HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٢٣

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. يُحَدِّثَانِهِ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟) فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فارجعه).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص65
ج ٣ ص ١٢٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٢٧٦
والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه ساقها النسائيّ في «الكبرى»، فقال: (٦٥٢٧) - أخبرنا أبو الأشعث ، قال: حدّثنا خالدٌ ، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «العائد في هبته، كالعائد في قيئه». انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُس، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقَّيءُ، ثمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْمَخْزُومِيُّ) هو: المغيرة بن سلمة، أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل أربعة أبواب، و«إسحاق بن إبراهيم» هو: ابن راهويه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ كَرَاهَةِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ) [٤١٧٠] (١٦٢٣) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، يُحَدِّثَانِهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أتى بِهِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟»، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «فَارْجِعْهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وجدّه، ورَوَى عنه الزهريّ، مقرونًا بحميد بن عبد الرحمن. قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقد ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. رَوَى له الجماعة، سوى أبي داود هذا الحديث فقط مقرونًا، ورواه النسائيّ وحده من حديث الزهريّ، عن محمد وحده عن جدّه بشير، قال الحافظ: وهو خطأ من الراوي عن الزهريّ، قال: وقرأت بخط الذهبيّ: حديثه عن جدّه مرسل. انتهى. وهذا بناء على روايته عنه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «من حديث الزهريّ، عن محمد وحده» هذا غير صحيح، فإن رواية النسائيّ مقرونة بحميد بن عبد الرحمن، كما هو مذكور برقم (٣٧٠٢) فليُتنبّه. ٦ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي ابن الصحابيّ -﵄-، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥)، وله (٦٤) سنة، تقدمت ترجمته في «الإيمان» ٩٧/ ٥٢٢، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير محمد بن النعمان، فما أخرج له أبو داود، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه وإن كان نيسابوريًّا إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّين، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ) بن سعد -﵄-، قال في «الفتح»: كذا لأكثر أصحاب الزهريّ، وأخرجه النسائيّ من طريق الأوزاعيّ عن ابن شهاب: أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدّثاه عن بشير بن سعد، جعله من مسند بشير، فشَذَّ بذلك، والمحفوظ أنه عنهما عن النعمان، وبشيرٌ والد النعمان، هو ابن سعد بن ثعلبة بن الْجُلاس -بضم الجيم، وتخفيف اللام- الخزرجيّ، صحابيّ شهير، من أهل بدر، وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنه أولُ من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى خلافة عمر. وقد رَوَى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين، منهم عروة بن الزبير، عند مسلم، والنسائيّ، وأبي داود، وأبو الضُّحَى عند النسائيّ، وابن حبان، وأحمد، والطحاويّ، والمفضَّل بن المهلَّب، عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، عند أحمد، وعون بن عبد الله، عند أبي عوانة، والشعبيّ في «الصحيحين»، وأبي داود، وأحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن حبان، وغيرهم، ورواه عن الشعبيّ عدد كثير أيضًا، قال: وسأذكر ما في رواياتهم من الفوائد الزائدة على هذه الطريق مفصلًا -إن شاء الله تعالى- انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أيضًا سأذكر تلك الفوائد تبعًا للحافظ ﵀ وغيره. (أَنَّهُ)؛ أي: النعمان -﵁- (قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) بالنصب على المفعوليّة، وفي رواية الشعبيّ الآتية: «تصدّق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِد رسول الله -ﷺ-، فانطلق أبي إلى النبيّ -ﷺ-؛ ليُشهده على صدقتي»، وقد تبيّن في رواية أبي حيّان التيميّ، عن الشعبيّ سبب سؤالها شهادة رسول الله -ﷺ-، قال: حدّثني النعمان بن بشير: «أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة لي من ماله، فالْتَوَى بها سنةً» -أي: مَطَلها- وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: «بعد حولين»، قال الحافظ ﵀: ويُجْمَع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئًا فجَبَر الكسر تارةً، وألغى أخرى، قال: «ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله -ﷺ- على ما وهبتَ لابني، فأخذ أبي بيدي، وأنا يومئذ غلام». وفي رواية داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن النعمان: «انطلق بي أبي يَحملني إلى رسول الله -ﷺ-»، ويُجمَع بينهما بأنه أخذ بيده، فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعضها؛ لصغر سنه، أو عَبَّر عن استتباعه إياه بالحمل. وقد تبيّن من رواية الباب أن العطية كانت غلامًا، وكذا في رواية ابن حبان المذكورة، وكذا لأبي داود من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ، وكذا في رواية عروة، وحديث جابر الآتيين عند مسلم. ووقع في رواية أبي حَرِيز -بمهملة، وراء، ثم زاي، بوزن عظيم- عند ابن حبان، والطبرانيّ، عن الشعبيّ أن النعمان خطب بالكوفة، فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبيّ -ﷺ-، فقال: إن عمرة بنت رواحة نُفِسَت بغلام، وإني سميته النعمان، وإنها أبت أن تربّيه حتى جعلتُ له حديقة من أفضل مالٍ هو لي، وإنها قالت: أشهدْ على ذلك رسول الله -ﷺ-، وفيه قوله -ﷺ-: «لا أشهد على جَوْر». وجَمَع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن كَبِر النعمان، وكانت العطية عبدًا، قال الحافظ: وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يَعْكُر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة، حتى يعود إلى النبيّ -ﷺ-، فيستشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى: «لا أشهد على جَوْر»، وجَوَّز ابن حبان أن يكون بشير ظنّ نسخ الحكم، وقال غيره: يَحتَمِل أن يكون حَمَل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظَنّ أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. قال الحافظ ﵀: ثم ظهر لي وجه آخر من الجمع يَسْلَم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى جواب، وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يَهَب له شيئًا يخصّه به، وَهَبَه الحديقة المذكورة تطييبًا لخاطرها، ثم بدا له، فارتجعها؛ لأنه لم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك، فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلامًا، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضًا، فقالت له: أشهدْ على ذلك رسول الله -ﷺ- تريد بذلك تثبيت العطية، وأن تأمَن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبيّ -ﷺ- للإشهاد مرّةً واحدة، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حَفِظ ما لم يَحْفَظ بعضٌ، أو كان النعمان يَقُصّ بعض القصة تارةً، ويقصّ بعضها أخرى، فسمع كلٌّ ما رواه، فاقتصر عليه، والله أعلم. قال الشوكانيّ ﵀ بعد نقل جَمْعِ الحافظ المذكور ما نصّه: ولا يخفى ما في هذا الجمع من التكلّف. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا تكلّف في الجمع المذكور، بل هو أولى من غيره، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ) -بفتح النون، والمهملة- والنِّحْلة- بكسر النون، وسكون المهملة-: العطيّة بغير عوض (ابْنِى هَذَا)؛ يعني: النعمان -﵁- (غُلَامًا، كَانَ لِي) قال القرطبيّ ﵀: كان هذا النُّحل منه بعدما سألته أمه، وهي عمرة بنت رواحة بعض الموهبة من ماله، كما قال في الرواية الأخرى. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أكل وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟» وفي رواية أبي حيّان التيميّ، عن الشعبيّ: «فقال رسول الله -ﷺ-: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟، قال: نعم»، وقال مسلم لمّا رواه من طريق الزهريّ: أما يونس، ومعمر فقالا: «أكلّ بنيك»، وأما الليث، وابن عيينة فقالا: «أكلّ ولدك». قال في «الفتح»: ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورًا أو إناثًا وذكورًا، وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكورًا فظاهر، وإن كانوا إناثًا وذكورًا فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابنُ سعد لبشير والد النعمان ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أُبَيَّة -بالموحدة- تصغير أبيّ. انتهى . وقوله: (نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟) وفي رواية أبي حيان الآتية: «فقال: أكلّهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا»، وفي رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ: «فقال: ألك بنون سواه؟ قال: نعم، قال: فكلهم أعطيت مثل هذا؟ قال: لا»، وفي رواية ابن القاسم في «الموطآت» للدارقطنيّ عن مالك: «قال: لا، والله يا رسول الله». وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «أكلّ ولدك نحلته مثل هذا» تنبيهٌ على أن الإنسان إذا أعطى بنيه سوَّى بينهم، ذَكَرَهم وأنثاهم، وأن ذلك الأفضل، وإليه ذهب القاضي أبو الحسن ابن القصار من أصحابنا -يعني: المالكيّة- وجماعة من المتقدِّمين، وذهب آخرون؛ منهم: عطاء والثوريّ، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وابن شعبان من أصحابنا: إلى أن الأفضل: للذكر مثل حظ الأنثيين، على قسمة الله تعالى المواريث. قال: وقوله في الرِّواية الأخرى: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» هذه الرواية بمعنى اللفظ الأول، فهو نقلٌ بالمعنى، وكان هذا القول من النبيّ -ﷺ- بعد أن سأله، فقال له: «ألك ولدٌ غيره؟»، كما جاء في الرواية الأخرى، فلما أجابه عن قوله: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» بقوله: لا، قال: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، وحينئذ قال: «لا تشهدني، لا يصلح هذا، أشهدْ غيري، فإني لا أشهد على جَوْر»، وفي الأخرى: «فإني لا أشهد إلا على حقّ»، وهو بمعنى: «لا أشهد على جَوْر»، وكان هذا منه -ﷺ- لمّا سأله بشير أن يشهد على الهبة، كما قال: «إن ابنة رواحة أعجبها أن أُشهدك على ما وهبتُ لابنها»، ثم نبّهه -ﷺ- على علَّة أمره بالتسوية بينهم بقوله: «أتحبُّ أن يكونوا لك في البرِّ سواء؟» قال: نعم، قال: «فلا إذًا». قال القرطبيّ: وإذا تأملت هذا تبيَّنْتَ أن لا اضطراب في الروايات، وانتظم ما يظهر في بادئ الأمر من الشَّتات. انتهى . (فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «فَارْجِعْهُ»)؛ أي: رُدّ نحلتك، يقال: رجعه ثلاثيًّا متعدّيًا بنفسه، وفي لغة يتعدّى بالهمزة، فيقال: أرجعه، قال الفيّوميّ ﵀: رجع من سفره، وعن الأمر يرجع رَجْعًا، ورُجوعًا، ورُجعَى، ومَرْجِعًا، قال ابن السِّكِّيت: هو نقيض الذهاب، ويتعدّى بنفسه في اللغة الفصحى، فيقال: رجعته عن الشيء، وإليه، ورجعتُ الكلامَ وغيرَه؛ أي: رَدَدْته، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]، وهُذيل تعدّيه بالألف. انتهى . وفي رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب الآتية: «قال: فاردده»، وفي رواية عروة مثله، وفي رواية الشعبيّ عند البخاريّ: «قال: فرجع، فردّ عطيته»، ولمسلم: «فردّ تلك الصدقة»، زاد في رواية أبي حيان: «قال: لا تشهدني على جور»، ومثله رواية عاصم، عن الشعبيّ، وفي رواية أبي حريز: «لا أشهد على جور»، ومثله من طريق إسماعيل، عن الشعبيّ، وفي رواية أبي حيان: «فقال: فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور»، وفي رواية المغيرة، عن الشعبيّ: «فإني لا أشهد على جور، ليشهد على هذا غيري»، وفي رواية داود بن أبي هند: «قال: فأشهدْ على هذا غيري»، وفي حديث جابر: «فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حقّ»، ولعبد الرزاق من طريق طاوس مرسلًا: «لا أشهد إلا على الحقّ، لا أشهد بهذه»، وفي رواية عروة عند