HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٤١

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ (واللفظ لزهير). قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أيوب عن أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ. فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ. وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ. فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ. فَقَالَ (مَا شَأْنُكَ؟) فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي؟ وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ (إِعْظَامًا لِذَلِكَ) (أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ) ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ (مَا شَأْنُكَ؟) قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ. قَالَ (لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ) ثُمَّ انْصَرَفَ. فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ فَقَالَ (مَا شَأْنُكَ؟) قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي. وظمآن فاسقيني. قَالَ (هَذِهِ حَاجَتُكَ) فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ. قَالَ: وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ. وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ. فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ. وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ. فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ فَأَتَتِ الْإِبِلَ. فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ. حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ. فَلَمْ تَرْغُ. قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ. فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا ثُمَّ زَجَرَتْهَا فَانْطَلَقَتْ. وَنَذِرُوا بِهَا فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتْهُمْ. قَالَ: وَنَذَرَتْ لِلَّهِ؛ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ. فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ، نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ؛ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ (سُبْحَانَ اللَّهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا. نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ. وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ (لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الله).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص78
ج ٣ ص ١٢٦٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٥٢٠
(٣) - (بَابٌ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٣٧] (١٦٤١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَني عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَهْوَ فِي الْوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي، وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ إِعْظَامًا لِذَلِكَ: «أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ»، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: «لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ»، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي، قَالَ: «هَذِهِ حَاجَتُكَ»، فَفُدِي بِالرَّجُلَيْنِ، -قَالَ: - وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَي بُيُوتهِمْ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ، فَأَتَتِ الإِبِلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا، فَتَتْرُكُهُ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ، قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ، فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا، ثُمَّ زَجَرَتْهَا، فَانْطَلَقَتْ، وَنَذِرُوا بِهَا، فَطَلَبُوهَا، فَأَعْجَزَتْهُمْ -قَالَ: - وَنَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ، رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ بِئْسَمَا جَزَتْهَا، نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، يقال: فيه نصبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٤ - (أَبُو الْمُهَلَّبِ) الْجَرْميّ البصري، عمّ أبي قلابة، اسمه عمرو، أو عبد الرَّحمن بن معاوية، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٢] (بخ م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٩/ ١٢٩٦. ٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٧٩. والباقيان تقدما في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين من إسماعيل، وشيخاه بغداديان، فابن حجر، وإن كان مروزيًّا إلَّا أنه سكن بغداد، وفيه ثلاثة من ثقات التابعين البصريين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، ورواية الراوي عن عمّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ) - بفتح الثاء المثلّثة، وكسر القاف، بعدها مثنّاة تحتيّة، ثم فاء - أبو قبيلة، قال ابن الأثير ﵀: هو: ثقيف بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس بن عَيْلان، وقيل: إن اسم ثقيف: قسي، نزلوا الطائف، وانتشروا في البلاد في الإسلام. انتهى ، وهو غير منصرف؛ لكونه عَلَمًا على القبيلة. (حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ) بضمّ أوله، بصيغة التصغير، وبنو عُقيل قبيلة من بني عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة بن معاوية بن بكر، قاله في «اللباب» . (فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ)؛ أي: أخذتهما أسيرين، قال المجد ﵀: الأسير: الأَخِيذ، والمقيّد، والمسجون، جمعه أُسراء، وأُسَاري، وأَسَارَي، وأَسْرى. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: أَسَرْتُهُ أَسْرًا، من باب ضرب، فهو أَسِيرٌ، وامرأة أَسِيرٌ أيضًا؛ لأنَّ فعيلًا بمعنى مفعول ما دام جاريًا على الاسم يستوي فيه المذكر والمؤنث، فإن لَمْ يُذْكَر الموصوف أُلْحِقت العلامة: وقيل: قتلت الأَسِيرَة، كما يقال: رأيت القتيلة، وجمع الأَسِير: أَسْرَي، وأَسَارَي، بالضم، مثل سَكْرَى وسُكَاري، وأَسَرَهُ الله أَسْرًا: خَلَقَه خَلْقًا حسنًا، قال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨]؛ أي: قوّينا خلقهم، وآسَرْتُ الرجلَ، من باب أكرم لغة في الثلاثيّ، وأُسْرَة الرجل وزانُ غُرْفَة: رَهْطُهُ، والإِسَارُ، مثل كتاب: القِدّ، ويُطلَق على الأَسِير، وحللتُ إِسَارَهُ: أي: فككته، وخُذْه بِأَسْرِه؛ أي: جميعه. انتهى . ثم إن الرجلين، وكذا الرجل الآتي لا تعرف أسماؤهم، كما قاله صاحب «التنبيه» . وقوله: (مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) بيان لـ «رجلين» (وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- رَجُلًا) لا يعرف اسمه، كما أسلفته آنفًا (مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ) مصغّرًا (وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ) -بفتح العين المهملة، وسكون الضاد المعجمَة، بعدها موحّدة، بالمدّ- وأصله هي الناقة المشقوقة الأذن، ولكن ناقة النبيّ -ﷺ- ليست مشقوقة الأذن، وإنما لُقّبت بذلك؛ لنجابتها، قال الفيّوميّ ﵀: وعَضِبتِ الشاةُ والناقة عَضَبًا، من باب تَعِبَ: إذا شُقّ أُذنها، فالذكر أعضبُ، والأنثى عضباءُ، مثلُ أحمر، وحمراء، ويُعدّى بالألف، فيقال: أعضبتها، وكانت ناقة النبيّ -ﷺ- تُلَقّب العَضْباء؛ لنجابتها، لا لشقّ أُذنها. