HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦١٤

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيد؛ أن النبي ﷺ قَالَ (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ. وَلَا يَرِثُ الكافر المسلم).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص59
ج ٣ ص ١٢٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص١٥٤
وأما الولاء فالسرّ فيه النصرة، وحماية البيضة، فالأحقّ بها مولى النعمة، ثم بعده الذكور من قومه، الأقرب فالأقرب، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ وليّ الله الدهلويّ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابٌ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٣٣] (١٦١٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل بابين. ٤ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، تقدّم قبل باب. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب، زين العابدين، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] (ت ٩٣) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٣٠/ ١٨١٨. ٧ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عفّان بن العاص الأمويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الجنائز» ٩/ ٢١٤٩. ٨ - (أُسَامَة بْنُ زيدِ) بن حارثة بن شراحيل الْكَلبيّ الأمير، أبو محمد، أو أبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄- مات سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، حِبّ رسول الله -ﷺ-، وابن حبّه -﵄-. شرح الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المعروف بزين العابدين (عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفّان. [تنبيه]: قال في «الفتح»: اتَّفَقَ الرواة عن الزهريّ أن عَمْرو بن عثمان بفتح أوله، وسكون الميم، إلا أن مالكًا وحده قال: عُمَر -بضم أوله، وفتح الميم- وشَذَّت روايات عن غير مالك على وفقه، وروايات عن مالك على وفق الجمهور، وقد بَيَّن ذلك ابن عبد البر وغيره، ولم يُخرج البخاريّ رواية مالك، وقد عَدَّ ذلك ابن الصلاح في «علوم الحديث» له في أمثلة المنكر، وفيه نظرٌ أوضحه شيخنا في «النكت»، وزدت عليه في الإيضاح. انتهى. وعبارة العراقيّ في «التقييد والإيضاح» -بعد ذكر كلام ابن الصلاح-: حَكَمَ المصنف -يعني: ابن الصلاح- على حديث مالك هذا بأنه منكر، ولم أجد من أطلق عليه اسم النكارة، ولا يلزم من تفرد مالك بقوله في الإسناد: «عُمَر» أن يكون المتن منكرًا، فالمتن على كل حال صحيح؛ لأن عُمَر وعَمْرًا كلاهما ثقةٌ، وقد ذكر ابن الصلاح مثل ما أشرت إليه في النوع «الثامن عشر» أن من أمثلة ما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في المتن ما رواه الثقة يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوريّ، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ- قال: «الْبَيِّعَان بالخيار …» الحديث، قال: فهذا إسناد متّصِلٌ بنقل العدل عن العدل، وهو مُعَلٌّ غير صحيح، قال: والمتن على كل حال صحيح، والعلة في قوله: عن عمرو بن دينار، إنما هو عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه، فوَهِمَ يعلى بن عبيد، وعَدَل عن عبد الله بن دينار إلى عمرو بن دينار، وكلاهما ثقةٌ. انتهى كلامه. فجَعَل الوهم في الإسناد بذكر ثقةٌ آخر لا يُخرج ذلك المتن عن كونه صحيحًا، فهكذا يجب أن يكون الحكم هنا. على أنه قد اختُلِف على مالك في قوله: عُمَر وعَمْرو، فرواه النسائيّ في «سننه» من رواية عبد الله بن المبارك، وزيد بن الْحُبَاب، ومعاوية بن هشام، ثلاثتهم عن مالك، فقالوا في روايتهم: عَمْرو بن عثمان، كرواية بقية أصحاب الزهريّ، لكن قال النسائيّ بعده: والصواب من حديث مالك عن عُمر بن عثمان، قال: ولا نعلم أحدًا تابع مالكًا على قوله: عُمَر بن عثمان. انتهى. وقال ابن عبد البرّ في «التمهيد»: إن يحيى بن بكير رواه عن مالك على الشكّ، فقال فيه: عن عَمْرو بن عثمان، أو عُمَر بن عثمان، قال: والثابت عن مالك: عُمَر بن عثمان، كما رَوَى يحيى، وتابعه القعنبيّ، وأكثر الرواة. انتهى. وقد خالف مالكًا في ذلك: ابنُ جريج، وسفيان بن عُيينة، وهُشيم بن بشير، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد، وابن الهاد، ومحمد بن أبي حفصة، وغيرهم، فقالوا: عَمْرو، وهو