النسائيّ: «فكره أن يشهد له»، وفي رواية المغيرة، عن الشعبيّ، عند مسلم: «اعدلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يَعْدِلوا بينكم في البرّ»، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ، عند أحمد: «إن لبنيك عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا»، ولأبي داود من هذا الوجه: «أن لهم عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحقّ أن يبرّوك»، وللنسائيّ من طريق أبي الضُّحَى: «لا سوَّيت بينهم»، وله ولابن حبان من هذا الوجه: «سَوِّ بينهم». واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وهو وجوب الرجوع في الهديّة، وقد تمسك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد، وبه صرّح البخاريّ في «صحيحه» حيث قال: «وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجز حتى يعدل بينهم، ويُعطي الآخرين مثله»، وهو قول طاوس، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٤١٧٠ و٤١٧١ و٤١٧٢ و٤١٧٣ و٤١٧٤ و٤١٧٥ و٤١٧٦ و٤١٧٧ و٤١٧٨ و٤١٧٩] (١٦٢٣)، و(البخاريّ) في «الهبة» (٢٥٨٦ و٢٥٨٧ و٢٦٥٠)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٥٤٣)، و(الترمذيّ) في «الأحكام» (١٣٦٧)، و(النسائيّ) في «النُّحْل» (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩) و«الكبرى» (٤/ ١١٧ - ١١٨)، و(ابن ماجه) في «الهبات» (٢٣٧٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٦٤٩١ و١٦٤٩٢ و١٦٤٩٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١١/ ٢٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٦٨ و٢٧٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٩٩١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠٩٧ و٥٠٩٨ و٥٠٩٩ و٥١٠٠ و٥١٠١ و٥١٠٢ و٥١٠٣ و٥١٠٤)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٨٤ و٨٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٥٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٧٦) و«الصغرى» (٥/ ٤٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الهبة إذا لم يكن هناك ما يمنعه، من تفضيل بعض الأولاد على بعض. ٢ - (ومنها): الندب إلى التأليف بين الإخوة، وتركُ ما يوقع بينهم الشحناء، أو يورث العقوق للآباء، قاله في «الفتح» ، وقال القرطبيّ ﵀: دلّ الحديث على حضِّ الأب على سلوك الطرق المفضية بابنه إلى برِّه، وتجنّب ما يفضي إلى نقيض ذلك. انتهى . ٣ - (ومنها): أن عطيّة الأب لابنه الصغير في حِجره لا تحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يُغني عن القبض، وقيل: إن كانت الهبة ذهبًا، أو فضّةً فلا بدّ من عزلها، وإفرازها. ٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي تحمّل الشهادة فيما ليس بمباح. ٥ - (ومنها): مشروعيّة الإشهاد في الهبة، وليس بواجب. ٦ - (ومنها): جواز الميل إلى بعض الأولاد، والزوجات، دون بعض، وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك. ٧ - (ومنها): أن للإمام الأعظم أن يتحمّل الشهادة، وتظهر فائدتها، إما ليحكم في ذلك بعلمه عند من يُجيزه، أو يؤدّيها عند بعض نُوّابه. ٨ - (ومنها): مشروعيّة استفصال الحاكم، والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله -ﷺ-: «ألك ولدٌ غيره؟»، فلما قال: نعم، قال: «أفكلهم أعطيت مثله؟»، فلما قال: لا، قال: «لا أشهد»، فيفهم منه أنه لو قال: نعم، لشهد. ٩ - (ومنها): جواز تسمية الهبة صدقةً. ١٠ - (ومنها): أن للإمام كلامًا في مصلحة الولد. ١١ - (ومنها): المبادرة إلى قبول الحقّ، وأمْر الحاكم، والمفتي بتقوى الله ﷿ في كلّ حمال. ١٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى سوء عاقبة الحرص، والتنطّع؛ لأن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لَمَا رجع فيه، فلما اشتدّ حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه. ١٣ - (ومنها): ما قال المهلّب: فيه أن للإمام أن يردّ الهبة، والوصيّة ممن يعرف منه هروبًا عن بعض الورثة. ١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه، وكذلك الأمّ، وهو قول أكثر الفقهاء، وقد تقدّم تحقيق المذاهب، وأدلّتها في الباب الماضي، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. ١٥ - (ومنها): أنه يدلّ على الاحتياط في العقود بشهادات الأفضل والأكبر. ١٦ - (ومنها): أن فيه دليلًا: على أن حَوْز الأب لابنه الصغير ما وهبه له جائز، ولا يحتاج إلى أن يحوزه غيره؛ فإن النُّعمان كان صغيرًا، وقد جاء به أبوه إلى النبيّ -ﷺ- وهو يحمله. قال عياض: ولا خلاف في هذا بين العلماء فيما يُعرف لا بعينه، واختلف المذهب فيما لا يُعرف بعينه، كالمكيل، والموزون، وكالدراهم: هل يجزئ تعيينه، والإشهاد عليه، والختم عليه في الحوز، أم لا يجزئ ذلك حتى يخرجها من يده إلى يد غيره؟ وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده ، وكذلك اختُلف في هبته له جزءًا من ماله مشاعًا. قال القرطبيّ: وهذا الحكم إنما ينتزعه من هذا الحديث من حمل قوله: «فارجعه» على الاعتصار . واختلف العلماء فيما لم يُقْبَض من الهبات، هل تلزم بالقول، أم لا حتى تُقْبَض؟ فذهب الحسن البصريّ، وحمَّاد بن أبي سليمان، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل إلى أنَّها تلزم بالقول، ولا تحتاج إلى حوزٍ، كالبيع. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: لا تلزم بالقول، بل بالحوز. وذهب مالك: إلى أنها تلزم بالقول، وتتم بالحوز، وقد تقدم ذلك، والعلماء مُجْمِعُون على لزومها بالقبض، وهبة المشاع جائزة عند الجمهور، ومنعها أبو حنيفة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: القول باشتراط القبض في الهبة مما يحتاج إلى دليل، فالأرجح ما ذهب إليه الأولون، من لزوم الهبة بالقول، وإن لم تُقبض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم: هل التسوية في العطيّة بين الأولاد واجبة، أم لا؟