HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦١٩

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الْأُمَوِيُّ عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ. ح وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ). قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهب. أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هريرة؛ أن رسول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ، عَلَيْهِ الدَّيْنُ. فَيَسْأَلُ (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟) فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ. وَإِلَّا قَالَ (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ). فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ (أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ. وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص62
ج ٣ ص ١٢٣٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٢٢٧
(٤) - (بَابٌ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ») وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٠] (١٦١٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِيُّ، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسأل: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟»، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِيُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الدمشقيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [٩] مات على رأس المائة (خ م د ت س) تقدّم في «الحج» ٨٨/ ٣٣٦٧. ٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم المصريّ الحافظ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٧ - (أَبُو سَلَمَةً بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم قريبًا. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن نصفه الأول -أعني بعد التحويل- مسلسل بالمصريين، والثاني مسلسل بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، وفيه أبو سلمة بن عبد الرَّحمن أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، هكذا رواه يونس، وتابعه عُقيل وابن أخي ابن شهاب، وابن أبي ذئب كما أخرجه المصنّف في الباب، وخالفهم معمر، فرواه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر -﵁-، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، أفاده في «الفتح» . (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ) وللبخاريّ: «بالرجل الْمُتَوَفَّى»، وقوله: (عَلَيْهِ الدَّيْنُ) جملة في محل نصب على الحال من «الرجل» (فَيَسْألُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ -ﷺ- (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟) «من» زائدة؛ أي: قضاءً؛ أي: ما يُقضَى به دَينه، هكذا وقع عند المصنّف، وأصحاب «السنن»، ووقع عند البخاريّ بلفظ: «هل ترك لدَينه فَضْلًا»؛ أي: قدرًا زائدًا على مؤنة تجهيزه، و«قضاءً» أولي، بدليل قوله: «فإن حُدِّث أنه ترك وفاءً»، (فَإنْ حُدِّثَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُخبر النبيّ -ﷺ- (أَنَّهُ)؛ أي: الرجل الميتَ (تَرَكَ وَفَاءً)؛ أي: ما يفي بدَينه، ويقضي ما عليه (صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ») إنما كان يترك الصلاة عليه؛ ليُحرّض الناس على قضاء الدَّين في حياتهم، والتوصّل إلى البراءة منها؛ لئلا تفوتهم صلاة النبيّ -ﷺ-، فلَمّا فتح الله عليه عاد يصلي عليهم، ويقضي دَين من لم يُخلف وفاءً. قاله النوويّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: وامتناعه -ﷺ- من الصلاة على من مات وعليه دَين، ولم يترك وفاءً، إشعار بصعوبة أمر الدَّين، وأنه لا ينبغي أن يتحمَّله الإنسان إلَّا من ضرورة، وأنَّه إذا أخذه فلا ينبغي أن يتراخى في أدائه إذا تمكّن منه، وذلك لِمَا قدّمناه من أن الدَّين شَيْنٌ، الدَّين همٌّ بالليل ومذلةٌ بالنهار، وإخافة للنفوس، بل وإرقاقٌ لها، وكان هذا من النبيّ -ﷺ-؛ ليرتدعَ من يتساهلُ في أخذ الدَّين حتى لا تتشوش أوقاتهم عند المطالبة، وكان هذا كله في أول الإسلام، وقد حُكِي أن الْحُرَّ كان يُباع في الدَّين في ذلك الوقت، كما قد رواه البزار من حديث رجل من أصحاب النبيّ -ﷺ- يُقال له: سُرَّق، ثم نُسِخَ ذلك كله بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وقيل: إن النبيّ -ﷺ- إنَّما كان يمتنع من الصلاة على من ادَّان دَينًا غير جائز أو في سعة، والأول أظهر؛ لقول الرَّاوي في الحديث: فلما فَتَحَ الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، مَنْ توفي وعليه دَيْنٌ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته»، فهذا يعمّ الدُّيون كلَّها، ولو افترق الحال لتعيَّن التنويع، أو السؤال. ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- تبرَّع بالتزام ذلك على مقتضى كرم أخلاقه؛ لا أنه أمرٌ واجبٌ عليه. وقال بعض أهل العلم: بل يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال كلّ الفقراء، اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، فإنَّه قد صرَّح بوجوب ذلك عليه، حيث قال: «فعليَّ قضاؤه»، ولأن الميِّت الذي عليه الدَّين يُخافْ أن يعذَّب في قبره على ذلك الدَّين، كما قد صحَّ عن النبيّ -ﷺ- حيث دُعِي ليصلي على ميِّت، فأُخبر أن عليه دَينًا، ولم يترك وفاءً، فقال: «صَلُّوا على صاحبكم»، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله! وعليّ دَينه، فصلَّى عليه، ثم قال له: «قم فأدِّهِ عنه»، فلمَّا أدَّى عنه قال -ﷺ-: «الآن حين بَرَّدتَ عليه جلدته»، وكما كان على الإمام أن يسدَّ رَمَقَهُ، ويراعي مصلحته الدنيوية كان أحرى وأولى أن يسعى فيما يرفع عنه به العذاب الأخروي. انتهى . وقال في «الفتح»: قال العلماء: كأن الذي فعله -ﷺ- من ترك الصلاة على من عليه دَين؛ لِيُحَرِّض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها؛ لئلا تفوتهم صلاة النبيّ -ﷺ-، وهل كانت صلاته على من عليه دَيْن مُحَرَّمةً عليه، أو جائزة؟ وجهان، قال النوويّ ﵀: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن، كما في حديث مسلم، وحَكَى القرطبيّ أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من استدان دَينًا غير جائز، وأما من استدان لأمر هو جائز، فما كان يمتنع، وفيه نظر؛ لأن في حديث الباب ما يدلّ على التعميم، حيث قال: «من تُوُفّي وعليه دَين …»، ولو كان الحال مختلفًا لبيّنه، نَعَمْ جاء من حديث ابن عباس -﵄-: «أن النبيّ -ﷺ- لَمّا امتَنَعَ من الصلاة على من عليه دَين جاءه جبريل، فقال: إنما الظالم في الديون التي حُمِلت في البغي والإسراف، فأما المتعفف ذو العيال، فأنا ضامن له، أُؤدِّي عنه، فصلى عليه النبيّ -ﷺ-، وقال بعد ذلك: مَن تَرَك ضياعًا …» الحديث، وهو ضعيف، وقال الحازميّ بعد أن أخرجه: لا بأس به في المتابعات، وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمرًّا، وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك، وأنه السبب في قوله -ﷺ-: «من ترك دَينًا فعليَّ». وفي صلاته -ﷺ- على من عليه دَين بعد أن فتح الله عليه الفتوح إشعارٌ بأنه كان يقضيه من مال المصالح، وقيل: بل كان يقضيه من خالص نفسه، وهل كان القضاء واجبًا عليه أم لا؟ وجهان. وقال ابن بطال: قوله: «مَن تَرَكَ دَينًا فعليَّ» ناسخ لترك الصلاة على من فات، وعليه دَين، وقوله: «فعليَّ قضاؤه»؛ أي: مما يُفيءُ الله عليه من الغنائم والصدقات، قال: وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دَين، فإن لم يفعل فالإثم عليه إن كان حقّ الميت في بيت المال يَفِي بقدر ما عليه من الدَّين، وإلا فَبِقِسْطه. انتهى . (فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ) -ﷺ-: («أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وفي رواية الأعرج، عن أبي هريرة الآتية:»قال: والذي نفسي بيده إنْ على الأرض من مؤمن إلَّا وأنا أولى الناس به، فأيّكم ما ترك دَينًا، أو ضَيَاعًا، فأنا مولاه، وأيّكم ترك مالًا فإلى العَصَبة من كان«، وفي رواية همّام، عن أبي هريرة الآتية أيضًا:»وقال رسول الله -ﷺ-: أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله، فأيكم ما ترك دَينًا، أو ضَيْعةً فادعوني، فأنا وليّه، وأيّكم ما ترك مالًا فليؤثر بماله عَصَبته من كان«. قال النوويّ ﵀ ﵀: معنى هذا الحديث أن النبيّ -ﷺ- قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وَلِيُّه في الحالين، فإن كان عليه دَين قضيته من عندي إن لم يَخْلُف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته، لا آخذ منه شيئًا، وإن خَلَف عيالًا محتاجين ضائعين فليأتوا إليَّ فعليَّ نفقتهم ومؤنتهم. انتهى . (فَمَنْ تُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات (وَعَلَيْهِ دَيْن، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ)؛ أي: إذا لم يترك وفاءً؛ لِمَا في الرواية السابقة: «كان يؤتى بالرجل الميّت، عليه الدَّين، فيسأل هل ترك لدَينه من قضاء، فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه …» الحديث، وفي رواية البخاريّ: «فمن مات، وعليه دَينٌ، ولم يترك وفاءً، فعلينا قضاؤه». وقال في «الفتح»: قوله: «ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤه» يَخُصّ ما أُطلق في رواية عُقيل بلفظ: «فمن تُوُفِّي من المؤمنين، وترك دَينًا، فعليّ قضاؤه»، وكذا قوله في الرواية الأخرى: «فإن ترك دَينًا، أو ضَيَاعًا فليأتني، فأنا مولاه، أو وليّه»، فعُرِف أنه مخصوص بمن لم يترك وفاءً، وقوله: «فليأتني»؛ أي: مَن يقوم مقامه في السعي في وفاء دَينه، أو المراد صاحب الدَّين، وأما الضمير في قوله: «مولاه» فهو للميت المذكور. قال: وهل كان قضاء دَينه من خصائصه -ﷺ-، أو يجب على وُلاة الأمر بعده؟ والراجح الاستمرار، لكن وجوب الوفاء إنما هو من مال المصالح. ونَقَلَ ابن بطال وغيره أنه -ﷺ- كان يتبرع بذلك، وعلى هذا لا يجب على مَنْ بعدَه، وعلى الأول قال ابن بطال: فإن لم يُعْطِ الإمام عنه من بيت المال لم يُحبَس عن دخول الجَنَّة؛ لأنه يَستحقّ القدر الذي عليه في بيت المال ما لم يكن دَينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلًا. قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يدخل في الْمُقَاصّة، وهو كمنْ له حقّ، وعليه حقّ، وقد مضى أنهم إذا خلصوا من الصراط حُبِسوا عند قنطرة بين الجَنَّة والنار، يتقاصَّون المظالم حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجَنَّة، فيُحْمَل قوله: «لا يُحبَس»؛ أي: مُعَذَّبًا مثلًا، والله أعلم. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قيل: إنه -ﷺ- كان يقضيه من مال مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه، وقيل: كان هذا القضاء واجبًا عليه -ﷺ-، وقيل: تبرع منه، والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم، واختَلَف أصحابنا في قضاء دَين من مات وعليه دَين، فقيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب. انتهى . (وَمَنْ تَرَكَ مَالًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ»)؛ أي: فذلك المال يكون لورثته، وفي الرواية التالية:«وأيكم ترك مالًا، فإلى العصبة من كان»، وفي لفظ:«وأيكم ترك مالًا، فليُؤثر بماله عصبته من كان»، وفي لفظ للبخاريّ:«فليرثه عصبته من كانوا»، وفي رواية له:«فماله لموالي العصبة»؛ أي: أولياء العصبة. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله:«أنا أولى بكل مؤمن من نفسه»؛ أي: أقرب له من نفسه، أو أحقّ بالمؤمن به منها، ثم فسَّر وجهه بقوله:«من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَينًا أو ضَياعًا فعليّ وإليّ»، وبيانه: أنه إذا ترك ضياعًا أو دينًا ولم يقدر على أنَّ يُخلِّص نفسه منه؛ إذ لم يترك شيئًا يسدُّ به ذلك، ثم خلّصه منه النبيّ -ﷺ- بقيامه به عنه، أو سدّ ضيعته؛ كان أولى به من نفسه؛ إذ قد فعل معه ما لم يفعل هو بنفسه، والله أعلم. وأما رواية من رواه:«أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم»في غير«صحيح مسلم»فَيَحْتَمِل أن يُحْمَل على ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أنا أولى بالمؤمنين من بعضهم لبعض؛ كما قال تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]؛ كما أي: ليقتل بعضكم بعضًا، في أشهر أقوال المفسرين. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قوله:«أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم»؛ أي: أحقّ، قال أصحابنا: لو اضطرّ النبيّ -ﷺ- إلى طعام غيره، ومالكه مضطرّ إليه لنفسه كان له -ﷺ- أخذه من مالكه المضطرّ، ووجب على مالكه بذله له -ﷺ-، قالوا: ولكن هذا -وإن كان جائزًا- لم يقع. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: وهذا الكلام إنما قاله النبيّ -ﷺ- حين رفع ما كان قرّره من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء؛ كما قاله أبو هريرة: كان النبيّ -ﷺ- يؤتى بالميت عليه الدين، فيسأل: «هل ترك لدينه وفاء؟» فإن قيل: إنه ترك وفاء؛ صلى عليه، وإن قالوا: لا؛ قال: «صلوا على صاحبكم» قال: فلما فتح الله تعالى عليه الفتوح؛ قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من توفي فترك دينًا، فعليّ، ومن ترك مالًا فلورثته». وقال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفروض في مال الله تعالى للذرية وأهل الحاجة، والقيام بهم وقضاء ديون محتاجيهم. انتهى . وقال الحافظ ابن كثير: ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]، ما نصّه: قد عَلِمَ الله تعالى شفقة رسوله -ﷺ- على أمته، ونصحَه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مُقَدّمًا على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وفي «الصحيحين»: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين»، وفي «صحيح البخاريّ»: أن عمر -﵁-، قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كلّ شيء إلَّا من نفسي، فقال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كلّ شيء حتى من نفسي، فقال: «الآن يا عمر»، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٤١٥٠ و٤١٥١ و٤١٥٢ و٤١٥٣ و٤١٥٤ و٤١٥٥] (١٦١٩)، و(البخاريّ) في «صحيحه» (٢٢٩٨ و٢٣٩٨ و٥٣٧١ و٦٧٣١ و٦٧٦٣)، و(أبو داود) في «سننه» (٢٩٥٥)، و(الترمذيّ) في «سننه» (١٠٧٠ و٢٠٩٠)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٤/ ٦٦) و«الكبرى» (١/ ٦٣٧ و٤/ ٩٠)، و(ابن ماجة) في «سننه» (٢٤١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨٧ و٢٩٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٤٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١١/ ١٩٢)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٣/ ١٨٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ثبوت التوارث بين المسلمين، وأن مال الميت يكون لورثته الموجودين عند موته. ٢ - (ومنها): بيان شدَّة أمر الدَّين حيث إنه يكون سببًا لعدم صلاة النبيّ -ﷺ- على من عليه دين. ٣ - (ومنها): بيان شدّة اهتمامه -ﷺ- بأمر أمته، ومتابعته لأحوالهم أحياءً وأمواتًا؛ ليسدّ حاجاتهم، ويقوم بأداء ما يجب عليهم من ديون الناس، وهو مصداق قوله - عَزَّوَجَلَّ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٤ - (ومنها): بيان كون النبيّ -ﷺ- أولى بكلّ مؤمن من نفسه، فكان يقوم لأمته بما لا يستطيعون القيام به، من قضاء الديون التي عجزوا عنها، وكفالة عيالهم بعد موتهم، وأنه يجب على كلّ مؤمن أن يقدّمه -ﷺ- على نفسه، فلا يخرج عن سُنّته، وإن لم يوافق هواه، ولا يجوز أن يبتدع في شريعته ما لم يأذن به الله -﷾-، ولا أتى به -ﷺ-. وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: يترتب على كونه -ﷺ- أولى بهم من أنفسهم أنه يجب عليهم إيثار طاعته على شهوات أنفسهم، وإن شَقّ ذلك عليهم، وأن يحبوه أكثر من محبتهم لأنفسهم، ومن هنا قال النبيّ -ﷺ-: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، وفي رواية أخرى: «من أهله، وماله، والناس أجمعين»، وهو في «الصحيحين» عن أنس -﵁-، ولمّا قال عمر -﵁-: «لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلَّا نفسي، قال له: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال له النبيّ -ﷺ-: الآن يا عمر»، رواه البخاريّ في «صحيحه»، قال الخطابيّ: لم يُرِدْ به حُبّ الطبع، بل أراد به حبّ الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه: لا تَصْدُق في حبي حتى تُفْنِيَ في طاعتي نفسَكَ، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قال وليّ الدين ﵀: فيه قيام النبيّ -ﷺ- بالعيال الذين لا مال لهم، وهذا واجب عليه، وعلى الأئمة بعده، من مال المصالح، قال الخطابيّ: كان الشافعيّ يقول: ينبغي للإمام أن يُحصي جميع ما في البلدان، من المقاتِلة، وهم مَن قد احتَلَم، أو استكمل خمس عشرة من الرجال، ويُحصي الذرّية، وهم من دون المحتلِم، ودون البالغ، والنساء صغيرتهن وكبيرتهن، ويعرف قدر نفقاتهم، وما يحتاجون إليه من مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم، ثم يعطي المقاتلة في كلّ عام عطاءهم، والعطاء الواجب من الفيء لا يكون إلَّا لبالغ يطيق مثله الجهاد، ثم يعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم في كسوتهم ونفقتهم. قال: ولم يَختلِف أحد لقيناه في أن ليس للمماليك في العطاء حقّ، ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: وإن فضل من المال شيء بعدما وَصَفتُ وضَعه الإمام في إصلاح الحصون، والازدياد في الكُرَاع، وكلِّ ما يتقوى به المسلمون، فإن استغنى المسلمون، وكملت كلُّ مصلحة لهم فَرَّقَ ما يبقى منه بينهم كله على قدر ما يستحقونه في ذلك المال. قال: ويعطي من الفيء رزق الحكام، وولاة الأحداث، والصلاة بأهل الفيء، وكلّ من قام بأمر الفيء، من وال، وكاتب، وجنديّ، ممن لا غنى لأهل الفيء عنه، رُزِق مثله. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٥١] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ (ع) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ (ع) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الفهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدّم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصري، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدّم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرَّحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثمّ مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. ٥ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِبمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٦ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن عبد الله بن مسلم الزهريّ المدنيّ، صدوق له أوهامٌ [٦] (ت ١٥٢) أو بعدها (ع) تقدّم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٢. ٧ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير الهمدانيّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٨ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٩ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية الليث، عن عُقيل عن الزهريّ، ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٢١٧٦) - حدّثنا يحيى بن بكرٍ، حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- كان يؤتى بالرجل المتوفَّى عليه الدَّين، فيسأل: «هل ترك لدينه فضلًا؟»، فإن حُدَّث أنَّه ترك لدينه وفاءً صَلَّي، وإلا قال للمسلمين: «صلوا على صاحبكم»، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوُفِّي من المؤمنين، فترك دينًا فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته». انتهى. وأما رواية ابن أبي ذئب، فساقها الإمام أحمد بن حنبل في «مسنده» (٢/ ٢٩٠) فقال: (٧٨٨٦) - حدثنا يزيد ، أنا ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا شَهِد جنازةً سأل: «هل على صاحبكم دين؟»، فإن قالوا: نعم، قال: «هل له وفاءً؟»، فإن قالوا: نعم، صلى عليه، وإن قالوا: لا، قال: «صلوا على صاحبكم»، فلما فتح الله -عَزَّوَجَلَّ - عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك دينًا فعليَّ، ومن ترك مالًا فلورثته». انتهى. وأما رواية ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف ﵀ أَوَّل الكتاب قال: [٤١٥٣] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ مُؤْمِنٍ، إِلَّا أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَأيُّكمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا، فَأَنَا مَوْلَاهُ، وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالًا، فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوَار، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ، في حديثه عن منصور لينٌ [٧] (ع) تقدّم في «الصلاة» ٣١/ ٩٩٩. ٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدَّم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٥ - (الأَعْرَجُ) عبد الرَّحمن بن هُرمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبله. شرح الحديث: قوله: (إِنْ عَلَى الأَرْضِ) «إن» -بكسر الهمزة، وسكون النون-: نافية؛ أي: ليس على الأرض. وقوله: (مِنْ مُؤْمِنٍ) «من» زائدة بعد النفي، كما قال في «الخلاصة»: وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرّ … نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّْ وقوله: (إِلَّا أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ) وفي بعض النسخ: «وأنا أولى الناس به» بالواو. وقوله: (فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ) «ما» زائدة لتأكيد التعميم. وقوله: (أَوْ ضَيَاعًا) -بفتح الضاد المعجمة، وتخفيف التحتانيّة-: المراد بهم العيال المحتاجون الضائعون، قال الخطّابيّ ﵀: الضَّيَاع، والضَّيْعَة هنا: وصف لورثة الميت بالمصدر؛ أي: ترك أولادًا، أو عيالًا ذوي ضَيَاع؛ أي: لا شيء لهم، والضَّيَاع في الأصل مصدر من ضاع، ثم جُعِل اسمًا لكل ما يُعَرَّض للضَّيَاع. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «ضياعًا» بفتح الضاد لا غير، وهو ما يحتاج للإصلاح، والضَّيَاع في الأصل: مصدر ضاع، ثم جُعِل اسمًا لكل ما هو بصدد أن يضيع من عيال، وبنين لا كافل لهم، ومالٍ لا قيِّم له، وسمِّيت الأرض ضَيعة؛ لأنها مُعَرَّضةٌ للضياع، وتُجمع على: ضِياعٍ -بكسر الضاد-. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: ضَاعَ الشيء يَضِيعُ ضَيْعَةً، وضَيَاعًا بالفتح، فهو ضَائِع، والجمع: ضُيَّعٌ، وضِيَاعٌ، مثل رُكَّع، وجِياع، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أَضَاعَهُ، وضَيَّعَهُ، والضَّيْعَةُ: العَقَار، والجمع: ضِيَاعٌ، مثل كَلبَة وكِلَاب، وقد يقال: ضِيَعٌ، كأنه مقصور منه، وأَضَاعَ الرجلُ بالألف: كَثُرت ضِيَاعُهُ، والضَّيْعَةُ: الحرفة والصناعة، ومنه: كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ، والمَضِيعَةُ: بمعنى الضَّيَاعِ، ويجوز فيها كسر الضاد، وسكون الياء، مثل مَعِيشة، ويجوز سكون الضاد، وفتح الياء، وزانُ مَسْلَمَة، والمراد بها: المفازة المنقطعة، وقال ابن جني: المَضِيعَةُ: الموضع الذي يَضِيع فيه الإنسان، قال: ومنه يقال: ضَاعَ يَضِيعُ ضَيَاعًا بالفتح أيضًا: إذا هَلَكَ. انتهى . (فَأَنَا مَوْلَاهُ)؛ أي: أتولَّى شأنه، وأقوم بأداء دَينه، والوفاء بما عليه. قال صاحب «التكملة»: هذا دليلٌ على أنَّ بيت مال المسلمين يتكفّل بحاجات كلّ من يعجز عن الكسب، وليس له من أقاربه من يقوم بأمره، وقال الإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ: ﵀: فعلى الإمام أن يتّقي الله في حرف الأموال إلى المصارف، فلا يَدَع فقيرًا إلَّا أعطاه حقّه من الصدقات حتى يُغنيه وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين، وليس في بيت المال من الصدقات شيء، أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت مال الخراج، ولا يكون ذلك دينًا على بيت مال الصدقة؛ لِمَا بيّنّا أن الخراج وما في معناه يُصرف إلى حاجة المسلمين، ذكره السرخسيّ ﵀ في «المبسوط» . قال: فهذا من أكبر الضمانات الاجتماعيّة التي أقرّ بها الإسلام في حين لم يكن أحد يتصوّر ذلك، ولا يعرفه من يتباهون اليوم بنعرات الاشتراكيّة، والعدالة الاجتماعيّة، ويتناسون أن الضمان الاجتماعيّ في نظامهم إنما يقوم على قيمة حرّيّة الأفراد، والأملاك، والأفكار، والقلوب، وإن الضمان الاجتماعيّ الذي أعلن به رسول الله -ﷺ- قبل أربعة عشر قرنًا خالٍ عن هذه المفاسد كلّها. انتهى . (وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالًا، فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ) قال الداوديّ ﵀: المراد بالعصبة هنا الورثة، لا من يَرِث بالتعصيب؛ لأن العاصب في الاصطلاح من له سهم مقدَّر من المُجْمَع على توريثهم، ويرث كلُّ المال إذا انفرد، ويرث ما فضل بعد الفروض بالتعصيب، وقيل: المراد بالعصبة هنا: قرابة الرجل، وهم من يلتقي مع الميت في أب، ولو علا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يحيطون به، يقال: عَصَب الرجل بفلان: أحاط به، ومن ثَمَّ قيل: تعصَّب لفلان؛ أي: أحاط به. وقال الكرمانيّ ﵀: المراد: العصبة بعد أصحاب الفروض، قال: ويؤخذ حكم أصحاب الفروض من ذكر العصبة بطريق الأولي، ويشير إلى ذلك قوله: «من كانوا»، فإنه يتناول أنواع المنتسبين إليه بالنفس، أو بالغير، قال: ويَحْتَمِل أن تكون«من» شرطيّة. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أَوَّل الكتاب قال: [٤١٥٣] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ، فِي كِتَابِ اللهِ -عَزَّوَجَلَّ-، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيْعَةً، فَادْعُونِي، فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا، فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) أنه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قد تقدّم شرح هذا الكلام غير مرّة، وهو إشارة إلى أن هذا الحديث مأخوذ من «صحيفة» همّام بن منبّه، وهي مطبوعة اليوم مستقلّة، وهذا الحديث فيها هو الحديث (١٢١) وفيها: «فأيكم ترك دينًا أو ضيعةً، فادعوني، فإني وليّه، وأيكم ما ترك مالًا …» من غير زيادة «ما» في الأول دون الثاني. (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير همّام، وقوله: (أَحَادِيثَ) منصوب على المفعوليّة وقوله: (مِنْهَا) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) إذ هو محكيّ لقصد لفظه مبتدأ مؤخّر («أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بالْمُؤْمِنِينَ) قال الحافظ وليّ الدين ﵀: إنما قَيَّد ذلك بالناس؛ لأنَّ الله تعالى أَولى بهم منه، وقوله: (فِي كِتَابِ اللهِ -عَزَّوَجَلَّ-) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقد صَرَّح بذلك في رواية البخاريّ، من طريق عبد الرَّحمن بن أبي عمرة، بلفظ:»ما من مؤمن إلَّا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. [فإن قلت]: الذي في الآية المكريمة أنه أولى بهم من أنفسهم، ودلّ الحديث على أنَّه أولى بهم من سائر الناس، ففيه زيادة. [قلت]: إذا كان أولى بهم من أنفسهم، فهو أولى بهم من بقية الناس، من باب أولى؛ لأن الإنسان أولى بنفسه من غيره، فإذا تقدم النبيّ -ﷺ- على النفس، فتقدُّمه في ذلك على الغير من طريق أولي، وحكى ابن عطية في «تفسيره» عن بعض العلماء العارفين أنه قال: هو أولى بهم من أنفسهم؛ لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة، قال ابن عطية: ويؤيد هذا قوله -ﷺ-: «وأنا آخذ بِحُجَزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها تَقَحُّم الفراش» . [تنبيه]: قال وليّ الدين ﵀: اسَتْنَبط أصحابنا الشافعية من هذه الآية المكريمة أن له -﵊- أن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما، إذا احتاج -﵊- إليهما، وعلى صاحبهما البذل، ويَفْدِي بمُهْجَته مهجة رسول الله -ﷺ-، وأنه لو قصده -ﷺ- ظالم وجب على من حضره أَن يبذل نفسه دونه، وهو استنباط واضح. قال: ولم يذكر النبيّ -ﷺ- نزول هذه الآية ما له في ذلك من الحظ، وإنما ذكر ما هو عليه فقال: «أيكم ما ترك دينًا، أو ضيعةً، فادعوني، فأنا وليه»، وترك حظه، فقال: «وأيكم ما ترك مالًا فليؤثر عصبته من كان». انتهى . (فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا) ما زائدة للتأكيد (أَوْ ضَيْعَةً) -بفتح الضاد، وإسكان الياء المثناة من تحتُ بعدها عين مهملة- وفي رواية أخرى: «ضَياعًا» -بفتح الضاد- والمراد بهما هنا: عيال محتاجون ضائعون، والمعنى: مَن ترك أولادًا أو عيالًا ذوي ضَياع؛ أي: لا شيء لهم، وهو في الأصل مصدر مِنْ ضاع يضيع، وجُعِل اسمًا لكل ما يُعَرَّض للضَّياع، وكذا قوله في رواية أخرى: «كَلًّا»، وهو بفتح الكاف، وتشديد اللام، قال الخطابيّ وغيره: المراد به هنا: العيال، وأصله الثِّقَلُ. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: والضياع: العيال؛ قاله النضر بن شُمَيل، وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضاع يضيع، ضياعًا، ومثله: مضى يمضي مضاءً، وقضى يقضي قضاءً، أراد: من ترك عيالا عالة وأطفالا، فجاء بالمصدر موضع الاسم؛ كما تقول: ترك فقرًا؛ أي: فقراء. والضياع -بالكسر-: جمع ضائع؛ مثل: جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضًا: ما يكون منه معاشه؛ من صناعة أو غلة؛ قاله الأزهري. وقال شمر: ويدخل فيه: التجارة والحرفة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول: كذا. انتهى . (فَادْعُونِي، فَأَنَا وَليُّهُ) قال ابن عطية ﵀: أزال الله بهذه الآية أحكامًا كانت في صدر الإسلام: منها أن النبيّ -ﷺ- كان لا يصلي على ميت عليه دَين، فقال حين نزلت هذه الآية: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا أو ضَيَاعًا فعليّ، أنا وليّه، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. انتهى. قال وليّ الدين: والذي تقدم من«الصحيحين»وغيرهما أنه -ﷺ- فَعَل ذلك حين فَتْحِ الفتوح، واتساع الأموال، وكيف كان فهذا الحكم، وهو امتناعه -ﷺ- من الصلاة على من مات، وعليه دَين منسوخ بلا شكّ، فصار يصلي عليه، وُيوَفِّي دينه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهل كان ذلك محرَّمًا عليه أم لا؟ فيه خلاف لأصحابنا الشافعية، حكاه أبو العباس الرويانيّ في«الجرجانيات»، وحَكَى خلافًا أيضًا في أنه هل كان يجوز له أن يصلي مع وجود الضامن؟ وقال النوويّ ﵀: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن. انتهى. والظاهر أن ذلك لم يكن محرَّمًا عليه، وإنما كان يفعله لِيُحرِّض الناس على قضاء الدَّين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منه؛ لئلا تفوتهم صلاة النبيّ -ﷺ- عليهم، فلما فَتَحَ الله عليه الفتوح، صار يصلي عليهم، ويقضي دَين من لم يَخْلُف وفاءً كما تقدم، والله أعلم. (وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا) «ما» زائدة، كما تقدّم، وذِكْر المال خرج مخرج الغالب، فإن الحقوق تورّث، كالأموال، قاله وليّ الدين ﵀ . وقوله: (فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ) ببناء الفعل للمجهول، من الإيثار، ونائب فاعله قوله: (عَصَبَتُهُ)؛ يعني: أنه ينبغي أن يؤثر عصبته بماله، فيُدفع إليهم، وفي رواية «فليُورّث» من التوريث، قال وليّ الدين: ﵀: قوله: «فليوَرث» بضم الياء، وفتح الواو والراء، وتشديدها، وقوله: «عصبتُهُ» مرفوع لنيابته عن الفاعل، وَيحْتَمِل نصبه، ويكون النائب عن الفاعل ضميرًا يعود على الميت - أي: فيكون «عصبته» مفعولًا ثانيًا - أي: فليورّث هو عصبتَهُ، والأول هو المعروف. انتهى. وقوله: (مَنْ كَانَ»)؛ أيّ: أيًّا كان ذلك العصبة؛ يعني: أنه يُعطى المال للعصبة من غير نظر إلى أوصافهم، وقال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: قد يكون لأصحاب الفروض. قلت: هم مقدّمون على العصبة، فإذا كان للأبعد فبالطريق الأَولى للأقرب أيضًا. انتهى . وقال وليّ الدين: قوله:«من كان»؛ أي: العصبة هذا على الإعراب الأول، ويدلّ له قوله في الرواية الأخرى:«من كانوا»، وعلى الاحتمال الذي قدمناه -يعني: نصب«عصبتَه»- يكون المراد: من كان الميت. و«العصبة»: الأقارب من جهة الأب، كذا عرّفه أهل اللغة، ومنهم الجوهريّ، وصاحب«النهاية»، قال الجوهريّ: وإنما سُمُّوا عصبة؛ لأنهم عَصَبوا به؛ أي: أحاطوا به، فالأب طرف، والابن طرف، والعم جانب، والأخ جانب. وقال صاحب«النهاية»: لأنهم يعصبونه، ويعتصب بهم؛ أي: يحيطون به، ويشتدّ بهم. وقال صاحب«المحكم»: العصبة: الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد، ولا ولد، فأما في الفرائض: فكل من لم يكن له فريضة مسماة، فهو عصبة، إن بقي شيء بعد الفرض أخذ. وقال صاحب«المشارق»: عصبة المواريث: هم الكلالة من الورثة، من عدا الآباء والأبناء الأدنياء، وتكون أيضًا في المواريث: كلُّ من ليس له فرض مسمي، وكلام الجوهريّ يقتضي أن العصبة مفرد، فإنه قال: إن جمعه العصبات، وحكى القاضي في«المشارق»أنه قيل: إن العصبة جماعة، ليس لها واحد. قال: وعَرَّف أصحابنا الفقهاء العصبة بأنه من وَرِث بالإجماع، ولا فرض له، واحترزوا بقولهم: بالإجماع عن ذوي الأرحام، فإن مَن وَرَّثهم لا يسميهم عصبة. وأُورد على هذا التعريف أمران: [أحدهما]: أن لنا من يرث بالتعصيب، وهو ذو فرض، كابن عمّ، هو أخ لأم، أو زوج. [الثاني]: أن لنا من في إرثه خلاف، وهو عند من ورَّثه عصبة، كالقاتل، والتوأمين المنفيين باللعان، فينبغي أن يقال: من ورَّث لِمُجْمَع على التوريث بمثله بلا تقدير. ثم قَسَمَ أصحابنا العصبة: إلى عصبة بنفسه، وعصبة بغيره، ومنهم من زاد قسمًا ثالثًا، وهو عصبة مع غيره. وعَرَّف جماعة، منهم أبو إسحاق الشيرازيّ، والرافعيّ العصبة بنفسه بأنه كلُّ ذكر يُدلي إلى الميت بغير واسطة، أو بتوسط محض الذكور، وأورد على هذا أنه يتناول الزوج، فإنه يدلي إلى الميت بغير واسطة، مع أنه ليس عصبة، ويُخرج عنه المولاة المعتقة، مع أنها عصبة، ولهذا قال النوويّ ﵀: ينبغي أن يقال: هو كلُّ ذَكَرٍ نَسِيب إلى آخر ما تقدم. انتهى . وقال وليّ الدين ﵀ أيضًا: قوله: «فليُوَرَّث عصبته» هو مثل قوله في رواية مسلم: «فإلى العصبة من كان»، وفي رواية للبخاري: «فماله لموالي العصبة»، والظاهر أنه من إضافة الموصوف لصفته، وأصله للموالي العصبة، واحترز بذلك عن الموالي الذين ليسوا عصبة، فقد يكون الرجل مولى بقرابة إناث، أو بإعتاق من أسفل، أو بنصر، أو بغير ذلك، وليس عصبة، فلا إرث له، وفي رواية أخرى في «الصحيحين»: «فلورثته»، وهذه أعمّ؛ لتناولها أصحاب الفروض أيضًا، وذوي الأرحام عند من يورِّثهم، والظاهر أنه إنما اقتصر في الرواية الأخرى على العصبة؛ لوضوح أمر أصحاب الفروض، والنص على توريثهم في القرآن الكريم. انتهى. وقال أيضًا: استدَلَّ به البخاريّ على أنَّ المرأة إذا تُوفِّيت عن ابني عم، أحدهما أخ لأم، والآخر زوج، أن للزوج النصف، وللأخ من الأم السدس، والباقي بينهما نصفين، وحكاه عن عليّ بن أبي طالب، ووجهه أنهما متساويان في العصوبة، فيقسم الباقي بعد فرضيها بينهما نصفين؛ لأنه -ﷺ- قال: «فماله للعصبة»، فلا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر في ذلك بلا مرجح، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعيّ، وفي وجه في مذهب الشافعيّ أن الباقي كله للأخ من الأم؛ لزيادته بقرابة الأم، فأشبه الأخ الشقيق مع الأخ للأب، وهذا ضعيف، والله أعلم. انتهى . [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين ﵀: هذا الحديث أخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، وأخرجه الأئمة الستة خلا أبا داود، من طريق الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن رسول الله -ﷺ- كان يؤتى بالرجل المتوفَّي، عليه الدَّين، فيسأل هل ترك لدينه فضلًا؟ فإن حُدِّث أنه ترك لدينه وفاءً، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلما فَتَحَ الله عليه الفتوح، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من تُوُفِّي من المؤمنين، فترك دينًا فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته»، لفظ البخاريّ، وقال الباقون: «قضاءً» بدل «فضلًا»، وكذا هو عند بعض رواة البخاريّ. وأخرجه الشيخان، وأبو داود من رواية أبي حازم، عن أبي هريرة، بلفظ: «من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كَلًّا فإلينا»، وفي لفظ لمسلم: «وَليتُهُ». وأخرجه البخاريّ، والنسائيّ من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وترك مالًا، فماله لموالي العصبة، ومن ترك كَلًّا أو ضَيَاعًا فأنا وليّه، فَلْاُدْعَى له». وأخرجه البخاريّ من رواية عبد الرَّحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، بلفظ: «ما من مؤمن إلَّا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فأيما مؤمن مات وترك مالًا، فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دَينًا، أو ضَيَاعًا، فليأتني، فأنا مولاه». وأخرجه مسلم من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: «والذي نفس محمد بيده، إِنْ على الأرض من مؤمن، إلَّا وأنا أولى الناس به، فأيكم ما ترك دَينًا، أو ضَيَاعًا، فأنا مولاه، وأيكم ما ترك مالًا فإلى العصبة من كان». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٤] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَرَثَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدّم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبري، أبو المثنَّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَدِيُّ) بن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. ٥ - (أَبو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدّم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. ٦ - (أبو هريرة) -﵁-، تقدم قريبًا. وقوله: (كَلًّا) -بفتح الكاف، وتشديد اللام- المراد به هنا العيال، كما تقدّم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أَوَّل الكتاب قال: [٤١٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَثَنَا غُنْدَرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ: «وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا وَلِيتُهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) تقدّم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٨. ٢ - (غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية غندر، عن شعبة ساقها الإمام أحمد في «مسنده» مقرونًا بشعبة، فقال: (٩٨٧٦) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جَعْفَرٍ، وَبَهْزٌ، قَالَا: ثنا شُعْبَةُ، عن عديّ بن ثَابِتٍ، قال بَهْزٌ في حَدِيثِهِ: قال: ثنا عديُّ بن ثَابِتٍ، قال: سمعت أَبَا حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّﷺ- أنه قال: «من تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كلًّا وُلِّيتُهُ»، قال بَهْزٌ: «وَمَنْ تَرَكَ كلًّا فَإِلَيْنَا». انتهى. وأما رواية عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن شعبة، فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * ٢٣ - (كِتَابُ الْهِبَاتِ) أي: هذا كتاب في بيان الأحاديث الدالّة على أحكام الهبات. و«الْهِبَاتُ»: جمع هِبَة - بكسر الهاء، وتخفيف الموحَّدة، قال الفيّوميّ ﵀: وهَبْتُ لزيد مالًا له هَبُهُ له هِبَة: أعطيته بلا عوض، يتعدَّى إلى الأول باللام، وفي التنزيل: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، ووَهْبًا بفتح الهاء، وسكونها، ومَوْهِبًا، ومَوْهِبَةً بكسرهما، قال ابن الْقُوطِيّة، والسَّرَقُسْطِيُّ، والْمُطَرِّزِيُّ، وجماعة: ولا يتعدَّى إلى الأول بنفسه، فلا يقال: وَهَبْتُكَ مالًا، والفقهاء يقولونه، وقد يُجْعَل له وجهٌ، وهو أن يُضَمَّن وَهَبَ معنى جَعَلَ ، فيتعدّى بنفسه إلى مفعولين، ومن كلامهم: وَهَبَنِي الله فداك؛ أي: جعلني ، لكن لم يُسْمَع في كلام فصيح، وزيد مَوْهُوبٌ له، والمال مَوْهُوبٌ، واتّهَبْتُ الهِبةَ: قبلتها، واسْتَوهَبْتُها: سألتها، وتَواهَبُوا: وَهَبَ بعضهم لبعض. انتهى . وقال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «كتاب الهبة، وفضلها، والتحريض عليها». قال في «الفتح»: «الهبة» -بكسر الهاء، وتخفيف الباء الموحَّدة- تُطْلَق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدَّين ممن هو عليه، والصدقة، وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية، وهي ما يُكْرَم به الموهوب له، ومن خَصّها بالحياة أخرج الوصية، وهي تكون أيضًا بالأنواع الثلاثة، وتُطْلَق الهبة بالمعنى الأخصّ على ما لا يُقْصَد له بدل، وعليه ينطبق قول مَن عَرَّف الهبة بأنها تمليك بلا عوض، وصنيع البخاريّ محمول على المعنى الأعم؛ لأنه أدخل فيها الهدايا. انتهى . وقال في «العمدة»: قال في «التوضيح»: أصل الهبة من هبوب الريح؛ أي: مروره، قلت : هذا غلط صريح، بل الهبة مصدرٌ من وَهَب يَهَبُ، وأصلها وِهْبٌ؛ لأنه معتل الفاء؛ كالعِدَة، أصلها وِعْدٌ، فلما حُذفت الواو تبعًا لفعله، عُوّضت عنها الهاء، فقيل: هِبَةٌ، وعِدَةٌ. ومعناها في اللغة: إيصال الشيء للغير بما ينفعه، سواء كان مالًا، أو غير مال، يقال: وهبت له مالًا، ووهب الله فلانًا ولدًا صالِحًا، ويقال: وهبه مالًا أيضًا، ولا يقال: وهب منه، ويسمّى الموهوب هِبَةً، ومَوْهِبَةً، والجمع: هِبَات، ومَوَاهِب، واتَّهَبه منه: إذا قبله، واستوهبه إياه: إذا طلب الهبة. وفي الشرع: الهبة تمليك المال بلا عوض، وقال الكرمانيّ: الهبة تمليك بلا عوض، وتحتها أنواع، كالإبراء، وهي هبة الدَّين ممن عليه، والصدقة، وهي الهبة لثواب الآخرة، والهدية، وهي ما يُنقَل إلى الموهوب منه إكرامًا له. قال: وأخذ بعضهم كلام الكرمانيّ هذا، وذكر التقسيم المذكور بعد أن قال: الهبة تُطلَق بالمعنى الأعمّ على أنواع، ثم قال: وتطلق الهبة بالمعنى الأخصّ على ما لا يُقصد له بدل، وعليه ينطبق قول مَن عَرَّف الهبة بأنها تمليك بلا عوض. انتهى. قلت : تقسيم الهبة إلى الأنواع المذكورة ليس بالنظر إلى معناها الشرعيّ، وإنما هو بالنظر إلى معناها اللغويّ؛ لأن الأنواع المذكورة إنما تنطبق
مصادر المؤلف (٣٦)

١. «الفتح» ٦/ ٨٣، كتاب «الكفالة» رقم (٢٢٩٨).

٢. «شرح النوويّ» ١١/ ٦٠.

٣. «المفهم» ٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥.

٤. «الفتح»٦/ ٨٤ - ٨٥، كتاب«الكفالة» رقم (٢٢٩٨).

٥. «شرح النوويّ» ١١/ ٦٠ - ٦١.

٦. «الفتح»١٥/ ٤٢٩، كتاب«الفرائض»رقم (٦٧٣١).

٧. «شرح النوويّ في ١١/ ٦٠.

٨. «المفهم» ٢/ ٥١٠.

٩. «المفهم» ٢/ ٥١٠.

١٠. «تفسير ابن كثير» ٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠.

١١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٦/ ١٩٥ - ١٩٦.

١٢. هو: ابن هارون.

١٣. وفي نسخة: «إلَّا وأنا».

١٤. راجع: «شرح النوويّ» ١١/ ٦١.

١٥. «المفهم» ٤/ ٥٧٦.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٦.

١٧. راجع: «المبسوط» ٣/ ١٨، كتاب «الزكاة»، «باب ما يوضع فيه الخمس».

١٨. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٢/ ٤٨.

١٩. «الفتح» ١٥/ ٤٢٩ - ٤٣٠.

٢٠. متّفقٌ عليه بنحوه.

٢١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٦/ ١٩٥.

٢٢. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٦/ ١٩٦.

٢٣. «المفهم» ٢/ ٥٠٩.

٢٤. «طرح التثريب» ٦/ ١٩٧.

٢٥. «شرح الكرمانيّ على صحيح البخاري» ٢٣/ ١٦٧.

٢٦. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٦/ ١٩٧ - ١٩٨.

٢٧. «طرح التثريب» ٦/ ١٩٧ - ١٩٨.

٢٨. كذا في النسخة، والظاهر أنه«فلْأُدْعَ» بحذف الألف للجزم، فليُتنبّه.

٢٩. «طرح التثريب» ٦/ ١٩٤ - ١٩٥.

٣٠. وفي نسخة: «عَنْ عَدِيٍّ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ».

٣١. اعترض بعضهم هذا -كما في هامش «المصباح»- فقال: جَعَلَ الناصبة مفعولين لا يُمكن تضمين معناها وَهَبَ؛ إذ يُشترط أن يكون مفعولاها مبتدأ وخبرًا في الأصل، والمال لا يُخبر به عن زيد، ولو قال: بتضمين وَهَبَ معنى «أعطى» كان قريبًا من الصواب. انتهي، وهو تعقّب وجيهٌ، فتأمّل.

٣٢. تعقّبه في الهامش بأن «وهب» هنا بمعنى صَيَّرَ، ولا يصحّ أن يقال: وهبت زيدًا مالًا، بمعنى صيّرت زيدًا مالًا. انتهى.

٣٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧٣ - ٦٧٤.

٣٤. «الفتح» ٦/ ٤١٥، كتاب«الهبة» رقم (٢٥٦٦).

٣٥. القائل هو: العينيّ ﵀، وهو صاحب «عمدة القاري».

٣٦. القائل: العينيّ.