HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٢٥

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله؛ إن رسول الله ﷺ قَالَ (أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ ولعقبه، فأنها لِلَّذِي أُعْطِيَهَا. لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا. لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص67
ج ٣ ص ١٢٤٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٣٠٧
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨١] (١٦٢٥) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَيُّمَا رَجُل أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لَا تَرْجعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن) بن عوف، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أعطي شيئًا مدّة عمره (عُمْرَى لَهُ) قال النوويّ ﵀: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: العمرى قوله: أعمرتك هذه الدار مثلًا، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو حييت، أو بقيت، أو ما يفيد هذا المعنى. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: العمرى في اللغة: هي أن يقول الرَّجل للرَّجل: هذه الدار لك عمري أو عمرك، وأصلها من العمر؛ قاله أبو عبيد، وقال غيره: أعمرته الدَّار: جعلتها له عمره، وقال الحربيّ: سمعت ابن الأعرابيّ يقول: لم يختلف العرب أن هذه الأشياء على ملك أربابها: العمرى، والرُّقبى، والسُّكنى، والإطراق، والمنحة، والعرية، والعارية، والإفقار، ومنافعها لمن جعلت له. قال القرطبيّ: وعلى هذا فالعُمْرى الواردة في الحديث حقّها أن تُحْمَل على هذا، فتكون تمليك منافع الرَّقبة مدة عمر من قُيِّدت بعمره، فإن لم يذكر عقبًا؛ فمات الْمُعْمَرُ رجعت إلى الذي أعطاها ولورثته، فإن قال: هي لك ولعقبك؛ لم ترجع إلى الذي أعطاها إلا أن ينقرض العَقِبُ. وعلى هذا: فيكون الإعمار بمعنى الإسكان؛ إذا قيّد بالعمر، غير أن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب تقتضي بحكم ظاهرها أنَّها تمليك الرَّقبة على ما هي مسرودة في الأصل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما دلّت عليه الأحاديث من أن العمرى تمليك للرقبة هو الأرجح عندي، وسيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (وَلعَقِبِهِ) بكسر القاف، ويجور إسكانها مع فتح العين، ومع كسرها، كما في نظائره، والعقب: هم أولاد الإنسان ما تناسلوا، قاله النوويّ ﵀ . (فَإِنَّهَا)؛ أي: العمرى (لِلَّذِي أُعْطِيَهَا) بالبناء للفعول أيضًا (لَا تَرْجِعُ) من باب ضرب (إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا)؛ أي: كما كانوا يفعلون ذلك في الجاهليّة، ثم عَلَّل ذلك بقوله: (لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ) يعني أن الْمُعْمَر له ملكها، ودخلت في جملة أمواله، فترثها ورثته، لكن سيأتي أن التعليل المذكور مدرجٌ من الراوي، وليس من كلام النبيّ -ﷺ-، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٤١٨١ و٤١٨٢ و٤١٨٣ و٤١٨٤ و٤١٨٥ و٤١٨٦ و٤١٨٧ و٤١٨٨ و٤١٨٩ و٤١٩٠ و٤١٩١ و٤١٩٢ و٤١٩٣] (١٦٢٥)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٥٥٣)، و(الترمذيّ) في «الأحكام» (١٣٥٠)، و(النسائيّ) في «الرقبى» (٦/ ٢٧٥) و«الكبرى» (٤/ ١٣٢ - ١٣٣)، و(ابن ماجه) في «الهبات» (٢٣٨٠)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٧٥٦)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢١٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٦٨٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ١٣٨ - ١٣٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٢ و٣٧٤ و٣٨٦ و٣٨٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٩٨٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١٣٧ و٥١٣٨ و٥١٣٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤/ ٧٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، و«الطحاويّ) في»شرح معاني الآثار«(٤/ ٩٣)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٦/ ١٧٢) و»المعرفة«(٥/ ٥) و»الصغرى«(٥/ ٤٨٥)، و(البغويّ) في»شرح السُّنّة« (٢١٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم العمرى، ومثلها الرقبى: قال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: العمرى ثلاثة أحوال: [أحدها]: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مِتّ فهي لورثتك، أو لعقبك، فتصحّ بلا خلاف، ويَملك بهذا اللفظ رقبةَ الدار، وهي هبة، لكنها بعبارة طويلة، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال؛ خلافًا لمالك. [الحال الثاني]: أن يَقتصر على قوله: جعلتها لك عمرك، ولا يتعرض لِمَا سواه، ففي صحة هذا العقد قولان للشافعيّ: أصحهما، وهو الجديد: صحته، وله حكم الحال الأول، والثاني، وهو القديم: أنه باطل، وقال بعض أصحابنا: إنما القول القديم أن الدار تكون لِلْمُعْمَر حياته، فإذا مات عادت إلى الواهب، أو ورثته؛ لأنه خصّه بها حياته فقط، وقال بعضهم: القديم أنها عارية يَستردّها الواهب متى شاء، فإذا مات عادت إلى ورثته. [الثالث]: أن يقول: جعلتها لك عمرك، فإذا مُتَّ عادت إليَّ، أو إلى ورثتي إن كنتُ متُّ، ففي صحته خلاف عند أصحابنا، منهم من أبطله، والأصح عندهم صحته، ويكون له حكم الحال الأول، واعتمدوا على الأحاديث الصحيحة المطلقة: «العمرى جائزة»، وعَدَلُوا به عن قياس الشروط الفاسدة، والأصح: الصحة في جميع الأحوال، وأن الموهوب له يملكها ملكًا تامًّا يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات، قال: هذا مذهبنا. وقال أحمد: تصحّ العمرى المطلقة دون المؤقتة. وقال مالك في أشهر الروايات عنه: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلًا، ولا يُملك فيها رقبة الدار بحال. وقال أبو حنيفة بالصحة كنحو مذهبنا، وبه قال الثوريّ، والحسن بن صالح، وأبو عبيدة، وحجة الشافعيّ وموافقيه هذه الأحاديث الصحيحة. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: اختَلَف العلماء في العمرى على ثلاثة أقوال: [أحدها]: ما تقدَّم، وهي أنها تمليك منافع الرَّقبة، وهو قول القاسم بن محمد، ويزيد بن قُسَيط، واللَّيث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعيّ، وقال مالك: وللمُعْمِر أن يُكريها ولا يُبْعِد، وله أن يبيعها من الذي أعطاها، لا من غيره. [وثانيها]: أنها تمليك الرَّقبة ومنافعها، وهي هبة مبتولة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهما، والثوريّ، والحسن بن حيّ، وأحمد بن حنبل، وابن شُبْرُمة، وأبي عبيد؛ قالوا: من أعمر رجلًا شيئًا حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد مَلَك رقبتها، وشرط المعطي الحياةَ أو العمر باطل؛ لأن رسول الله -ﷺ- قد أبطل شرطه، وجعلها بَتْلةً، وسواء قال: هي لك حياتك، أو: هي لك ولعقبك بعدك. [وثالثها]: إن قال: عمرك؛ ولم يذكر العقب كان كالقول الأول، وإن قال: لك ولعقبك؛ كان كالقول الثاني، وبه قال الزهريّ، وأبو ثور، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب، وقد روي عن مالك، وهو ظاهر قوله في «موطأ» يحيى بن يحيى. فأهل القول الأول تمسَّكوا بأصل اللغة، وعضدوا ذلك بما رواه ابن القاسم عن مالك قال: رأيت محمدًا وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعبد الله يعاتب محمدًا -وهو يومئذ قاض- فيقول له: ما لك لا تقضي بحديث ابن شهاب في العُمْرى؟ فقال: يا أخي! لم أجد النَّاس عليه، وأباه الناس، قال مالك: ليس عليه العمل، ولوددت أنه مُحِي، وعضدوه أيضًا بأن قالوا: الأصل بقاء ملك المعطي للرَّقبة بإجماع، ولم يَرِدْ قاطع بإخراجه عن يده قبل الإعمار، وتأولوا جميع تلك الظواهر الواردة في الباب. وأما أهل القول الثاني: فظواهر الأحاديث معهم، غير أنَّهم لا يُسلَّم لهم أن رسول الله -ﷺ- أبطل شرط العمر؛ لأنَّه لو أبطله لبطلت العمرى بالكليَّة، ولامتنع إطلاق ذلك الاسم عليها، ولم تبطل؛ لأن الأصل في شروط المسلمين صحتها وبقاؤها بدليل قول النبيّ -ﷺ-: «المسلمون على شروطهم»؛ ذكره أبو داود، وغيره، عن أبي هريرة . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «لا يُسلّم لهم … إلخ» فيه نظر؛ كيف لا يسلّم لهم؟، وقد صحّ عن النبيّ -ﷺ-، ولا يلزم من بطلان الشرط بطلان العمرى؛ إذ لا تلازم بينهما، كما لا يخفى على المتأمل، والله تعالى أعلم. قال: فإن قيل: هذا من الشروط التي قد أبطلها الشرع بقوله: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»؛ قلنا: لا نسلّم أنَّه ليس في كتاب الله؛ لأن كتاب الله هنا يراد به: حكم الله؛ بدليل السبب الذي خرج عليه الحديث المتقدِّم، وقد تقدَّم في العتق. قال الجامع: هذا الحديث حجة عليه، لا له؛ لأن الشرط الذي أبطله النبيّ -ﷺ- إنما بطل بحكم الله، فتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: ثم يلزم على هذا إبطال المنحة، والإفقار، والعارية، فإنَّها كلها عطايا بشروط، وليست كذلك باتفاق. قال الجامع: أيضًا هذا غير مقبول؛ لأن هذه الأشياء صحّت شرعًا مع شروطها، فلا يعارضها ما نحن فيه، فتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: فإن قيل: فقد قال رسول الله -ﷺ- فيما رواه ابن أبي ذئب في «موطئه» من حديث جابر -﵁- عن النبيّ -ﷺ-: أنَّه قضى فيمن أَعْمَر عُمْرى له ولعقبه، فهي بتلةٌ، لا يجوز للمعطي فيها شرط، ولا مثوبة ، وهذا صريح في إبطال الشرط. فالجواب: إنا لا نسلّم أن هذا الشرط المنهيّ عنه هو نفس الإعمار في قوله: «هي لك عمرك»؛ لأنه لو كان كذلك لبطلت حقيقة العمرى، كما قلناه، ولأنه لو بطل ذلك لبطل قول المعطي: هي لك سنَةً من عمرك، ولم يبطل بالاتفاق، فلا تبطل، والجامع بين الصورتين: أن كل واحد منهما إعطاءٌ ذُكِر فيه العمر، وقد قال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم. قال الجامع: القول فيه كالقول في سابقه، فتنبّه. ومما يتمسكون به قوله -ﷺ-: «لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث»، فقد صيَّرها ملكًا؛ لأنه لا يورث عن الإنسان إلا ما كان يملك. ويجابون عن ذلك بأن اللفظ ليس من كلام النبيّ -ﷺ-، وإنما هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ كما قد رواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وذكر الحديث المتقدِّم، فلما فرغ قال: قال أبو سلمة: «لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث»، ولئن سُلِّم ذلك؛ فإنما جاء ذلك من حيث ذكر العقب، فيكون فيه حُجَّة لأهل القول الثالث، لا للثاني. وأما أهل القول الثالث، فكأنهم أعملوا الاسم فيما لم يذكر فيه العقب، وتركوا مقتضاه، حيث منع منه الشرع، وكأنهم جمعوا بين الاسم والأحاديث التي في الباب، وقد شهد لصحة هذا رواية من قال عن جابر: إنَّما العُمْرى التي أجاز رسول الله -ﷺ- أن يقول: هي لك ولعقبك، فأمَّا إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها، قال: وبه كان الزهري يُفتي، ثم ما ورد من الروايات مطلقًا فإنه مقيّد بهذا الحديث، غير أن كلام النبيّ -ﷺ- انتهى عند قوله: «هي لك ولعقبك»، وما بعده من كلام الزهريّ على ما قاله محمد بن يحيى الذُّهْليّ، وهو مما انفرد به معمرٌ عن الزهريّ، وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهريّ من الأئمة الحفاظ؛ كالليث، ومالك، وابن أخي الزهريّ، وابن أبي ذئب، ولم يذكروا ذلك. قال الجامع: سيأتي في كلام ابن عبد البرّ ﵀ مناقشة ما قاله الذُّهْليّ، فلا تذهل. قال القرطبيّ: والذي يظهر لي، وأستخير الله في ذكره أنَّ حديث جابر في العُمْرى رواه عنه جماعة، واختلفت ألفاظهم اختلافًا كثيرًا، ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون، واختلفوا كذلك، ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة، وخَلَط فيه بعضهم بكلام النبيّ -ﷺ- ما ليس منه، فاضطرب، فضَعُفت الثقة به، مع ما ينضاف إلى ذلك من مخالفته للأصل المعلوم المعمول به من أن الناس على شروطهم في أموالهم، كما قال القاسم بن محمد، وكما دلَّ عليه الحديث المتقدم في الشروط، وينضاف إلى ذلك أن الناس تركوا العمل به؛ كما قال محمد بن أبي بكر، فتعيَّن تركه، كما قاله مالك: ليته مُحِي، ووجب التمسك بأصل وضع العُمْرى، كما تقدَّم، وبالأصل المعلوم من الشريعة: من أن الناس على ما شرطوه في أعطياتهم، وهُو القول الأول، وليس على غيره معوَّل. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ من الطعن في حديث جابر -﵁- بالاضطراب، وضعف الثقة به، والتمسّك بالأصل المعلوم إلى آخر كلامه غريب منه، كيف يضعّف حديثًا صحيحًا، ويدّعي ضعف الثقة به، والتمسّك بالأصل، مع أن الاضطراب بعيد عنه، ولذا أخرجه أصحاب الصحاح بألفاظ متقاربة، وأيضًا لا ينافي التمسّك بالأصل، فكيف يدّعي ما قاله؟، والغريب أنه بعد هذا سلك مسلك الجمع بين تلك الروايات التي ادّعى اضطرابها، فناقض آخر تحقيقه ما ادّعاه أوّلًا، إن هذا لهو العجب العُجاب. قال: وإذا تقرر ذلك فلنبيِّن وجه ردِّ تلك الروايات إلى ما قررناه. فأمَّا قوله: «وإنها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل: أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث»، فيعني به: أنه لما جعلها للعقب؛ فالغالب أن العقب لا ينقطع، فلا تعود لصاحبها لذلك. وأمَّا قوله: «وقعت فيه المواريث»، فإن سلَّمنا أنه من قول النبيّ -ﷺ- فمعناه -والله أعلم- أنَّها لما كانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورِّثهم، ويشتركون في الانتفاع بها أشبهت المواريث، فأطلق عليها ذلك. وأمَّا قوله: «أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها»، فإنه من باب الإرشاد إلى الأصلح؛ لأن الإعمار يمنع المالكَ من التصرف فيما يملكُ رقبته آمادًا طويلة، لا سيما إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإن الغالب: أنها لا ترجع إليه، كما قررناه، ولا يصح حمل هذا النهي على التحريم؛ لأنَّه قد قال في الرِّواية الأخرى: «العمرى جائزة لمن وهبت له»؛ أي: عطيَّةٌ جائزةٌ، ولأنها من أبواب البر، والمعروف، والرفق، فلا يمنع منه، وقول ابن عباس: لا تحِلُّ العُمْرى ولا الرُّقْبى؛ محمول على ذلك، فإنه قال إثر ذلك: فمن أعمر شيئًا فهو له، ومن أرقب شيئًا فهو له، فقد جعلهما طريقين للتملك، فلو كان عقدهما حرامًا كسائر العقود المحرَّمة لأمر بفسخهما. وأمَّا قوله: «فهي للذي أعمرها حيًّا وميتًا»؛ فيعني بذلك: إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإنَّه ينتفع بها في حياته، ثم ينتقل نفعها إلى عقبه بعد موته، وهذه الرواية وإن وقعت هنا مطلقة؛ فهي مقيدة بالروايات الآخر التي ذكر فيها العقب، لا سيما والرَّاوي واحد، والقضية واحدة، فيُحمل المطلق فيها على المقيَّد قولًا واحدًا، كما قررناه في الأصول. وقوله: إنما العمرى التي أجاز رسول الله -ﷺ- أن يقول: هي لك ولعقبك؛ أي: أمض جوازها وألزمه دائمًا على ما ذكرناه. وقوله: «وأمَّا إذا قال: فهي لك ما عشت»، فإنها ترجع إلى صاحبها، فإن كان من قول النبيّ -ﷺ- فهو نصٌّ، فيما اخترناه، وإن كان من قول الرَّاوي؛ فهو أقعد بالحال، وأعلم بالمقال . قال الجامع: قد أجاد القرطبيّ ﵀ في الجمع بين هذه الروايات، فبهذا