: ذهب طائفة منهم إلى وجوبه، وبه صرّح البخاريّ في «صحيحه»، كما سبقت الإشارة إليه، وهو قول طاوس، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وقال به بعض المالكيّة، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد تصحّ، ويجب أن يرجع، وعنه: يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودَينه، أو نحو ذلك، دون الباقين، وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار. وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبّة، فإن فضّل بعضًا صحّ، وكُره، واستُحبّ المبادرة إلى التسوية، أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه. ومن حجة من أوجبه أنه مقدّمة الواجب؛ لأن قطع الرحم، والعقوق محرّمان، فما يؤدّي إليهما يكون محرّمًا، والتفضيل مما يؤدّي إليهما. ثم اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وبعض الشافعيّة، والمالكيّة: العدل أن يعطي الذكر حظّين كالميراث، واحتجّوا بأنه حظها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات، وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، وهذا هو الأرجح؛ لأن ظاهر الأمر بالتسوية يدلّ عليه، ويدلّ عليه أيضًا حديث ابن عباس -﵄-، رفعه: «سوّوا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلًا أحدًا لفضّلت النساء»، أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ من طريقه، قال الحافظ: وإسناده حسن. وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان -﵁- بأجوبة: [أحدها]: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل، حكاه ابن عبد البرّ عن مالك، وتعقّبه بأن كثيرًا من طرق حديث النعمان -﵁- صرّح بالبعضيّة. وقال القرطبيّ: ومِنْ أبعدِ التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا الحديث أن الموهوب كان غلامًا، وأنه وهبه له لمّا سألته الأم الهبة من بعض ماله، قال: وهذا يُعلَم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره. [ثانيها]: أن العطيّة المذكورة لم تُتنجّز، وإنما جاء بشيرٌ يستشير النبيّ -ﷺ- في ذلك، فأشار عليه بأن لا يفعل، فترك، حكاه الطحاويّ، وفي أكثر طرق حديث الباب ما يُنابذه . [ثالثها]: أن النعمان كان كبيرًا، ولم يكن قبض الموهوب، فجاز لأبيه الرجوع، ذكره الطحاويّ، وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضًا خصوصًا قوله: «ارجعه»، فإنه يدلّ على تقدّم وقوع القبض، والذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له لصغره، فأمر بردّ العطيّة المذكورة بعدما كانت في حكم المقبوض. [رابعها]: أن قوله: «ارجعه» دليل على الصحّة، ولو لم تصحّ الهبة لم يصحّ الرجوع، وإنما أمَره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده، وإن كان الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك، فلذلك أمَرَه به، وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله: «ارجعه»؛ أي: لا تُمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدّم صحة الهبة. [خامسها]: أن قوله: «أَشْهِد على هذا غيري» إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم، حكاه الطحاويّ أيضًا، وارتضاه ابن القصّار. وتُعُقّب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمّل الشهادة، ولا من أدائها إذا تعيّنت عليه، وقد صرّح المحتجّ بهذا أن الإمام إذا شهد عند بعض نوّابه جاز، وأما قوله: إن قوله: «أَشهِدْ» صيغة إذْن، فليس كذلك، بل هو للتوبيخ لِمَا يدلّ عليه بقيّة ألفاظ الحديث، وبذلك صرّح الجمهور في هذا الموضع. وقال ابن حبّان: قوله: «أَشهِد» صيغة أمر، والمراد نفي الجواز ، وهو كقوله لعائشة -﵂-: «اشترطي لهم الولاء». انتهى. [سادسها]: التمسّك بقوله: «ألا سوّيت بينهم» على أن المراد بالأمر الاستحباب، وبالنهي التنزيه، وهذا جيّد لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيّما أن تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضًا، حيث قال: «سوّ بينهم». [سابعها]: وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدلّ على أن المحفوظ في حديث النعمان: «قاربوا بين أولادكم»، لا «سوّوا». وتعُقّب بأن المخالفين لا يوجبون المقاربة، كما لا يوجبون التسوية. [ثامنها]: في التشبيه الواقع في التسوية بينهم بالتسوية منهم في برّ الوالدين قرينة تدلّ على أن الأمر للندب، لكن إطلاق الجور على عدم التسوية، والمفهوم من قوله: «لا أشهد إلا على حقّ»، وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه: «قال: فلا إذًا». [تاسعها]: عمل الخليفتين: أبي بكر، وعمر -﵄- بعد النبيّ -ﷺ- على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب، فأما أبو بكر، فرواه في «الموطّإ» بإسناد صحيح، عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته: «إني كنت نحلتك نُحلًا، فلو كنت اخترتيه لكان لك، وإنما هو اليوم للوارث»، وأما عمر، فذكره الطحاويّ وغيره أنه نَحَل ابنه عاصمًا دون سائر ولده، وأجاب عروة عن قصّة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثل ذلك عن قصّة عمر -﵁-. قال الشوكانيّ ﵀: على أنه لا حجة في فعلهما، لا سيّما إذا عارض المرفوع. انتهى . [عاشر الأجوبة]: أن الإجماع انعقد على جواز عطيّة الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله، جاز له أن يُخرج عن ذلك بعضهم، ذكره ابن عبد البرّ، ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع وجود النصّ. قال الشوكانيّ ﵀ بعد نقل كلام الحافظ هذا: فالحقّ أن التسوية واجبة، وأن التفضيل محرّم. انتهى . وزعم بعضهم أن معنى قوله: «لا أشهد على جور»؛ أي: لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض، وفي هذا نظر لا يخفى، ويردّه قوله في الرواية: «لا أشهد إلا على الحقّ». وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن بعض المالكيّة احتجّ بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان -﵁-، ثم ردّه، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد الحافظ ﵀ في سوقه الأدلّة التي احتجّ بها القائلون بعدم وجوب التسوية بين الأولاد، وردّها عليهم، فشفى وكفى. والحاصل أن المذهب الأول القائل بوجوب التسوية بين الأولاد، وحَمْل النهي على التحريم هو الحقّ؛ لوضوح حجّته، واستنارة محجّته، فيجب التسوية بينهم في العطيّة مطلقًا، سواء كانوا ذُكورًا أو إناثًا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. ثم رأيت تحقيقًا للعلامة أبي العبّاس القرطبيّ، وإن كان مضى في كلام الحافظ، إلا أنه أجاد فيه، وأفاد، فأردت إلحاقه بما مضى؛ تتميمًا للفائدة، وتثبيتًا للعائدة، قال ﵀: لا يجوز أن يَخُصَّ بعض ولده بعطاء ابتداءً، وهل ذلك على جهة التحريم، أو الكراهة؟ قولان لأهل العلم، وإلى التحريم ذهب طاووس، ومجاهد، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأن ذلك يُفْسَخُ إن وقع، وذهب الجمهور: مالك في المشهور عنه، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وغيرهم: إلى أن ذلك لا يُفْسَخ إذا وقع، وقد حَكَى ابن المنذر عن مالك وغيره جواز ذلك؛ ولو أعطاه ماله كله، وحَكَى غيره عن مالك: أنَّه إن أعطاه ماله كله أرتجعه، قال سحنون: من أعطى ماله كله ولدًا أو غيره، ولم يبق له ما يقوم به؛ لم يَجُز فِعْله. فمن قال بالتحريم تمسَّك بظاهر النهي، وبقوله -ﷺ-: «لا يصلح هذا، ولا أشهد على جوْر»، وبقوله: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، وبأمره بردّ ذلك، ومن قال بالكراهة انصرف عن ذلك الظاهر بقوله: «أشهدْ على هذا غيري»، قال: ولو كان حرامًا لَمَا قال هذا، وأنه كان يذمُّ من فَعَلَ ذلك، ومن يَشْهَد فيه، ويغلِّظ عليه، كعادته في المعقود المحرَّمة، وبقوله: «أيسرُّك أن يكونوا لك في البرِّ سواء؟»، فإنه نبَّه على مراعاة الأحسن، وبأن أبا بكر الصديق -﵁- نَحَل عائشة -﵄- جادَّ عشرين وسقًا من ماله بالغابة، ولم ينحل غيرها من ولده شيئًا من ذلك، ولأن الأصل جواز تصرُّف الإنسان في ماله مطلقًا، وتأوّل هؤلاء ما احتجَّ به المتقدِّمون من قوله -ﷺ-: «لا يصلح هذا»، وأن ذلك «جَوْر» على أن ذلك على الكراهة؛ لأن من عدل عن الأَوْلى والأصلح يصدُق عليه مثل ذلك الإطلاق؛ لأنه مما لا ينبغي أن يُقْدِم عليه، ولذلك لم يشهد فيه النبيّ -ﷺ-، وأما أمْره بارتجاع ذلك؛ لأنه يجوز للأب أن يرجع فيما وهب لولده، كما تقدَّم، وهو يدل على صحَّة الهبة المتقدمة، كما قال -ﷺ-: «مُره فليراجعها»، وكان ذلك دليلًا على صحة الطلاق الواقع في الحيض. وللطائفة الأولى أن تنفصل عن ذلك بمنع: أن قوله: «أشهد على هذا غيري» ليس إذنًا في الشهادة، وإنَّما هو زجرٌ عنها؛ لأنه -ﷺ- قد سمَّاه جورًا، وامتنع من الشهادة فيه، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه. وعن قوله في قوله: «أيسرك أن يكونوا في البر سواء؟»: أن ذلك تنبيهٌ على الأحسن، بأن ذلك ممنوع، بل ذلك تنبيهٌ على مدخل المفسدة الناشئة عنه، وهو العقوق؛ الذي هو من الكبائر. وعن نُحْلِ أبي بكر -﵁-: أن ذلك يَحتمل أنَّه كان قد نحل أولاده نُحلًا يعادل ذلك، ولم يُنقَل، ثم إن ذلك الفعل منه لا يعارض به قول النبيّ -ﷺ-، وعن التمسك بالأصل: أن ذلك غير قادح؛ لأن الأصل الكلِّيّ والواقعة المعيّنة المخالفة لذلك الأصل في حكمه لا تعارض بينهما، كالعموم والخصوص، وقد تقرر في الأصول: أن الصحيح بناء العام على الخاص، وعن التأويل: أن ذلك مجاز، وهو على خلاف الأصل، وعن الارتجاع: بمنع أن يُحْمَل ذلك على الاعتصار؛ فإن لفظ الردِّ ظاهر في الفسخ، كما قال -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ»، أي: مفسوخ، ويؤيد ذلك قوله: «فردَّ أبي تلك الصدقة»، والصَّدقة لا يعتصرها الأب بالاتفاق. وعند هذا الانفصال يتبيَّن للناظر: أن القائل بالتحريم هو الذي صال، وأمَّا القول بالجواز، فلم يَظْهَر له وجه فيه يُجَاز. [تنبيه]: مِن أبعد تأويلات ذلك الحديث قول من قال: إن النهي فيه إنَّما يتناول من وهب ماله كلَّه لبعض ولده، وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه: إن الموهوب كان غلامًا فقط. وإنما وهبه له لمَّا سألته أمُّه بعض الموهبة من ماله، وهذا يُعلم منه على القطع: أنه كان له مالٌ غيره. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وقال العلّامة شمس الدين ابن القيم ﵀ في «حاشية السنن»: وفي لفظ في «الصحيح»: «أكلّ ولدك نحلته مثل هذا؟» قال: لا، فقال رسول الله -ﷺ-: «فارجعه»، وفي لفظ: قال: «فَرُدّه»، وفي لفظ آخر: قال فيه: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، فرجع أبي في تلك الصدقة»، وفي لفظ لهما: «فلا تُشهدني إذن، فإني لا أشهد على جَوْر»، وفي آخر: «فلا تشهدني على جور»، وفي آخر: «فأشهد على هذا غيري»، وفي آخر: «أيسرك أن يكون بنوك في البرّ سواء؟، قال: بلى، قال: فلا إذن»، وفي لفظ آخر: «أفكلّهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا، قال: فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حقّ». وكل هذه الألفاظ في «الصحيح»، وغالبها في «صحيح مسلم»، وعند البخاريّ منها: «لا تشهدني على جَوْر»، وقوله: «لا أشهد على جور»، والأمر بردّه، وفي لفظ: «سَوِّ بينهم»، وفي لفظ: «هذا جورٌ، أشهدْ على هذا غيري»، وهذا صريح في أن قوله: «أشهدْ على هذا غيري» ليس إذنًا، بل هو تهديد؛ لتسميته إياه جَوْرًا. قال: وهذه كلها ألفاظ صحيحةٌ صريحةٌ في التحريم والبطلان، من عشرة أوجه تؤخذ من الحديث. وأما قوله -ﷺ-: «أَشْهِد على هذا غيري»، فإن هذا ليس بإذن قطعًا، فإن رسول الله -ﷺ- لا يأذن في الجور، وفيما لا يصلح، وفي الباطل، فإنه قال: «إني لا أشهد إلا على حقّ»، فدلّ ذلك على أن الذي فعله أبو النعمان لم يكن حقًّا، فهو باطل قطعًا، فقوله إذن: «أشهدْ على هذا غيري» حجة على التحريم، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله -ﷺ-: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»؛ أي: الشهادة على هذا ليست من شأني، ولا تنبغي لي، وإنما هي من شأن من يشهد على الجور والباطل، وما لا يصلح، وهذا في غاية الوضوح، وقد كتبت في هذه المسألة مُصَنّفًا مفردًا استوفيت فيه أدلتها، وبيّنت من خالف هذا الحديث، ونقضها عليهم، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ بتصرّف يسير . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الإمام ابن القيّم ﵀ في تحقيق هذه المسألة، وأن الحقّ هو القول بوجوب التسوية بين الأولاد، وأن التفضيل بينهم حرام؛ لأن الأدلة كلها ظاهرة، بل صريحة في الدلالة على هذا، فكن مع الحقّ وأهله، ودُر حيث دار الدليل، ولا تكن إمّعةً بالتقليد الذليل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧١] (…) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَال: أَتَى بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْني هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْدُدْهُ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان شرحه، ومسائله مستوفًى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِمَا: «أَكُلَّ بَنِيكَ»، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ»، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، أَنَّ بَشِيرًا جَاءَ بِالنُّعْمَانِ). رجال هذا الإسناد: سبعة عشر: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب والبابين قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزهْرِيِّ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد الأيليّ، ومعمر بن راشد رووا هذا الحديث عن الزهريّ بإسناده السابق. [تنبيه]: أما رواية ابن عيينة، عن الزهريّ فقد ساقها الترمذيّ في «جامعه»، فقال: (١٣٦٧) - حدّثنا نَصْرُ بن عَلِيٍّ، وَسَعِيدُ بن عبد الرحمن الْمَخْزُومِيُّ، الْمَعْنَى الواحد، قالا: حدّثنا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن، وَعَنْ مُحَمَّدِ بن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ، يُحَدِّثَانِ عن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَ ابْنًا له غُلَامًا، فَأَتَى النبيَّ -ﷺ- يُشْهِدُهُ، فقال: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ ما نَحَلْتَ هذا؟» قال: لَا، قال: «فَارْدُدْهُ»، قال أبو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. انتهى . وأما رواية الليث بن سعد، عن الزهريّ، فقد ساقها ابن حبّان في «صحيحه»، فقال: (٥٠٩٧) - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدّثنا القعنبيّ، قال: حدّثنا ليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن، عن النعمان بن بشير: أن بشير بن سعد جاء إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: إني نحلتُ ابني هذا هذا العبد، فقال النبيّ -ﷺ-: «أَوَ كلَّ ولدك نحلت هذا؟»، قال: لا، قال: «فاردده». انتهى . وأما رواية معمر بن راشد، عن الزهريّ، فقد ساقها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (١٨٣٨٤) - حدّثنا عبد الرَّزَّاقِ، ثنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزهريّ، أخبرني محمد بن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ، وَحُمَيْدُ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ، قال: ذَهَبَ أبي بَشِيرُ بن سَعْدٍ إلى رسول اللهِ -ﷺ- لِيُشْهِدَهُ على نُحْل نَحَلَنِيهِ، فقال النبيّ -ﷺ-: «أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هذا؟» قال: لَا، قال: «فَارْجِعْهَا». انتهى . وأما رواية يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهريّ، فقد ساقها أبو عوانة في «مسنده»، فقال: (٥٦٦٩) - حدّثنا محمد بن عبد الحكم، قثنا وهب الله بن راشد، قثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: حدّثني حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير، أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول: نحلني أبي بشير بن سعد غلامًا له، ثم مشى بي إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني هذا غلامًا، قال: «أكلّ بنيك قد نحلت؟» فقال: لا، فقال رسول الله -ﷺ-: «فارجعها». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٣] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثنَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: وَقَدْ أَعْطَاهُ أَبُوهُ غُلَامًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «مَا هَذَا الْغُلَامُ؟»، قَالَ: أَعْطَانِيهِ أَبِي، قَالَ: «فَكُلَّ إِخْوَتهِ أَعْطَيْتَهُ كَمَا أَعْطَيْتَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَرُدَّهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضّبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (٨) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ (ح) وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى -وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَعْبِيّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَىَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كلِّهِمْ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ»، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عُمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٣٩. ٢ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ إمام مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. والباقون ذُكروا في الباب. قوله: (تَصَدَّقَ عَلَى أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ) قال القرطبيّ: سمّى ذلك صدقةً تجوّزًا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يعني أن تسمية مطلق النفقات صدقة قد ورد في السُّنّة، ففي «الصحيحين» من حديث أبي مسعود البدريّ -﵁- مرفوعًا: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهي له صدقة». وأخرج النسائيّ بإسناد حسن عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تصدّقوا»، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: «تصدّق به على نفسك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدّق به على زوجتك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدّق به على ولدك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدّق به على خادمك»، قال: عندي آخر، قال: «أنت أبصر به» . فقد سمّى -ﷺ- هذه العطايا كلها صدقةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة الخزرجية، أخت عبد الله بن رواحة الصحابيّ المشهور، ووقع عند أبي عوانة من طريق عون بن عبد الله أنها بنت عبد الله بن رواحة، والصحيح الأول، وبذلك ذكرها ابن سعد وغيره، وقالوا كانت ممن بايع النبيّ -ﷺ- من النساء، وفيها يقول قيس بن الْخَطِيم -بفتح المعجمة-: وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ … تَنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانَهَا وقوله: (بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ) الولد -بفتحتين- المراد هنا الجمع؛ لأنه أكّده بـ «كلّهم»، وقال في الآخر: «اعدلوا في أولادكم»؛ وإطلاق الولد على الجمع وغيره شائع في اللغة، قال الفيّوميّ ﵀: الْوَلَدُ -بفتحتين-: كلُّ ما وَلَده شيءٌ، ويُطلق على الذكر والأنثى، والمثنّى والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو مذكّر، وجمعه أولاد، والْوُلْدُ وزانُ قُفْل لغة فيه، وقَيْس تجعل المضموم جمع المفتوح، مثلُ أَسَدٍ جمع أُسُد. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٥] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيانَ التَّيْمِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، أَنَّ أَمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ، سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي، فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي، وَأنا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَا بَشِيرُ، ألَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. ٤ - (أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ) يحيى بن سعيد بن حيّان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ) هكذا في بعض النسخ، ووقع في معظم النسخ بلفظ: «بعض الموهوبة»، قال النوويّ ﵀: وكلاهما صحيح، وتقدير الأول: بعض الأشياء الموهوبة. انتهى. وقوله: (فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً)؛ أي: مَطَلها بتلك الموهبة، وأخّرها عنها. وقوله: (ثُمَّ بَدَا لَهُ)؛ أي: ظهر له إعطاء ولدها ما طلبته منه. وقوله: (أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟) «سوى» فيها أربع لغات: بضمّ السين، كهُدى، وكسرها، كرِضَى، وبالفتح والمدّ، كسَماء، وبالكسر والمدّ، كبِناء، وهي بمعنى «غير»، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: وَلسِوًى سُوًى سَوَاءٍ اجْعَلَا … عَلَى الأَصَحِّ مَا لِغَيْرٍ جُعِلَا وقوله: (أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا) برفع «كلُ» على أنه مبتدأ خبره الجملة بعده، ويجوز نصبه على الاشتغال، تقديره: أعطيت كلّهم، ولا يُقدّر «وهبت»؛ لأنه لا يتعدى بنفسه على اللغة الفصحى، وإنما يتعدّى باللام، راجع كلام. الفيّوميّ ﵀ في «المصباح» . وقوله: (عَلَى جَوْرٍ)؛ أي: على ظلم، يقال: جارَ في حكمه يجور جوْرًا، من باب قال: إذا ظلم، وجارَ عن الطريق؛ أي: مال، فتأويل النوويّ له بالميل فقط ميلًا إلى مذهبه، حيث إنه لا يرى تحريم التفضيل بين الأولاد مما يتعجّب منه المصنف الذي لم يستول عليه التقليد، فحديث الباب بطرقه الكثيرة، وصيغه المختلفة ظاهر في تحريم التفضيل، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٦] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَلَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) والد ابن نُمَير الراوي عنه، كوفيّ ثقةٌ حافظٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟) بنصب «كُلَّ» على أنه مفعولٌ أولُ مقدّم لـ «أعطيتَ»، و«مثلَ» هو المفعول الثاني. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى القول فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٧] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَاصِم الأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ لأَبِيهِ: «لَا تُشْهِدْنى عَلَى جَوْرٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَاصِمٌ الأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. والباقون ذُكروا في الباب، و«جرير» هو: ابن عبد الحميد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٨] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَعَبْدُ الأَعْلَى (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ويعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ -وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: انْطَلَقَ بِي أبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» -ثُمَّ قَالَ: - «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصّلت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٣ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٤ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) ابن إبراهيم بن كثير الْعَبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) وله (٩٦) سنةً، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم المعروف بابن عُلَيّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٦ - (دَاوُدُ بْن أبِي هِنْدٍ) دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) هذا لا يعارض ما تقدّم من قوله: «فأخذ أبي بيدي … إلخ»؛ لإمكان الجمع بأنه أخذ بيده في بعض الطريق، وحمله في بعضها، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي) تقدّم في الروايات الماضية أنه أعطاه غلامًا. وقوله: («فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي») ليس هذا إذنًا بإشهاد غيره، وإنما هو من باب التهديد، ومن باب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقوله: (أَيَسُرُّكَ … إلخ) مضارع سرّه، يقال: سَرّه يَسُرُّه، من باب نصر، سُرُورًا بالضمّ، والاسم: السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرّة منه، وهو ما يُسَرّ به الإنسان، والجمع: الْمَسَارُّ، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقوله: (في الْبِرِّ) بكسر الموحّدة؛ أي: الإحسان. وقوله: (فَلَا إِذًا)؛ أي: إذا كنت تحبّ أن يكونوا لك في البرّ سواء، فلا تفضّل بعضهم على بعض؛ فإنه يكون سببًا في إخلالهم في البرّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: نَحَلَنِي أَبِي نُحْلًا، ثُمَّ أَتَى بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؛ لِيُشْهِدَهُ، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «ألَيْسَ تُرِيدُ مِنْهُمُ الْبِرَّ مِثْلَ مَا تُرِيدُ مِنْ ذَا؟»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ»، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مُحَمَّدًا، فَقَالَ: إِنَّمَا تَحَدَّثّنَا أَنَّهُ قَالَ: «قَارِبُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ »). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، يُلقّب أبا الْجَوْزاء، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٦) (م ت س) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩.
مصادر المؤلف (٣٤)

١. هو: أحمد بن المقدام العجليّ.

٢. هو: ابن الحارث الْهُجيميّ.

٣. «سنن النسائي الكبرى» ٤/ ١٢٣.

٤. «الفتح»٦/ ٤٣٨، كتاب«الهبة»رقم (٢٥٨٦).

٥. «نيل الأوطار» ١١/ ١٨٩.

٦. «المفهم» ٤/ ٥٨٤.

٧. «الفتح» ٦/ ٤٤٠.

٨. «المفهم» ٤/ ٥٨٤ - ٥٨٥.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٠.

١٠. «الفتح» ٦/ ٤٤٣.

١١. «المفهم» ٤/ ٥٨٨.

١٢. لا يخفى أن ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ من عدم إخراجه من يده هو الأرجح؛ لحديث الباب، فتأمله.

١٣. «الاعتصار»: هو ارتجاع المعطي هبته دون عِوَض، لا بطوع الْمُعْطَى. قاله الأبيّ ﵀ في «شرحه» ٤/ ٣٣٠.

١٤. «المفهم» ٤/ ٥٨٨ - ٥٨٩.

١٥. كأمره -ﷺ- بالارتجاع، وكقول عمرة: لا أرضى حتى تُشهد … إلخ.

١٦. قال الشوكانيّ ﵀: ويؤيّد هذا تسميته -ﷺ- لذلك جورًا، كما في الرواية الأخرى.

١٧. «نيل الأوطار» ١١/ ١٨٥.

١٨. «نيل الأوطار» ١١/ ١٨٦.

١٩. «الفتح» ٦/ ٤٤١ - ٤٤٣، كتاب «الهبة» رقم (٢٥٨٦).

٢٠. «المفهم» ٤/ ٥٨٦ - ٥٨٨.

٢١. «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» ٩/ ٣٣٤ - ٣٣٥.

٢٢. «جامع الترمذيّ» ٣/ ٦٤٩.

٢٣. «صحيح ابن حبان» ١١/ ٤٩٦.

٢٤. «مسند الإمام أحمد» ٤/ ٢٦٨.

٢٥. مختصر من «قال: حدّثنا» في الموضعين.

٢٦. «مسند أبي عوانة» ٣/ ٤٥٤.

٢٧. حديث حسنٌ، أخرجه النسائيّ برقم (٢٥٣٥).

٢٨. أي: تتناولها بالمسك، يقال: نفح الشيءَ بسيفه: تناوله، قاله في «القاموس»، و«الأردان» بالفتح: جمع رُدْن بالضمّ: أصل الْكُمّ، قاله في «القاموس» أيضًا.

٢٩. «الفتح» ٦/ ٤٣٩ - ٤٤٠.

٣٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧١.

٣١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧٣.

٣٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٤.

٣٣. وفي نسخة: «قارنوا» بالنون.

٣٤. وفي نسخة: «بين أبنائكم».