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: كان اسم ناقة النبيّ -ﷺ- الْعَضْباءَ، وهو عَلَم لها منقول من قولهم: ناقةٌ عضباءُ؛ أي: مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة الأذن، وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأول أكثر. انتهى . (فَأَتَى عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الرجل الأسير (رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَهْوَ فِي الْوَثَاقِ) جملة حاليّة من الضمير المجرور، و«الوثاق» -بفتح الواو وكسرها-: القيد، والحبل، ونحوه، ويقال: وَثُق الشيء بالضمّ وَثَاقَةً: قَوِيَ وثبت، فهو وثيقٌ ثابتٌ مُحكمٌ، وأوثقته: جعلته وَثيقًا . (قَالَ) الرجل (يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى النبي -ﷺ- الرجلَ (فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»)؛ أي: ما حالك حيث ناديتني (فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي)؛ أي: بأيّ سبب أسرني أصحابك؟ (وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ)؛ أي: الناقة التي تسبق نُوق الحجاج ﵀، وكانت العضباء المذكورة معروفة بذلك. قال القرطبيّ ﵀: قول الرجل: «يا محمد بم أخذتني … إلخ» هو استفهام عن السبب الذي أوجب أخذه، وأخذ ناقته، وكأنَّه كان يعتقد: أن له ولقبيلته عهدًا من النبيّ -ﷺ- «، فأجابَه النبيُّ -ﷺ- بذكر السبب إعظامًا لحق الوفاء، وإبعادًا لنسبة الغدر إليه، فقال:»أخذتُك بجريرة حلفائِك ثقيفٍ«؛ أي: بما فعلته ثقيفٌ من الجناية التي نقضوا بها ما كانَ بينَهم وبينَ رسول الله -ﷺ- من العهد ، وكانت بنو عُقَيل دخلوا معهم في ذلك، فإمَّا بحكم الشرط، وفيه بُعْد، والظاهر أنَّهم دخلوا معهم بحكم الحِلْف الذي كان بينَهم، ولذلك ذكر حلفهم في الحديث، ولَمّا سَمِع الرَّجلُ ذلك لَمْ يجدْ جوابًا، فسكتَ. وعَنَى بسابقة الحاجِّ: ناقته العضباء، فإنها كانت لا تُسبق. وقد كانت معروفة بذلك، حتى جاء أعرابيٌّ بقَعودٍ له فسبقَها، فَعَظُمَ ذلك على أصحاب رسول الله -ﷺ-، وقالوا: سُبقت العضباء. فقال رسولُ الله -ﷺ-:«إن حقًّا على اللهِ ألا يُرفعَ شيء من الدُّنيا إلَّا وضعه». انتهى . (فَقَالَ) -ﷺ- (إِعْظَامًا لِذَلِكَ)؛ أي: تكريمًا لسؤاله، وقال القرطبيّ ﵀: إعظامًا لحقّ الوفاء، وإبعادًا لنسبة الغدر إليه. انتهى. («أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ)؛ أي: بجنايتهم. وقال القرطبيّ ﵀: الْحُلَفاء: جمع حَلِيف؛ كظرفاء: جمع ظريف، والحليف: اسم فاعل من حَلَف، عُدِل عن حالف للمبالغة، وقد كَثُر حتى صار كالأسماء، والمحالفة، والتحالف: التعاهد، والتعاقد على التناصر والتعاضد. والأسر: الأخذ، وأصله: الشَّدُّ والرَّبط، قاله القتبي. والعضباء: اسم للناقة. وهي التي صارت للنبيّ إما بحكم سهمه الخاصّ به من المغنم المسمَّى بـ «الصَّفِيِّ»، وإمَّا بالمعاوضة الصحيحة، وهي المسمَّاة بالْجَدْعاء، والْقَصْواء، والْخَرْماء في روايات أخر، وقد ذكرنا الخلاف فيها فيما تقدَّم. والعَضْب، والقصو، والجدع، والخرم، كلها بمعنى القطع، وسُمِّيت هذه الناقة بتلك الأسماء؛ لأنَّها كان في أذنها قطع، وسميت به، فصدقت عليها تلك الأسماء كلها، وعلى هذا، فأصول هذه الأسماء تكون صفات لها، ثم كثرت فاستعملت استعمال الأسماء. انتهى . وقد سبق في «كتاب الحجِّ» بيان الخلاف: هل العضباء، والقصواء، والجدعاء ثلاث، أم واحدة؟ فراجعه تستفد، وبالله -عَزَّوَجَلَّ- التوفيق. وقوله: (ثَقِيفَ») بدل من«حلفائك». (ثُمَّ انْصَرَفَ)؛ أي: رجع -ﷺ- (عَنْهُ)؛ أي: عن الرجل (فَنَادَاهُ)؛ أي: نادى الرجل النبيّ -ﷺ- مرّة أخرى (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ) قال القرطبيّ ﵀: هذا النِّداء من الرَّجل على جهة الاستلطاف، والاستعطاف، ولذلك رقَّ له رسولُ الله -ﷺ-، فرجعَ له، وقال له:«ما شأنك؟ »-رحمةً ورفقًا- على مقتضى خُلُقه الكريم، ولذلك قال الرَّاوي: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- رَحِيمًا رَقِيقًا)؛ أي: رقيق القلب، شديد الرأفة على أمته، كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، (فَرَجَعَ) -ﷺ- إليه، (فَقَالَ -ﷺ-:«مَا شَأْنُكَ؟ »، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا اللفظ أنَّه قد صار مسلمًا بدخوله في دين الإسلام، وظاهر قوله -ﷺ- أنه لَمْ يَقْبَل ذلك منه؛ لمّا أجابه بقوله:«لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كلَّ الفلاح»، وحينئذ يلزم منه إشكال عظيم؛ فإن ظاهره أنه لَمْ يقبل إسلامه؛ لأنه أسيرٌ مغلوبٌ عليه، لا يملك نفسه، وعلى هذا: فلا يصح إسلام الأسير في حال كونه أسيرًا، وصحة إسلامه معلوم من الشريعة، ولا يُخْتَلف فيه، غير أن إسلامه لا يُزيل ملك مالكه بوجه، وهو أيضًا معلوم من الشرع. ولمّا ظهر هذا الاشكال اختلفوا في الانفصال عنه، فقال بعض العلماء: يمكن أن يكون عَلِمَ النبيّ -ﷺ- من حاله أنه لَمْ يَصْدُق في ذلك بالوحي، ولذلك لما سأله في المرَّة الثانية، فقال: «إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني»، فقال: «هذه حاجتك». وقال بعضهم: بل إسلامه صحيح، وليس فيه ما يدلّ على أنَّه ردَّ إسلامه، فأمَّا قوله: «لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كلَّ الفلاح»؛ أي: لو قلت كلمة الإسلام قبل أن تؤسر لبقيت حرًّا من أحرار المسلمين، لك ما لهم من الحرية في الدّنيا، وثواب الجَنَّة في الآخرة، وأمَّا إذا قلتها وأنت أسير، فإن حكم الرقّ لا يزول عنك بإسلامك. [فإن قيل]: فلو كان مسلمًا فكيف يفادى به من الكفار رجلان مسلمان؟!. [فالجواب]: أنَّه ليس في الحديث نصٌّ على أنَّه رجع إلى بلاده بلاد الكفر، فيمكن أن يُقال: إنما فُدِي بالرَّجلين من الرِّق، فأُعتق منه بسبب ذلك، وبقي مع المسلمين حرًّا من الأحرار، وليس في قوله: «هذه حاجتك» ما يدلُّ على أن إسلامه ليس بصحيح، كما ظنه القائل الأول، فإنما معتى ذلك: هذه حاجتك حاضرة مُتيسِّرة. قال القرطبيّ ﵀: وهذا الوجه الثاني أولى؛ لأنه لا نصّ في الحديث يردَّه، ولا قاعدة شرعية تبطله، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الوجه الأول هو الأولي، والأرجح، فالظاهر أنه -ﷺ- عَلِم أنه ليس صادقًا في دعواه الإسلام؛ فهذا هو الذي يدلّ عليه سياق الحديث دلالة واضحة، فقوله: «هذه حاجتك» ظاهر في أن ما سبق له من دعوى الإسلام إنما هو لهذا الغرض، وكذا قوله: «ففُدي بالرجلين» ظاهر في أنه على دينه، فلذا دُفع إلى قومه فداءً لفكّ الرجلين، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى أعلم. ثم وجدت الإمام ابن حبّان ﵀ قد أوضح هذا المعنى في «صحيحه» حيث قال -بعد إخراج الحديث-: قول الأسير: إني مسلم، وترك النبيّ -ﷺ- ذلك منه، كان لأنه -ﷺ- عَلِمَ منه بإعلام الله -جَلّ وعَزّ- إياه أنه كاذب في قوله، فلم يَقْبَل ذلك منه في أسره، كما كان يَقْبَل مثله من مثله، إذا لَمْ يكن أسيرًا، فأما اليوم فقد انقطع الوحي، فإذا قال الحربيّ: إني مسلم قُبِل ذلك منه، ورُفِع عنه السيف، سواء كان أسيرًا أو محاربًا. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: قوله -ﷺ- للأسير حين قال: إني مسلم: «لو قلتها، وأنت تملك أمرك أفلحت كلّ الفلاح» إلى قوله: «ففُدي بالرجلين»: معناه: لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر حين كنت مالك أمرك أفلحت كلَّ الفلاح؛ لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فُزْتَ بالإسلام، وبالسلامة من الأسر، ومن اغتنام مالك، وأما إذا أسلمت بعد الأسر، فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمنّ والفداء، وفي هذا جواز المفاداة، وأن إسلام الأسير لا يسقط حقّ الغانمين منه، بخلاف ما لو أسلم قبل الأسر، وليس في هذا الحديث أنه حين أسلم، وفادى به رجع إلى دار الكفر، ولو ثبت رجوعه إلى دارهم، وهو قادر على إظهار دينه؛ لقوة شوكة عشيرته، أو نحو ذلك لَمْ يحرُم ذلك، فلا إشكال في الحديث، وقد استشكله المازريّ، وقال: كيف يُرَدّ المسلم إلى دار الكفر؟ وهذا الإشكال باطلٌ، مردود بما ذكرته. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت ما ترجّح لديّ في المسألة فيما ذكرته آنفًا، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى وليّ التوفيق. (قَالَ) -ﷺ-: («لَوْ قُلْتَهَا»)؛ أي: كلمة الإسلام (وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (أفلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ«) بنصب»كلَّ«على أنه مفعول مطلق على النيابة، كما قال في»الخلاصة«: وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّْ … كَـ«جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ»، و«افْرَحِ الْجَذَلْ»(ثُمَّ انْصَرَفَ)؛ أي: رجع -ﷺ- عن الرجل (فَنَادَاهُ) الرجلُ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ) -ﷺ- (فَقَالَ:«مَا شَأْنُكَ؟ »، قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي، قَالَ) -ﷺ-: («هَذِهِ حَاجَتُكَ»)؛ أي: حاجتك المهمّة التي ادّعيت بسببها الإسلام، وكرّرت من أجلها مناداتي (فَفُدِي بِالرَّجُلَيْنِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أُعطي فداء للصحابيين اللذين أسرتهما ثقيف، كما تقدّم. قال المجد ﵀: فَدَاهُ يَفْديه فِدَاءً، وفِدًى، ويُفْتَحُ، وافتَدَى به، وفاداه: أعطى شيئًا فأنقذه، والفِدَاء ككِسَاء، وكَعَلَي، وإِلَي، وكَفِتْيَةٍ: ذلك المعطى. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: فَدَاهُ من الأسر يَفْدِيهِ فِدًى مقصورٌ، وتُفْتَح الفاء، وتُكْسَر: إذا استنقذه بمال، واسم ذلك المال: الفِدْيَةُ، وهو عِوَضُ الأسير، وجمعها: فِدًى، وفِدْيَاتٌ، مثل سِدْرَة، وسِدَر، وسِدْرات، وفَادَيْتُهُ مُفَادَاةً، وفِدَاءً، مثل قاتلته مقاتلةً، وقتالًا: أطلقته، وأخذت فِدْيَتَهُ، وقال الْمُبَرِّد: المُفَادَاةُ: أن تدفع رجلًا، وتأخذ رجلًا، والفِدَى: أن تشتريه، وقيل: هما واحد، وتَفَادَى القوم: اتَّقَى بعضُهم ببعض، كأن كلّ واحد يجعل صاحبه فِدَاهُ، وفَدَتِ المرأةُ نفسَها من زوجها تَفْدِي، وافْتَدَتْ: أعطته مالًا، حتى تخلصت منه بالطلاق. انتهى . (قَالَ) عمران -﵁-: (وَأُسِرَتِ) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل، قوله: (امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) ذكر السهيليّ في «الروض الأُنُف» أن اسمها ليلي، وقال أبو داود بعد إخراج الحديث: هذه المرأة امرأة أبي ذرّ . انتهى . وقصّة أسرها ذكرها ابن هشام ﵀ في «السيرة»، فقال: ثم قدِم رسول الله -ﷺ- المدينة، فلم يُقم بها إلَّا ليالي قلائل، حتى أغار عُيينة بن حِصن بن حُذيفة بن بدر الفَزَاريّ، في خيل من غَطَفان على لقاحٍ لرسول الله -ﷺ- بالغابة، وفيها رجلٌ من بني غفار، وامرأة له، قتلوا الرجل، واحتملوا المرأة في اللقاح. انتهى . (وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ) تقدّم أنه بفتح الواو وكسرها، وهو: ما يُشدّ به من الحبل وغيره (وَكَانَ الْقَوْمُ)؛ أي: الذين أسروا المرأة والعضباء (يُرِيحُونَ) بضمّ أوله، من الإراحة، يقال: أراح الإبلَ: إذا ردّها إلى الْمُرَاح، بالضمّ؛ أي: الْمَأوَي، قاله المجد ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: وأما راحت الإبل، فهي رَائِحَةٌ، فلا يكون إلَّا بالعشيّ، إذا أَرَاحَهَا راعيها على أهلها، يقال: سَرَحَتْ بالغداة إلى الرَّعْيِ، ورَاحَتْ بالعشيّ على أهلها؛ أي: رجعت من الْمَرْعَى إليهم، وقال ابن فارس: الرَّوَاحُ رواح العشيّ، وهو من الزوال إلى الليل، والمُرَاحُ -بضم الميم- حيث تأوي الماشية بالليل، والمُنَاخُ، والمَأْوَى مِثْلُهُ، وفتح الميم بهذا المعنى خطأٌ؛ لأنه اسم مكان، واسم المكان، والزمان، والمصدر، من أفعل بالألف مُفْعَلٌ بضم الميم، على صيغة اسم المفعول، وأما الْمَرَاحُ -بالفتح- فاسم الموضع من رَاحَتْ، بغير ألف، واسم المكان من الثلاثي بالفتح، والْمَرَاحُ بالفتح أيضًا الموضع الذي يَرُوحُ القومُ منه، أو يرجعون إليه. انتهى . (نَعَمَهُمْ) -بفتحتين- هو المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وأكثر ما يقع على الإبل، قال أبو عبيد: النَّعَمُ: الجمال فقط، ويؤنَّث، ويُذكَّر، وجمعه: نُعْمَانٌ، مثل حَمَلٍ وحُمْلان، وأَنْعَامٌ أيضًا، وقيل: النَّعَمُ: الإبل خاصّةً، والأنْعَامُ: ذوات الخفّ والظِّلْف، وهي الإبل، والبقر، والغنم، وقيل: تُطْلَق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت الإبل فهي: نَعَمٌ، وإن انفردت: البقر، والغنم، لَمْ تسمَّ نَعَمًا، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وكان القوم يريحون نعمهم بين أيدي بيوتهم»: النعم هنا: الإبل، وإراحتها: إناختها لتستريح من تعب السَّير ومشقة السفر. انتهى . (بَيْنَ يَدَي بُيُوتهِمْ)؛ أي: أمامها، وقال القرطبيّ: بين أيدي بيوتهم: بمعنى عند بيوتهم وبحضرتها. انتهى . (فَانْفَلَتَتْ)؛ أي: خَرَجت تلك المرأة بسرعة، يقال: أفلت الطائر وغيره إفلاتًا: تخلّص، وأفلته: إذا أطلقته، وخلّصته، يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، وفَلَتَ فَلْتًا، من باب ضَرَبَ لغةٌ، وفَلَّتُهُ أنا، يُستعمل أيضًا لازمًا ومتعدّيًا، وانفَلَتَ: خَرَجَ بسرعة، وكان ذلك فَلْتَةً؛ أي: فَجْأَةً، حتى كأنه انفلتَ سَرِيعًا، قاله الفيّوميّ: ﵀ . وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: ليلة من الليالي، قيل: «ذات» مقحمة، وقيل: بل هي من إضافة الشيء لنفسه، على رأي من يُجيزه، قاله في «الفتح» . وقوله: (مِنَ الْوَثَاقِ) متعلّق بـ «انفلتت» (فَأَتَتِ الإِبِلَ)؛ أي: لعلها تجد ما يطاوعها للركوب حتى تشرد منهم إلى بلدها (فَجَعَلَتْ)؛ أي: شرعت (إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا)؛ أي: صَوّت، والرُّغاء بالضمِّ وزانُ غُراب: صوت البعير، ورغَت الناقة ترْغُو: صوّتت، فهي راغية . (فتَتْرُكُهُ)؛ أي: لئلا يوقظ القوم من نومهم، فيعلمون بها، فيأخذونها، ويمنعونها من الرجوع إلى بلدها (حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ) ناقة رسول الله -ﷺ- (فَلَمْ تَرْغُ)؛ أي: لَمْ تصح؛ لكونها معلّمة مدرّبةً، كما بيّنه بقوله: (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عمران -﵁- (وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ) بضم الميم، وفتح النون، والواو المشدّدة؛ أي: مُذلَّلةً . وقال المجد ﵀: والمُنَوَّقُ؛ كمُعَظَّمٍ: المُذَلَّلُ من الجِمالِ، ومن النَّخْلِ: المُلَقَّحُ، ومن غيرِها: المُصَفَّفُ، والمُطَرَّقُ، والمُسَلَّكُ، وهي: بهاءٍ، والنَّوَّاقُ: رائِضُ الأمورِ، ومُصْلِحُها، والنَّوْقَةُ: الحَذاقَةُ في كلِّ شيءٍ. انتهى . وقال النوويّ ﵀ عن قوله الآتي: «ناقة ذَلُولٌ مُجَرَّسة»: وفي رواية: «مُدَرَّبة»، أما المجرسة فبضم الميم، وفتح الجيم، والراء المشددة، وأما الْمُدَرَّبة، فبفتح الدال المهملة، وبالباء الموحّدة، والمجرَّسة، والمدرّبة، والمنوّقة، والذَّلُول كله بمعنى واحد. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وناقةٌ مُنوَّقة»؛ أي: مُذَلَّلَةٌ، مدرَّبةٌ، لا نَفْرَةَ عندها، وهي المجرَّبة أيضًا، هذا قول العلماء، ويظهر لي: أن كونها مدرَّبة ليس موجبًا لئلا ترغو؛ لأنا قد شاهدنا من الأباعر والنُّوق ما لَمْ يَزَل مدرَّبًا على العمل، ومع ذلك فيرغو عند ركوبه، وعند الحمل عليه، وكأن هذه الناقة إنما كانت كذلك، إما لأنَّها دُرِّبت على ترك الرُّغاء من صغرها، وإما لأنَّها كان لها هوًى في السَّير والْجَرْي لنشاطها، فكلما حُرِّكت بادرت لما في هواها، وإما لأنَّها خُصَّت في أصل خلقتها بزيادة هدوء، أو كان غير ذلك ببركة ركوب رسول الله -ﷺ- عليها. انتهى . (فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا)؛ أي: ركبتها في مؤخّرها، قال المجد ﵀:«الْعَجْزُ» مثلّثةً، وكَنَدُسٍ، وكَتِفٍ: مؤخّر الشيء، ويؤنّث، جمعه أعجازٌ. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: والْعَجُزُ من كلّ شيء: مؤخّره، ويذكَّر، ويؤنّث، وقال قبل ذلك: والْعَجُز من الرجل والمرأة: ما بين الْوَرِكين، وهي مؤنّثةٌ، وبنو تميم يُذكّرون، وفيها أربع لغات: فتح العين، وضمّها، ومع كلّ واحدة ضمّ الجيم، وسكونها، والأفصح وزان رَجُل، والجمع أعجاز. انتهى . (ثُمَّ زَجَرَتْهَا)؛ أي: ساقتها (فَانْطَلَقَتْ، وَنَذِرُوا بِهَا) بفتح النون، وكسر الذال المعجمة، من باب علم؛ أي: عَلِمَ القوم بذهاب تلك المرأة، قال الفيّوميّ ﵀: وأنذرته بكذا، فَنَذِرَ به، مثلُ أعلمته، فَعَلِمَ، وزنًا ومعنًى، فالصلة فارقة بين الفعلين. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «نَذِروا بها»؛ أي: عَلِمُوا بها، وهو بكسر الذال المعجمة في الماضي، وفتحها في المستقبل نِذَارَةً في المصدر، ونَذَر يَنْذُر -بفتحها في الماضي، وكسرها في المستقبل - نذرًا؛ أي: أوجب، يقال: نَذِرتُ بالشيء؛ أي: عَلِمتُهُ، ونَذَرْتُ الشيءَ؛ أي: أوجبته. قال ابن عرفة: النذر: ما كان وعدًا على شرط، فإن لَمْ يكن شرط لَمْ يكن نذرًا، فلو قال: لله عليَّ صدقة؛ لَمْ يكن ناذرًا حتى يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي. قال القرطبيّ: والمشهور عدم التفرقة، وأن كلّ ذلك نذر عند اللغويين والفقهاء، والإنذار: الإعلام بما يخاف منه. انتهى . (فَطَلَبُوهَا، فَأَعْجَزَتْهُمْ)؛ أي: سبقتهم، ففاتتهم، فعجزوا عن إدراكها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ [الجنّ: ١٢]؛ أي: لن نفوته، فلا يعجز عنّا . (قَالَ) الراوي (وَنَذَرَتْ) بفتح النون والذال، من بابي نصر، وضرب؛ أي: ألزمت نفسها، وجعلت عليها (لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا)؛ أي؛ حال كونها راكبةً على تلك الناقة (لَتَنْحَرَنَّهَا) اللام هي الموطّئة للقسم؛ أي: والله لتنحرنّها. قال القرطبيّ ﵀: ظنت هذه المرأة أن ذلك النَّذر يلزمها؛ بناءً منها على أنَّها لما استنقذتها من أيدي العدوّ ملكتها، أو جاز لها التصرُّف فيها لذلك، فلمَّا أُعلم بذلك النبيّ -ﷺ- أجابها بما يُوَضِّح لها أنَّها لَمْ تملكها، وأن تصرُّفها فيها غير صحيح. انتهى. (فَلَمَّا قَدِمَتِ) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ) النبويّة (رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ) خبر لمحذوف؛ أي: هذه العضباء، وقوله: (نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) برفع «ناقةُ» على البدليّة (فَقَالَتْ) المرأة (إِنَّهَا) فيه الالتفات، إذ الظاهر أن تقول: إني نذرت (نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ)؛ أي: ما قالته المرأة من نذرها بنحرها (فَقَالَ) -ﷺ- («سُبْحَانَ اللهِ) تعجّبًا من سوء مجازاتها لها (بِئْسَمَا جَزَتْهَا)؛ أي: كافأتها على إحسانها بإنجائها من عدوّها. قال القرطبيّ ﵀: وقوله -ﷺ-:«بئسما جَزَتْها»ذمٌّ لذلك النذر، من حيث إنه لَمْ يصادف محلًا مملوكًا لها، ولو كانت ملكًا لها للزمها الوفاء بذلك النذر؛ إذ كان يكون نذر طاعةٍ، فيلزم الوفاء به اتفاقًا، هذا إن كان ذلك الذمُّ شرعيًّا. ويمكن أن يقال: إنَّما صدر هذا الذمُّ منه؛ لأنَّ ذلك النذر مستقبحٌ عادة؛ لأنه مقابلة الإحسان بالإساءة، وذلك أن النَّاقة نَجَّتها من الْهَلَكة، فقابلتها على ذلك بأن تُهلكها، وهذا هو الظاهر من قوله -ﷺ-:«سبحان الله! بئس ما جزتها! نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنَّها». انتهى . (نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذه الكلمة يدلّ على أنَّ ما صدر من المرأة نذر معصية؛ لأنَّها التزمت أن تُتلف ملك الغير، فتكون عاصية بهذا القصد، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ المرأة لم يتقدَّم لها من النبيّ -ﷺ- بيان تحريم ذلك، ولم تقصد ذلك، وانَّما معنى ذلك -والله أعلم- أن من أقدم على ذلك بعد التَّقْدِمة فيه، وبيان أن ذلك محرَّم، كان عاصيًا بذلك القصد، ولا يدخل في ذلك المعلَّق على الملك؛ كقوله: إن ملكت هذا البعير فهو هدي، أو صدقة؛ لأنَّ ذلك الحكم معلَّق على ملكه، لا ملك غيره، وليس مالكًا في الحال، فلا نذر، وقد تقدَّم الكلام على هذا في الطلاق والعتق المعلَّقين على الملك، وأن الصحيح لزوم المشروط عند وقوع الشرط. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ»)؛ أي: ولا نذر أيضًا في الشيء الذي لا يملكه العبد، قال النوويّ ﵀: هذا محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين، لا يملكه، بأن قال: إن شفى الله مريضي فللَّه عليّ أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه، أو بداره، أو نحو ذلك، فأما إذا التزم في الذِّمة شيئًا لا يملكه، فيصحّ نذره، مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي فللَّه عليّ عتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبةً، ولا قيمتها، فيصح نذره، فإن شُفِي المريضُ، فقد ثبت العتق في ذمته. انتهى . وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ) بيان لاختلاف شيخيه، حيث قال شيخه الثاني عليّ بن حجر: («لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ») بدل قول شيخه الأول زهير بن حرب: «لا وفاء لنذر في معصية»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٤٢٣٧ و٤٢٣٨] (١٦٤١)، و(أبو داود) في «الأيمان والنذور» (٣٣١٦)، و(الترمذيّ) في «السير» مختصرًا (١٥٦٨)، و(النسائيّ) في «الأيمان والنذور» مختصرًا أيضًا (٣٨٣٩ و٣٨٧٨) و«الكبرى» (٥/ ١٧٥)، و(ابن ماجه) في «الكفّارات» (٢١٢٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٥/ ٢٠٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣١٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٨٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٣٠ - ٤٣٣ - ٤٣٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٠٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٩٣٣)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٢/ ٣٩٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٥٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٨/ ١٩٠ و١٩٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٠)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (١/ ١١٢)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ١٨٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٢٠ و٩/ ٦٧ و٧٢) و«دلائل النبوّة» (٤/ ١٨٨ - ١٨٩) و«المعرفة» (٦/ ٥٦٠ - ٥٦١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أنه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد. ٢ - (ومنها): بيان أن من نذر بمعصية الله تعالى؛ كشرب الخمر، ونحو ذلك فنذره باطل، لا ينعقد، وفي لزوم الكفّارة له خلاف، قال القرطبيّ ﵀: وفيه دليل: على أنَّ من نذر معصية حَرُم عليه الوفاء بها، وأنَّه لا يلزمه على ذلك حكم بكفارة يمين، ولا غيره؛ إذ لو كان هنالك حكم لبيَّنه للمرأة؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وعليه جمهور العلماء، وذهب الكوفيون: إلى أنه يحرم عليه الوفاء بالمعصية، لكن تلزمه كفارة يمين؛ متمسكين في ذلك بحديث مُعْتَلٍّ عند أهل الحديث، وهو ما يروى من حديث عائشة -﵂-، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين»، ذكره أبو داود، والطحاوي، والصحيح من حديث عائشة -﵂- ما خرَّجه البخاريّ، عن النبيّ -ﷺ-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»، وليس فيه شيء من ذلك، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الرابعة تحقيق الخلاف، وترجيح القول بوجوب الكفّارة في نذر المعصية؛ لصحة الحديث بذلك خلاف ما قاله القرطبيّ، فتنبّه. ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: إن فيه حجَّةً على أنَّ ما وُجِد من أموال المسلمين بأيدي الكفار، وغَلَبوا عليه، وعُرف مالكه؛ أنَّه له دون آخذه، وفيه مُستروحٌ لقول من يقول: إن الكفار لا يملكون، وقد تقدَّم الكلام في ذلك. انتهى . ٤ - (ومنها): جواز سفر المرأة وحدها، بلا زوج، ولا محرم، ولا غيرهما، إذا كان سفر ضرورة؛ كالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكالْهَرَب ممن يريد منها فاحشةً، ونحو ذلك، والنهي عن سفرها وحدها محمول على غير الضرورة، قاله النوويّ ﵀ . ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ أيضًا: في هذا الحديث دلالةٌ لمذهب الشافعيّ وموافقيه أن الكفار إذا غَنِموا مالًا للمسلم لا يملكونه، وقال أبو حنيفة، وآخرون: يملكونه إذا حازوه إلى دار الحرب، وحجة الشافعيّ وموافقيه هذا الحديث، وموضع الدلالة منه ظاهر، والله أعلم. انتهى . ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ بهذا الحديث على صحّة النذر في المباح؛ لأنَّ فيه نفي النذر في المعصية، فبقي ما عداه ثابتًا. واحتجّ من قال: إنه يُشرع في المباح بما أخرجه أبو داود، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وأخرجه أحمد، والترمذيّ من حديث بُريدة -﵁-: أن امرأةً قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، فقال: «أوف بنذرك»، وزاد في حديث بُريدة أن ذلك وقت خروجه في غزوة، فنذرت إن ردّه الله تعالى سالمًا، قال البيهقيّ: يُشبه أن يكون أذن لها في ذلك لِمَا فيه من إظهار الفرح بالسلامة، ولا يلزم من ذلك القول بانعقاد النذر به، ويدلّ على أنَّ النذر لا ينعقد في المباح ما أخرجه البخاريّ (٦٧٠٤) من حديث ابن عبّاس -﵄-، قال: بينا النبيّ -ﷺ- يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبيّ -ﷺ-: «مره، فليتكلم، وليستظلَّ، وليقعد، ولْيُتِمَّ صومه»، فقد أمر -ﷺ- هذا الناذر بأن يقوم، ولا يقعد، ولا يتكلّم، ولا يستظلّ، ويصوم، ولا يُفطر بأن يتمّ صومه، ويتكلّم، ويستظلّ، ويقعد، فأمره بفعل الطاعة، وأسقط عنه المباح. وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أيضًا: «إنما النذر ما يُبتغى به وجه الله». والجواب عن قصّة التي نذرت الضرب بالدّفّ ما أشار إليه البيهقيّ، ويمكن أن يقال: إن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبًا؛ كالنوم في القائلة؛ للتقّوِّي على قيام الليل، وأكلة السحر للتقوّي على صيام النهار، فيمكن أن يقال: إن إظهار الفرح بعَوْد النبيّ -ﷺ- سالمًا معنًى مقصود يحصل به الثواب. وقد اختُلف في جواز الضرب بالدف في غير النِّكَاح، والختان، ورجّح الرافعيّ في «المحرّر»، وتبعه النوويّ في «المنهاج» الإباحة، والحديث حجة في ذلك، وحَمَل بعضهم إذنه لها في الضرب بالدفّ على أصل الإباحة، لا على خصوص الوفاء بالنذر، كما تقدّم، ويُشكل عليه أن في رواية أحمد في حديث بُريدة: «إن كنتِ نذرت، فاضربي، وإلا فلا». وزعم بعضهم أن معنى قولها: «نذرتُ»: حلفتُ، والإذن فيه البرّ بفعل المباح، ويؤيّد ذلك أن في آخر الحديث: أن عمر -﵁- دخل، فتركت، فقال النبيّ -ﷺ-: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر»، فلو كان ذلك مما يُتقرّب به ما قال ذلك. لكن هذا بعينه يُشكل على أنَّه مباح لكونه نسبه إلى الشيطان. ويجاب بأن النبيّ -ﷺ- اطّلع على أنَّ الشيطان حضر لمحبّته في سماع ذلك؛ لِمَا يرجوه من تمكّنه من الفتنة به، فلَمّا حضر عمر فرّ منه؛ لعلمه بمبادرته إلى إنكار مثل ذلك، أو أن الشيطان لم يحضُر أصلًا، وإنما ذُكِر مثالًا لصورة ما صدر من المرأة المذكورة، وهي إنما شرعت في شيء أصله من اللَّهو، فلما دخل عمر -﵁- خشيت من مبادرته لكونه لم يَعلَم بخصوص النذر، أو اليمين الذي صدر منها، فشبّه النبيّ -ﷺ- حالها بحالة الشيطان الذي يخاف من حضور عمر -﵁-، والشيء بالشيء يُذكر. وَيقْرُب من قصّتها قصّة القينتين اللتين كانتا تُغنّيان عند النبيّ -ﷺ- في يوم عيد، فأنكر أبو بكر عليهما، وقال: أبمزمور الشيطان عند النبيّ -ﷺ-؟ فأعلمه النبيّ -ﷺ- بإباحة مثل ذلك في يوم عيد، أفاده في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن أصل الدفّ من الشيطان؛ لأنه من آلات اللهو، ولذا قال أبو بكر -﵁-: «أبمزمور الشيطان … إلخ؟»، ولكنه يباح في حالات، مثل إعلان النِّكَاح، ومثل الفرح بقدومه -ﷺ- سالِمًا، فلذلك كان وفاء النذر به لازمًا، كما قال -ﷺ- للمرأة: «أوف بنذرك»؛ أي: لكونه مباحًا في مثل هذا، وأما قصّة أبي إسرائيل، فالظاهر أنه إنما رخّص له النبيّ -ﷺ-؛ لتضرّره بذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لزوم الكفّارة في نذر المعصية: قال في «الفتح»: اختُلِف فيمن وقع منه النذر في معصية، هل تجب فيه كفارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد، والثوريّ، وإسحاق، وبعض الشافعية، والحنفية: نعم، ونقل الترمذيّ اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في وجوب الكفّارة. واحتَجَّ من أوجبها بحديث عائشة -﵂-: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين»، أخرجه أصحاب السنن، ورواته ثقات، لكنه معلول، فإن الزهريّ رواه عن أبي سلمة، ثم بيَّن أنه حمله عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، فدَلَّسه بإسقاط اثنين، وحسن الظنّ بسليمان، وهو عند غيره ضعيف باتفاقهم. وحَكَى الترمذيّ عن البخاريّ أنه قال: لا يصحّ، ولكن له شاهد من حديث عمران بن حصين -﵄-، أخرجه النسائيّ، وضَعَّفه، وأخرج الدارقطنيّ من حديث عديّ بن حاتم نحوه. وفي الباب أيضًا عموم حديث عقبة بن عامر: «كفارة النذر كفارة اليمين»، أخرجه مسلم. وقد حمله الجمهور على نذر اللَّجَاج، والغضب، وبعضهم على النذر المطلق، لكن أخرج الترمذيّ، وابن ماجه حديث عقبة بلفظ: «كفارة النذر إذا لم يُسَمَّ كفارة يمين»، ولفظ ابن ماجه: «من نذر نذرًا لم يسمه …» الحديث . وفي الباب حديث ابن عباس رفعه: «من نذر نذرًا لم يسمه، فكفارته كفارة يمين»، أخرجه أبو داود، وفيه: «ومن نذر في معصية، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين»، ورواته ثقات، لكن أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا، وهو أشبه ، وأخرجه الدارقطنيّ من حديث عائشة . وحمله أكثر فقهاء أصحاب الحديث على عمومه، لكن قالوا: إن الناذر مُخَيَّر بين الوفاء بما التزمه، وكفارة اليمين. وقد تقدم حديث عائشة المذكور أول الباب قريبًا، وهو بمعنى حديث: «لا نذر في معصية»، ولو ثبتت الزيادة لكانت مبيّنة لِمَا أُجمِل فيه. واحتَجَّ بعض الحنابلة بأنه ثبت عن جماعة من الصحابة، ولا يحفظ عن صحابيّ خلافه، قال: والقياس يقتضيه؛ لأنَّ النذر يمين، كما وقع في حديث عقبة، لَمَّا نَذَرت أخته أن تحج ماشية: «لِتُكَفِّر عن يمينها»، فسمى النذر يمينًا، ومن حيث النظر هو عقدة لله تعالى بالتزام شيء، والحالف عقد يمينه بالله ملتزمًا بشيء، ثم بيَّن أن النذر آكد من اليمين، ورتّب عليه أنه لو نذر معصية ففعلها لم تسقط عنه الكفّارة، بخلاف الحالف، وهو وجه للحنابلة، واحتُجَّ له بأن الشارع نهى عن المعصية، وأمر بالكفارة، فتعيّنت. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع: عندي أن ما ذهب إليه فقهاء أصحاب الحديث من حملهم قوله -ﷺ-: «كفّارة النذر كفّارة يمين» على عمومه هو الحق، وعلى هذا فقول أحمد، وإسحاق، والثوريّ، وغيرهم من وجوب كفّارة اليمين في نذر المعصية هو الأرجح. والحاصل أن من نذر شيئًا فهو مخيّر بين الوفاء بما التزم، وبين كفّارة يمين، وهذا إذا كان نذر طاعة، أو مباح، وأما إذا كان نذر معصية، فلا وفاء أصلًا، بل تجب الكفّارة؛ لحديث عائشة -﵂- مرفوعًا: «لا نذر في معصية، وكفّارتها كفّارة يمين»، وهو صحيح، كما أوضحته في «شرح النسائيّ»، ويؤيّده عموم حديث عقبة -﵁- مرفوعًا: «كفّارة النذر كفّارة اليمين»، رواه مسلم. وخلاصة القول في هذه المسألة أن الأرجح مذهب من قال بمشروعيّة الكفّارة في النذر مطلقًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان أقسام النذر، ومذاهب العلماء في حكم كلّ قسم منها: ذكر العلّامة ابن قُدامة ﵀ في كتابه «المغني» أن النذر سبعة أقسام: (أحدها): نذر اللَّجَاج والغضب، وهو الذي يُخرجه مخرج اليمين للحثّ على فعل شيء، أو المنع منه، غير قاصد به النذر، ولا القربة، فهذا حكمه حكم اليمين. (القسم الثاني): نذر طاعة وتبرّر، مثلُ الصلاة، والصيام، والحج، والعمرة، والعتق، والصدقة، والاعتكاف، والجهاد، وما في معناها، فهذا يلزم الوفاء به؛ لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، ولحديث عائشة -﵂-، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «من نذر أن يطيع الله، فليُطعه …» الحديث، رواه البخاريّ، وحديث عمران بن حصين -﵄-، مرفوعًا: «ثم يجيء قوم ينذرون، ولا يَفُون …» الحديث، رواه البخاريّ أيضًا، قال: وهو ثلاثة أنواع: [أحدها]: التزام طاعة في مقابلة نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها؛ كقوله: إن شفاني الله، فللَّه عليّ صوم شهر، فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع؛ كالصوم، والصلاة، والصدقة، والحج، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم. [النوع الثاني]: التزام طاعة من غير شرط؛ كقوله ابتداءً: لله على صوم شهر، فيلزمه الوفاء به، في قول أكثر أهل العلم، وهو قول أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعيّ، وقال بعض أصحابه: لا يلزم الوفاء به؛ لأنَّ أبا عمر غلام ثعلب قال: النذر عند العرب وعد بشرط، ولأن ما التزمه الآدميّ بعوض يلزمه بالعقد؛ كالمبيع، والمستأجر، وما التزمه بغير عوض، لا يلزمه بمجرّد العقد؛ كالهبة. [النوع الثالث]: نذر طاعة، لا أصل لها في الوجوب؛ كالاعتكاف، وعيادة المريض، فيلزمه الوفاء به عند عامّة أهل العلم، وحُكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه الوفاء به؛ لأنَّ النذر فرع على المشروع، فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع. قال: ولنا قول النبيّ -ﷺ-: «من نذر أن يُطيع الله فليُطعه»، وذمّه الذين ينذرون، ولا يوفون، وقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]، وقد صحّ أن عمر -﵁- قال للنبيّ -ﷺ-: إني نذرت أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام؟، فقال له النبيّ -ﷺ-: «أوف بنذرك». متّفقٌ عليه، ولأنه ألزم نفسه قربةً على وجه التبرّر، فتلزمه، كموضع الإجماع، وكما لو ألزم نفسه أضحيّة، أو أوجب هديًا، وكالاعتكاف، وكالعمرة، فإنهم قد سلّموها، وليست واجبة عندهم، وما ذكروه يَبطُلُ بهذين الأصلين، وما حكوه عن أبي عمر لا يصحّ، فإن العرب تسمّي نذرًا، وإن لم يكن بشرط، قال جَميل [من الطويل]: فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي … وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنُ لَقُونِي والجَعَالةُ وعد بشرط، وليست بنذر. (القسم الثالث): النذر المبهم، وهو أن يقول: لله عليّ نذرٌ، فهذا تجب به الكفّارة في قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر، وعائشة -﵃-، وبه قال الحسن، وعطاء، وطاوس، والقاسم، وسالِمٌ، والشعبيّ، والنخعيّ، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومالكٌ، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ولا أعلم فيه مخالفًا إلَّا الشافعيّ، قال: لا ينعقد نذره، ولا كفّارة فيه؛ لأنَّ من النذر ما لا كفّارة فيه. ولنا ما رواه عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «كفّارة النذر إذا لم يُسمّ كفّارة يمين»، رواه الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسنٌ صحيح غريب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث في إسناده محمد بن يزيد مولى المغيرة بن شعبة مجهول، فتصحيح الترمذيّ له لعله من تساهلاته، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: ولأنه نصٌّ، وهذا قول من سمّينا من الصحابة والتابعين، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفًا، فيكون إجماعًا. (القسم الرابع): نذر المعصية، فلا يحلّ الوفاء به إجماعًا؛ ولأن النبيّ -ﷺ- قال: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، ولأن معصية الله تعالى لا تحلّ في حال، ويجب على الناذر كفّارة يمين. روي نحو هذا عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر، وعمران بن حصين، وسمُرة بن جندب -﵃-، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدلّ على أنَّه لا كفّارة عليه، فإنه قال فيمن نذر لَيهدِمنّ دار غيره لبنةً لبنةً: لا كفّارة عليه، وهذا في معناه. وروي هذا عن مسروق، والشعبيّ، وهو مذهب مالك، والشافعيّ؛ لقوله -ﷺ-: «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد»، رواه مسلم، وقال: «ليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك»، متّفقٌ عليه، وقال: «لا نذر إلَّا ما ابتُغي به وجه الله»، رواه أبو داود، وقال: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، ولم يأمر بكفّارة. ولما نذرت المرأة التي كانت مع الكفّارت، فنجت على ناقة رسول الله -ﷺ- أن تنحرها، قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن أنجاني الله عليها أن أنحرها؟ قال: «بئسما جزيتها، لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد»، رواه مسلم، ولم يأمرها بكفّارة، وقال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم: «مُرُوه، فليتكلّم، وليجلس، وليستظلّ، وليُتِمّ صومه»، رواه البخاريّ، ولم يأمره بكفّارة، ولأن النذر التزام الطاعة، وهذا التزام معصية، ولأنه نذر غير منعقد، فلم يوجب شيئًا؛ كاليمين غير المنعقدة. ووجه الأول ما روت عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ-: قال: «لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين»، رواه الإمام أحمد في «مسنده»، وأبو داود في «سننه»، وقال الترمذيّ: هو حديث غريب، وعن أبي هريرة، وعمران بن حُصين -﵃- عن النبيّ -ﷺ- مثله. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح من حديث عائشة -﵂- لا من حديث أبي هريرة، وعمران -﵄-، كما بيّنته في «شرح النسائيّ». قال: روى الجوزجانيّ بإسناده عن عمران بن حُصين قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله، فذلك لله، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله، فلا وفاء فيه، ويكفّره ما يكفّر اليمين». وهذا نصّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث ضعيف، كما بيّنته في «شرح النسائيّ»، فتنبّه . قال: ولأن النذر يمين، بدليل ما روي عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «النذر حَلْفَة»، وقال النبيّ -ﷺ- لأخت عقبة -﵁- لَمّا نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فلم تطقه: «تكفّر يمينها»، صحيحٌ أخرجه أبو داود، وفي رواية: «ولتصم ثلاثة أيام» ، قال أحمد: إليه أذهب. وقال ابن عبّاس في التي نذرت ذبح ابنها: كفّري يمينك ، ولو حلف على فعل معصية لزمته الكفّارة، فكذلك إذا نذرها. فأما أحاديثهم، فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله، وهذا لا خلاف فيه، وقد جاء مصرّحًا به هكذا في رواية مسلم، ويدلّ على هذا أيضًا أن في سياق الحديث: «ولا يمين في قطيعة رحم»؛ يعني: لا يبَرُّ فيها، ولو لم يبيّن الكفّارة في أحاديثهم، فقد بيَّنها في أحاديثنا، فإن فعل ما نذره من المعصية، فلا كفّارة عليه، كما لو حلف ليفعلنّ معصيةً، ففعلها. ويحتمل أن تلزمه الكفّارة حتمًا؛ لأن النبيّ -ﷺ- عيّن فيه الكفّارة، ونهى عن فعل المعصية. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو الظاهر؛ لظاهر النصّ، فتأمّل. والحاصل أن الأرجح وجوب الكفّارة على من نذر أن يفعل معصية، سواء تركها، وهو الواجب عليه، أو فعلها مع حرمتها؛ لإطلاق النصّ، والله تعالى أعلم. (القسم الخامس): المباح، كلبس الثوب، ورُكوب الدابّة، وطلاق المرأة على وجه مباح، فهذا يتخيّر الناذر فيه بين فعله، فيبَرُّ بذلك؛ لِمَا رُوي أن امرأة أتت النبيّ -ﷺ-، فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، فقال رسول الله -ﷺ-: «أوف بنذرك»، رواه أبو داود، ولأنه لو حلف على فعل مباح برّ بفعله، فكذلك إذا نذره؛ لأنَّ النذر كاليمين، وإن شاء تركه، وعليه كفّارة يمين، ويتخرّج أن لا كفّارة فيه، فإن أصحابنا قالوا فيمن نذر أن يعتكف، أو يصلّي في مسجد معيّن: كان له أن يصلي، ويعتكف في غيره، ولا كفّارة، ومن نذر أن يتصدّق بماله كلّه: أجزأه الصدقة بثلثه بلا كفّارة، وهذا مثله. وقال مالك، والشافعيّ: لا ينعقد نذره؛ لقول النبيّ -ﷺ-: «لا نذر إلَّا فيما ابتغي وجه الله». وقد رَوَى ابن عبّاس -﵄- قال: بينما النبي -ﷺ- يَخْطُبُ، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم، ويصوم، فقال النبيّ -ﷺ-: «مروه، فليجلس، وليستظلّ، وليتكلّم، وليُتمّ صومه»، رواه البخاريّ. وعن أنس -﵁- قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فسئل النبيّ -ﷺ- عن ذلك؟ فقال: «إن الله لغنيّ عن مشيها، مروها فلتركب»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، ولم يأمر بكفّارة. وأن النبيّ -ﷺ- رأى رجلًا يُهادى بين اثنين، فسأل عنه؟ فقالوا: نذر أن يحجّ ماشيًا، فقال: «إن الله لغنيّ عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليركب». متّفقٌ عليه، ولم يأمره بكفّارة، ولأنه نذرٌ غير موجب لفعل ما نذره، فلم يوجب كفّارةً؛ كنذر المستحيل. قال: ولنا ما تقدّم في القسم الذي قبله، فأما حديث التي نذرت المشي، فقد أمر فيه بالكفَّارة في حديث آخر، ففيه زيادة عند أبي داود، ولفظه: «مروها، فلتركب، ولتكفّر عن يمينها» ، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ويجوز أن يكون الراوي للحديث روى البعض، وترك البعض، أو يكون النبيّ -ﷺ- ترك ذكر الكفّارة في بعض الحديث إحالةً على ما عُلم من حديثه في موضع آخر. ومن هذا القسم إذا نذر فعل مكروه؛ كطلاق امرأته، فإنه مكروه، بدليل قول النبيّ -ﷺ-: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» ، فالمستحبّ أن لا يفي، ويكفّر، فإن وفى بنذره، فلا كفّارة عليه، والخلاف فيه كالذي قبله. (القسم السادس): نذر الواجب؛ كالصلاة المكتوبة، فقال أصحابنا: لا ينعقد نذره، وهو قول أصحاب الشافعيّ؛ لأنَّ النذر التزامٌ، ولا يصحّ التزام ما هو لازم له، ويَحْتَمِل أن ينعقد نذره موجبًا كفّارة يمين إن تركه، كما لو حلف على فعله، فإن النذر كاليمين، وقد سمّاه النبيّ -ﷺ- يمينًا، وكذلك لو نذر معصيةً، أو مباحًا، لو يلزمه، ويكفّر إذا لم يفعله. (القسم السابع): نذر المستحيل؛ كصوم أمس، فهذا لا ينعقد، ولا يوجب شيئًا؛ لأنه لا يُتصوّر انعقاده، ولا الوفاء به، ولو حلف على فعله لن تلزمه كفّارة، فالنذر أولى. وعقدُ الباب في صحيح المذهب أن النذر كاليمين، وموجبه موجبها، إلَّا في لزوم الوفاء به، إذا كان قربةً، وأمكنه فعله، ودليل هذا الأصل قول النبيّ -ﷺ- لأخت عقبة لَمّا نذرت المشي، فلم تطقه: «ولتكفّر يمينها» ، وفي رواية: «فلتصم ثلاثة أيام»، قال أحمد: إليه أذهب. وعن عقبة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «كفّارة النذر كفّارة اليمين»، أخرجه مسلم. وقول ابن عبّاس -﵄- للتي نذرت ذبح ولدها: «كفّري يمينك» ، ولأنه قد ثبت أن حكمه حكم اليمين في أحد أقسامه، وهو نذر اللجاج، فكذلك سائره في سوى ما استثناه الشرع. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ ، وإنما نقلته بطوله؛ لاستيفائه معظم أقوال أهل العلم بأدلتها في هذه الأقسام السبعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٣٨] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ حَمَّادٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، وَفي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَأَتْتْ عَلَى نَاقِةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ، فَي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدَّم قريبًا. ٥ - (عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) بن عبد المجيد، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أيوب» ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبِ)؛ يعني: حماد بن زيد، وعبد الوهّاب الثقفيّ رويا هذا الحديث عن أيوب السختيانيّ. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ ساقها أبو داود في «سننه»، فقال: (٣٣١٦) - حدّثنا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بن عِيسَي، قالا: ثنا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن أبي قِلَابَةَ، عن أبي الْمُهَلَّبِ، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، قال: كانت الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ من بَنِي عُقَيْلٍ، وَكَانَتْ من سَوَابِقِ الْحَاجِّ، قال: فَأُسِرَ، فَأَتَى النبيّ -ﷺ-، وهو في وَثَاقٍ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- على حِمَارٍ، عليه قَطِيفَةٌ، فقال: يا محمد عَلَامَ تَأْخُذُنِي، وَتَأْخُذُ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ قال: «نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ»، قال: وكان ثَقِيفُ قد أَسَرُوا رَجُلَيْنِ من أَصْحَابِ النبيِّ -ﷺ- قال: وقد قال فِيمَا قال: وأنا مُسْلِمٌ، أو قال: وقد أَسْلَمْتُ، فلما مَضَى النبيّ -ﷺ- قال أبو دَاوُد: فَهِمْتُ هذا من مُحَمَّدِ بن عِيسَى- نَادَاهُ يا محمد يا محمد، قال: وكان النبيّ -ﷺ- رَحِيمًا رَفِيقًا، فَرَجَعَ إليه، قال: «ما شَأنُكَ؟» قال: إِنِّي مُسْلِمٌ، قال: لو قُلْتَهَا، وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ- قال أبو دَاوُد: ثُمَّ رَجَعْتُ إلى حديث سُلَيْمَانَ- قال: يا محمد إنِّي جَائِع فَأَطْعِمْنِي، إنِّي ظَمَآن فَاسْقِنِي، قال: فقال النبيّ -ﷺ-: «هذه حَاجَتُكَ» -أو قال- «هذه حَاجَتُهُ»، قال: فَفُودِيَ الرَّجُلُ بَعْدُ بِالرَّجُلَيْنِ، قال: وَحَبَسَ رسول اللهِ -ﷺ- الْعَضْبَاءَ لِرَحْلِهِ، قال: فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ على سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَذَهَبُوا بِالْعَضْبَاءِ، قال: فلما ذَهَبُوا بها، وَأَسَرُوا امْرَأَةً من الْمُسْلِمِينَ، قال: فَكَانُوا إذا كان اللَّيْلُ يُرِيحُونَ إبلَهُمْ في أَفْنِيَتِهِمْ، قال: فَنُوِّمُوا لَيْلَةً، وَقَامَت الْمَرْأَةُ، فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا على بَعِيرٍ إلَّا رَغَا، حتى أَتَتْ على الْعَضْبَاءِ، قال: فَأَتَتْ على نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجرَّسَةٍ، قال: فَرَكِبَتْهَا، ثُمَّ جَعَلَتْ لِلَّهِ عليها إن نَجَّاهَا الله لَتَنْحَرَنَّهَا، قال: فلما قَدِمَت الْمَدِينَةَ عُرِفَت النَّاقَةُ نَاقَةُ النبيّ -ﷺ-، فَأُخْبِرَ النبيّ -ﷺ- بذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجِيءَ بها، وَأُخْبِرَ بِنَذْرِهَا، فقال: «بِئْسَ ما جَزَيْتِيهَا -أو- جَزَتْهَا إن الله أَنْجَاهَا عليها لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولا فيما لَا يَمْلِكُ ابن آدَمَ». قال أبو دَاوُد: وَالْمَرْأَةُ هذه امْرَأَةُ أبي ذَرٍّ . انتهى . وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، فساقها أبو عوانة في «مسنده»، فقال: (٥٨٤٨) - حدّثنا الربيع بن سليمان، قثنا الشافعيّ، قال: أنبا الثقفيّ -يعني: عبد الوهاب- عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين، قال: أَسَرَ (ح) وحدّثنا عمر بن شَبَّةَ، قثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيّ، قثنا أيوب، عن أبي قلابة، أن عمران بن حصين، قال: أَسَرَ أصحابُ النبيّ -ﷺ- رجلًا من بني عُقيل، وتركوه في الحرَّة، وقال الربيع: فأوثقوه، وطرحوه في الحرّة، فمَرَّ به رسول الله -ﷺ-، ونحن معه، أو قال: أتى عليه رسول الله -ﷺ-، وهو على حمار، وتحته قَطِيفة، فقال: «ما شأنك؟» فقال: فيما أخذتني؟، وفيما أخذت سابقة الحاج؟ قال: «أُخذت بجريرة حلفائكم ثقيف»، كانت ثقيف، قد أَسَرَت رجلين من أصحاب رسول الله -ﷺ-، فتركه ومضي، فنادى: يا محمد، فرحمه رسول الله -ﷺ-، فرجع إليه، فقال: «ما شأنك؟» قال: إني مسلم، قال: «لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كلَّ الفلاح»، فتركه ومضي، فنادى: يا محمد يا محمد، فرجع إليه، فقال: «ما شأنك؟» قال: إني جائع فأطعمني، قال: وأحسبه قال: وإني ظمآن فاسقني،
مصادر المؤلف (٦٣)