يتبيّن أنه لا اضطراب بينها، وأن بعضها مفسّر لبعضها، فتكون على معنى واحد، فدعواه الاضطراب، وضَعْف الثقة بالحديث الذي ذكره في أول كلامه مما لا معنى له، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: القائلون: بأن العمرى تمليك الرقبة؛ فرَّقوا بينها وبين السُّكنى، فلو قال: أسكنتك حياتك، فإذا مات رجعت إلى صاحبها، إلا الشَّعبي، فإنه سوَّى بينهما، وقال في السَّكنى: لا ترجع إلى صاحبها بوجه، وهو شاذٌّ لا يعضده نظر، ولا خبر، فإن العمرى عند القائلين: بأنها تمليك الرَّقبة، خارجة في القياس، وإنما صاروا إليه من جهة ظواهر الأخبار، فلا تقاس السُّكنى عليها؛ لأن الخارج عن القياس لا يُقَاس عليه كما قررناه في الأصول، ولا خبر فيه، فلا يصار إليه، والله أعلم. قاله القرطبيّ ﵀ . (المسألة الرابعة): قد بسط القول على هذا الحديث الإمام ابن عبد البرّ ﵀ في كتابه الممتع «التمهيد»، ودونك خلاصته: قال ﵀: مالكٌ، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله -ﷺ- قال: «أيما رجل أَعْمَر عُمْرَى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث». هكذا هو هذا الحديث عند كل الرواة عن مالك، ورواه معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله قال: «إنما العمرى التي أجاز رسول الله -ﷺ- أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عِشْتَ، فإنها ترجع إلى صاحبها»، قال معمر: وكان الزهريّ يفتي بذلك، قال محمد بن يحيى الذهليّ في حديث معمر هذا: إنما منتهاه إلى قوله: «هي لك ولعقبك»، وما بعده عندنا من كلام الزهريّ، قال: وما رواه أبو الزبير، عن جابر، يوهن حديث معمر هذا، قال: وقد رواه ابن أبي ذئب، ومالك، وابن أخي الزهريّ، وليثٌ على خلاف ما رواه معمر. قال أبو عمر: أما رواية ابن أبي ذئب، فرواه في «موطئه» عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبيّ -ﷺ- أنه قضى فيمن أَعْمَر عُمْرَى له ولعقبه، فهي له بَتْلَةً، لا يجوز للمعطي فيها شرط، ولا مَثْنَوِيّةٌ، قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه، وهذا خلاف ما قاله الذهليّ، وقد جَوَّده ابن أبي ذئب، فبَيَّن فيه موضع الرفع، وجعل سائره من قول أبي سلمة، لا من قول الزهريّ. ورواه الأوزاعيّ قال: حدّثني أبو سلمة قال: حدّثني جابر، عن النبيّ -ﷺ- قال: «العمرى لمن أعمِرها، هي له ولعقبه»، هكذا حدثناه الوليد بن مسلم وغيره عنه. ورواه الليث، عن ابن شهاب بإسناده، قال: «من أعمر رجلًا عُمْرَى له ولعقبه، فقد قَطَع قولُهُ حَقَّه فيها، وهي لمن أُعمِرها ولعقبه»، حدّثنا بحديث الليث أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدّثنا أبو النضر، قال: حدّثنا الليث بن سعد، قال: حدّثني الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول، فذكره حرفًا بحرف. قال أبو عمر: فهذا ما في حديث ابن شهاب، والمعنى في ذلك متقارب، يَشُدّ بعضه بعضًا، لكن مالك ﵀ لم يقل بظاهر هذا الحديث؛ لِمَا رواه عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، أنه سمع مكحولًا الدمشقيّ يسأل القاسم بن محمد، عن العمرى، وما يقول الناس فيها، فقال القاسم: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم، وفيما أَعْطَوْا، والقاسم قد أدرك جماعة من الصحابة، وكبار التابعين، وقال مالك: الأمر عندنا أن العمرى ترجع إلى الذي أَعْمَرها إذا لم يقل: لك ولعقبك، إذا مات الْمُعْمَر، وكذلك إذا قال: هي لك ولعقبك ترجع إلى صاحبها أيضًا بعد انقراض عقب المعمَر؛ لأنه على شرطه في عقب المعمَر، كما هو على شرطه في المعمَر، ورقبتها عند مالك وأصحابه على ملك صاحبها أبدًا ترجع إليه إن كان حيًّا، أو إلى ورثته بعده، وضمانها منهم، ولا يُمْلَك بلفظ العمرى، والإعمار، عند مالك رقبةُ شيء من العطايا، وإنما ذلك عنده كلفظ السكنى، والإسكان سواءً، لا يُملَك بذلك إلا المنافع، دون الرقاب، وهي ألفاظ عندهم لا يُملك بها الرقاب، وإنما يملك بها المنافع، منها: العمرى، والسُّكْنَى، والعارية، والإطراق، والمنحة، والإحبال، والإفقار، وما كان مثلها. قال أبو إسحاق الحربيّ: سمعت ابن الأعرابيّ يقول: لم تختلف العرب في أن هذه الأسماء على ملك أربابها، ومنافعُها لمن جُعِلت له، العمرى، والرقبى، والإفقار، والإخبال ، والعرية، والسكنى، والإطراق. ومما احتجّ به أصحاب مالك فيما ذهبوا إليه من ردّ حديث جابر هذا أن قالوا: هو حديث منسوخ، ولم يصحبه العمل، وقال بعضهم: لعل حامله وَهِمَ. قال ابن عبد البرّ: ومثلُ هذا من القول لا يُعترض به الأحاديث الثابتة عند أحد من العلماء، إلا بأن يتبيّن النسخ بما لا مَدْفَع فيه. قال الجامع: قد أجاد ابن عبد البرّ ﵀ في هذا التعقّب، كيف يُدّعَى نسخ حديث صحيح بظنون وتخيّل، فأين الناسخ؟ إن هذا لهو العجب، وأيضًا قولهم: لم يصحبه العمل مردود بما ثبت من أنه عُمل به في المدينة، فقد قضى به طارق مولى عثمان بشهادة جابر -﵁- بأنه -ﷺ- قضى بالعمرى لصاحبها، فكتب به إلى عبد الملك بن مروان، فنفّذه، كما سيأتي عند مسلم في هذا الباب، فكيف يُدَّعَى عدم العمل؟ فتبصّر. قال: ومما احتجوا به أيضًا ما رواه ابن القاسم وغيره عن مالك، قال: رأيت محمدًا وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فسمعت عبدَ الله يعاتب محمدًا، ومحمد يومئذ قاض، فيقول له: ما لَكَ لا تقضي بالحديث الذي جاء عن رسول الله -ﷺ- في العمرى، حديثِ ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر؟ فيقول له محمد: يا أخي لم أجد الناس على هذا، وأباه الناس، فهو يكلمه، ومحمد يأباه، قال مالك: ليس عليه العمل، ولوددت أنه مُحِيَ . ومن أحسن ما احتجوا به أن قالوا: مِلْكُ الْمُعْمِر الْمُعْطِي ثابت بإجماع قبل أن يُحْدِث العمرى، فلما أحدثها اختَلَف العلماء، فقال بعضهم: قد أزال لفظه ذلك ملكَه عن رقبة ما أعمره، وقال بعضهم: لم يزل ملكه عن رقبة ماله بهذا اللفظ، والواجب بحق النظر أن لا يزول ملكه إلا بيقين، وهو الإجماع؛ لأن الاختلاف لا يثبت به يقين، وقد ثبت أن الأعمال بالنيات، وهذا الرجل لم ينو بلفظه ذلك إخراج شيء عن ملكه، وقد اشترط فيه شرطًا فهو على شرطه؛ لقول رسول الله -ﷺ-: «المسلمون على شروطهم». قال الجامع: سكت ابن عبد البرّ ﵀ عن التعليق على هذا المتمسّك، ويا ليته لم يسكت، والجواب عنه واضح، وهو أن ثبوت الملك، وزواله ليس من شرطه الإجماع، وإنما الشرط ثبوت الدليل فيه، من نصّ كتاب الله، أو سُنَّة رسول الله -ﷺ- الصحيحة، فإذا ثبت عن رسول الله -ﷺ- نصّ في إثباته أو زواله، فهو المتمسّك، سواء حصل الإجماع على ذلك، أم لم يحصل، وما هنا كذلك، فقد أزال النصّ ملك الْمُعْمِر -بالكسر- وأدخله في ملك الْمُعْمَرِ له - بالفتح- فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. قال أبو عمر ﵀: نحن نذكر اختلاف الفقهاء في هذا الباب على شرطنا في هذا الكتاب لنبيّن بذلك موضع الصواب، وبالله التوفيق. فأما مالك ﵀، فقد ذكرنا أن العمرى والسكنى عنده سواء، وهو قول الليث، وقول القاسم بن محمد، ويزيد بن قُسيط، قال مالك: فإذا أعمره حياته، وأسكنه حياته، فهو شيء واحد، فإن أراد الْمُعْمَر أن يُكريها فإنه يُكريها قليلًا قليلًا، ولا يبعد الكراء، قال: وللمعمَر أن يبيع منافع الدار، وسكناه فيها من الذي أعمره، ولا يبيعها من غيره. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهما، وهو قول الثوريّ، والحسن بن حيّ، وابن شُبْرُمة، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد: الْعُمْرَى بهذا اللفظ هبة مبتوتة، يملكها المعمَر ملكًا تامًّا، رقبتها ومنافعها، واشترطوا فيها القبض على أصولهم في الهبات، قالوا: ومن أَعمر رجلًا شيئًا في حياته، فهو له حياتَهُ وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد مَلَك رقبتها، وشرطُ المعطي، وذكره العمرى، والحياة باطلٌ؛ لأن رسول الله -ﷺ- أبطل شرطه، وجعلها بَتْلَةً للمعطَى، وسواءٌ قال: هي ملك حياتك، وهي لك ولعقبك بعدك عمري وحياتهم، أو ما عشت، وعاشوا، كل ذلك باطلٌ؛ لأن رسول الله -ﷺ- أبطل الشرط في ذلك، وإذا بطل شرطه لنفسه في حياة المعمَر، فكذلك حياة عقبه الشرط أيضًا باطل، وكل شرط أبطله الله أو رسوله فهو مردودٌ؛ لأن في إنفاذه تحليل الحرام، وقد قال رسول الله -ﷺ-: «المؤمنون على شروطهم، إلا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا» ، وقال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»؛ يعني: ليس في حكم الله، وفيما أباحه الله في كتابه، وعلى لسان رسوله -ﷺ-، وقد قال -ﷺ-: «إنه من أعطى شيئًا حياته فهو له ولورثته، فأمسكوا عليكم أموالكم». قالوا: والسكنى عارية لا يُملك بها رقبة، إنما يملك بها المنافع على شروط المسكن. ومن حجتهم فيما ذهبوا إليه في العمرى ما رواه ابن جريج، والثوريّ، وجماعة عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله -ﷺ- قال: «من أعمر شيئًا حياته، فهو له حياته وموته». ثم ساق بسنده عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: «العمرى لمن وُهبت له»، فجعلها هبةً، والفائدة في هذا الخطاب في تملّكه الرقبة؛ لأن المنافع أوضح من أن يحتاج إلى أن تُعرَف لمن هي في ذلك، والله أعلم. ثم ساق بسنده عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أيها الناس أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُعمِروا أحدًا شيئًا، فإن من أعمر أحدًا شيئًا حياته فهو له حياته ومماته». قال: وذكر الشافعيّ عن ابن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يا معشر الأنصار أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُعمروا أحدًا شيئًا، فإن من أعمر شيئًا حياته، فهو لمن أُعْمِره حياته ومماته». ورَوَى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر مثله سواءً، وهو قول جابر، وابن عمر، وابن عباس، ذكر معمر عن أيوب، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت ابن عمر وسأله أعرابيّ أَعطَى ابنه ناقةً له حياته، فأنتجها فكانت إبلًا، فقال ابن عمر: هي له حياته ومماته، قال: أفرأيت إن كان تصدق عليه؟ قال: فذلك أبعد له. وهذا الخبر يدلّ على أن مذهب ابن عمر في العمرى أنها خلاف السكنى، ذلك أنه وَرِثَ حفصة بنت عمر دارها، قال: وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت ابنة زيد قَبض عبد الله بن عمر المسكن، ورأى أنه له. وعلى هذا أكثر العلماء، وجماعة أهل الفتوى في الفرق بين العمرى والسكنى، وقالوا: لا تنصرف إلى صاحبها أبدًا، وكان الشعبيّ يقول: إذا قال: هو لك سكنى حتى تموت، فهو له حياته وموته، وإذا قال: داري هذه اسكنها حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها. وأما قول جابر: فذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطًا لها ابنًا لها، ثم تُوُفِّي، وترك ولدًا، وتوفيت بعده، وتركت ولدين أخوين سوى الْمُعْمَر، أظنه قال: فقال ولد المعمِرة: يرجع الحائط إلينا، وقال ولد المعمَر: بل كان لأبينا حياته وموته، فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدخل جابر، فشَهِد على رسول الله -ﷺ- بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك، فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر، وأمضى ذلك طارق، وقال: ذلك الحائط لبني المعمَر حتى اليوم. وروى يعلى بن عبيد وغيره، عن الثوريّ، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لا تحل العمرى، ولا الرقبى، فمن أُعمِر شيئًا فهو له، ومن أُرقِب شيئًا فهو له. وهو قول طاوس، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وبه كان يقضي شريح. وقال من ذهب إلى هذا القول: إنه لا يصح لأحد أن يَدَّعِيَ العمل في هذه المسألة بالمدينة؛ لأن الخلاف في المدينة فيها قديمًا وحديثًا أشهر من أن يُحتاج إلى ذكره. واحتجوا أيضًا بما حدّثناه عبد الرحمن بن يحيى، ثم ساق بسنده إلى أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «العمرى جائزة لأهلها، أو ميراث لأهلها»، وروى حماد بن سلمة، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن محمد ابن الحنفية، عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبيّ -ﷺ- قال: «العمرى جائزة لأهلها»، ثم بسنده أيضًا إلى جابر بن عبد الله -﵄-، أن النبيّ -ﷺ- قال: «العمرى ميراث لأهلها»، وساق أيضًا بسنده إلى جابر -﵁- أن المهاجرين لمّا قدِموا على الأنصار، جَعَل الأنصار يُعمرونهم دورهم حياتهم، فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ-، فقال للأنصار: «أمسكوا عليكم أموالكم، لا تُعمروها، فإنه من أَعمر شيئًا فهو له ولورثته إذا مات». قال: وفي هذه المسألة قول ثالث، قاله أبو ثور، وداود بن عليّ، وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن، وابن شهاب، وابن أبي ذئب، قالوا: إذا قال الرجل: هذه الدار، وهذا الشيء لك عمري، أو عمرك، أو حياتي، أو حياتك، فإن ذلك ينصرف إلى المعطي إذا مات المعطِي، وانقضى الشرط، فإن مات المعطي قبل انقضاء الشرط انصرف إلى ورثته، وليس في هذا تمليك شيء من الرقاب، حتى يكون فيه ذكر العقب، وإذا قال المعطي: هو لك ولعقبك، زال ملك المعطي عنها، وصارت ملكًا للمعطى يورث عنه، وقد رُوي عن يزيد بن قُسيط مثل هذا القول أيضًا، وحجة من ذهب إليه حديث أبي سلمة، عن جابر من رواية ملك وغيره، عن ابن شهاب، وقد تقدم ذكره، قالوا: فهذا هو الثابت عن النبيّ -ﷺ- من رواية الثقات الفقهاء الأثبات، قالوا: وليس حديث أبي الزبير مما يعارَض به حديث ابن شهاب، ولا في حديث أبي هريرة، وزيد بن ثابت، ومعاوية بيان، وهي مُحْتَمِلة للتأويل، وحديث ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر حديث مُفَسَّر، يرتفع معه الإشكال؛ لأنه جَعَل لذِكْر العقب حكمًا، وللسكوت عنه حكمًا يخالفه، وبه أفتى أبو سلمة، وإليه كان يذهب ابن شهاب، وهم رواة الحديث، وإليهم يُنصَرف في تأويله، مع موضعهم من الفقه والجلالة، وليس مَن خالفهم ممن يقاس بهم. قالوا: وحديث معمر حديث صحيح، لا معنى لقول من تكلم فيه؛ لأن معمرًا من أثبت الناس في ابن شهاب، وأحسنهم نقلًا عنه، لا سيما ما حَدَّث به باليمن من كتبه، وإنما وُجد عليه شيءٌ من الغلط فيما حَدَّث به من حفظه بالعراق، وحديثه هذا من رواية أهل اليمن عنه صحيح. قال ابن عبد البرّ ﵀: هذا كله معنى ما احتج به القوم، ومن ذهب مذهبهم، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحث أنيس. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الإمام ابن عبد البرّ ﵀ في استعراض المذاهب، وأدلّتها في هذه المسألة، وأفاد، والذي ظهر لي من خلال دراستي لهذه الأقوال، وأدلّتها ترجيح قول الجمهور: إن العمرى جائزة، ولازمة، ملك للمعمَر له -بالفتح- مطلقًا، سواء قال له: هي ولعقبك، أو لم يقل: ولعقبك. قال العلامة ابن قُدامة ﵀ بعد ذكر صور العمرى والرقبى ما نصّه: وكلاهما جائزٌ في قول أكثر أهل العلم، وحُكي عن بعضهم أنها لا تصحّ؛ لأن النبيّ -ﷺ- قال: «لا تُعمِرُوا، ولا تُرقبوا»، وحجة الجمهور حديث جابر -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها»، وهو حديث صحيح، رواه أصحاب السنن. وأما قوله -ﷺ-: «لا تعمروا … إلخ» فالنهي فيه إنما ورد على سبيل الإعلام لهم أنهم إذا أعمروا، أو أرقبوا يكون ذلك للمُعمَر، والمُرْقَب، ولا يعود إليهم منه شيء، وسياق الحديث يدلّ على هذا، فإنه قال: «فمن أعمر عمرى، فهي لمن أُعمرها حيًّا وميتًا، ولعقبه». إذا ثبت هذا، فإن العمرى تَنقُل الملك إلى المعمر له، وبهذا قال جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عبّاس، وشُريحٌ، ومجاهدٌ، وطاوس، والثوري، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن عليّ. وقال مالكٌ، والليث: العمرى تمليك المنافع، لا تُملك بها رقبة المعمَر بحال، ويكون للمعمَر السكنى، فإذا مات عادت إلى المعمِر، وإن قال: له، ولعقبه، كان سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المعمِر. واحتجّا بما رَوَى يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت مكحولًا يسأل القاسم بن محمد عن العمرى ما يقول الناس فيها؟ فقال القاسم: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم، وما أَعطَوا، وقال إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، عن ابن الأعرابيّ: لم يَختلف العرب في العمرى، والرقبى، والإفقار، والإخبال، والمنحة، والعريّة، والسكنَى، والإطراق أنها على ملك أربابها، ومنافعها لمن جُعلت له، ولأن التمليك لا يتأقّت، كما لو باعه إلى مدّة، فإذا كان لا يتأقّت، حُمل قوله على تمليك المنافع؛ لأنه يصحّ توقيته. وحجة الأولين حديث جابر -﵁- قال: قال النبيّ -ﷺ-: «أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أَعمر عمرى، فهي للذي أُعمِرها حيًّا وميتًا ولعقبه»، رواه مسلم، وفي لفظ: «قضى رسول الله -ﷺ- بالعمرى لمن وُهبت له»، متّفق عليه. قال: وقد رَوَى مالك حديث العمرى في «موطّئه»، وهو صحيح، رواه جابر، وابن عمر، وابن عبّاس، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة -﵁-. وقول القاسم لا يُقبل في مخالفة من سمّينا من الصحابة والتابعين، فكيف يُقبل في مخالفة قول سيّد المرسلين -ﷺ-؟ ولا يصحّ أن يُدّعَى إجماع أهل المدينة؛ لكثرة من قال بها منهم، وقضى بها طارقٌ بالمدينة بأمر عبد الملك بن مروان. وقول ابن الأعرابيّ: إنها عند العرب تمليك المنافع، لا يضرّ إذا نقلها الشرع إلى تمليك الرقبة، كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة، ونقل الظهار، والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة. وقولهم: إن التمليك لا يتأقّت، قلنا: فلذلك أبطل الشرع تأقيتها، وجعلها تمليكًا مطلقًا. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ ببعض تصرّف ، وهو تحقيق نفيس جدًّا. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من هذه التحقيقات كلها أن الأرجح قول أكثر أهل العلم: إن العمرى، والرقبى جائزتان لمن جُعلتا له، ولعقبه بعد موته مطلقًا، سواء ذكر «ولعقبه» أم لا؛ لأن الأدلّة على ذلك صحيحة صريحة، لا يمكن مخالفتها لأجل قول بعض الناس، أو لدليل عقليّ؛ إذ هو في مقابلة الدليل الشرعيّ فاسد الاعتبار. فأما قول الزهريّ وغيره: إن لم يقل: «ولعقبه» ترجع لصاحبها، فرأي رأوه، فلا يكون حجة. وأما احتجاجه بعدم قضاء الخلفاء به، فقد عارضه عطاء بن أبي رباح بأن من الخلفاء من قضى به، وهو عبد الملك بن مروان؛ عملًا بحديث جابر -﵁-، فقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن قتادة، قال: سألني سليمان بن هشام عن العمرى، فقلت: حدَّث محمد بن سيرين، عن شُريح قال: قضى نبي الله -ﷺ- أن العمرى جائزة، قال قتادة: قلت: حدّثني محمد بن النضر بن أنس، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، أن نبيّ الله قال: «العمرى جائزة»، قال: قتادة: وقلت: كان الحسن يقول: العمرى جائزة، قال قتادة: فقال الزهريّ: إنما العمرى إذا أعمر وعقبه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي يجعل شرطه، قال قتادة: فسئل عطاء بن أبي رباح، فقال: حدّثني جابر بن عبد الله، أن رسول الله -ﷺ- قال: «العمرى جائزة»، قال قتادة: فقال الزهريّ: كان الخلفاء لا يقضون بهذا، قال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان. انتهى. فقد تبيّن بهذا أن دعوى عدم عمل أهل المدينة غير صحيحة. والحاصل أن العمرى والرقبى جائزتان، يُنقَل بهما ملك الْمُعْمِر والمرقِبِ إلى الْمُعْمَر والْمرقَب له حياتهما وموتهما، وإلى عقبهما من بعدهما، ولا رجوع فيهما مطلقًا؛ لِمَا عرفت من وضوح الحجة، وتبيّن المحجة، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع، والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٢] (…) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا، وَهِيّ لِمَنْ أُعْمِرَ، وَلِعَقِبِهِ»، غَيْرَ أَنَّ يَحْيَى قَالَ في أَوَّلِ حَدِيثِهِ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى، فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقهُ فِيهَا) برفع «قولُهُ» على الفاعليّة، ونصب «حقَّه» على المفعوليّة؛ يعني: أن قوله: «أعمرتك عمرى لك ولعقبك» يقطع حقّ الرجوع في الهبة؛ لأنها صارت ملكًا للْمُعْمَر له ولعقبه. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٣] (…) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ الْعُمْرَى وَسُنَّتِهَا، عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحمن، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا وَعَقِبَكَ، مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَإنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا، وَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرحمن بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) (خ م د ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٩. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسُنَّتِهَا)؛ أي: طريقتها التي شرعها الله تعالى لها. وقوله: (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً … إلخ) هذا من كلام أبي سلمة أُدرج في هذه الرواية، فسيأتي بعد حديث من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب: «قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه». والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀ وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٤] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا، قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (فَأَمَّا إِذَا قَالَ … إلخ) قد تقدّم عن محمد بن يحيى الذُّهليّ: أن الحديث المرفوع ينتهي إلى قوله: «هي لك ولعقبك»، وما بعده من كلام الزهريّ، قال: وما رواه أبو الزبير، عن جابر يوهن حديث معمر هذا. انتهى. وقوله: (وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتي بِهِ)؛ يعني: أن الزهريّ كان يُفتي أن العمرى التي قيل فيها: «هي لك ما عشت» ترجع إلى صاحبها، وقد عرفت أن هذا رأيه، وقد خالفه عطاء وغيره، فلا يكون: «ولعقبك» حجة، بل الراجح قول الجمهور: إن العمرى لمن جُعلت له مطلقًا، سواء قال: لك ولعقبك، أو لم يزد: ولعقبك، فتنبّه. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٥] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عَنْ جَابِرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَضَى فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلعَقِبِهِ، فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً، لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ، وَلَا ثُنْيَا، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ، فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٥. ٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً) -بفتح الموحّدة، وسكون التاء-، يقال: بَتَلَ الشيءَ يَبْتُلُهُ، من بابي نصر، وضرب: إذا قطعه، وأفرده من الآخر، يقال: صدقة بَتْلَةٌ: منقطعة عن صاحبها، كذا في «تاج العروس» . وقال ابن الأثير ﵀: المعنى: أنه يتملّكها ملكًا لا يتطرّق إليه نقض. انتهى . وقال النوويّ: أي عطيّة ماضية غير راجعة إلى الواهب. انتهى. وهو منصوب على الحال، ويَحْتَمل أن يكون مرفوعًا خبرًا بعد خبر لـ«هي»، أو خبرًا لمحذوف؛ أي: هي بتلةٌ. وقوله: (لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي) بكسر الطاء: اسم فاعل من أعطى: أي لا يجوز للْمُعْمِر أن يشترط فيها شرطًا، ولا أن يستثني شيئًا منها. وقوله: (وَلَا ثُنْيَا) -بضمّ الثاء المثلّثة، وإسكان النون، مقصورًا، على وزن دُنْيَا-: اسم بمعنى الاستثناء؛ أي: ليس له أن يردّ منها إلى نفسه شيئًا بشرط أنها له بعد الموت، أو بسبب أنه استثنى له منها شيئًا، وجعله له بعد الموت. وقوله: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً … إلخ) قد تقدّم أن هذه الرواية بيّنت أن التعليل من كلام أبي سلمة، أُدرج في الحديث في الرواية السابقة، فليُتنبّه. وقوله: (فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ)؛ أي: أبطلته، وجعلته ملغى. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى تمام شرحه، وبقية مباحثه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٦] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبيِ كَثِيرٍ) تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، فقد أخرجه البخاريّ أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر -﵁-، قال: «قضى النبيّ -ﷺ- بالعمرى أنها لمن وُهبت له»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَن نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. والباقون ذُكروا قبله، والحَديث متّفقٌ عليه. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٨] (…) - (حَدثنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدثنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى -وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا، حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلعَقِبِهِ»). رجال هذين الإسنادين: خمسة: وقد تقدّم الإسناد الأول بعينه في آخر الباب الماضي، ويحيى تقدّم أول هذا الباب، وهما من رباعيّات المصنّف ﵀، وهما (٢٧٨ و٢٧٩) من رباعيّات الكتاب، و«أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ» هو: أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب لجدّه، و«يحيى بن يحيى» هو التميميّ النيسابوريّ الإمام، وزُهَيْرٌ هو ابن معاوية، أبو خيثمة الجعفيّ. [تنبيه]: كتابة (ح) للتحويل سقط من معظم نسخ صحيح مسلم، وقد أثبته في النسخة الهنديّة، وهو الصواب، فتنبّه. وقوله: («أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا) قال النوويّ ﵀: المراد به إعلامهم أن العمرى هبةٌ صحيحة ماضيةٌ، يملكها الموهوب له ملكًا تامًّا لا يعود إلى الواهب أبدًا، فإذا عَلِموا ذلك، فمن شاء أَعمَر، ودخل على بصيرة، ومن شاء ترك؛ لأنهم كانوا يتوهّمون أنها كالعارية يُرْجَع فيها، وهذا دليلٌ للشافعيّ وموافقيه، والله أعلم. انتهى . والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف، وقد صرّح أبو الزبير بسماعه من جابر عند النسائيّ ، من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: … الحديث، فذكره مختصرًا، ومن طريق الحجاج الصوّاف، عن أبي الزبير، قال: حدّثنا جابر، قال: قال رسول الله -ﷺ-، فذكره مختصرًا أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَني أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيَّ -ﷺ- بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَفِي حَدِيثِ أيُّوبَ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ: جَعَلَ الأنصَارُ يُعْمِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ»). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (حَجَّاجُ بْن أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصّوّاف، أبو الصَّلت الْكِنْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٢/ ٣١٨. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) أبو عُبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) (م ت س) تقدم في «الإيمان» ٤٩/ ٣١١. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث، تقدّم قبل باب. ٦ - (جَدُّهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٧ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«إسحاق بن إبراهيم» هو: ابن راهويه، و«محمد بن بشر» هو: العبديّ الكوفيّ. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ)؛ يعني: أن كلًّا من حجاج بن أبي عثمان، وسفيان الثوريّ، وأيوب السختيانيّ رووا هذا الحديث عن أبي الزبير، عن جابر -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-. [تنبيه]: رواية حجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنّفه» (٤/ ٥١٠) فقال: (٢٢٦٣٠) - حدّثنا محمد بن بشر، قال: حدّثنا حجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يا معشر الأنصار أمسكوا عليكم أموالكم، لا تُعْمِروها، فإنه من أَعْمَر شيئًا، فإنه لمن أُعْمِرَهُ». انتهى. وأما رواية سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير، فقد ساقها أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنّفه» (٤/ ٥٠٩) فقال: (٢٢٦١٨) - حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أمسكوا عليكم أموالكم، لا تُعْمِروها، فمن أَعمَرَ عُمْرَى، فهي سبيل الميراث». انتهى. وأما رواية أيوب السختيانيّ، عن أبي الزبير، فقد ساقها البيهقيّ في «الكبرى» (٦/ ١٧٣) فقال: (١١٧٥٤) - وأخبرنا أبو الحسن العلويّ، أنبأ أبو الأحرز محمد بن عمر بن جميل الأزديّ بطوس، ثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا أيوب السختيانيّ، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: كانت الأنصار يُعْمِرون المهاجرين، قال: فقال رسول الله -ﷺ-: «أمسكوا أموالكم لا تُعمروها، فإنه من أَعْمَر شيئًا حياته، فإنه لورثته إذا مات». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٩٠] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالً: أَعْمَرَتِ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ حَائِطًا لَهَا ابْنًا لَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَتُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ، وَتَرَكَ وَلَدًا، وَلَهُ إِخْوَة بَنُونَ لِلْمُعْمِرَةِ، فَقَالَ وَلَدُ الْمُعْمِرَةِ: رَجَعَ الْحَائِطُ إِلَيْنَا، وَقَالَ بَنُو الْمُعْمَرِ: بَلْ كَانَ لأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ مَوْلَى عُثْمَانَ، فَدَعَا جَابِرًا، فَشَهِدَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِالْعُمْرَى لِصَاحِبِهَا، فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: صَدَقَ جَابِرٌ، فَأَمْضَى ذَلِكَ طَارِقٌ، فَمنَّ ذَلِكَ الْحَائِطَ لِبَني الْمُعْمَرِ حَتَّى الْيَوْمِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) -﵁- أنه (قَالَ: أَعْمَرَتِ امْرَأة بِالْمَدِينَةِ حَائِطًا)؛ أي: بستانًا (لَهَا ابْنًا لَهَا) «ابنًا» هو المفعول الأول لـ«أَعمرت»، و«حائطًا» مفعول ثانٍ مقدّم (ثُمَّ تُوُفِّيَ) بتشديد الفاء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: مات ذلك الولد الْمُعْمَرُ له (وَتُوُفِّيَتْ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: ماتت المرأة (بَعْدَهُ)؛ أي: بعد موت الولد (وَتَرَكَ وَلَدًا)؛ أي: ترك ذلك الولد الميت ولدًا له، هذا هو الذي وقع في النسخة الهنديّة، ونسخة شرح الأبيّ، وهو الصواب المناسب للسياق، وهكذا هو في «مصنّف عبد الرزّاق» ، و«مسند أبي عوانة» ، و«السنن الكبرى» للبيهقيّ ، و«جامع الأصول» لابن الأثير ، ووقع في معظم نسخ صحيح مسلم: «وتركت ولدًا»، والظاهر أنه غلطٌ، فتنبّه. (وَلَهُ إِخْوَةٌ) وقوله: (بَنُونَ لِلْمُعْمِرَةِ) بدلٌ، أو عطف بيان لـ «إخوة» (فَقَالَ وَلَدُ الْمُعْمِرَةِ) بكسر الميم الثانية؛ أي: المرأة التي أعمرت (رَجَعَ الْحَائِطُ إِلَيْنَا)؛ أي: إلى أولاد المعمِرة (وَقَالَ بَنُو الْمُعْمَرِ) بفتح الميم الثانية؛ أي: الذي جُعل العمرى له (بَلْ كَانَ لأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ)؛ أي: كان مُلكًا ثابتًا لا يقبل الانتقال إلى المعمِرة (فَاخْتَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ مَوْلَى عُثْمَانَ) هو: طارق بن عمرو الأمويّ، قال في «التقريب»: طارق بن عمرو المكيّ الأمويّ مولاهم، أمير المدينة لعبد الملك، وثّقه أبو زرعة في الحديث، والمشهور أنه كان من أمراء الْجَوْر، من الثالثة، مات في حدود الثمانين. انتهى. وقال في «تهذيب التهذيب»: طارق بن عمرو المكيّ الأمويّ مولاهم القاضي، سَمِع من جابر بن عبد الله، وعنه حميد بن قيس الأعرج، وحَكَى عنه سليمان بن يسار وغيره، قال الواقديّ: وَلَّاه عبد الملك بن مروان المدينةَ، فلما قُتِل مصعب بن الزبير دعا إلى طاعة عبد الملك، وأخرج طلحة بن عبد الله بن عوف وكان واليًا لعبد الله بن الزبير، وقال أبو زرعة: ثقة. قلت : قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن طارق قاضي مكة، فقال: ثقة، وقد عاب ابن عساكر على ابن أبي حاتم هذا الكلام، فقال في ترجمة طارق بن عمرو: وَهِمَ ابن أبي حاتم من وجوه: أحدها: قوله: قاضي مكة، وإنما كان ذلك بالمدينة، والثاني: في قوله: رَوَى عن جابر، وإنما قَضَى بقوله، والثالث: قوله: رَوَى عنه سليمان، وإنما حَكَى فعله؛ يعني: أن سليمان بن يسار رَوَى الحديث عن جابر بلا واسطة. قلت: ويؤيد ذلك، ويزيده إيضاحًا ما رواه عبد الرزاق في «مصنَّفه» عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطًا لها ابنًا لها … فذكر حديث الباب. قال: وساق ابن عساكر من طريق الواحديّ بسنده، عن جابر بن عبد الله، قال: نظرت إلى أمور كلها أتعجب منها، عَجِبت لمن سَخِط ولاية عثمان حتى ابتلوا بطارق مولاه على منبر رسول الله -ﷺ-، وقال أبو الفرج الأمويّ: كان طارق من وُلاة الجور، وقال عمر بن عبد العزيز -لمّا ذكره والحجاجَ، وقرةَ بن شريك، وكانوا إذ ذاك وُلاة الأمصار-: امتلأت الأرض جَوْرًا، وذكر الواقديّ بسنده أن عبد الملك جَهَّز طارقًا في ستة آلاف إلى قتال مَن بالمدينة من جهة ابن الزبير، فقصد خيبر، فقتل بها ستمائة، وقال خليفةُ: بعثه عبد الملك إلى المدينة، فغَلَب له عليها، وولّاه إياها سنة (٧٢) ثم عزله في سنة (٧٣) ووَلَّى الحجاج بن يوسف. انتهى . تفرّد بذكره المصنّف في هذا الباب، وليس له عنده رواية، وروى له أبو داود حديثًا واحدًا . وهو حديث ضعيف. (فَدَعَا) طارق (جَابِرًا) -﵁- (فَشَهِدَ) جابر -﵁- (عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِالْعُمْرَى)؛ أي: بأنه قضى بالعمرى (لِصَاحِبِهَا)؛ أي: الْمُعْمَر له (فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ، أبي الوليد المدنيّ، ثم الدمشقيّ، كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتَغَل بها، فتغيّر حاله، مُلّك ثلاث عشرة سنة استقلالًا، وقَبْلها منازعًا لابن الزبير تسع سنين، ومات سنة ست وثمانين في شوّال، وقد جاوز الستّين، له عند المصنّف ذِكْر، وليس له عنده في «صحيحه»، ولا في بقية الكتب الستة إلا ذكر فقط، وإنما أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد، قوله، قاله الحافظ المزيّ ﵀ . (فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ)؛ أي: أخبر طارق عبد الملك فيما كتبه إليه بهذه القضيّة (وَأَخْبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ) بأن النبيّ -ﷺ- قضى بالعمرى لصاحبها (فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: صَدَقَ جَابِرٌ) -﵁- (فَأَمْضَى ذَلِكَ طَارِقٌ)؛ أي: أثبت ذلك الحكم الذي حكم به (فَإِنَّ ذَلِكَ الْحَائِطَ لِبَنِي الْمُعْمَرِ) بضمّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وهو الذي جُعلت العمرى له (حَتَّى الْيَوْمِ)؛ أي: إلى يوم التحديث بهذا الحديث، والظاهر أن هذا من كلام أبي الزبير ﵀، والله تعالى أعلم. والحديث بهذه القصّة من أفراد المصنّف ﵀. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٩١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ طَارِقًا قَضَى بِالْعُمْرَى لِلْوَارِثِ؛ لِقَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٩. والباقون ذُكروا قبل حديث. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى البحث فيه قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٩٢] (…) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح، واسم أبيه أسلم الْقُرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: («الْعُمْرَى جَائِزَةٌ»)؛ أي: ثابتة لمن جُعِلت له، والمراد أنها لا ترجع إلى صاحبها الْمُعْمِرِ، وإنما هي ملك للْمُعْمَر له، ولعقبه، وقد فَهِم قتادة ﵀، وهو راوي الحديث من هذا الإطلاق أنه إذا أطلق، فقال: أعمرتكها أنها للموهوب له ولعقبه، فقد روى النسائيّ أن قتادة حَكَى أن سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة، -يعني: صورة الإطلاق- فذكر له قتادة، عن الحسن وغيره أنها جائزة، وذكر له حديث أبي هريرة -﵁- بذلك ، قال: وذكر له عن عطاء، عن جابر، عن النبيّ -ﷺ- مثل ذلك ، قال: فقال الزهريّ: إنما العمرى؛ أي: الجائزة إذا أَعْمَر له ولعقبه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي يَجعل شرطه، قال قتادة: واحتَجّ الزهري بأن الخلفاء لا يقضون بها، فقال عطاء: قَضَى بها عبد الملك بن مروان، ذكره في «الفتح» . وقال في «الفتح» أيضًا عند قوله: «العمرى جائزة» ما نصّه: فَهِمَ قتادة، وهو راوي الحديث من هذا الإطلاق ما حكيته عنه -يعني: حكاية سؤل سليمان بن هشام- وحمله الزهريّ على التفصيل الماضي، وإطلاق الجواز في هذه الرواية لا يُفْهَم منه غير الحلّ، أو الصحّة، وأما حمله على الماضي للذي يعاطاها، وهو الذي حمله عليه قتادة فيحتاج إلى قدر زائد على ذلك، وقد أخرج النسائيّ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «لا عمرى، فمن أَعْمَر شيئًا فهو له»، وهو يشهد لِمَا فَهِمه قتادة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن ما فهمه قتادة من إطلاق الحكم، سواء أطلق الْمُعْمِر، أو قيّد بقوله: «ولعقبه» هو الأرجح مما فهمه الزهريّ من التقييد، فتبصّر. والحديث متّفقٌ عليه ، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ودئه الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٩٣] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثنا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيَّ -ﷺ- أنهُ قَالَ: «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لأَهْلِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف ﵀. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
مصادر المؤلف (٣٠)

١. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٠.

٢. «المفهم» ٤/ ٥٩٢.

٣. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٠.

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٠ - ٧١.

٥. حديث صحيح، أخرجه أبو داود ٣/ ٣٠٤.

٦. هكذا نسخة «المفهم»، وهو مصحّف من «مثنوية»، بمعنى: الاستثناء، كما في عبارة «التمهيد» الآتية، ووقع في «صحيح مسلم» بلفظ: «ولا ثُنْيَا»، وهو أيضًا بمعنى الاستثناء.

٧. «المفهم» ٤/ ٥٩٣ - ٥٩٨.

٨. «المفهم» ٤/ ٥٩٨.

٩. «الإخبال» بالخاء المعجمة: هو بمعنى العارية، قال في «القاموس» (ص ٣٤٦): واستخبلني ناقةً، فأخبلتها: استعارنيها، فأعرتها، أو أعرتها لينتفع بلبنها، ووَبَرها، أو فرسًا ليغزو عليه. انتهى.

١٠. أي: تمنّيت أنه محي من «الموطّأ»، ووقع في النسخة غلطًا: «أني مُحي»، فتنبّه.

١١. حديث حسن.

١٢. راجع: «التمهيد» ٧/ ١١٢ - ١٢٣.

١٣. راجع: «المغني» لابن قُدامة ﵀ ٨/ ٢٨١ - ٢٨٤.

١٤. «تاج العروس» ٧/ ٢٣٠.

١٥. «جامع الأصول» ٨/ ١٧٢.

١٦. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٢.

١٧. راجع: «المجتبى» برقم (٣٧٦٢ و٣٧٦٣).

١٨. «مصنّف عبد الرزّاق» ٩/ ١٨٩.

١٩. «مسند أبي عوانة» ٣/ ٤٦٩.

٢٠. «السنن الكبرى» ٦/ ١٧٣.

٢١. «جامع الأصول» لابن الأثير ٨/ ١٦٨.

٢٢. القائل هو الحافظ ابن حجر ﵀.

٢٣. «تهذيب التهذيب» ٥/ ٦.

٢٤. قال أبو داود في «سننه»: (٣٥٥٧) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان، عن حبيب -يعني: ابن أبي ثابت- عن حميد الأعرج، عن طارق المكيّ، عن جابر بن عبد الله، قال: قضى رسول الله -ﷺ- في امرأة من الأنصار، أعطاها ابنها حديقةً من نخل، فماتت، فقال ابنها: إنما أعطيتها حياتها، وله إخوة، فقال رسول الله -ﷺ-: «هي لها حياتها وموتها»، قال: كنت تصدقت بها عليها، قال: «ذلك أبعد لك». انتهى.

٢٥. راجع: «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤١٤.

٢٦. يعني: الرواية الثالثة.

٢٧. يعني: هذا الحديث.

٢٨. «الفتح» ٦/ ٤٨١.

٢٩. «الفتح» ٦/ ٤٨١.

٣٠. أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (٢٦٢٦).