الصواب، والله أعلم. وقد رواه سفيان الثوريّ، وشعبة، عن عبد الله بن عيسى، عن الزهريّ، فخالفا فيه الفريقين معًا، فأسقطا منه ذكر عَمرو بن عثمان، وجعلاه من رواية عليّ بن حسين، عن أسامة، والصواب رواية الجمهور، والله أعلم. انتهى . (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ) -﵄- (أَن النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ») وفي بعض النسخ: «ولا الكافر المسلم» بحذف لفظة «يرث»، وعند البخاريّ في «المغازي» بلفظ: «المؤمن» في الموضعين، وأخرجه النسائيّ من رواية هشيم، عن الزهريّ بلفظ: «لا يتوارث أهل ملتين»، وجاءت رواية شاذّة عن ابن عيينة، عن الزهريّ مثلها، وله شاهد عند الترمذيّ من حديث جابر -﵁-، وآخر من حديث عائشة -﵂- عند أبي يعدى، وثالث من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، في السنن الأربعة، وسند أبي داود فيه إلى عَمْرو صحيح. وتمسك بها من قال: لا يرث أهل ملة كافرة من أهل ملة أخرى كافرة، وحملها الجمهور على أن المراد بإحدى الملتين الإسلام، وبالأخرى الكفر، فيكون مساويًا للرواية التي بلفظ حديث الباب، وهو أولى من حملها على ظاهر عمومها، حتى يمتنع على اليهوديّ مثلًا أن يرث من النصرانيّ. واستُدِلّ بقوله: «لا يرث الكافر المسلم» على جواز تخصيص عموم الكتاب بالآحاد؛ لأن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] عامّ في الأولاد، فخُصّ منه الولد الكافر، فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور. وأجيب بأن المنع حَصَل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل الإجماع على وفقه، كان التخصيص بالإجماع، لا بالخبر فقط. قال الحافظ: لكن يَحتاج من احتج في الشقّ الثاني به إلى جواب، وقد قال بعض الْحُذّاق: طريق العامّ هنا قطعيّ، ودلالته على كل فرد ظنية، وطريق الخاصّ هنا ظنية، ودلالته عليه قطعيةٌ، فيتعادلان، ثم يترجح الخاصّ بأن العمل به يستلزم الجمع بين الدليلين المذكورين، بخلاف عكسه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن تخصيص عموم الكتاب بخبر الآحاد جائز، وواقع، كما أوضحت تحقيقه في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعها تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤١٣٣] (١٦١٤)، و(البخاريّ) في «الفرائض» (٤٢٨٢ و٦٨٦٤)، و(أبو داود) في «سننه» (٢٩٠٩)، و(الترمذيّ) في «جامعه» (٢١٠٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٨٢ - ٨٢)، و(ابن ماجه) في «سننه» (٢٧٣٠)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٥١٩ - ٥٢٠)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٣٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٦/ ١٤ - ١٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ٢٤٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٠٠ و٢٠١ و٢٠٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٤٦٦ و٤٦٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٤٠)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٣٨٤)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (١/ ٨٤ - ٨٥)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ١٦١) و«الكبير» (١/ ١٦٧)، و(البزّار) في «مسنده» (٧/ ٣٣ و٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٣٥ - و٤٣٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٦٥ و٢٦٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٢١٧ و٢١٨ و٢٥٤) و«الصغرى» (٧/ ٢٠٦) و«المعرفة» (٥/ ٤٢ و٦٨ و٦٩ و٦/ ٣١١ و٣١٢ و٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في العمل بهذا الحديث: قال النوويّ ﵀: أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وأما المسلم فلا يرث الكافر أيضًا عند جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وذهبت طائفة إلى توريث المسلم من الكافر، وهو مذهب معاذ بن جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيِّب، ومسروق، وغيرهم، ورُوي أيضًا عن أبي الدرداء، والشعبيّ، والزهريّ، والنخعيّ نحوه، على خلاف بينهم في ذلك، والصحيح عن هؤلاء كقول الجمهور، واحتَجُّوا بحديث: «الإسلام يعلو، ولا يُعْلَى عليه» . وحجة الجمهور هنا الحديث الصحيح الصريح، ولا حجة في حديث: «الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه»؛ لأن المراد به فضل الإسلام على غيره، ولم يتعرض فيه لميراث، فكيف يترك به نصّ حديث: «لا يرث المسلم الكافر»؟ ولعل هذه الطائفة لم يبلغها هذا الحديث. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: تضمَّن حديث الباب أمرين: أحدهما: مجمع على منعه؛ وهو: ميراث الكافر للمسلم. والثاني: مختلف فيه؛ وهو: ميراث المسلم الكافر؛ فذهب إلى منعه الجمهور من السَّلف ومَنْ بعدهم؛ فمنهم: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وجمهور أهل الحجاز والعراق: مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وابن حنبل، وعامة العلماء. وذهب إلى توريث المسلم من الكافر معاذ، ومعاوية، وابن المسيب، ومسروق، وغيرهم. ورُوي عن أبي الدرداء، والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، وإسحاق، والحديث المتقدِّم حجُّةٌ عليهم، ويَعْضُده حديث أسامة بن زيد؛ وهو: أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يتوارث أهل ملتين»، ونحوه في كتاب أبي داود، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. وقد احتُجَّ للقول الثاني بما خرَّجه أبو داود من حديث يحيى بن يعمر؛ واختصم إليه أخوان - يهودي ومسلم، فورَّث المسلم منهما، وقال: حدثني أبو الأسود: أن رجلًا حدثه: أن معاذًا قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الإسلام يزيد، ولا ينقص» ؛ فورَّث المسلم، وبما يُحكى عن النبيّ -ﷺ-: أنَّه قال -إن صحَّ-: «إن الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه» ، وبقياس الميراث على النكاح قالوا: كما يجوز لنا أن ننكح نساءهم، ولا يجوز لهم أن ينكحوا نساءنا؛ كذلك يجوز لنا أن نرثهم ولا يرثونا. قال القرطبيّ: ولا حجَّة لهم في شيء مما ذكروه، وأمَّا الحديثان، فلا يصحُّ منهما شيء، أمَّا الأول، فلأن فيه مجهولًا، وأمَّا الثاني، فكلامٌ يُحكى، ولا يُروى، سلَّمنا صحتهما، لكنَّا نقول بموجبهما، فإن دين الإسلام لم يزل يزيد إلى أن كَمُل في الحين الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ولم ينقص من أحكامه ولا شريعته التي شاء الله تعالى بقاءها شيءٌ، وقد أعلاه الله تعالى، وأظهرَه على الدّين كلّه، وكما وعدنا تعالى. سلَّمنا ذلك، لكن الأحاديث الأُوَلُ أرجح؛ لأنها متفق على صحتها، وهي نصوص في المطلوب، والقياس الذي ذكروه فاسد الوضع؛ لأنَّه في مقابلة النَّصّ، ولخلّوه عن الجامع. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال، وأدلّتها أن أرجح المذاهب في هذه المسألة هو ما عليه الجمهور، من أنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم؛ عملًا بالنصّ الصحيح الصريح، وهو حديث الباب، ولم يوجد نصّ صحيح في قوّته يخالفه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إرث المرتدّ: قال النوويّ ﵀: وأما المرتدّ فلا يرث المسلم بالإجماع، وأما المسلم فلا يرث المرتدّ عند الشافعيّ، ومالك، وربيعة، وابن أبي ليلى، وغيرهم، بل يكون ماله فيئًا للمسلمين، وقال أبو حنيفة، والكوفيون، والأوزاعيّ، وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وجماعة من السلف، لكن قال الثوريّ، وأبو حنيفة: ما كَسَبَهُ في ردّته فهو للمسلمين، وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: واختُلِف في المرتدّ، فقال الشافعيّ، وأحمد: يصير ماله إذا مات فيئًا للمسلمين، وقال مالك: يكون فيئًا إلا إن قَصَد بردّته أن يَحْرِم ورثته المسلمين، فيكون لهم، وكذا قال في الزنديق، وعن أبي يوسف، ومحمد: لورثته المسلمين، وعن أبي حنيفة: ما كَسَبه قبل الردّة لورثته المسلمين، وبعد الردّة لبيت المال، وعن بعض التابعين كعلقمة: يستحقه أهل الدِّين الذي انتقل إليه، وعن داود: يختص بورثته من أهل الدِّين الذي انتقل إليه، ولم يفصِّل. فالحاصل من ذلك ستة مذاهب، حَرَّرها الماورديّ . وقال القرطبيّ ﵀ ما حاصله: أن المسلم والكافر المذكورين في حديث الباب للعموم، فلا يرث مسلمًا ما كافرًا ما، ولو كان مرتدًّا، وهو مذهب مالك، وربيعة، والشافعيّ، وابن أبي ليلى؛ قالوا: لا يرث المرتدَّ أحدٌ من المسلمين، ومالُهُ فَيءٌ لبيت المال. وخالفهم في ذلك طائفة أخرى فقالوا: إن ورثته من المسلمين يرثونه، وبه قال الأوزاعيّ، وإسحاق، والحسن البصريّ، والشعبيّ، وعمر بن عبد العزيز، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود. وفرَّقت طائفة ثالثة؛ فقالت: يرث ماله الذي كان له قبل ردَّته ورثته المسلمون، وما استفاده بعد الرَّدة فيءٌ، وهو قول الثوريِّ، وأبي حنيفة، قال: والعموم المتقدم حجَّة على هؤلاء الطائفتين. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح المذاهب في هذه المسألة هو المذهب الأول، وهو أن المرتدّ لا يرثه أحد من المسلمين؛ لعموم قوله -ﷺ-: «لا يرث المسلم الكافر»، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في توريث الكفّار بعضهم من بعض: قال النوويّ ﵀: وأما توريث الكفار بعضهم من بعض؛ كاليهوديّ من النصرانيّ وعكسه، والمجوسيّ منهما، وهما منه، فقال به الشافعيّ، وأبو حنيفة -﵄-، وآخرون، ومنعه مالك، قال الشافعيّ: لكن لا يرث حربيّ من ذميّ، ولا ذميّ من حربيّ، قال أصحابنا: وكذا لو كانا حربيين في بلدين متحاربين لم يتوارثا، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: والأصح عند الشافعية أن الكافر يرث الكافر، وهو قول الحنفية، والأكثر، ومقابله عن مالك، وأحمد، وعنه التفرقة بين الذميّ والحربيّ، وكذا عند الشافعية، وعن أبي حنيفة: لا يتوارث حربيّ من ذميّ، فإن كانا حربيين شَرَط أن يكونا من دار واحدة، وعند الشافعية لا فرق، وعندهم وجه كالحنفية. وعن الثوريّ، وربيعة، وطائفة: الكفر ثلاث مِلَل: يهودية، ونصرانية، وغيرهم، فلا ترث ملة من هذه من ملة من الملتين، وعن طائفة من أهل المدينة والبصرة: كلُّ فريق من الكفار ملة، فلم يورثوا مجوسيًّا من وثنيّ ولا يهوديًّا من نصرانيّ، وهو قول الأوزاعيّ، وبالغَ، فقال: ولا يرث أهل نحلة من دين واحد أهل نحلة أخرى منه، كاليعقوبية، والملكية، من النصارى. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «لا يتوارث أهل ملَّتين»، قال بظاهره مالك، فلا يرث اليهوديّ النصرانيَّ، ولا يرثان المجوسيَّ، وهكذا جميع أهل الملل؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وداود: إن الكفار كلهم أهل ملة واحد، وإنهم يتوارثون، محتجِّين بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، فوحَّد الْمِلَّة، وبقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]، والخطاب بـ ﴿لَكُمْ﴾ للكفار كلهم مع توحيد ﴿دِينِ﴾، وتأولوا قوله: «لا يتوارث أهل ملتين» على أن المراد به الإسلام والكفر، كما قال في الحديث الأول: «لا يرث المسلم الكافر»، ولا حجَّة في ذلك. أمَّا الآية الأولى فلأن ملّتهم وإن كانت موحدة في اللفظ، فهي مكثرة في المعنى؛ لأنه قد أضافها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذتُ عن علماء المدينة عِلْمَهم -مثلًا علمهم-، وسمعتُ عليهم حديثهم؛ يعني: علومهم، وأحاديثهم. وأمَّا الثانية: فلأن الذين نزلت الآية جوابًا لهم إنَّما هم مشركو قريش، قالوا للنبيّ -ﷺ-: تَعَالَ نشترك في أمرنا وأمرك، تدين بديننا، وندين بدينك، فنستوي في الأخذ بالخير، فأنزلها الله تعالى مخاطبةً لهم. وهم صنفٌ واحدٌ من الكفار، وهم الوثنيون، وكيف لا يكون ما قاله مالك، وقد قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]؟ فالعربُ تزعم أنها على شريعة إبراهيم، واليهود على شريعة موسى، والنَّصارى على شريعة عيسى، في ملل متعددة، وشرائع مختلفة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه مالك ومن قال بقوله: إن أهل ملّتين لا يتوارثان، هو الأرجح؛ عملًا بظاهر حديث: «لا يتوارث أهل ملّتين شتّى»، أخرجه أبو داود، واللفظ له، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيح، وهو كما قال، وابن ماجه، وحمله على الإسلام، والكفر خلاف الظاهر، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «حجة الله البالغة» ٢/ ١٥٤.

٢. «التقييد والإيضاح» ١/ ١٠٦ - ١٠٨.

٣. حديث حسن، أخرجه الرويانيّ، والبيهقيّ، والضياء عن عائذ بن عمرو. راجع: «صحيح الجامع» للشيخ الألبانيّ ﵀ رقم (٢٧٧٨).

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٥٢.

٥. حديث ضعيف، أخرجه أبو داود في «سننه» رقم (٢٥٢٤)، والراوي عن معاذ رجل مجهول.

٦. تقدّم أنه حديث حسن، فتنبّه.

٧. «المفهم» ٤/ ٥٦٦ - ٥٦٨.

٨. «شرح النوويّ» ١١/ ٥٢ - ٥٣.

٩. «الفتح» ١٥/ ٤٩٦ - ٤٩٧.

١٠. «المفهم» ٤/ ٥٦٨.

١١. «شرح النوويّ» ١١/ ٥٢ - ٥٣.

١٢. «الفتح» ١٥/ ٤٩٦، كتاب «الفرائض» رقم (٦٧٦٤).

١٣. «المفهم» ٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩.