ناقد بصير [٩] (١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل بابين، و«أبو كريب» هو: محمد بن العلاء، و«سفيان»: هو الثوريّ، و«ابن أبي نَجِيح» هو: عبد الله بن يسار. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن ابن أبي نَجِيح هذه ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٢٢٥٣) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي الْمِنهال، عن ابن عباس -﵄- قال: قَدِمَ النبيّ -ﷺ- المدينةَ، وهم يُسلِفون في الثمار السنتين، والثلاثَ فقال: «أَسْلِفُوا في الثمار، في كيل معلومِ، إلى أجل معلوم»، وقال عبد الله بن الوليد: حدّثنا سفيان، حدّثنا ابن أبي نجِيح، وقال: «في كيل معلوم، ووزن معلوم». انتهى. وساقها البيهقيّ في «الكبرى» (٦/ ١٩) فقال: (١٠٨٧٣) - أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد بن أيوب الحافظ، ثنا ابن أبي مريم، ثنا الفِرْيابيّ (ح) قال: وأنبأ سليمان، ثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم (ح) وأنبأ أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو جعفر
مصادر المؤلف (٢١)

١. «المفهم» ٤/ ٥١٤.

٢. راجع: «الفتح» ٤/ ٤٣٠.

٣. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٧/ ٢٩٠.

٤. «المصباح المنير»١/ ٨٤.

٥. راجع:«شرح السنديّ على النسائيّ»٧/ ٢٩١، و«الكاشف عن حقائق السنن»٧/ ٢١٦٤، للطيبيّ.

٦. «شرح النوويّ»١١/ ٤١.

٧. «المفهم»٤/ ٥١٥.

٨. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٢.

٩. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٧/ ٢٩٠ - ٢٩١.

١٠. «الفتح» ٦/ ٧.

١١. «المفهم» ٤/ ٥١٥.

١٢. «المفهم» ٤/ ٥١٦ - ٥١٧.

١٣. «المغني» ٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦.

١٤. «المغني» ٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩.

١٥. «المغني» ٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩.

١٦. «المغني» ٦/ ٣٩١ - ٣٩٢.

١٧. «المغني» ٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠.

١٨. راجع: «ذخيرة العقبى» ٣٥/ ١٢٤ - ١٢٧.

١٩. «المغني» ٦/ ٤٠٤.

٢٠. رواه ابن ماجه في «سننه» ٢/ ٧٦٦، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده الوليد بن مسلم، وهو معروف بالتدليس، وقد رواه بالعنعنة.

٢١. تقدّم أن الحديث ضعيف، فتنبّه.