HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٢٠

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حدثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ. فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ. فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ (لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ. فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قيئه).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص63
ج ٣ ص ١٢٣٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٢٥١
على المعنى اللغويّ، لا الشرعيّ، فافهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: اعتراض العينيّ على الحافظ في غير محلّه، فإنه لم يقل: إن هذا الإطلاق شرعيّ، بل ظاهر سياقه أنه يريد المعنى اللغويّ، فتأمل كلامه بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. وقال ابن قُدامة ﵀ في «المغني»: الهبة، والصدقة، والهديّة، والعطيّة معانيها متقاربة، وكلّها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبةُ، والصدقةُ، والهديةُ متغايرة ، فإن النبيّ ﵀ كان يأكل الهديّة، ولا يأكل الصدقة، وقال في اللحم الذي تُصُدّق به على بَرِيرة -﵂-: «هو عليها صدقة، ولنا هدية»، فالظاهر أن من أعطى شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة، ومن دفع إلى إنسان شيئًا للتقرب إليه، والمحبة له، فهو هديّة، وجميع ذلك مندوب إليه، ومحثوث إليه، فإن النبيّ -ﷺ- قال: «تهادَوْا تَحَابُّوا» . وأما الصدقة فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكننا حصره، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] ، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - (بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٦] (١٦٢٠) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرَّحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه أحدًا في «الموطّإ»، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د، س) تقدّم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أنسِ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير الْمُثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدَّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيه، كان يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (أبوه) أسلم الْعَدويّ، مولاهم، أبو خالد، ويقال: أبو زيد، قيل: إنه حبشيّ، وقيل: من سبي عين التمر، المدنيّ، ثقةُ مخضرم [٢]. أدرك زمن النبيّ -ﷺ-، وروى عن أبي بكر، ومولاه عمر، وعثمان، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيد، وحفصة -﵃-، وغيرهم. وروى عنه ابنه زيد، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. قال ابن إسحاق: بعث أبو بكر عمر سنة (١١) فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه. وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ، من كبار التابعين. وقال أبو زرعة: ثقةٌ. وقال أبو عبيد: تُوُفّي سنة (٨٠)، وقال غيره: وهو ابن (١١٤) سنة. قال الحافظ: هذا حكاه البخاريّ، والفسويّ في «تاريخهما» عن إبراهيم ابن المنذر، عن زيد بن عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، وزاد: صلى عليه مروان، وهو يقتضي أنه مات قبل سنة (٨٠)، بل قبل سنة (٧٠)، ويدل له أن البخاريّ ذكر ذلك في «التاريخ الأوسط» في فصل من مات بين الستين إلى السبعين، ومروان مات سنة (٦٤)، ونُفي من المدينة في أوائلها. ورَوَى ابن منده، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» بإسناد ضعيف أن أسلم سافر مع النبيّ -ﷺ-، لكن يَحْتَمِل لو صح السند أن يكون أسلم آخر غير مولى عمر، وقد أوضحت ذلك في «معرفة الصحابة». وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةٌ، وهو من جِلّة موالي عمر، وكان يُقدّمه. انتهى . ٥ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁-، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين من أوله إلى آخره، وشيخه وإن كان بصريًّا إلَّا أنه سكن المدينة أيضًا، ورجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وفيه رواية الابن عن أبيه عن مولاه، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عمر -﵁- أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة -﵃-، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) وفي رواية للبخاريّ، عن الحميديّ: «حدّثنا سفيان، سمعت مالكًا يسأل زيد بن أسلم، فقال: سمعت أبي …»، فذكره مختصرًا، ولمالك فيه إسناد آخر: عن نافع، عن ابن عمر، سيأتي بعد ثلاثة أحاديث، وله أيضًا فيه إسناد ثالث، عن عمرو بن دينار، عن ثابت الأحنف، عن ابن عمر، أخرجه ابن عبد البرّ، قاله في «الفتح» . (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَابِ) -﵁-، وفي رواية البخاريّ: «سمعت عمر بن الخطّاب -﵁-»، وزاد ابن المدينيّ عن سفيان: «على المنبر»، وهي في «الموطآت للدارقطنيّ» . وهذا صريح في كون الحديث من مسند عمر -﵁-، وأما الرواية الآتية عن نافع، عن ابن عمر، وكذا عن سالم، عنه، فإنها ظاهرة في كونه من مسند ابن عمر -﵄-، وقد رجّح الدارقطنيّ الثانية، والصحيح أن رواية أسلم، عن عمر -﵁- نفسِهِ، وأما رواية نافع، وسالم، فإنها عن ابن عمر -﵄-. أفاده الحافظ ﵀. (قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) بفتحتين، قال الفيّوميّ ﵀: الفَرَسُ يقع على الذكر والأنثي، فيقال: هو الفَرَسُ، وهي الفَرَسُ، وتصغير الذكر: فُرَيْسٌ، والأنثى: فُرَيْسَةٌ، على القياس، وجُمعت الفَرَسُ على غير لفظها، فقيل: خيلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثَلَاثَةُ أَفْراس بالهاء للذكور، وثَلَاثُ أفْرَاسٍ، بحذفها للإناث، ويقع على التركيّ، والعربيّ، قال ابن الأنباريّ: وربما بنوا الأنثى على الذكر، فقالوا فيها: فَرَسَةٌ، وحكاه يونس سماعًا عن العرب. انتهى . وقوله: (عَتِيقٍ) -بفتح العين المهملة، وكسر المثنّاة-: الكريم الفائق من كلّ شيء، وهذا الفرس أخرج ابن سعد عن الواقديّ بسنده، عن سهل بن سعد في تسمية خيل النبيّ -ﷺ-، قال: «وأهدى تميم الداريّ له فرسًا، يقال له: الورد، فأعطاه عمر، فحَمَل عليه عمر في سبيل الله، فوجده يباع …» الحديث، فعُرِف بهذا تسميته، وأصله، ولا يعارضه ما أخرجه مسلم، ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة في «مستخرجه» من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر حَمَل على فرس في سبيل الله، فأعطاه رسول الله -ﷺ- رجلًا؛ لأنَّه يُحمل على أنَّ عمر لما أراد أن يتصدق به، فَوَّض إلى رسول الله -ﷺ- اختيار من يتصدق به عليه، أو استشاره فيمن يَحمله عليه، فأشار به عليه، فنُسبت إليه العطية؛ لكونه أمره بها، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ ﵀: قول عمر -﵁-: «حملت على فرس عتيق في سبيل الله»؛ يعني: أنه تصدَّق به على رجل ليجاهد عليه، ويتملَّكه، لا على وجه الحبس؛ إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، وقد وجده عمر -﵁- في السوق يباع، وقد قال -ﷺ-: «لا تبتعه، ولا تَعُدْ في حدقتك»، فدلَّ على أنه مَلَّكه إيَّاه على جهة الصَّدقة ليجاهد عليه في سبيل الله. والعتيق من الخيل: الكريم الأبوين. و«سبيل الله»: الجهاد هنا، وهو العُرْف فيه. انتهى . (فِي سَبِيلِ اللهِ) -عَزَّوَجَلَّ-، وفي رواية عُقيل، عن الزهريّ: «أن عمر تصدّق بفرس»، والمعنى أنه ملّكه له، ولذا ساغ له بيعه، ومنهم من قال: كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هُزَالٌ، عَجَزَ لأجله عن اللحاق بالخيل، وضعف عن ذلك، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به، وأجاز ذلك ابن القاسم، ويدلّ على أنه تمليك قوله: «ولا تَعُد في صدقتك»، ولو كان حبيسًا لعلّله به، قاله في «الفتح». وقال في موضع آخر: قوله: «في سبيل الله» ظاهره أنه حمله عليه حَمْلَ تمليك؛ ليجاهد به؛ إذ لو كان حَمْل تحبيس لم يجز بيعه، وقيل: بلغ إلى حالة لا يمكن الانتفاع به فيما حُبس فيه، وهو مفتقر إلى ثبوت ذلك، ويدلّ على أنه تمليك قوله: «العائد في هبته»، ولو كان حبسًا لقال: في حبسه، أو وقفه، وعلى هذا فالمراد بسبيل الله: الجهاد، لا الوقف، فلا حجة فيه لمن أجاز بيع الموقوف إذا بلغ غاية لا يُتَصَوَّر الانتفاع به فيما وُقِف له. انتهى . (فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ) ومعنى إضاعته له: أنه لم يحسن القيام عليه، وقَصَّر في مؤونته، وخدمته، وقيل: أي لم يَعْرِف مقداره، فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل: معناه: استعمله في غير ما جُعل له، والأول