HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٤٩

حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سعيد ويحيى بن حبيب الحارثي (اللفظ لخلف) قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ. قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ. فَقَالَ (وَاللَّهِ! لَا أَحْمِلُكُمْ. وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أُتِيَ بِإِبِلٍ. فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى. فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا (أَوَ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ): لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا. أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا. فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ (مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ. وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ. وَإِنِّي، وَاللَّهِ! إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خير).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص82
ج ٣ ص ١٢٦٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٨٠
[٣٦٧] حديث أبي موسى ﵁ : في الحديث: جواز سؤال الإمام فيما يقع من حاجةٍ للعام والخاص، وفيه أن للإمام أن يحمل على دواب الفيء، أو على إبل الصدقة؛ إذا كان السائل محتاجا، وفيه إجلال حق الإمام والعالم. وقوله: (بَلِ الله حَمَلَكُم) أي: بأمره أعطيتكم، وفيه دلالة أن الدجاجة وإن أكلت العذِرة؛ فإنها لا تحرم، وفيه: أن الحالف إذا حلف على شيء؛ فرأى الحِنْث خيرا من الثبات على اليمين؛ حنث وكفَّر عن يمينه، وقوله: (تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ) أي: سألناه في وقت شُغله، يقال: تغفَّلتُه: إذا [طلب] غفلته. وقوله: (وَتَحَلَّلْتُهَا)، قال أهل اللغة : حلَّلَ يمينَه وتحلَّلَها: إذا حلف ثم استثنى، وقيل: تحللتها: أي: كفَّرت عنها حتى تنحل، وقوله: (غُرِّ الذُّرَى) أي: بيض الأسنمة، والغُرُّ: جمع الأغر، والأَغَرّ: الأبيض، وقيل: (غُرِّ الذُّرَى): غر الرؤوس، والذُّرَى: جمع ذِروة، وذِروة الشيء: أعلاه، وفي رواية: (بُقع الذُّرَى)، والبُقْعُ: جمع الأبقع، وهو الذي له لونان، وتلكأ الرجل يتلكأ. […] . من كتاب الأقضية من باب القضاء باليمين والشاهد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٦٠٩
(وَلَا) تحلفوا (بِآبَائِكُمْ») تقدّم شرحه مستوفًى في شرح حديث عمر -﵁-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الرَّحمن بن سمُرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٤٢٥٤] (١٦٤٨)، و(النسائيّ) في«الأيمان والنذور»(٣٨٠١) و«الكبرى»(٤٧١٥)، و(ابن ماجه) في«الكفّارات»(٢٠٩٥)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٢/ ٣٧٥)، و(أحمد) في«مسنده» (٥/ ٦٢)، وبقيّة متعلّقات الحديث من الفوائد وغيرها تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ نَدْبِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، أَنْ يَأتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٥٥] (١٦٤٩) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ -وَاللَّفْظُ لِخَلَفٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»، قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ، غُرِّ الذُّرَي، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا -أَوْ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ-: لَا يُبَارِكُ اللهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثعلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةُ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٥ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ١٥/ ٥٩٨. ٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٧ - (أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، أَمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصفّين، مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين من شيخه يحيى بن حبيب، وخلف بغداديّ، وقتيبة بغلانيّ، وأبو موسى -﵁- كان أمير البصرة، ووُلد له أبو بردة هناك، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، قال فيه النبيّ -ﷺ-: «إن عبد الله بن قيس أعطي مزمارًا من مزامير آل داود ﵇»، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس -﵁- (الأَشْعَرِيِّ) نسبة إلى أشعر قبيلة مشهورة من اليمن، والأشعر هو: نبت بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وإنما قيل له: الأشعر؛ لأنَّ أمه ولدته، والشعر على بدنه، قاله في «اللباب» . أنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي رَهْطٍ) بفتح، فسكون؛ أي: جماعة، قال الفيّوميّ ﵀: الرَّهْط: ما دون عشرةٍ من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرَّهْطُ من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضًا: الرَّهْطُ، وَالنَّفَرُ، وَالقَوْمُ، وَالمَعْشَرُ، وَالعَشِيرَةُ: معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرَّهْطُ، وَالْعَشِيرَةُ: بمعنًى، ويقال: الرَّهْطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في «كتاب الضاد والظاء»، ونقله ابن فارس أيضًا، ورَهْطُ الرجل: قومُهُ، وقبيلته الْأَقربونَ. انتهى . وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد السلام بن حرب، عن أيوب بلفظ: «إنا أتينا النبيّ -ﷺ- نفرٌ من الأشعريين»، فاستَدَلّ به ابن مالك لصحّة قول الأخفش: يجوز أن يُبدل الظاهر من ضمير الحاضر بدل كلّ من كلّ، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٢]، قال ابن مالك: واحترزت بقولي بدل كلّ من كلّ عن البعض، والاشتمال، فذلك جائز اتفاقًا، وإليه أشار في «الخلاصة» بقوله: وَمِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ الظَّاهِرَ لَا … تُبْدِلْهُ إِلَّا مَا إِحَاطَةً جَلَا أَوِ اقْتَضَى بَعْضًا أَوِ اشْتِمَالَا … كَأَنَّكَ ابْتِهَاجَكَ اسْتَمَالا ولَمَّا حكاه الطيبيّ أقرّه، وقال: هو عند علماء البديع يُسمَّى التجريد، لكن تعقّب الحافظ ذلك، وقال: لا يحسن الاستشهاد به، إلَّا لو اتفقت الرواة، والواقع أنه بهذا اللفظ انفرد به عبد السلام، وقد أخرجه البخاريّ في مواضع أخرى بإثبات «في»، فقال في معظمها: «في رهط»، كما هي رواية ابن عُليّة، عن أيوب في «كفّارات الإيمان»، وفي بعضها: «في نفر»، كما هي رواية حماد، عن أيوب في «فرض الخمس». انتهى . (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ)؛ أي: نطلب منه ما يحملنا من الإبل، ويَحمل أثقالنا (فَقَالَ) -ﷺ- («وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ) إنما قال هذا القول المؤكّد؛ لأنهم أتوه في وقت غضبه، كما سيأتي قول أبي موسى:»ووافقته، وهو غضبان، ولا أشعر«، وقال القرطبيّ ﵀: فيه جواز اليمين عند المنع، وردّ السائل الملْحِف عند تعذّر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول (وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»)؛ أي: ليس عندي شيء من الإبل أحملكم عليه، وإنما ذكر -ﷺ- هذه الجملة -والله أعلم- اعتذارًا، وبيانًا لسبب حلفه (قَالَ) أبو موسى -﵁- (فَلَبِثْنَا مَا شَاء اللهُ)؛ أي: من الوقت، وفي الرواية التالية: «فلم ألبث إلَّا سُويعةً» (ثمَّ أُتيَ بِإِبِلٍ) بكسر الهمزة، والموحّدة: اسم جمع لا واحد لها، وهي مؤنثة؛ لأنَّ اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لِمَا لا يعقل يلزمه التأنيث، وتدخله الهاء إذا صُغِّر، نحو أُبَيْلَةٍ، وغُنيمة، وسُمع إسكان الباء للتخفيف، ومن التأنيث وإسكان الباء قول أبي النّجم: والإِبْلُ لا تَصْلُح للبُسْتانِ … وحنَّتِ الإِبْلُ إلى الأوطانِ والجمع: آبالٌ، وأَبيلٌ، وِزَانُ عبيد، وإذا ثُنِّي، أو جُمع، فالمراد قَطِيعان، أو قَطِيعات، وكذلك أسماء الجموع، نحو أبقار، وأغنام، والإِبلُ بناءٌ نادرٌ، قال سيبويه: لم يجئ على فِعِل بكسر الفاء والعين من الأسماء إلَّا حرفان: إبل، وحِبر، وهو القَلَح، ومن الصفات إلَّا حرف، وهي امرأة بِلْزٌ، وهي الضخمة، وبعض الأئمة يذكر ألفاظًا غير ذلك، لم يثبت نقلها عن سيبويه، ذكره الفيّوميّ ﵀ . [تنبيه]: رواية مسلم بلفظ «إبل»، ووقع في بعض الرواية عند البخاريّ بلفظ: «بشائل»، قال في «الفتح»: قوله: «فأتي بإبل»، كذا للأكثر، ووقع هنا في رواية الأصيليّ، وكذا لأبي ذرّ عن السرخسيّ، والمستملي: «بشائل» -بعد الموحَّدة شين معجمة، وبعد الألف تحتانية مهموزة، ثم لام- قال ابن بطال : إن صحت، فأظنها شوائل، كأنه ظنّ أن لفظ «شائل» خاصّ بالمفرد، وليس كذلك، بل هو اسم جنس، وقال ابن التين: جاء هكذا بلفظ الواحد، والمراد به الجمع، كالسامر، وقال صاحب «العين»: ناقة شائلة، ونُوقٌ شائلٌ التي جَفّ لبنها، وشَوَّلَتِ الإبل -بالتشديد- لَصِقَت بطونها بظهورها، وقال الخطابيّ: ناقة شائل قَلّ لبنها، وأصله من شال الشيءُ: إذا ارتفع، كالميزان، والجمع شَوْل، كصاحب وصَحْب، وجاء شوائل جمع شائل، وفيما نُقِل من خطّ الدمياطيّ الحافظ: الشائل الناقة التي تَشُول بذنبها للقاح، وليس لها لبن، والجمع شُوَّلٌ -بالتشديد- كراكع ورُكَّع، وحَكَى قاسم بن ثابت في «الدلائل» عن الأصمعيّ: إذا أتى على الناقة من يوم حملها سبعة أشهر جَفّ لبنها، فهي شائلة، والجمع شَوْلٌ -بالتخفيف- وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح، فهي شائل، والجمع شُوَّلٌ -بالتشديد- وهذا تحقيق بالغٌ، وأما ما وقع في «المطالع» إن شائل جمع شائلة، فليس بجيِّد. انتهى . وقوله أيضًا: (أُتيَ بِإِبِلٍ) بالبناء للمفعول. وفي رواية: «فأتي رسولُ الله -ﷺ- بنَهب إبل»- بفتح النون، وسكون الهاء، بعدها موحّدة-؛ أي: غنيمة، وأصله ما يؤخذ اختطافًا بحسب السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين. وفي رواية بُريدة، عن أبي بُردة أنه -ﷺ- ابتاع الإبل التي حَمَل عليها الأشعريين من سعد ، وفي الجمع بينها وبين رواية الباب عُسْرٌ، لكن يَحْتَمِل أن تكون الغنيمة لَمّا حصَلت حصل لسعد منها القدر المذكور، فابتاع النبيّ -ﷺ- منه نصيبه، فحملهم عليه، قاله في «الفتح» . (فَأَمَرَ لَنَا)؛ أي: أمر أن نُعطى ذلك، وفي رواية ابن عُليّة عند البخاريّ: «فقيل: أين الأشعريّون؟ فأتينا، فأمر لنا»، وفي رواية حماد: «وأتي بنهب إبل، فسأل عنّا، فقال: أين النفر الأشعريّون؟ فأمر لنا»، وفي رواية بُرَيد: «فلم ألبث قال الجامع: كونه يهجس في خاطره لا يكفي في كونه هو، فليتأمّل. إلا سُويعة، إذ سمعت بلالًا ينادي، أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله -ﷺ- يدعوك، فلما أتيته، قال: خذ». (بِثَلَاثِ ذَوْدٍ) قال النوويّ ﵀: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، وقد يحتجّ به من يُطلق الذّود على الواحد، قال: وقوله: «بثلاث»، ووقع في الرواية الأخيرة: «بثلاثة ذود»، بإثبات الهاء، وهو صحيح، يعود إلى معنى الإبل، وهو الأبعرة. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: قوله: «بثلاث ذَود» كذا لأبي ذرّ، ولغيره: «بثلاثة ذَوْد»، وقيل: الصواب الأول؛ لأن الذّود مؤنّثٌ، ووُجِّهَ بأنه إنما ذكّره باعتبار لفظ الذود، أو أنه يُطلق على الذكور والإناث، أو الرواية بالتنوين، والذود إما بدلٌ، فيكون مجرورًا، أو مستأنف، فيكون مرفوعًا. و«الذَّوْد» -بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، بعدها مهملةٌ-: من الثلاث إلى العشر. وقيل: إلى السبع. وقيل: من الاثنين إلى التسع من النُّوق، قال في «الصحاح»: لا واحد له من لفظه، والكثير أَذْوَاد، والأكثر على أنه خاصّ بالإناث، وقد يُطلق على الذكور، أو على أعمّ من ذلك، كما في قوله -ﷺ-: «ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة». ويؤخذ من هذا الحديث أيضًا أن الذود يُطلق على الواحد، بخلاف ما أطلق الجوهريّ. انتهى. ووقع في رواية بلفظ: «خمس ذود» قال النوويّ: لا منافاة بينهما، إذ ليس في ذكر الثلاث نفي للخمس، والزيادة مقبولة. انتهى. وقال في «الفتح»: قال ابن التين: الله أعلم أيهما يصحّ. قال الحافظ: لعلّ الجمع بينهما يحصل من الرواية التي بلفظ: «خذ هذين القرينين، وهذين القرينين، وهذين القرينين»، فلعلّ رواية الثلاث باعتبار ثلاثة أزواج، ورواية الخمس باعتبار أن أحد الأزواج كان قرينه تبعًا، فاعتدّ به تارة، ولم يعتدّ به أُخرى. ويمكن الجمع بأنه أمر لهم بثلاث ذَوْد أوّلًا، ثم زادهم اثنين، فإن لفظ زَهْدَم: «ثم أتي بنهب ذَوْد، غُرِّ الذُّرَى، فأعطاني خمس ذود»، فوقعت في رواية زَهْدَم جملة ما أعطاهم، وفي رواية غيلان، عن أبي بردة مبدأ ما أمر لهم به، ولم يذكر الزيادة. وأما رواية «خذ هذين القرينين ثلاث مرار»، وفي لفظ: «ستة أبعرة» فيمكن أن تكون السادسة تبعًا، ولم تكن ذروتها موصوفة بذلك، كما تقدّم. انتهى . (غُرِّ الذُّرَى) قال النوويّ ﵀: أما الذُّرَى فبضم الذال، وكسرها، وفتح الراء المخففة: جمع ذُرْوَة بكسر الذال وضمها، وذُروة كلِّ شيء أعلاه، والمراد هنا الأسنمة، وأما الْغُرّ: فهي البيض، وكذلك البقع المراد بها البيض، وأصلها ما كان فيه بياض وسواد، ومعناه: أمر لنا بإبل بِيضٍ الأسنمة. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «غُرِّ الذُّرى» غرُّ: جمع أغرَّ، وأصله: الذي في جبهته بياض من الخيل. و«الذُّرَى»: جمع ذُروة، وهي: من كل شيء أعلاه. والمراد بـ «غُرّ الذُّرى»: أن تلك الإبل كانت بيض الأسنمة. وقد روي: «بُقْعُ الذُّرى»؛ أي: فيها لُمَعٌ بِيضٌ وسُودٌ. ومنه قيل: الغراب الأبقع، والشَّاة البقعاء: إذا كانا كذلك. انتهى . (فَلَمَّا انْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا من عند النبي -ﷺ-. وفي رواية: «فاندفعنا»، وفي رواية: «فلبثنا غير بعيد» (قُلْنَا -أَوْ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ-:) «أو» للشكّ من الراوي، وفي رواية للبخاريّ: «فقلت لأصحابي»، وفي رواية: «قلنا: ما صنعنا»، فيجمع على أنهم تكلّموا فيما بينهم، والبادئ هو أبو موسى -﵁- (لَا يُبَارِكُ اللهُ لنَا)؛ أي: فيما أعطانا رسول الله -ﷺ- من الذَّوْد، إن سكتنا عن ذلك، ولم نعرّفه، ثم بيّن سبب عدم البركة بقوله: (أتيْنَا رَسُولَ الله -ﷺ- نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلنَا، ثُمَّ حَمَلنَا)؛ أي: بعد الحلف، فإن هذا مما لا يرضاه الله، وفي رواية ابن عليّة: «نسي رسول الله -ﷺ- يمينه، والله لئن تغفّلنا رسول الله - ﷺ- يمينه، لا نُفلح أبدًا»، وفي رواية عبد السلام: «فلما قبضناها، قلنا: تغفّلنا رسول الله كل -ﷺ- يمينه، لا نفلح أبدًا». ووقع في الرواية التالية زيادة قول أبي موسى -﵁- لأصحابه: «والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله -ﷺ-»، يعني في منعهم أوّلًا، وإعطائهم ثانيًا إلى آخر القصّة. قال القرطبيّ ﵀: فيه استدراك جبر خاطر السائل الذي يؤدّب على الحاجة بمطلوبه إذا تيسّر، وأن من أخذ شيئًا يَعلَم أن المعطي لم يكن راضيًا بإعطائه، لا يُبارك له فيه. (فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرُوهُ) وفي رواية: قَالَ أَبُو مُوسَى: «فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ -ﷺ-، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ»، وفي رواية: «فرجعنا، فقلنا: يا رسول الله أتيناك نستحملك، فحلفت أن لا تحملنا، ثم حملتنا، فظننا، أو فعرفنا أنك نسيتَ يمينك، قال: انطلقوا، فإنما حملكم الله …». (فَقَالَ: «مَا أنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِن اللهَ حَمَلَكُمْ) قال العلماء: المراد بذلك إزالة المنّة عنهم، وإضافة النعمة لمالكها الأصليّ، ولم يُرد أنه لا صنع له أصلًا في حملهم؛ لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد ذلك:»لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت«. وقال المازريّ: معناه أن الله تعالى أعطاني ما حملتكم عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما أحملكم عليه. وقيل: يحتمل أنه كان نسي يمينه، والناسي لا يُضاف إليه الفعل. ويردّه التصريح بقوله:«والله ما نسيتها»، كما سيأتي عند مسلم. وقيل: المراد بالنفي عنه، والإثبات لله الإشارةُ إلى ما تفضّل الله به من الغنيمة المذكورة؛ لأنها لم تكن بتسبّب من النبيّ -ﷺ-، ولا كان متطلّعًا إليها، ولا منتظرًا لها، فكان المعنى: ما أنا حملتكم لعدم ذلك أوّلًا، ولكن الله حملكم بما ساقه إلينا من هذه الغنيمة، أفاده في«الفتح». وقال القاضي عياض: ويجوز أن يكون أُوحي إليه أن يحملهم، أو يكون المراد دخولهم في عموم من أمر الله تعالى بالقَسْم فيهم، والله أعلم. انتهى . (وَإِنِّي وَاللهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ-) قال أبو موسى المدينيّ في كتابه«الثمين في استثناء اليمين»: لم يقع قوله:«إن شاء الله»في أكثر الطرق لحديث أبي موسى، وأشار إلى أنه -ﷺ- قالها للتبرّك، لا للاستثناء. قال الحافظ: وهو خلاف الظاهر. (لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ)؛ أي: محلوف يمين، فأطلق عليه لفظ«يمين»؛ للملابسة، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، فهو من مجاز الاستعارة، ويجوز أن يكون فيه تضمين، فقد وقع في رواية:«على أمر»، ويَحْتَمِل أن تكون«على»بمعنى الباء، فقد وقع في رواية النسائيّ:«إذا حلفت بيمين»، ورُجّح الأول بقوله:«فرأيت غيرها خيرًا منها»؛ لأن الضمير في«غيرها»لا يصحّ عوده على اليمين. وأجيب بأنه يعود على معناه المجازيّ للملابسة أيضًا. وقال ابن الأثير في«النهاية»: الحلف هو اليمين، فقوله:«أحلف»؛ أي: أعقد شيئًا بالعزم والنيّة، وقوله:«على يمين»تأكيد لعقده، وإعلامٌ بأنه ليست لغوًا. قال الطيبيّ: ويؤيّده رواية النسائيّ بلفظ:«ما على الأرض يمين أَحلِف عليها … »الحديث، قال: فقوله:«أحلف عليها»صفة مؤكّدة لليمين، نحو أمسِ الدابرُ لا يعودُ؛ أي: فإني لا أحلف على حلف، قال: والمعنى: لا أحلف يمينًا جزمًا، لا لغو فيها، ثم يظهر لي أمرٌ آخر يكون فعلُه أفضلَ من المضيّ في اليمين المذكور إلا فعلته، وكفّرت عن يميني، قال: فعلى هذا يكون قوله:«على يمين»مصدرًا مؤكّدًا لقوله:«أحلف»، أفاده في«الفتح». (ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأتيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ») أخذ النسائيّ ﵀ من هذه الرواية جواز الكفّارة قبل الحنث، فترجم عليه، فقال: «الكفّارة قبل الحنث»، لكن تعقّبه السنديّ، فقال: فيه أن التقديم اللفظيّ لا يدلّ على التقديم المعنويّ، والعطف بالواو لا يدلّ على الترتيب، فيجوز أن يكون المتأخّر متقدّمًا، نعم قد يُقال: الأمر في الرواية الآتية لا دلالة له على وجوب تقديم الحنث، كما لا دلالة له على وجوب تقديم الكفّارة، ومقتضى الإطلاق دليل للمطلوب، وعلى هذا فقول من أوجب تقديم الحنث مخالف لهذا الإطلاق، فلا بدّ له من دليل يُعارض هذا الإطلاق، ويترجّح عليه حتى يستقيم الأخذ به، وتركُ هذا الإطلاق. انتهى كلام السنديّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٤٢٥٥ و٤٢٥٦ و٤٢٥٧ و٤٢٥٨ و٤٢٥٩ و٤٢٦٠ و٤٢٦١ و٤٢٦٢] (١٦٤٩)، و(البخاريّ) في «فرض الخمس» (٣١٣٣) و«المغازي» (٤٣٨٥) و«الذبائح والصيد» (٥٥١٧) و«الأيمان والنذور» (٦٦٤٩ و٦٦٨٠)، وفي «كفارات الأيمان» (٦٧٢١) و«التوحيد» (٧٥٥٥)، و(أبو داود) في «الأيمان والنذور» (٣٢٧٦) مختصرًا، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٨٢٦) وفي «الشمائل» (١٤٨)، و(النسائيّ) في «الأيمان والنذور» (٣٨٠٦ و٣٨٠٧) و«كتاب الصيد والذبائح» (٤٣٧٣ و٤٣٧٤) و«الكبرى» (٤٧٢٠ و٤٧٢١ و٤٨٥٨ و٤٨٥٩)، و(ابن ماجه) في «الكفّارات» (٢١٠٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٦٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٣٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٨١)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩٨ و٤٠١ و٤١٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٣٥١ و٤٣٥٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٢٢٩)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (١/ ٣٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣١ و٣٣ و٣٥ و٤٠)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٤/ ٣٣٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٣١ - ٣٢ و٥١ - ٥٢) و«المعرفة» (٧/ ٣٢١) و«الصغرى» (٨/ ٤٤٦ و٤٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها عليه أن يأتي الذي هو خير، ويكفّر عن يمينه. ٢ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز التكفير قبل الحنث، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سنفصّله في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز اليمين عند التبرّم. ٤ - (ومنها): انعقاد اليمين في حال الغضب. ٥ - (ومنها): جواز ردّ السائل المثقل عند تعذّر الإسعاف. ٦ - (ومنها): مشروعيّة تأديب السائل إذا لم يتيسّر للمسؤول إعطاؤه بنوع من إغلاظ القول، وذلك أنهم سألوه -ﷺ- في حال تحقّق فيها أنه لم يكن عنده شيء، فأدّبهم بذلك القول، ثم إنه -ﷺ- بقي مترقّبًا لما يُسعِف به طَلِبَتَهم، ويَجبُرُ به انكسارهم، فلَمّا يسّر الله تعالى عليه ذلك أعطاهم، وجبرهم على مُقتضى كرم خُلُقه الكريم -ﷺ-، قاله القرطبيّ ﵀ . ٧ - (ومنها): أن من حلف على فعل شيء، أو تركه، وكان الحنث خيرًا من التمادي على اليمين، عليه أن يحنث عن يمينه، وتلزمه الكفّارة، وهذا متّفقٌ عليه. ٨ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ﵀ ترجم لهذا الحديث في «كتاب التوحيد» من «صحيحه» بقوله: «قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]»، وأراد أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا مذهب أهل السُّنَّة؛ خلافًا للمعتزلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التكفير قبل الحنث: قال النوويّ ﵀: أجمعوا على أنه لا تجب الكفّارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين، واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث، فجوّزها مالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وأربعة عشر صحابيًّا، وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحبّ كونها بعد الحنث، واستثنى الشافعيّ التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث؛ لأنه عبادة بدنيّة، فلا يجوز تقديمها على وقتها؛ كالصلاة، وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال، فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة. واستثنى بعض أصحابنا حنث المعصية، فقال؛ لا يجوز تقديم كفّارته؛ لأن فيه إعانة على المعصية، والجمهور على إجزائها كغير المعصية. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وأشهب المالكيّ: لا يجوز تقديم الكفّارة على الحنث بكلّ حال. ودليل الجمهور ظواهر هذه الأحاديث، والقياس على تعجيل الزكاة. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: قال ابن المنذر: رأى ربيعة، والأوزاعيّ، ومالك، والليث، وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفارة تجزئ قبل الحنث، إلا أن الشافعيّ استثنى الصيام، فقال: لا يُجزئ إلا بعد الحنث. وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفّارة قبل الحنث. ونقل الباجيّ عن مالك وغيره روايتين، واستثنى بعضهم عن مالك الصدقة، والعتق، ووافق الحنفيّة أشهب من المالكيّة، وداود الظاهريّ، وخالفه ابن حزم، واحتجّ لهم الطحاويّ بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، فإن المراد إذا حلفتم، فحنِثتم، وردّه مخالفوه، فقالوا: بل التقدير: فأردتم الحنث، وأولى من ذلك أن يقال: التقدير أعمّ من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر. واحتجّوا أيضًا بأن ظاهر الآية أن الكفّارة وجبت بنفس اليمين. وردّه من أجاز بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقًا. واحتجّوا أيضًا بأن الكفّارة بعد الحنث فرضٌ، وإخراجها قبله تطوّعٌ، فلا يقوم التطوّع مقام الفرض. وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث، وإلا فلا يجزئ، كما في تقديم الزكاة. وقال عياض: اتفقوا على أن الكفّارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبّ مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ تأخيرها بعد الحنث، قال عياض: ومنع بعض المالكيّة تقديم كفّارة حنث المعصية؛ لأن فيه إعانة على المعصية. وردّه الجمهور. قال ابن المنذر: واحتُجّ للجمهور بأن اختلاف ألفاظ حديثي أبي موسى، وعبد الرحمن بن سمرة -﵄- لا يدلّ على تعيين أحد الأمرين، وإنما أمر الحالف بأمرين، فإذا أتى بهما جميعًا، فقد فعل ما أُمر به، وإذا لم يدلّ الخبر على المنع، فلم يبق إلا طريق النظر، فاحتُجّ للجمهور بأن عقد اليمين لَمّا كان يحلّه الاستثناء، وهو كلام، فلأن تحلّه الكفّارة، وهي فعل ماليّ، أو بدنيّ أولى. ويرجّح قولهم أيضًا بالكثرة. وذكر أبو الحسن ابن القصّار، وتبعه عياضٌ، وجماعةٌ أن عدّة من قال بجواز تقديم الكفّارة أربعة عشر صحابيًّا، وتبعهم فقهاء الأمصار، إلا أبا حنيفة، مع أنه قال فيمن أخرج ظبية من الحرم إلى الحلّ، فولدت أولادًا، ثم ماتت في يده هي وأولادها أن عليه جزاءها، وجزاء أولادها، لكن إن كان حين إخراجها أدّى جزاءها لم يكن عليه في أولادها شيء، مع أن الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل أن تلد أولادها، فيحتاج إلى الفرق، بل الجواز في كفّارة اليمين أولى. وقال ابن حزم: أجاز الحنفيّة تعجيل الزكاة قبل الحول، وتقديم زكاة الزرع، وأجازوا تقديم كفّارة القتل قبل موت المجنيّ عليه. واحتجّ الشافعيّ بأن الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها؛ كالصلاة والصيام، بخلاف العتق، والكسوة، والإطعام، فإنها من حقوق الأموال، فيجوز تقديمها؛ كالزكاة، ولفظ الشافعيّ في «الأمّ»: إن كفّر بالإطعام قبل الحنث رجوت أن يُجزئ عنه، وأما الصوم فلا؛ لأن حقوق المال يجوز تقديمها، بخلاف العبادات، فإنها لا تقدّم على وقتها؛ كالصلاة، والصوم، وكذا لو حجّ الصغير، والعبد، لا يجزئ عنهما إذا بلغ، أو عتق. وقال في موضع آخر: من حلف، فأراد أن يحنث، فأَحبّ إليّ أن لا يكفّر حتى يَحنَثَ، فإن كفّر قبل الحنث أجزأ، وساق نحوه، مبسوطًا. وادّعى الطحاويّ أن إلحاق الكفّارة بالكفّارة أولى من إلحاق الإطعام بالزكاة. وأجيب بالمنع، وأيضًا فالفرق الذي أشار إليه الشافعيّ بين حقّ المال، وحقّ البدن ظاهر جدًّا، وإنما خصّ منه الشافعيّ الصيام بالدليل المذكور. ويؤخذ من نصّ الشافعيّ أن الأولى تقديم الحنث على الكفّارة، وفي مذهبه وجهٌ، اختَلَف فيه الترجيح أن كفّارة المعصية يُستحبّ تقديمها. قال عياضٌ: الخلاف في جواز تقديم الكفّارة مبنيٌّ على أن الكفّارة رخصة لحلّ اليمين، أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنها رخصةٌ، شرعها الله لحلّ ما عقد من اليمين، فلذلك تجزئ قبلُ وبعدُ. قال المازريّ: للكفّارة ثلاث حالات: [أحدها]: قبل الحلف، فلا تجزئ اتفاقًا. [ثانيها]: بعد الحلف والحنث، فتجزئ اتفاقًا. [ثالثها]: بعد الحلف، وقبل الحنث، ففيها الخلاف. وقد اختَلَف لفظ الحديث، فقدّم الكفّارة مرّةً، وأخّرها أُخرى، لكن بحرف الواو الذي لا يوجب ترتيبًا، ومن منع رأى أنها لم تجز، فصارت كالتطوّع، والتطوّع لا يُجزئ عن الواجب. وقال الباجيّ، وابن التين، وجماعة: الروايتان دالّتان على الجواز؛ لأن الواو لا ترتّب، قال ابن التين: فلو كان تقديم الكفّارة لا يجزئ لَأبانه، ولقال: فليأت، ثم ليكفّر؛ لأن تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلما تركهم على مقتضى اللسان دلّ على الجواز، قال: وأما الفاء في قوله: «فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك»، فهي كالفاء الذي في قوله: «فكفّر عن يمينك، وائت الذي هو خير»، ولو لم تأت الثانية لَمَا دلّت الفاء على الترتيب؛ لأنها أبانت ما يفعله بعد الحلف، وهما شيئان: كفّارة، وحنث، ولا ترتيب فيهما، وهو كمن قال: إذا دخلت الدار، فكل، واشرب. قال الحافظ: قد ورد في بعض الطرق بلفظ: «ثمّ» التي تقتضي الترتيب، عند أبي داود، والنسائيّ في حديث الباب، ولفظ أبو داود من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، به: «كفّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير»، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن أحال بلفظ المتن على ما قبله. وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه» من طريق سعيد كأبي داود. وأخرجه النسائيّ من رواية جرير بن حازم، عن الحسن مثله. لكن أخرجه البخاريّ، ومسلم، من رواية جرير بالواو، وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضًا بلفظ: «ثمّ». وفي حديث أمّ سلمة عند الطبرانيّ نحوه، ولفظه: «فليكفّر عن يمينه، ثم ليفعل الذي هو خير». انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور، من جواز التكفير قبل الحنث هو الأرجح؛ لقوّة دليله، كما سبق تقريره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): اختُلف: هل كفّر النبيّ -ﷺ- عن يمينه المذكور؟ كما اختُلف: هل كفّر في قصّة حلفه على شرب العسل، أو على غشيانه مارية -﵄-؟ فرُوي عن الحسن البصريّ ﵀ أنه قال: لم يُكفّر أصلًا؛ لأنه مغفور له، وإنما نزلت كفّارة اليمين تعليمًا للأمة. وتُعُقّب بما أخرجه الترمذيّ من حديث عمر -﵁- في قصّة حلفه على العسل، أو مارية، فعاتبه الله، وجعل له كفّارة يمين. وهذا ظاهر في أنه كفّر، وإن كان ليس نصًّا في ردّ ما ادّعاه الحسن، وظاهر قوله أيضًا في حديث الباب: «وكفّرت عن يميني» أنه لا يترك ذلك، ودعوى أن ذلك كلّه للتشريع بعيد. قاله في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٥٦] (…) - (حَدَّثَنَا عبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ -وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَرْسَلَني أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ -وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ- فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيءٍ»، وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا أَشْعُرُ، فَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ رَسُول اللهِ -ﷺ-، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَلَمْ أْلبَثْ إِلَّا سُويعَةً، إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، فَأجَبْتُهُ، فَقَالَ: أجِبْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَدْعُوكَ، فَلَمَا أتيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ- لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ -فَانْطَلِقْ بِهِن إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِن الله- أَوْ قَالَ: إِن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَارْكَبُوهُنَّ»، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي بِهِن، فَقُلْتُ: إِن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتى يَنْطَلِقَ مَعي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُول اللهِ -ﷺ - حِينَ سَأَلتُهُ لَكُمْ، وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ إِعْطَاءهُ إِيَّايَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ، فَقَالُوا لِي : وَاللهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ، حَتى أتوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُول اللهِ -ﷺ -، وَمَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى سَوَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الله بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ٥١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره، ولا ينافي هذا ما تقدّم من جعلنا السند الماضي مسلسلًا بالبصريين؛ لأن أبا موسى -﵁- سكن الكوفة والبصرة، وكذا وَلَده، وأنه مسلسلٌ أيضًا بأسرة واحدة غير أبي أسامة، فعبد الله بن برّاد من نسل أبي موسى -﵁-، كما أسلفته في نسبه، وبريد حفيد أبي بردة، وهو ولد أبي موسى﵁-. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ -﵁- أنه (قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُول الله -ﷺ- أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ) بضمّ الحاء المهملة؛ أي: الشيء الذي يركبون عليه، ويحملهم، قاله في «الفتح». وقال في «القاموس»، و«شرحه»: «الْحُمْلانُ بالضمّ: ما يُحْمَل عليه، من الدوابّ في الهبَة خاصّةً، كذا في»المحكم«، و»الْعُباب«، قال الليث: ويكون الْحُمْلان أجرًا لما يُحمَل، زاد الصغانيّ: وحُمْلانُ الدراهم في اصطلاح الصاغة: ما يُحْمَلُ على الدراهم من الْغِشِّ؛ تسمية بالمصدر، وهو مجاز». انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: الْحُمْلان: مصدر حَمَلَ يَحْمِل حُمْلانًا، وذلك لأنهم أرسلوه يطلب منه شيئًا يركبون عليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما تقدّم من «القاموس»، و«شرحه» أولى وأقرب من تفسير ابن الأثير، فتأملّ. (إِذْ هُمْ) «إذ» ظرف متعلّق بمقدَّر؛ أي: يركبونه وقت كونهم (مَعَهُ) -ﷺ- (فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ) -بمهملتين الأولى مضمومة، وبعدها سكون- مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]، وهي غزوة تبوك كما بيّنه بقوله: (وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ) وفي حديث ابن عباس: «قيل لعمر: حدّثنا عن شأن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فأصابنا عطش …» الحديث، أخرجه ابن خزيمة، وفي تفسير عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن عقيل قال: «خرجوا في قلّة من الظَّهر، وفي حرّ شديد، حتى كانوا ينحرون البعير، فيشربون ما في كَرْشه من الماء، فكان ذلك عُسْرة من الماء، وفي الظَّهر، وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة، وتبوك المشهور فيها عدم الصرف؛ للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، ووقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة، منها حديث مسلم:«إنكم ستأتون غدًا عين تبوك»، وكذا أخرجه أحمد، والبزار، من حديث حذيفة، وقيل: سميت بذلك لقوله -ﷺ- للرجلين اللذين سبقاه إلى العين:«ما زلتما تبوكانها منذ اليوم»، قال ابن قتيبة: فبذلك سميت عين تبوك، والَبَوْك كالْحَفْر. انتهى. والحديث المذكور عند مالك، ومسلم بغير هذا اللفظ، أخرجاه من حديث معاذ بن جبل:«إنهم خرجوا في عام تبوك مع النبيّ -ﷺ-، فقال: »إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله تعالى عين تبوك، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا«، فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تَبِضّ بشيء من ماء … » فذكر الحديث في غسل رسول الله -ﷺ- وجهه ويديه بشيء من