١. قال النوويّ ﵀: هو بضم الميم، وفتح الهاء، واللام المشدّدة، اسمه: عبد الرَّحمن بن عمرو، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عمرو بن معاوية، وقيل: النضر بن عمرو الْجَرميّ البصريّ، والله أعلم. انتهى.

٢. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢٤٠.

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٥٠.

٤. «القاموس المحيط» ص ٤٦.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٤.

٦. راجع: «تنبيه المعلم» ص ٢٧٦ - ٢٧٧.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٤.

٨. «النهاية في غريب الحديث والأثر»٣/ ٢٥١.

٩. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٦٤٧.

١٠. كتب في هامش«المفهم»هنا ٤/ ٦١٠ ما نضه: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] قيل: لَمَّا نقض حلفاؤهم رضوا بذلك، والراضي كالفاعل، وجواب ثانٍ: أي: أنهم كفّار لا عهد لهم، والكافر الذي لا عهد له مباح ماله ودمه، فيكون معنى قوله:«بجريرة حلفائك»: أي: بمثل دينهم من الكفر، وجواب ثالث: أن يقدَّر في الكلام حذف، معناه: أخذناك لنُفادي بك من حلفائك. انتهى.

١١. أخرجه البخاريّ في «صحيحه» من طريق حميد الطويل، عن أنس -﵁-، قال: كانت ناقة لرسول الله -ﷺ- تُسَمَّى العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قَعُود له، فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبِقت العضباء، فقال رسول الله -ﷺ-: «إن حقًّا على الله أن لا يَرْفَعَ شيئًا من الدنيا إلَّا وضعه». انتهى.

١٢. «المفهم» ٤/ ٦٠٩ - ٦١٠.

١٣. «المفهم» ٤/ ٦٠٩.

١٤. «المفهم» ٤/ ٦١١ - ٦١٢.

١٥. «صحيح ابن حبان» ١١/ ١٩٨.

١٦. «شرح النوويّ» ١١/ ١٠٠.

١٧. «القاموس المحيط» ١/ ١٧٠٢.

١٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٥.

١٩. هكذا قال، والذي في «سيرة ابن هشام» يدلّ على أنَّ الرجل غفاريّ من قوم أبي ذرّ، وليس هو أبا ذر؛ لأنه ذكر أن القوم قتلوه، واحتملوا امرأته، وأبو ذرّ -﵁- لَمْ يُقتل في حياة النبيّ -ﷺ-، بل عاش بعده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٢٠. راجع ما كتبه الشيخ مشهور بن حسن على هامش: «تنبيه المعلم» (ص ٢٧٧).

٢١. «سيرة ابن هشام» بشرح السهيليّ ٦/ ٣٩١.

٢٢. «القاموس المحيط» ص ٥٤٠.

٢٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٣.

٢٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٣ - ٦١٤.

٢٥. «المفهم» ٤/ ٦١٢.

٢٦. «المفهم» ٤/ ٦١٢.

٢٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٠.

٢٨. «الفتح» ١١/ ٣٩١.

٢٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٢.

٣٠. شرح النوويّ«١١/ ١٠٠ - ١٠١.

٣١. «القاموس المحيط»ص ١٣٢٦.

٣٢. «شرح النوويّ»١١/ ١٠٢.

٣٣. «المفهم»٤/ ٦١٢.

٣٤. «القاموس المحيط» ص ٨٤٢.

٣٥. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٤.

٣٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٩.

٣٧. قوله: «وكسرها» في المستقبل، تقدّم أن الصواب أنه يجوز كسر الذال، وضمها، في المضارع، من بابي ضرب، ونصر، فتنبّه.

٣٨. «المفهم» ٤/ ٦١٢ - ٦١٣.

٣٩. «المفهم»٤/ ٦١٣.

٤٠. «المفهم» ٤/ ٦١٣.

٤١. «المفهم» ٤/ ٦١٤.

٤٢. «شرح النوويّ» ١١/ ١٠١.

٤٣. «المفهم» ٤/ ٦١٤ - ٦١٥.

٤٤. «المفهم» ٤/ ٦١٥.

٤٥. «شرح النوويّ» ١١/ ١٠٢.

٤٦. «شرح النوويّ» ١١/ ١٠٢.

٤٧. راجع: «الفتح» ١٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨.

٤٨. قال الجامع: أما رواية الترمذيّ، فضعيفة؛ لأنَّ في سندها محمد بن يزيد مولى المغيرة بن شعبة، قال أبو حاتم: مجهول، وكذا تكلّم فيه غيره، وأما رواية ابن ماجة، فأضعف منه؛ لأنَّ في سندها عبد الملك بن محمد الصنعانيّ، وهو ضعيف؛ وخارجة بن مصعب متروك الحديث، يدلس عن الكذّابين، بل يقال: كذّبه ابن معين.

٤٩. الصحيح وقفه.

٥٠. في إسناده غالب بن عبيد الله العقيليّ مجمع على تركه، فتنبّه.

٥١. قد عرفت أن زيادة «إذا لم يُسمّ» غير ثابتة، فتنبّه.

٥٢. «الفتح» ١٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨.

٥٣. وصححه الشيخ الألبانيّ ﵀، والظاهر أن تصحيحه لشواهده، فليُتنبّه.

٥٤. بل ضعيف؛ لأن في سنده شريكًا القاضي، وقد عنعنه، وهو مدلّس، ومتكلّم فيه.

٥٥. حديث الأمر بالصيام ضعيف، وإنما الصحيح الأمر بالهدي، فتنبّه.

٥٦. صحيح موقوفًا.

٥٧. ضعيف بهذا اللفظ؛ لأن في سنده شريكًا القاضي، وإنما الصحيح بلفظ: «ولتُهد هديًا»، أو «ولتُهد بدنة»، فتنبّه.

٥٨. رواه أبو داود، وابن ماجه، وهو حديث ضعيف، ومنهم من حسّنه؛ لطرقه.

٥٩. تقدَّم أنه ضعيف بلفظ: «ولتكفّر عن يمينها»، وكذا بلفظ: «فلتصم ثلاثة أيام»، وإنَّما الصحيح بلفظ: «ولتُهد هديًا»، فتنبّه.

٦٠. موقوفٌ صحيح.

٦١. «المغني» لابن قُدامة ١٣/ ٦٢٢ - ٦٢٩.

٦٢. تقدّم أن قول أبي داود هذا فيه نظر؛ بل الذي يظهر من القصّة في السِّيَر أنَّها امرأة لرجل من غفار، وليس أبا ذرّ؛ لأنه قُتل في تلك الإغارة، وأُسرت امرأته، وأبو ذرّ عاش بعد النبيّ -ﷺ- دهرًا، فليُتأمّل.

٦٣. «سنن أبي داود» ٣/ ٢٣٩.