أظهر، ويؤيده الرواية التالية من طريق رَوْح بن القاسم، عن زيد بن أسلم: «فوجده عند صاحبه، وقد أضاعه، وكان قليل المال»، فأشار إلى علة ذلك، وإلى العذر المذكور في إرادة بيعه، قال عمر - ﵁ -: «فظننت أنه بائعه بِرُخْصٍ». وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «فأضاعه صاحبه»؛ أي: فرَّط فيه، ولم يُحسن القيام عليه، وهذا الذي قلناه أَولى مِن قول مَن قال: إنه حبسٌ في سبيل الله، قال: وبيعه إنما كان لمّا أضاعه صاحبه صار بحيث لا يصلح للجهاد، وهذا هو الذي صار إليه مالك تفريعًا على القول بجواز تحبيس الحيوان أنه يباع إذا هَرِمَ، ويُستبدل بثمنه في ذلك الوجه المُحْبَس فيه، أو يعين بثمنه فيه، والقول الأول أظهر؛ لِمَا ذكرناه، ولأنه لو كان ذلك لسأل عن هذا الفرس، هل تغيَّر عن حاله أم لا؟ ولنَظَر في أمره. انتهى . (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ) -بضمّ، فسكون-: ضدّ الغَلَاء؛ أي: بثمن قليل، قال القرطبيّ ﵀: إنَّما ظن ذلك؛ لأنه هو الذي كان أعطاه إيَّاه، فتعلَّق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذٍ يكون ذلك رجوعًا في عين ما تصدَّق به في سبيل الله، ولَمَّا فَهِم النبيّ -ﷺ- هذا نهاه عن ابتياعه، وسَمَّى ذلك عَوْدًا، فقال: «لا تبتعه، ولا تَعُدْ في صدقتك». انتهى. (فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن حكم شرائه (فَقَالَ) -ﷺ-: («لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَبْتَعْهُ) وفي الرواية التالية:»لا تشتره«، قال في»الفتح«: سُمِّي الشراء عَوْدًا في الصدقة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري، فأُطلق على القدر الذي يُسامَح به رجوعًا، وأشار إلى الرُّخْص بقوله:»وإن أعطاكه بدرهم«، ويستفاد من قوله:»وإن أعطاكه بدرهم«أن البائع كان قد ملكه، ولو كان مُحَبَّسًا كما ادَّعاه بعضهم، وجاز بيعه؛ لكونه صار لا ينتفع به فيما حُبِّس له لَمَا كان له أن يبيعه إلَّا بالقيمة الوافرة، ولا كان له أن يسامح منها بشيء، ولو كان المشتري هو المحبِّس، والله أعلم. وقد استشكله الإسماعيليّ، وقال: إذا كان شرط الواقف ما تقدم ذكره في حديث ابن عمر في وقف عمر:«لا يباع أصله، ولا يوهب»، فكيف يجوز أن يباع الفرس الموهوب؛ وكيف لا يُنْهَى بائعه، أو يمنع من بيعه؟ قال: فلعل معناه أن عمر جعله صدقة، يعطيها من يرى رسول الله -ﷺ- إعطاءه، فأعطاها النبيّ -ﷺ- الرجل المذكور، فجرى منه ما ذُكِر. ويستفاد من التعليل المذكور أيضًا أنه لو وجده مثلًا يباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النهي. انتهى. (وَلَا) ناهية أيضًا (تَعُدْ) -بضمّ العين: مضارع عاد إلى الشيء: إذا رجع إليه، قال الفيّوميّ: عاد إلى كذا، وعاد له أيضًا يعود عَوْدَةً، وعَوْدًا: صار إليه، وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ أي: لا ترجع (فِي صَدَقَتِكَ) ثم علّل نهيه عن العود في صدقته، فقال: (فَإِنَّ الْعَائِدَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الراجع (فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ») الغرض من التشبيه تقبيح سورة ذلك الفعل، وفي رواية:«كالعائد في قيئه»واستدلّ به على تحريم ذلك؛ لأن أكل القيء حرام، قال القرطبيّ: وهذا هو الظاهر من سياق الحديث، ويَحْتَمِل أن يكون التشبيه للتنفير خاصّة؛ لكون القيء مما يُستقذر، وهو قول الأكثرين، ويلتحق بالصدقة: الكفّارات، والنذر، وغيرهما من القربات، وأما إذا ورثه فلا كراهة، وأبعدَ من قال: يتصدّق به. انتهى. [تنبيه]: زاد في رواية سالم عند البخاريّ في آخر الحديث:«ولهذا كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدّق به إلَّا جعله صدقة»؛ يعني: أن ابن عمر -﵄- كان إذا اتَّفَق له أن يشتري شيئًا مما تَصَدّق به لا يتركه في ملكه حتى يتصدّق به، وكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملّكها، لا لمن يردّها صدقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤١٥٦ و٤١٥٧ و٤١٥٨ و٤١٥٩ و٤١٦٠ و٤١٦١ و٤١٦٢] (١٦٢٠ و١٦٢١)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٤٨٩ و١٤٩٠) و«الهبة» (٢٦٢٣ و٢٦٣٦) و«الوصايا» (٢٧٧٥) و«الجهاد والسير» (٢٩٧٠ و٢٩٧١ و٣٠٠٢ و٣٠٠٣)، و(أبو داود) في «الزكاة» (١٥٩٣)، و(الترمذيّ) في «الزكاة» (٦٦٨)، و(النسائيّ) في «الزكاة» (٥/ ١٠٨ و١٠٩) و«الكبرى» (٢/ ٥٩)، و(ابن ماجه) في «الإحكام» (٢٣٩٠ و٢٣٩٢)، و(مالك) في «الموطّإ» (٦٢٤ و٦٢٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٧ و٣٤ و٥٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١٢٤ و٥١٢٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٥٢ و٣/ ٤٥١ و٤٥٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥/ ٨٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم شراء الصدقة، وهو المنع؛ لأنه يكون رجوعًا عنها. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الحمل في سبيل الله تعالي، والإعانة على الغزو بكلّ شيء. ٣ - (ومنها): أن الحمل في سبيل الله يكون تمليكًا، فيجوز للمحمول بيعه، والانتفاع بثمنه. ٤ - (ومنها): استعمال التشبيه في توضيح المسائل. ٥ - (ومنها): بيان فضل عمر -﵁-، حيث امتنع من شراء صدقته، وقد وجدها تباع برخص، حتى استشار النبيّ -ﷺ-، وعَلِم حكم الله في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم شراء الصدقة: ذهب الجمهور، ومنهم مالك، والكوفيون، والشافعيّ -كما قال ابن بطّال- إلى كراهة ذلك؛ لحديث الباب، وسواء كانت الصدقة فرضًا، أو تطوّعًا، فإن اشترى أحد صدقته لم يُفسخ بيعه، وأولى به التنزه عنها، وكذا قولهم فيما يخرجه المكفّر في كفّارة اليمين. وذهب قوم إلى جواز شرائها، ومنهم -كما قال ابن المنذر- الحسن، وعكرمة، وربيعة، والأوزاعيّ. وذهب قوم إلى تحريم ذلك، فلا يجوز لأحد أن يشتري صدقته، ويفسخ البيع، قال القرطبيّ وغيره: وهو الظاهر. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: واختُلِف في هذا النهي؛ هل يُحمل على ظاهره من التحريم؟ لأنه يفهم من تشبيهه بالكلب التحريم؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، أو على الكراهة؛ لأن تشبيهه بالقيء إنما يدلُّ على الاستقذار والعيافة للنَّفرة الموجودة من ذلك، لا أنه يحرم العود في القيء إلَّا أن يتغير للنجاسة، فحينئذ يحرم لكونه نجاسة، لا لكونه قيئًا، والأول في كتاب ابن الموّاز ، وقال به الداوديّ، والثاني: عليه أكثر النَّاس. قال القرطبيّ: ويَحتاج موضع الخلاف إلى تنقيح، فنقول: أما الصَّدقة في السَّبيل، أو على المسكين، أو على ذي الرَّحم إذا وصلت للمتصدِّق عليه فلا يحل الرُّجوع فيها بغير عوض، قولًا واحدًا؛ لأنه قد أخرجها عن ماله على وجه القربة لله تعالي، واستحقّها المتصدَّق عليه، ومَلَكها بالصدقة، والحوز، فالرجوع فيها، أو في بعضها حرام. وأما الرُّجوع فيها بالشراء الذي لا يُحَطُّ عنه فيه من ثمنها شيءٌ فمكروه؛ لأنه قد استردّ عينًا أخرجها لله تعالى. والأَولى: حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛ لأن النبيّ -ﷺ- فَهِم عن عمر -﵁- ما كان وقع له، من أنه يبيعه منه بحطيطة من الثمن، وهذا رجوع في بعض عين الصَّدقة، إلَّا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة، وكأنَّهم رأوا: أن هذه عطية مبتدأة من المتصَدَّق عليه، أو الموهوب له؛ لأنها عن طيب نفس منه، فكان ذلك للمتصدِّق أو الواهب مِلكًا جديدًا بطريق آخر، وهذا كما قال -ﷺ- لمن وهب أمةً لأمّه فماتت أمُّه، فسأل النبيّ -ﷺ- عن ذلك، فقال له النبيّ -ﷺ-: «وجب أجرك، وردَّها عليك الميراث»، غير أنه لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء أُخرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدِّين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروهًا من هذا الوجه، وهذا نحو مما قررناه في قصَّة تحرّج المهاجرين من المقام بمكة. قلت : والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم، فاجمع ألفاظه، وتدَبّر معانيها؛ يَلُحْ لك ذلك -إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي حملُ النهي على التحريم - كما قال القرطبيّ ﵀ هو الحقّ؛ لحديث عمر -﵁- المذكور في الباب، فإن النهي للتحريم على المذهب الراجح؛ كما أن الأمر للوجوب، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال رسول الله -ﷺ-: «وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه»، متّفقٌ عليه، ولا دليل هنا من نصّ، ولا إجماع يصرف النهي عن التحريم إلى كراهة التنزيه. والحاصل أن شراء الصدقة محرّم، يفسد به البيع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الطبريّ ﵀: يُخصّ من عموم هذا الحديث مَن وَهَب بشرط