مائها، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس. وبينها وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة. وكان السبب فيها ما ذكره ابن سعد، وشيخه، وغيره، قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين يَقْدَمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جَمَعَت جموعًا، وأجلبت معهم لَخْم وجُذَام، وغيرهم من مُتَنَصِّرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى الْبَلْقاء، فَنَدَب النبيّ -ﷺ- الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم، كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك -﵁-. ورَوَى الطبرانيّ من حديث عمران بن حصين -﵄- قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هِرَقْل أن هذا الرجل الذي خرج يَدَّعي النبوة هلك، وأصابتهم سنون، فهَلَكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم، يقال له قباذ، وجَهَّز معه أربعين ألفًا، فبلغ النبيّ -ﷺ- ذلك، ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جَهَّز عِيرًا إلى الشام، فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال: فسمعته يقول: «لا يَضُرّ عثمان ما عَمِلَ بعدها»، وأخرجه الترمذيّ، والحاكم، من حديث عبد الرحمن بن حبان نحوه. وذكر أبو سعيد في «شرف المصطفى»، والبيهقيّ في «الدلائل»، من طريق شهر بن حَوْشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم: أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا فالْحَقْ بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦]. انتهى، وإسناده حسنٌ، مع كونه مرسلًا. (فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِن أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ يتَحْمِلَهُمْ)؛ أي: لتعطيهم ما يَحملون عليه أنفسهم، وأثقالهم (فَقَالَ) -ﷺ- («وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شيءٍ») وفي رواية للبخاريّ: «لا أجد ما أحملكم عليه»، وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: «وجاء نفر كلهم معسر يستحملونه، لا يحبون التخلف عنه، فقال: لا أجد، قال: ومن هؤلاء نفر من الأنصار، ومن بني مزينة»، وفي مغازي ابن إسحاق: أن البكائين سبعة نفر: سالم بن عمير، وأبو ليلى بن كعب، وعمرو بن الحمام، وعبد الله بن مُغَفَّل، وقيل: ابن غنمة، وعلية بن زيد، وهرمي بن عبد الله، وعِرْباض بن سارية، وسلمة بن صخر، قال: فبلغني أن أبا ياسر اليهوديّ، وقيل: ابن يامين جَهَّز أبا ليلى، وابن مغفل، وقيل: كان في البكائين بنو مُقَرِّن السبعة: مَعْقِلٌ، وإخوته، قاله في «الفتح» . (وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ) قال القرطبيّ ﵀: حلفه في تلك الحال يدلّ لمالك على صحّة قوله بلزوم حكم اليمين الواقعة في حال الغضب، وهو له حجة على الشافعيّ حيث قال: إنها لا تلزم، ويدلّ أيضًا على قول مالك حديث عديّ بن حاتم الآتي. انتهى . (وَلَا أَشْعُرُ) بضمّ العين، من باب قَعَد؛ أي: لا أعلم بغضبه -ﷺ- (فَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ رَسُول اللهِ -ﷺ-، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ الله -ﷺ- قَدْ وَجَدَ) بفتح الواو والجيم، من باب وَعَدَ، يقال: وَجَدَ عليه مَوْجِدةً: إذا غضب (فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-، فَلَمْ ألْبَثْ) بصيغة المتكلّم، وفي نسخة: «فلم يلبث» بصيغة الغائب؛ أي: لم يتأخّر (إِلَّا سُوَيْعَةً) تصغير ساعة للتقليل؛ أي: إلا زمنًا قليلًا (إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا) هو الصحابيّ الشهير، مؤذّن رسول الله -ﷺ- المتوفّى سنة (١٧) أو (١٨) وقيل غير ذلك. (يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ) «أي» حرف نداء قيل: للأوسط، وقيل: للبعيد، وإلى هذا أشرت في «التحفة المرضيّة» حيث قلت: «أَيْ» لِنَدَا الأَوْسَطِ أَوْ ذِي قُرْبِ أَوْ … ذِي الْبُعْدِ وَالتَّفْسِيرَ أَيْضًا قَدْ رَأَوْ (فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجبْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) وقوله: (يَدْعُوكَ) جملة حاليّة من «رسول الله -ﷺ-» (فَلَمَّا أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: أخُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ)؛ أي: الجملين المشدود أحدهما إلى الآخر، وقيل: النظيرين المتساويين (وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنن)، وقوله: (لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ) بيان لما تكرّر من قوله: «هذين القرينين». وقال في «الفتح»: وفي رواية أبي ذرّ، عن المستملي: «هاتين القرينتين»؛ أي: الناقتين، وتقدّم أنه -ﷺ- أمر لهم بخمسِ ذَوْد، وقال هنا: «لستة أبعرة»، فإما تعددت القصة، أو زادهم على الخمس واحدًا، وأما قوله: «هاتين القرينتين، وهاتين القرينتين»، فيَحْتَمِل أن يكون اختصارًا من الراوي، أو كانت الأولى اثنتين، والثانية أربعة؛ لأن القرين يصدق على الواحد، وعلى الأكثر، وأما الرواية التي فيها: «هذين القرينين»، فذَكَّر، ثم أنَّث، فالأُولى على إرادة البعير، والثانية على إرادة الاختصاص، لا على الوصفية. انتهى . (ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ) تقدّم أن سعدًا هذا لم يُعْرَف (فَانْطَلِقْ بهنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللهَ- أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَارْكَبُوهُنَّ») في الحديث استحباب حنث الحالف في يمينه، إذا رأى غيرها خيرًا منها، كما سبق البحث فيه مستوفًى، وانعقاد اليمين في الغضب. (قَالَ أَبُو مُوسَى) -﵁- (فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي بِهِنَّ)؛ أي: بتلك القرينات (فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا أَدَعُكُمْ)؛ أي: أترككم (حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- حِينَ سَأَلتُهُ لَكُمْ، وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُ إِيَّاي بَعْدَ ذَلِكَ، لَا تَظُنُّوا)؛ أي: إنما طلبت منكم هذا؛ لئلا تظنّوا (أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ) -ﷺ- (فَقَالُوا لِي: وَاللهِ) وفي بعض النسخ: «فقالوا: لا، والله» (إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ)؛ أي: لكن مع كونك مصدّقًا عندنا لنذهبنّ معك، حتى نسمع ما طلبت سماعه (فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ، حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَمَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى سَوَاءً)؛ أي: من غير زيادة، ولا نقص. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٥٧] (…) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ زَهْدَم الْجَرْمِيِّ- قَالَ أَيُّوبُ: وَأنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ مِنِّي لِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ -قَالَّ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ، وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ، أَحْمَرُ، شَبِيهٌ بالْمَوَالِي، فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَأْكُلُ مِنْهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا، فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ، أُحَدِّثْكَ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّي أتيْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَريِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»، فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، فَأُتيَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَدَعَا بِنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ، غُرِّ الذُّرَى، قَالَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ الله -ﷺ- يَمِينَهُ، لَا يُبَارَكُ لَنَا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أتيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أفَنَسِيتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «إِنِّي وَاللهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أتيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا، فَانْطَلِقُوا، فَإنَّمَا حَمَلَكُمُ اللهُ ﷿»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَيُّوبُ) السَّخْتيانيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، تقدّم قريبًا. ٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ) التميميّ، ويقال: الْكُلَيْنيّ -بنون بعد التحتانيّة- ويقال: الليثيّ البصريّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن رافع بن خَدِيج، وزَهْدَم بن مُضَرِّب الْجَرْميّ، وسعيد بن المسيِّب، وعطاء الخراسانيّ. وروى عنه أيوب السختيانيّ، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، ذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والترمذيّ في «الشمائل»، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (زَهْدَمٌ الْجَرْمِيُ) هو: زَهْدَم -بوزن جعفر- ابن مُضَرِّب الأزديّ الْجَرْميّ، أبو مسلم البصريّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي موسى، وعمران بن حصين، وابن عباس -﵃-. وروى عنه أبو قلابة، وأبو جمرة الضُّبَعيّ، والقاسم بن عاصم التميميّ، وأبو السَّلِيل ضُرَيب بن نُقَير، وقتادة، ومَطَر الورّاق، وغيرهم. قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٦٤٩) وأعاده بعده، وحديث (٢٥٣٥): «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم …» الحديث، وكذا له عند الباقين هذان الحديثان فقط. و«أبو موسى الأشعريّ -﵁-» ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَنْ أيُّوبَ) بن أبي تميمة السّختيانيّ، وفي رواية أحمد: عن عبد الله بن الوليد، عن سفيان: حدّثنا أيوب، حدّثني أبو قلابة (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد (وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ) هكذا جمع حماد بن زيد بين أبي قلابة، والقاسم بن عاصم، وكذا هو عند البخاريّ في «فرض الخمس»، وكذا قال وهيب: عن أيوب عنهما، كما يأتي عند مسلم، ورواه سفيان الثوريّ، عند البخاريّ، وابن عيينة عند مسلم، كلاهما عن أيوب، عن أبي قلابة، وهكذا قال عبد السلام بن حرب عند البخاريّ: عن أيوب، وقال عبد الوارث عنده: عن أيوب، عن القاسم بدل أبي قلابة، وكذا قال ابن علية، عن أيوب . (عَنْ زَهْدَم) بفتح الزاي، بوزن جعفر، هو ابن مُضَرِّب -بفتح الضاد المعجمة، وكسر الراء المشدّدة، بعدها موحّدةٍ (الْجَرْمِيِّ) بفتح الجيم، وإسكان الراء: نسبة إلى جَرْم، وهي قبيلة، وهو: جَرْم بن زَيّان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة، قاله في «اللباب» . [تنبيه]: قال في «الفتح»: زهدم هذا ليس له في البخاريّ سوى حديثين: هذا الحديث، وقد أخرجه في مواضع له، وحديث آخر أخرجه عن عمران بن حصين في «المناقب»، وذكره في مواضع أخرى أيضًا. انتهى. وقال في القاسم بن عاصم التميميّ: ليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، فقد أورده عنه في مواضع مقرونًا ومفردًا مختصرًا ومطولًا، مشتملًا على قصّة الرجل الذي امتنع من أكل الدجاج، وحلف على ذلك، وفتوى أبي موسى له بأن يُكَفِّر عن يمينه، وياكل، وقَصّ له الحديث في ذلك، وسببه، وهو طلبهم من النبيّ -ﷺ- أن يحملهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أما زهدم، فقد أسلفت آنفًا أنه ليس له عند المصنّف، ولا