الثواب، ومن كان والدًا، والموهوب ولده، والهبة التي لم تُقبض، والتي ردّها الميراث إلى الواهب؛ لثبوت الأخبار باستثناء كلّ ذلك، وأما ما عدا ذلك، كالغنيّ يثيب الفقير، ونحو من يَصِل رحمه، فلا رجوع لهؤلاء، قال: ومما لا رجوع فيه مطلقًا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «مثل الذي يرجع في هبته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه»: إن كان المراد بالهبة الصدقة، كما قد جاء في الرواية الأخري، فقد تكلّمنا عليها، وإن كان المراد مطلق الهبة، فهي مخصوصة؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب، وهبة أحد الأبوين، فأما هبة الثواب، فقد قال بها مالك، وإسحاق، والطبريّ، والشافعيّ -في أحد قوليه-: إذا عُلِم أنه قصد الثواب؛ إما بالتصريح به، وإما بالعادة والقرائن، كهبة الفقير للغنيّ، والرَّجل للأمير، وبها قال أبو حنيفة: إذا شرط الثواب، وكذلك قال الشافعيّ في القول الآخر، وقد رُوي عنهما، وعن أبي ثور: منعها مطلقًا، ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل. والأصل في جواز هبة الثواب: ما خرَّجه الدارقطنيّ من حديث ابن عمر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «من وهب هبة فهو أحقّ بها ما لم يُثَبْ عليها منها»، قال: رواته كلهم ثقات. والصواب عن ابن عمر عن عمر قولَهُ، وما خرَّجه مالك عن عمر أنه قال: من وهب هبة لصلة الرَّحم، أو على وجه الصَّدقة أنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يُرْضَ منها، وما خرَّجه الترمذيّ من حديث أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبيّ -ﷺ- ناقة، فعوّضه منها بعض العوض، فتسخَّطه، وفي رواية: أهدى له بَكْرة، فعوَّضه ستَّ بكرات، فقال رسول الله على المنبر: «إن رجالًا من العرب يُهدي أحدُهم الهديَّة، فأعوِّضه منها بقدر ما عندي، فيظل يتسخَّطُ عليَّ، وايم الله! لا أقبل بعد يومي هذا من رجل من العرب هديَّة إلَّا من قرشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثقفيٍّ، أو دوسيٍّ» ، وهذا الحديث وإن لم يكن إسناده بالقويّ ، فيعضده كلّ ما تقدم، وما حكاه مالك من أن هبة الثواب مُجْمَعٌ عليها عندهم، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيع في جميع وجوهه، إلَّا وجهًا واحدًا؟! وهي: أن العوض فيها غير معلوم حالة العقد، وإنما سامح الشرع في هذا القدر؛ لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة، لا المشاحَّة، فعفا عن تعيين العوض فيه، كما فعل في نكاح التفويض. وأما هبة الأب لولده: فللأب الرجوع فيها، وإلى هذا ذهب مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، والأوزاعيّ، وقد اتفق هؤلاء على أنَّ ذلك للأب، وهل يُلْحَق بالأب الأم والجد؟ اختَلَف في ذلك قول مالك، والشافعيّ، ففي قول: يُقْصَرُ ذلك على الأب، وفي قول آخر: إلحاقهما به، والمشهور من مذهب مالك: إلحاق الأم، ومن مذهب الشافعيّ: إلحاق الأم، والأجداد، والجدَّات مطلقًا، والأصل في هذا الباب: ما خرَّجه النسائي من حديث ابن عمر، وابن عباس -﵃- عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «لا يحل لرجل يعطي عطية يرجع فيها إلَّا الوالد فيما يعطي ولده، ومَثَل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب، أكل حتَّى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه»، وهذا حديث صحيح. وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن من أعطى ولده عطيَّة ليس بصدقة أن له أن يعتصرها؛ ما لم يستحدث الولد دَينًا، أو ينكح، فليس للأب الاعتصار، وسبب اختلافهم في إلحاق غير الأب بالأب: هو أنَّه هل يتناول الملحق اسم الأبوة، أو الوالد، أم لا؟ وهل هم في معنى الأب، أو يُفرَّق بينهم وبينه؟ فإن للأب من الحق في مال الولد ما ليس لغيره، وله من خصوصية القُرْب ما ليس لهم. قال القرطبيّ: وأما إلحاق الأم فلا إشكال فيه، وقد أوغل الشافعيّ في استرجاع الأب لِمَا وهب، وتعلَّق بالولد من الدَّين والتزويج كلّ طلب، وللأب أن يعتصرها من كلّ من يقع عليه اسم ولد حقيقة، أو مجازًا، مثل ولده لصُلْبه، وولد ولده من أولاد البنين والبنات. وحملت طائفة حديث النَّهي عن الارتجاع في الهبة على عمومه، ولم يستثنوا من ذلك ولدًا ولا غيره، وبه قال طاووس، وأحمد، والرجوع عندهم في الهبة محرم مطلقًا، والحجَّة عليهم ما تقدَّم من الحديث، وعمل أهل المدينة الدَّالّين على استثناء الأب، وقالت طائفة أخرى: إن المراد بذلك النهي: من وهب لذي رحم، أو زوج، فلا يجوز له الرُّجوع، وإن وهب لغيرهم جاز الرُّجوع، وهو قول الثوريّ، والنخعيّ، وإسحاق، وقصره أبو حنيفة، والكوفيون على كلّ ذي رحم محرم فلا رجوع له فيما يهبه لهم، ويرجع فيما وهبه لغيرهم؛ وإن كانوا ذوي رحم. قال القرطبيّ: وهذه تحكُّمات على ذلك العموم. فيا لله من تلك المفهوم!!. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في «الفتح»: وقد استُشكل ذكر عمر -﵁- يعني: حمله في سبيل الله- مع ما فيه من إذاعة عمل البرّ، وكتمانُهُ أرجح. وأجيب بأنه تعارض عنده المصلحتان: الكتمان، وتبليغ الحكم الشرعيّ، فرجَّحَ الثاني، فعَمِل به. وتُعُقّب بأنه كان يمكن أن يقول: حمل رجل فرسًا مثلًا، ولا يقول: حملت، فيجمع بين المصلحتين، والظاهر أن محلّ رجحان الكتمان إنما هو قبل الفعل، وعنده، وأما بعد وقوعه، فلعلّ الذي أُعْطِيَهُ أذاع ذلك، فانتفى الكتمان، ويضاف إليه أن في إضافته ذلك إلى نفسه تأكيدًا لصحّة الحكم المذكور؛ لأن الذي تقع له القصّة أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلَّا وقوعها بحضوره، فلمّا أمِنَ ما يُخشى من الإعلان بالقصد، صرّح بإضافة الحكم إلى نفسه. ويَحْتَمِل أن يكون محلّ ترجيح الكتمان لمن يَخشَى على نفسه من الإعلان العجبَ والرياء، أما من أَمِنَ من ذلك كعمر -﵁- فلا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير عندي أقوى. وحاصله أن عمر -﵁- لما أَمِنَ من مَعَرّة الإعلان، من العجب والرياء اختار الإعلان به؛ لِمَا يترتّب عليه من تركيب الناس إلى مثل عمله، فيَقتَدُوا به فيحملوا في سبيل الله تعالى، ويكون له الأجر في ذلك؛ لقوله -ﷺ-: «من سنّ سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئًا …» الحديث، رواه مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٧] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- عَنْ مَالِكِ بْنِ أنَسٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلّهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك هذه ساقها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (٢٨١) - حدّثنا عبد الرحمن، عن مَالِكٍ، عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ، عن أبيه، عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ -﵁- قال: حَمَلْتُ على فَرَسٍ في سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَأَرَدْتُ أن أبتاعه، وَظَنَنْتُ أنه بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فقلت: حتى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فقال: «لَا تَبْتَعْه، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فإن الذي يَعُودُ في صَدَقَتِهِ، فكالكلب يَعُودُ في قَيْئِهِ». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْني: ابْنَ زُريْعٍ -حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَوَجَدَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ أَضَاعَهُ، وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ، فَأرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَإِنْ أُعْطِيتَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ مَثَّلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيْشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدّم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ) الْعَيْشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنبَريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدّم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ، وَرَوْحٍ أتمُّ وَأَكثَرُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدّم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. و«زيد» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم هذه ساقها الحميديّ في «مسنده»، فقال: (١٥) - حدّثنا سفيان، قال: سمعت مالك بن أنس يسأل زيد بن أسلم، فقال: سمعت أبي يقول: قال عمر بن الخطاب: حَمَلت على فرس في سبيل الله، فرأيته يباع، فسألت رسول الله -ﷺ-: أشتريه؟ فقال: «لا تشتره، ولا
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٢٠/ ٦٤.

٢. هكذا النسخة، ولعل الصواب: وأما الصدقة، والهبة، فمتغايرتان … إلخ.

٣. حديث حسن، أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد».

٤. «المغني» لابن قُدامة ﵀ ٥/ ٣٧٩.

٥. هذه الترجمة كان محلّها في جـ ٢٣ ص ٤٧٧، وإنما أُخّر إلى هنا سهوًا، فليُتنبّه.

٦. «تهذيب التهذيب» ١/ ٢٣٣.

٧. «الفتح» ٦/ ٤٧٥ رقم (٢٦٢٣)، كتاب «الهبة».

٨. «الفتح» ٦/ ٤٧٦.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٧.

١٠. «المفهم» ٤/ ٥٧٨.

١١. «الفتح» ٦/ ٤٧٦.

١٢. «المفهم» ٤/ ٥٧٨ - ٥٧٩.

١٣. «المصباح المنير»٢/ ٤٣٦.

١٤. «الفتح» ٦/ ٤٧٧.

١٥. هو: محمد بن إبراهيم الإسكندري المالكيّ الفقيه، من آثاره مصنّف في الفقه، توفّي سنة (٢٦٩ هـ).

١٦. القائل هو: القرطبيّ ﵀.

١٧. نقله ابن بطال في «شرح البخاري» ٧/ ١٤٠، والحافظ في «الفتح» ٦/ ٤٧٧.

١٨. حديث صحيح. انظر: «السلسلة الصحيحة» للشيخ الألبانيّ ﵀ ٤/ ٢٥٣.

١٩. هذا الكلام فيه نظر لا يخفي، فإن رجال إسناده موثّقون، فلا ينقص حديثهم عن درجة الحسن، فراجع: «جامع الترمذيّ» رقم (٣٩٤٦).

٢٠. «المفهم» ٤/ ٥٨١ - ٥٨٣.

٢١. «الفتح» ٦/ ٤٧٧.

٢٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ٤٠.