عند البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ إلا هذان الحديثان. وأما القاسم، فقد أسلفت أنه ليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث، فتنبّه. (قَالَ؛ أَيُّوبُ) السَّخْتيانيّ (وَأنا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ مِنِّي لِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ)؛ يعني: أن حفظه حديث القاسم أتمّ من حفظه لحديث أبي قلابة (قَالَ) زَهْدم (كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ -﵁- (فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ، وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ) هو اسم جنس، مُثَلَّث الدال، ذكره المنذريّ في «الحاشية»، وابن مالك وغيرهما، ولم يحك النوويّ الضم، والواحدة دجاجة مثلثةً أيضًا، وقيل: إن الضم فيه ضعيف، قال الجوهريّ: دخلتها الهاء للوحدة، مثل الحمامة، وأفاد إبراهيم الحربيّ في «غريب الحديث» أن الدِّجَاج بالكسر: اسم للذكران دون الإناث، والواحد منها دِيكٌ، وبالفتح الإناث، دون الذكران، والواحدة دَجَاجة بالفتح أيضًا، قال: وسُمّي به لإسراعه في الإقبال والإدبار، من دَجّ يَدِجُّ: إذا أسرع. ودجاجة اسم امرأة، وهي بالفتح فقط، ويسمى بها الْكُبّة من الْغَزْل، قاله في «الفتح» . (فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ) هو اسم قبيلة يقال لهم أيضًا: تيم اللات، وهم من قُضاعة (أحْمَرُ، شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي)؛ أي: بالعجم، قال الداوديّ: يعني: أنه من سبي الروم، قال الحافظ: كذا قال، فإن كان اطّلَع على نقل في ذلك، وإلا فلا اختصاص لذلك بالروم دون الْفُرْس، أو النَّبَط، أو الديلم. انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح»: هذا الرجل هو زَهْدَم الراوي، أبهم نفسه، فقد أخرج الترمذيّ من طريق قتادة، عن زهدم، قال: «دخلت على أبي موسى، وهو يأكل دجاجًا، فقال: ادْنُ، فَكُلْ، فإني رأيت رسول الله -ﷺ- يأكله» مختصرًا، وقد أشكل هذا؛ لكونه وُصِف الرجل في رواية الباب بأنه من بني تيم الله، وزهدم من بني جَرْم، فقال بعض الناس: الظاهر أنهما امتنعا معًا: زهدم، والرجل التيميّ، وحَمَلَهُ على دعوى التعدد استبعاد أن يكون الشخص الواحد ينسب إلى تيم الله، وإلى جرم، ولا بُعْد في ذلك، بل قد أخرج أحمد الحديث المذكور عن عبد الله بن الوليد، هو العدنيّ، عن سفيان، هو الثوريّ، فقال في روايته: «عن رجل من بني تيم الله، يقال له: زهدم، قال: كنا عند أبي موسى، فأُتِيّ بلحم دجاج»، فعلى هذا فلعل زهدمًا كان تارة يُنسب إلى بني جَرْم، وتارةً إلى بني تيم الله، وجرم قبيلة في قضاعة، يُنسبون إلى جَرْم بن زَبّان - بزاي، ومُوَحَّدة ثقيلة- ابن عمران بن الحاف بن قُضاعة، وتيم الله بطن من بني كلب، وهم قبيلة في قُضاعة أيضًا، ينسبون إلى تيم الله بن رُفَيدة- براء، وفاء، مصغرًا- ابن ثور بن كلب بن وَبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة، فحلوان عمّ جَرْم. قال الرشاطيّ في «الأنساب»: وكثيرًا ما يَنسُبُون الرجل إلى أعمامه. قال الحافظ: وربما أبهم الرجل نفسه، كما تقدم في عدة مواضع، فلا بُعْد في أن يكون زهدم صاحبَ القصّة، والأصل عدم التعدد. وقد أخرج البيهقيّ من طريق الفِرْيابيّ، عن الثوريّ بسنده المذكور في هذا الباب إلى زَهْدَم: قال: «رأيت أبا موسى يأكل الدجاج، فدعاني، فقلت: إني رأيته يأكل نتنًا، قال: ادْنُهْ، فَكُلْ»، فذكر الحديث المرفوع. ومن طريق الصَّعْق بن حَزْن، عن مطر الورّاق، عن زَهْدَم، قال: «دخلت على أبي موسى، وهو يأكل لحم دجاج، فقال: ادن، فكُلْ، فقلت: إني حلفت لا آكله» الحديث، وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ عن الصعق، لكن لم يسق لفظه، وكذا أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» من وجه آخر، عن زهدم نحوه، وقال فيه: «فقال لي: ادن، فكل، فقلت: إني لا أريده» الحديث. فهذه عِدَّة طُرُق صَرَّح زهدم فيها بأنه صاحب القصّة، فهو المعتمد. ولا يَعْكُر عليه إلا ما وقع في «الصحيحين» مما ظاهره المغايرة بين زهدم، والممتنع من أكل الدجاج، ففي رواية: «عن زهدم: كنا عند أبي موسى، فدخل رجل من بني تيم الله أحمر، شبيه بالموالي، فقال: هَلُمّ فتلكأ» الحديث، فإن ظاهره أن الداخل دخل، وزهدم جالس عند أبي موسى، لكن يجوز أن يكون مراد زهدم بقوله: «كنا» قومه الذين دخلوا قبله على أبي موسى، وهذا مجاز قد استَعْمَل غيره مثله، كقول ثابت البنانيّ: خطبنا عمران بن حصين؛ أي: خطب أهل البصرة، ولم يدرك ثابت خطبة عمران المذكورة، فَيَحْتَمِل أن يكون زهدم دخل، فجرى له ما ذُكر، وغاية ما فيه أنه أبهم نفسه، ولا عجب فيه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحث لا بأس فيه، وإن كان فيه نوع تكلّف، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) أبو موسى -﵁- (لَهُ)؛ أي: لهذا الرجل الداخل عليه (هَلُمَّ)؛ أي: احضر، قال الفيّوميّ ﵀: هَلُمَّ كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَال، قال الخليل: أصله: لُمَّ، من الضم والجمع، ومنه: لَمَّ الله شَعْثَهُ، وكأن المنادِي أراد: لُمَّ نفسَك إلينا، و«هَا» للتّنبيه، وحُذِفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ؛ أي: قُصِد، فنُقِلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء، وأهل الحجاز ينادون بها بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجد تَلحقها الضمائرُ، وتُطَابَقُ، فيقال: هَلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلًا، فيلحقونها الضمائر، كما يلحقونها قُمْ، وقوما، وقوموا، وقمن، وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قيسٌ بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتستعمل لازمة، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ أي: أقبل، ومتعدية، نحو ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]؛ أي: أحضروهم. انتهى . (فَتَلَكَّأَ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر عن الحضور، قال في «القاموس»: وتلكّأَ عليه: اعتَلَّ، وعنه: أبطأ. انتهى . (فَقَالَ) أبو موسى -﵁- (هَلُمَّ، فَإنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: إنما أمرتك بذلك لأني (قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَأْكُلُ مِنْهُ)؛ أي: من لحم الدجاج، وفيه إباحة لحم الدجاج، وملاذّ الأطعمة، قاله النوويّ ﵀، وقال في «الفتح»: ويستفاد من الحديث جواز أكل الطيبات على الموائد، واستخدام الكبير من يباشر له نقل طعامه، ووضعه بين يديه، قال القرطبيّ: ولا يناقض ذلك الزهد، ولا ينقصه؛ خلافًا لبعض المتقشِّفة. وتعقّبه الحافظ، فقال: والجواز ظاهر، وأما كونه لا ينقص الزهد، ففيه وقفةٌ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا وقفة في ذلك؛ فإن أفضل الزاهدين، وهو النبيّ -ﷺ- كان يفعله، فإنه قد أكل الطيّبات، من لحم الدجاج وغيره، وكان يُخدَم، ويُنقَل الطعام إليه، فهل نقص زهده بذلك؟، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا، فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذال المعجمة؛ أي: كرِهته، والْقَذَرُ بفتحتين: الوَسَخ، وهو مصدر قَذِر الشيءُ، فهو قَذِر، من باب تَعِبَ: إذا لم يكن نظيفًا، وقَذِرته، من باب تَعِبَ أيَضًا، واستقذرته، وتقذّرته: كَرِهته لوسَخه، وأقذرته بالألف: وجدتُهُ كذلك، قاله الفيّوميّ . وقال في «الفتح»: قوله: «إني رأيته يأكل شيئًا، فقذِرته» بكسر الذال المعجمة، وفي رواية أبي عوانة: «إنى رأيتها تأكل قَذِرًا»، وكأنه ظن أنها أكثرت من ذلك، بحيث صارت جلّالةً، فَبَيَّن له أبو موسى أنها ليست كذلك، أو أنه لا يلزم من كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك، أن يكون كل الدجاج كذلك. انتهى . (فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ، فَقَالَ) أبو موسى (هَلُمَّ، أُحَدِّثْكَ عَنْ ذَلِكَ) بجزم «أُحَدّث» على أنه جواب الأمر (إِنِّي أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ)؛ أي: نطلب منه الْحُملان (فَقَالَ: «وَاللهِ لَا أحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»، فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ الله -ﷺ- بِنَهْبِ إِبِلٍ) قال أهل اللغة: النَّهْبُ: الغنيمة، وهو بفتح النون، وجمعه نِهابٌ، بكسرها، ونُهُوب بضمّها، وهو مصدر، بمعنى المنهوب، كالخلق بمعنى المخلوق، قاله النوويّ ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: نَهَبْتُهُ نَهْبًا، من باب نَفَعَ، وانْتَهَبْتُهُ انْتِهَابًا، فهو مَنْهُوبٌ، والنُّهْبَةُ مثالُ غرفة، والنُّهْبَى بزيادة ألف التأنيث: اسم للمنهوب، ويتعدى بالهمزة إلى ثان، فيقال: أَنْهَبْتُ زيدًا المالَ، ويقال أيضًا: أَنْهَبْتُ المال إِنْهَابًا: إذا جعلته نَهْبًا يُغَار عليه، وهذا زمان النَّهْبِ؛ أي: الانتهاب، وهو الغلبة على المال والقهر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إضافة نَهَب إلى إبل من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: فأُتي بإبل منهوبة، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: قوله: «فأُتي رسولُ اللهﷺ- بنهب إبل» بفتح النون، وسكون الهاء، بعدها مُوَحَّدة؛ أي: غنيمة، وأصله ما يؤخذ اختطافًا بحسب السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين، وفي رواية غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن موسى بلفظ: «فأُتي بإبل»، وفي روايةٍ: «شائل»، وتقدم الكلام عليها، وفي رواية بُريد، عن أبي بردة: أنه -ﷺ- ابتاع الإبل التي حَمَل عليها الأشعريين من سعد، وفي الجمع بينها وبين هذا الحديث عُسْرٌ، لكن يَحْتَمِل أن تكون الغنيمة لَمّا حَصَلت حَصَل لسعد منها القدر المذكور، فابتاع النبيّ -ﷺ- منه نصيبه، فحملهم عليه. انتهى . (فَدَعَا بِنَا)؛ أي: بأبي موسى، وأصحابه الأشعريين (فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ) كذا وقع بإضافة «خمس» إلى «ذَوْد»، واستنكره أبو البقاء في «غريبه»، قال: والصواب تنوين «خمس»، وأن يكون «ذود» بدلًا من «خمس»، فإنه لو كان بغير تنوين لتغيّر المعنى؛ لأن العدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون خمس ذود خمسة عشر بعيرًا؛ لأن الإبل الذود ثلاثة. انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: وما أدري كيف يحكم بفساد المعنى إذا كان العدد كذا؟، وكون عدد الإبل خمسة عشر بعيرًا، فما الذي يضرّ؟ وقد ثبت في بعض طرقه: «خُذْ هذين القرينين، والقرينين» إلى أن عَدّ ست مرات، والذي قاله إنما يتم أن لو جاءت رواية صريحة أنه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة، وعلى تقدير ذلك فأطلق لفظ ذود على الواحد مجازًا، كإبل، وهذه الرواية الصحيحة لا تمنع إمكان التصوير. انتهى . وقوله: (غُرِّ الذُّرَى) الْغُرّ: بضم المعجمة: جمع أَغَرّ، والأغرّ: الأبيض، والذُّرَى: بضم المعجمة، والقصر: جمع ذُروة، وذروة كل شيء أعلاه، والمراد هنا أسنمة الإبل، ولعلها كانت بيضاء حقيقةً، أو أراد وصفها بأنها لا علة فيها، ولا دَبَرَ، ويجوز في «غُرّ» النصب والجر. (قَالَ) أبو موسى (فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ الله -ﷺ- يَمِينَهُ) قال النوويّ ﵀: «أغفلنا» بإسكان اللام؛ أي: جعلناه غافلًا، ومعناه: كنّا سبب غفلته عن يمينه، ونسيانه إياها، وما ذَكَّرناه إياها؛ أي: أخذنا ما أخذنا، وهو ذاهلٌ عن يمينه. انتهى . (لَا يُبَارَكُ لَنَا) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لا يبارك الله تعالى لنا فيما أعطانا بسبب إغفالنا له (فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ) -ﷺ- (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أتيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أفَنَسِيتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «إِنِّي وَاللهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ)؛ أي: على شيء محلوف عليه (فَأَرَى غَيْرَهَا)؛ أي: غير تلك اليمين، وأنّت الضمير؛ لأن اليمين مؤنّثة، كما تقدّم تحقيقه أول»كتاب الأيمان«(خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أتيْتُ)؛ أي: فعلت الأمر (الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) وقوله: (وَتَحَلَّلْتُهَا) قال في»الفتح«: كذا في رواية حماد، وعبد الوارث، وعبد الوهاب، كلهم عن أيوب، ولم يذكر في رواية عبد السلام:»وتحللتها«، وكذا لم يذكرها أبو السَّلِيل، عن زهدم، عند مسلم، ووقع في رواية غَيْلان، عن أبي بردة:»إلا كَفَّرت عن يميني«، بدل»وتحللتها«، وهو يُرَجِّح أحد احتمالين أبداهما ابن دقيق العيد، ثانيهما: إتيان ما يقتضي الحنث، فإن التحلل يقتضي سبق العقد، والعقد هو ما دلت عليه اليمين، من موافقة مقتضاها، فيكون التحلل الإتيانَ بخلاف مقتضاها، لكن يلزم على هذا أن يكون فيه تكرارٌ؛ لوجود قوله:»أتيت الذي هو خير«، فإن إتيان الذي هو خير تحصل به مخالفة اليمين، والتحلل منها، لكن يمكن أن تكون فائدته التصريح بالتحلل، وذَكَرَه بلفظ يناسب الجواز صريحًا؛ ليكون أبلغ مما لو ذَكَره بالاستلزام. وقد يقال: إن الثاني أقوى؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد، وقيل: معنى«تحللتها»: خرجت من حُرمتها إلى ما يَحِلّ منها، وذلك يكون بالكفّارة، وقد يكون بالاستثناء بشرطه السابق، لكن لا يتجه في هذه القصّة، إلا إن كان وقع منه استثناء لم يشعروا به، كأن يكون قال: إن شاء الله مثلًا، أو قال: والله لا أحملكم إلا إن حصل شيء، ولذلك قال:«وما عندي ما أحملكم». (فَانْطَلِقُوا)؛ أي: اذهبوا إلى رحالكم (فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللهُ ﷿») قال العلماء: المراد بذلك إزالة المنة عنهم، وإضافة النعمة لمالكها الأصليّ، ولم يُرِد أنه لا صُنْعَ له أصلًا في حملهم؛ لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد ذلك: «لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت عن يميني». وقال المازريّ: معنى قوله: «إن الله حملكم»: إن الله أعطاني ما حملتكم عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما حملتكم عليه، وقيل: يَحْتَمِل أنه كان نسي يمينه، والناسي لا يضاف إليه الفعل، ويرُدّه التصريح في هذه الرواية بقوله: «والله ما نسيتها»، وقيل: المراد بالنفي عنه، والإثبات لله الإشارة إلى ما تفضل الله به من الغنيمة المذكورة؛ لأنها لم تكن بتسبب من النبيّ -ﷺ-، ولا كان متطلِّعًا إليها، ولا منتظرًا لها، فكأن المعنى: ما أنا حملتكم؛ لعدم ذلك أوّلًا، ولكن الله حملكم بما ساقه إلينا من هذه الغنيمة، ذكره في «الفتح» . [تنبيه]: وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز دخول المرء على صديقه في حال أكله، واستدناء صاحب الطعام الداخل، وعرضه الطعام عليه، ولو كان قليلًا؛ لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه؛ وفيه جواز أكل الدجاج إنسيةً، ووحشيةً، وهو بالاتفاق، إلا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع، إلا أن بعضهم استثنى الجلَّالة، وهي ما تأكل الأقذار، وظاهر صنيع أبي موسى -﵁- أنه لم يبال بذلك. والجلَّالة: عبارة عن الدابة التي تأكل الْجِلَّة - بكسر الجيم، وتشديد اللام - وهي البعر، وادَّعَى ابن حزم اختصاص الجلّالة بذوات الأربع، والمعروف التعميم. وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن ابن عمر -﵄- أنه كان يحبس الدجاجة الجلّالة ثلاثًا، وقال مالك، والليث: لا بأس بأكل الجلّالة من الدجاج وغيره، وإنما جاء النهي عنها للتقذُّر، وقد ورد النهي عن أكل الجلّالة من طرُق، أصحها ما أخرجه الترمذيّ، وصححه، وأبو داود، والنسائيّ، من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄-: «أن النبيّ -ﷺ- نَهَى عن الْمُجَثَّمة، وعن لبن الجلّالة، وعن الشرب من في السِّقَاء». قال الحافظ: وهو على شرط البخاريّ في رجاله، إلا أن أيوب رواه عن عكرمة، فقال: عن أبي هريرة، وأخرجه البيهقيّ، والبزار، من وجه آخر عن أبي هريرة -﵁-: «نَهَى رسول الله -ﷺ- عن الجلّالة، وعن شرب ألبانها، وأ كلها، وركوبها». ولابن أبي شيبة بسند حسن، عن جابر -﵁-: «نَهَى رسول الله -ﷺ- عن الجلَّالة أن يؤكل لحمها، أو يُشْرَب لبنها»، ولأبي داود، والنسائيّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-: «نَهَى رسول الله -ﷺ- يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلَّالة، عن ركوبها، وأكل لحمها»، وسنده حسن. وقد أطلق الشافعية كراهة أكل الجلالة إذا تغيّر لحمها بأكل النجاسة، وفي وجه: إذا أكثرت من ذلك، ورجّح أكثرهم أنها كراهة تنزيه، وهو قضية صنيع أبي موسى، ومن حجتهم أن العلف الطاهر إذا صار في كرشها تنجس، فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك، فلا يُحكم على اللحم واللبن بالنجاسة، فكذلك هذا. وتُعُقّب بأن العلف الطاهر إذا تنجس بالمجاورة جاز إطعامه للدابة؛ لأنها إذا أكلته لا تتغذى بالنجاسة، وإنما تتغذى بالعلف، بخلاف الجلَّالة. وذهب جماعة من الشافعية، وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد عن الفقهاء، وهو الذي صححه أبو إسحاق المروزيّ، والقفال، وإمام الحرمين، والبغويّ، والغزاليّ، وألحقوا بلبنها ولحمها بيضها. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه هؤلاء الجماعة، من أن النهي للتحريم هو الظاهر؛ لظواهر النصوص المتقدّمة، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وفي معنى الجلّالة ما يتغذى بالنجس، كالشاة ترضع من كَلْبة، والمعتبر في جواز أكل الجلَّالة زوال رائحة النجاسة، بعد أن تُعْلف بالشيء الطاهر على الصحيح، وجاء عن السلف فيه توقيت، فعند ابن أبي شيبة، عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلَّالة ثلاثًا، كما تقدم، وأخرج البيهقيّ بسند فيه نظر، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: أنها لا تؤكل حتى تُعْلَف أربعين يومًا. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان المسائل المتعلّقة به قبل حديث، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٥٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ، وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة؛ معناه: القبيلة. وقوله: (مِنْ جَرْمٍ) بفتح، فسكون: اسم قبيلة، كما تقدّم، والجارّ والمجرور بيان لـ «الحيّ». وقوله: (وُدٌّ) بفتح الواو، وضمّها، وتشديد الدال المهملة: مصدر وَدّه: إذا أحبّه، يقال: وَدِدته أَوَدّه، من باب تَعِبَ وُدًّا بفتح الواو، وضمّها: أحببته، والاسم الْمَوَدّة، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقوله: (وَإِخَاءٌ) بكسر الهمزة: مصدر آخاه إخاءً ومؤاخاةً: إذا اتّخذه صاحبًا. [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب السختيانيّ هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٦٢٧٣) - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا عبد الْوَهَّابِ، عن أَيُّوبَ، عن أبي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ، عن زَهْدَمٍ، قال: كان بين هذا الْحَيِّ من جَرْمٍ، وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَقُرِّبَ إليه طَعَامٌ، فيه لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ من بَنِي تَيْمِ اللهِ أَحْمَرُ، كَأَنَّهُ من الْمَوَالِي، فَدَعَاهُ إلى الطَّعَام، فقال: إني رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شيئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكله، فقال: قُمْ، فَلَأُحَدِّثَنَّكَ عن ذَاكَ، إني أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- في نَفَرٍ من الْأَشْعَريِّينَ، نَسْتَحْمِلُهُ، فقال: «والله لَا أَحْمِلُكُمْ، وما عِنْدِي ما أَحْمِلُكُمْ عليه»، فَأُتِيَ رسول اللهِ -ﷺ- بِنَهْبِ إبلٍ، فَسَألَ عَنَّا، فقال: «أَيْنَ النَّفَرُ الْأَشْعَرِيُّونَ؟» فَأَمَرَ لنا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فلما انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: ما صَنَعْنَا، حَلَفَ رسول اللهِ -ﷺ- لَا يَحْمِلُنَا، وما عِنْدَهُ ما يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَمِينَهُ، والله لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إليه، فَقُلْنَا له: إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَحْمِلَنَا، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، وما عِنْدَكَ ما تَحْمِلُنَا، فقال: «إني لَسْتُ أنا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ، والله لَا أَحْلِفُ على يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها، إلا أَتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٥٩] (…) - (وَحَدَّثَني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَزمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، وَاقْتَضُوا جَمِيعًا لْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل أربعة أبواب. ٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب. ٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصّغَانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٧ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمِ) بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه، وربّما وَهِمَ، من كبار [٥] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة ٦/ ٤٤. ٨ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ٢ ص ٤١٣. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَاقْتَضُوا جَمِيعًا الْحَدِيثَ … إلخ) الظاهر أن الضمير لإسماعيل ابن عُليّة، وسفيان بن عيينة، ووُهيب بن خالد، وَيحتَمِل أن يكون لشيوخه الخمسة، والأول هو الذي أولى؛ لأنه يؤيّده قوله:«بمعنى حديث حماد بن زيد»، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب السختيانيّ، ساقها البخاريّ ﵀ في«صحيحه»، فقال: (٦٣٤٢) - حدّثنا عَلِيُّ بن حُجْرٍ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بن إبراهيم، عن أَيُّوبَ، عن الْقَاسِمِ الْتَّمِيمِيِّ، عن زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، قال: كنا عِنْدَ أبي مُوسَى، وكان بَيْنَنَا وَبَيْنَ هذا الْحَيِّ من جَرْمٍ إِخَاءٌ، وَمَعْرُوفٌ، قال: فَقُدِّمَ طعامه، قال: وَقُدِّمَ في طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاج، قال: وفي الْقَوْمِ رَجُلٌ من بَنِي تَيْمِ اللهِ أَحْمَرُ، كَأَنَّهُ مَوْلًى، قال: فلم يَدْنُ، فقال له أبو مُوسَى: ادْنُ، فَإِنِّي قد رأيت رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَأْكُلُ منه، قال: إني رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شيئًا، قَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا، فقال: ادْنُ أُخْبِرْكَ عن ذلك، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- في رَهْطٍ من الْأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، وهو يَقْسِمُ نَعَمًا من نَعَمِ الصَّدَقَةِ، قال أَيُّوبُ: أَحْسِبُهُ قال: وهو غَضْبَانُ، قال: والله لَا أَحْمِلُكُمْ، وما عِنْدِي ما أَحْمِلُكُمْ عليه، قال: فَانْطَلَقْنَا، فأتى رسول اللهِ -ﷺ- بِنَهْبِ إبلٍ، فَقِيلَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَتَيْنَا، فَأَمَرَ لنا بِخَمْسِ ذَوْدٍ، غُرِّ الذرى، قال: فَانْدَفَعْنَا، فقلت لِأَصْحَابِي: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَحَمَلَنَا، نَسِيَ رسول اللهِ -ﷺ- يَمِينَهُ، والله لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، ارْجِعُوا بِنَا إلى رسول اللهِ -ﷺ-، فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ، فَرَجَعْنَا، فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، فَظَنَنَّا، أو فَعَرَفْنَا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، قال: «انْطَلِقُوا، فإِنَّمَا حَمَلَكُمُ الله، إني والله -إن شَاءَ الله- لَا أَحْلِفُ على يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها، إلا أَتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا». انتهى . وأما رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب، فساقها الحميديّ ﵀ في «مسنده»، فقال: (٧٦٦) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن زهدم، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: أتينا رسول الله -ﷺ- نستحمله، فأُتي بذَوْدٍ غُرّ الذُّرَى، فقلنا: يا رسول الله احملنا، فحلف أن لا يحملنا، ثم أتي بذود أخرى، فقلنا: يا رسول الله احملثا، فحملنا، فلما أدبرنا قلنا: ماذا صنعنا؟ تغفلنا رسول الله يمينه، فأتينا رسول الله -ﷺ-، فذَكَرْنا ذلك له، فقال رسول الله -ﷺ-: «إني لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكَفَّرت عن يميني». انتهى . وأما رواية وُهيب بن خالد، عن أيوب، فساقها البيهقيّ في «الكبرى»، فقال: (١٩٧٣٣) - وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا محمد بن العباس المؤذب، ثنا عفان، ثنا وُهيب، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، وعن القاسم التميميّ، عن زهدم الجرميّ، قال: كان بيننا وبين الأشعريين إخاء، قال: فكنا عند أبي موسى، فقَرَّب إلينا طعامًا فيه لحم دجاج، وفي القوم رجل أحمر شبيه بالموالي، من تيم الله، فقال أبو موسى: ادْنُ فكل-يعني- فقال: إني رأيته يأكل نتنًا، فحلفت أن لا أطعمه أبدًا، فقال: إني رأيت رسول الله -ﷺ- يأكل منه، ثم حَدّث أنه أتى رسول الله -ﷺ- في نفر من الأشعريين يستحمله، فأتاه وهو يَقسِم ذَوْدًا من إبل الصدقة، فقلت: يا رسول الله احملنا، وهو غضبان، فقال: «والله لا أحملكم، ولا أجد ما أحملكم عليه»، ثم أتي بنَهْبِ ذَوْدٍ غُرّ الذُّرَى، فأعطانا رسول الله -ﷺ- خمس ذود غُرّ الذرى، فقلت: تغفلنا رسول الله -ﷺ- لا نفلح أبدًا، فأتيناه، فقلنا: يا رسول الله كنتَ حلفتَ أن لا تحملنا، فقال: «إني لست أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللت عن يميني». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل الى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٦٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ -يَعْنِي: ابْنَ حَزْنٍ- حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا زَهْدَمٌ الْجَرْمِيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: «إِنِّي وَاللهِ مَا نَسِيتُهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (الصَّعْقُ بْنُ حَزْنِ) بن قيس البكريّ، ثم العيشيّ، أبو عبد الله البصريّ، صدوقٌ يَهِمُ، وكان زاهدًا [٧]. رَوَى عن الحسن البصريّ، ومطر الورّاق، وقتادة، وأبي جمرة الضُّبَعيّ، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، ويونس بن محمد، وأبو أسامة، ويزيد بن هارون، وعارم، وموسى بن إسماعيل، وشيان بن فَرُّوخ، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال الدّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ، وقال أبو حاتم: ما به بأسٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: قُرّة فوقه، وقال محمد بن الحسين بن أبي الجنيّ: حدّثنا عارم، عن الصعق، وكانوا يرونه من الأبدال، وقال موسى بن إسماعيل: ثنا الصعق، وكان صدوقًا، وقال يعقوب بن سفيان: صالح الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في «الثقات» . أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث متابعةً. ٣ - (مَطَرٌ الْوَرَّاقُ) ابن طَهْمان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] (ت ١٢٥) وقيل غير ذلك (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير مطر الورّاق. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) كان الظاهر أن يقول: بنحو حديثهما بضمير التثنية؛ لأنه يرجع إلى أبي قلابة، والقاسم بن عاصم التميميّ، إلا أن يكون على قول من يقول: إن أقل الجمع اثنان. ويَحْتَمل أن يكون فاعل «وساق» ضمير شيبان بن فرّوخ شيخه، وضمير «حديثهم» لشيوخه المذكورين في السند الماضي. [تنبيه]: إسناد هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ، فقال: الصعق، ومطرٌ ليسا بالقويين، ومع ذلك فمطرٌ لم يسمعه من زهدم، وإنما رواه عن القاسم بن عاصم عنه، قال ذلك ثابت بن حمّاد، عن مطر. انتهى. قال النوويّ بعد ذكر كلام الدارقطنيّ المذكور ما نصّه: وهذا الاستدلال فاسد؛ لأن مسلمًا لم يذكره متأصلًا، وإنما ذكره متابعةً للطرق الصحيحة السابقة، وقد سبق أن المتابعات يُحْتَمَل فيها الضعف؛ لأن الاعتماد على ما قبلها، وقد سبق ذكر مسلم لهذه المسألة في أول خطبة كتابه، وشرحناه هناك، وأنه يذكر بعض الأحاديث الضعيفة متابعةً للصحيحة، وأما قوله: إنهما ليسا قويين، فقد خالفه الأكثرون، فقال يحيى بن معين، وأبو زرعة في الصعق: هو ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ما به بأس، وقال هؤلاء الثلاثة في مطر الوراق: هو صالح، وإنما ضعفوا روايته عن عطاء خاصةً. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال الحافظ الرشيد العطّار ﵀ في «غرر الفوائد»: أخرج مسلم في «كتاب الأيمان»: حديث الصَّعْق بن حَزْن، عن مطر الورّاق، عن زهدم الجرميّ، قال: دخلت على أبي موسى الأشعريّ، وهو يأكل لحم دجاج .. الحديث. قال: وهذا الحديث أيضًا قد انتقده الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ، وعاب على مسلم إخراجه من هذا الوجه، وقال: الصعق ومطر ليسا بالقويين، ومع هذا لم يسمعه مطر من زهدم، إنما رواه عن القاسم بن عاصم، عنه، قال ذلك ثابت بن حماد، عن مطر. قال العطّار: وهذا الحديث أيضًا قد أخرجه مسلم في «صحيحه» من طرق صحاح متصلة، عن زهدم، عن أبي موسى، وطريق مطر التي انتقدها الدارقطنيّ إنما أوردها مسلم في الشواهد لا في الأصول. وإذا كان الحديث متصلًا من وجه صحيح، ثم روي من وجه آخر دونه في الصحة، وفي اتصاله نظر، فلا يؤثر ذلك في ثبوته واتصاله من الوجه الآخر. على أن مطرًا قد قال فيه: حدّثنا زهدم، وليس هو ممن يُتَّهَم بالكذب، لكنه سيئ الحفظ عندهم، وقد سئل عنه يحيى بن معين، فقال: صالح، وكذلك قال أبو حاتم الرازي. ويَحْتَمِل أن يكون مطر قد سمعه من القاسم بن عاصم، عن زهدم، كما ذكر الدارقطنيّ، ثم لقي زهدمًا، فسمعه منه، فحدّث به تارةً هكذا، وتارةً هكذا، والله أعلم بالصواب. انتهى كلام الرشيد العطّار ﵀ ، وهو تحقيق نفيسٌ. [تنبيه آخر]: رواية مطر الورّاق، عن زهدم الْجَرْميّ هذه ساقها الطبرانيّ ﵀ في «المعجم الصغير»، فقال: (١٥٠) - حدّثنا أحمد بن إسماعيل الوساوسيّ البصريّ، حدّثنا شيبان بن فَرُّوخ، حدّثنا الصَّعْق بن حَزْن العيشيّ، حدّثنا مَطَرٌ الورّاق، حدّثنا زَهْدم الْجَرْميّ، قال: دخلت على أبي موسى الأشعريّ، وهو يأكل لحم دجاج، فقال: هَلُمّ، فكُلْ، فقلت: إني حلفت لا آكل لحم الدجاج، فقال أبو موسى: كُلْ، فإني رأيت رسول الله -ﷺ- يأكل منه، وسأنبئك عن يمينك، أتيت رسول الله -ﷺ- أنا وأصحابي -وأصحاب لي- نستحمله، فحلف أن لا يحملنا، وما عنده حُمْلان، فوالله ما بَرِحْنا، حتى أتته قلائصُ، غُرّ الذُّرَى، فأمر لنا بحُمْلان، فلما خرجنا ذَكَرْنا يمين رسول الله -ﷺ-، فرجعنا إليه، فقال: «ما رَدَّكم؟»، قلنا: ذَكَرْنا يمينك يا رسول الله، وخشينا أن تكون نسيتها، فقال -ﷺ-: «إني والله ما نسيتها، ولكن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه». وقال: «لم يروه عن مطر إلا الصعق». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٦١] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ ضُرَيْبِ بْنِ نُقَيْر الْقَيْسِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ، قَالَ: أتيْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَسْتَحْمِلهُ، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، وَاللهِ مَا أَحْمِلُكُمْ»، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِثَلَاَثَةِ ذَوْدٍ بُقْعِ الذرَى، فَقُلْنَا: إِنَّا أتيْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، فَأَتيْنَاهُ، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلا أتيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) ابن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (ضُرَيْبُ بْنُ نُقَيْرٍ الْقَيْسِيُّ) بتصغير الاسمين ، أبو السليل الْجُريريّ، ثقةٌ [٦] (م ٤) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٤٥/ ١٨٨٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِثَلاثَةِ ذَوْدٍ) تقدّم الجمع بينه وبين رواية «خمس ذود» بأنّ ذِكْر الأقلّ لا ينافي الأكثر، فلا تغفل. وقوله: (بُقْعِ الذُّرَى) «البُقْع» -بضمّ الموحّدة، وسكون القاف، آخره عين مهملة-: جمع أبقع، والمراد بها البِيض، وأصلها ما كان فيه بياض وسواد، ومعناه هنا: أَمَر لنا بإبل بِيض الأسنمة، قاله النوويّ ﵀ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في شرح حديث أول الباب، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٦٢] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى التَّيْمِيّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ، عَنْ زَهْدَمٍ، يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مُشَاةً، فَأَتَيْنَا نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- نَسْتَحْمِلُه، بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى التَّيْمِيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٣. وقوله: (التَّيْمِيّ) هكذا معظم النسخ، ووقع في النسخة الهنديّة: «التميمي»، بميمين، ولم أر في «التهذيبين» لا هذا، ولا هذا، وإنما ذكر فيهما: «القيسيّ»، فقط، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. والباقون ذُكروا قبله، و«أبو السَّليل» -بفتح السين المهملة، وكسر اللام- هو ضُريب بن نُقير المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه هذه ساقها ابن حبّان في «صحيحه»، فقال: (٤٣٥٤) - أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، قال: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدّثنا أبو السَّلِيل، عن زهدم، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: كنا مُشَاةً، فأتينا نبي الله -ﷺ- نستحمله، فقال: «والله لا أحملكم اليوم -أو قال: - والله لا أحملكم»، قال: فلما رجعنا إلى المنزل- أو قال: حين رجعنا إلى المنزل- أتاه قطيع من إبل، فإذا قد بعث إلينا بثلاثٍ بُقْعِ الذُّرَى، قال بعضنا لبعض: أنركب، وقد حلف رسول الله -ﷺ-؟! فأتيناه، فقلنا: يا نبي الله إنك قد حلفت، قال: «إني والله ما أحملكم، إنما حملكم الله، وما على الأرض من يمين أحلف عليها، ثم أرى
مصادر المؤلف (٥٨)

١. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٦٤.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.

٣. «الفتح» ١٥/ ٤٠٧.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٢.

٥. «شرح ابن بطال على البخاري» ٦/ ١٨٥.

٦. «الفتح»١٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥، كتاب«كفّارات الأيمان»رقم (٢٧١٨).

٧. قال في«الفتح»٩/ ٥٥٨: لم يتعيّن لي من هو سعد إلى الآن، إلا أنه يهجس في خاطري أنه سعد بن عبادة. انتهى.

٨. «الفتح»١٥/ ٤٠٨.

٩. «شرح النوويّ» ١١/ ١٠٩.

١٠. راجع: «الفتح» ١٥/ ٣٩٥ رقم (٦٧١٨).

١١. «شرح النوويّ» ١١/ ١٠٩.

١٢. «المفهم» ٤/ ٦٢٨.

١٣. راجع:«الفتح»١٥/ ٤١١.

١٤. راجع:«شرح النوويّ»١١/ ١١٠.

١٥. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٤٣٩ للطيبيّ ﵀، و«الفتح» ١٥/ ٤٠٩ - ٤١٠، رقم (٦٧٢١).

١٦. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٧/ ٩ - ١٠.

١٧. «المفهم» ٤/ ٦٢٩.

١٨. «شرح النوويّ» ١١/ ١٠٨ - ١٠٩.

١٩. راجع: «الفتح» ١٥/ ٤١٠.

٢٠. وفي بعض النسخ: «فلم يلبث».

٢١. وفي نسخة: «فقالوا: لا والله».

٢٢. «تاج العروس من جواهر القاموس»٧/ ٢٨٨.

٢٣. «النهاية في غريب الحديث والأثر»١/ ٤٤٣.

٢٤. «الفتح» ٨/ ١١٢.

٢٥. «المفهم» ٤/ ٦٣٠ - ٦٣١.

٢٦. «الفتح» ٩/ ٥٥٧ - ٥٥٨.

٢٧. قال في «التقريب»: مقبول، وعندي أنه ثقةٌ؛ لأنه روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان، ووثقه ابن حبّان، فليُتنبّه.

٢٨. راجع: «الفتح» ١٢/ ٤٩٤، كتاب «الذبائح والصيد» رقم (٥٥١٧ و٥٥١٨).

٢٩. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢٧٣.

٣٠. «الفتح» ١٢/ ٤٩٥.

٣١. «الفتح» ١٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤، رقم (٥٥١٧ و٥٥١٨).

٣٢. «الفتح» ١٥/ ٤٠٦ رقم (٦٧٢١ و٦٧٢٢).

٣٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.

٣٤. «القاموس المحيط» ص ١١٨٥.

٣٥. «الفتح» ١٥/ ٤٠٦.

٣٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٤.

٣٧. «الفتح» ١٢/ ٤٩٧، كتاب «الذبائح والصيد» رقم (٥٥١٧).

٣٨. «شرح النوويّ» ١١/ ١١٢.

٣٩. «الفتح» ٤٠٨، كتاب «الأيمان والنذور» رقم (٦٧٢١).

٤٠. «الفتح»١٢/ ٤٩٧ رقم (٥٥١٧ و٥٥١٨).

٤١. «شرح النوويّ»١١/ ١١٢.

٤٢. «الفتح» ١٥/ ٤١٠ - ٤١١ رقم (٦٧٢١).

٤٣. «الفتح» ١٥/ ٤١١، كتاب «الأيمان والنذور» رقم (٦٧٢١ و٦٧٢٢).

٤٤. «الفتح» ١٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨ رقم (٥٥١٧ و٥٥١٨).

٤٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٣.

٤٦. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٤٥٠.

٤٧. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٤٧١.

٤٨. «مسند الحميديّ» ٢/ ٣٣٨.

٤٩. «سنن البيهقي الكبرى» ١٠/ ٥٠.

٥٠. وفي نسخة: «لحم الدجاج».

٥١. «الصعق» بفتح الصاد المهملة، وكسر العين المهملة، وإسكانها، والكسر أشهر، قاله النوويّ في «شرحه» ١١/ ١١٢ - ١١٣.

٥٢. بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي.

٥٣. «تهذيب التهذيب» ٤/ ٣٧٢.

٥٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١١٣.

٥٥. «غرر الفوائد المجموعة» (ص ٣٣).

٥٦. «المعجم الصغير» (الروض الداني) ١/ ١٠٦، وأخرجه أيضًا البيهقيّ في «السنن الكبرى» ١٠/ ٣١.

٥٧. قال النوويّ ﵀: أما «ضُرَيب»، فبضاد معجمة مصغّر، و«نُقَير» بضمّ النون، وفتح القاف، وآخره راء، هذا هو المشهور المعروف عن أكثر الرواة في كتب الأسماء، ورواه بعضهم بالفاء، وقيل: نُفَيل بالفاء، وآخره لام. انتهى. «شرح النوويّ» ١١/ ١١٣.

٥٨. «شرح النوويّ» ١١/ ١٠٩.