HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٥٧

حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ. قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَقَدْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا. قَالَ: فَأَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ عُودًا أَوْ شَيْئًا. فَقَالَ: مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مَا يَسْوَى هَذَا. إِلَّا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضربه فكفارته أن يعتقه).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص90
ج ٣ ص ١٢٧٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر رجب الحرام ١٤/ ٧/ ١٤٣٠ هـ أول الجزء التاسع والعشرين من شرح «صحيح الإمام مسلم، المسمّى، البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى. (٨) - (بَابُ صُحْبَةِ الْمَمَالِيكِ، وَكَفَّارَةِ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ) قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ أن يقدّم هذه الأحاديث إلى«كتاب العتق»، كما فعل القرطبيّ في«مختصره»؛ لِمَا لا يخفى من المناسبة، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٩٠] (١٦٥٧) - (حَدَّثَنِي أبو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أبِي صَالِحٍ، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: أَتيْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَقَدْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا، قَالَ: فَأَخَذَ مِنَ الأَرْضِ عُودًا، أوْ شَيْئًا، فَقَالَ: مَا فِيهِ مِنَ الأَجْرِ مَا يَسْوَى هَذَا، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٣ - (فِرَاسُ) -بكسر أوله، وبمهملة- ابن يحيى الْهَمْدانيّ الخارفيّ -بمعجمة، وفاء- أبو يحيى الكوفيّ المكتب، ثقة ، ربّما وَهِمَ [٦]. رَوَى عن الشعبيّ، وعطية العوفيّ، وأبي صالح السمان، وفُديك بن عُمارة. وروى عنه منصور بن المعتمر، وهو من أقرانه، وزكرياء بن أبي زائدة، وشعبة، وشيبان، وسفيان الثوريّ، والحسن بن عمارة، وأبو عوانة، وشريك، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ ما بحديثه بأس، وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ما بلغني عنه شيء، وما أنكرت من حديثه إلا حديث الاستبراء، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، من أصحاب الشعبيّ، في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال ابن عمار: ثقة، وقال عثمان -يعني: ابن أبي شيبة-: صدوقٌ، قيل له: ثبت؟ قال: لا، وقال يعقوب بن شيبة: كان مكتبًا، وفي حديثه لين، وهو ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وكان متقنًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، فقط، هذا الحديث برقم (١٦٥٧) وأعاده بعده، وحديث (١٩٦١): «من صلى صلاتنا، ووجّه قبلتنا …» الحديث، و(٢٤٥٠): «يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين، أو سيّدة نساء هذه الأمة …» الحديث، وأعاده بعده. ٤ - (ذَكْوَانُ أَبُو صَالِحٍ) السفان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (زَاذَانُ أَبُو عُمَرَ) الْكِنْديّ مولاهم البزّاز الكوفيّ الضرير، ويكنى أيضًا أبا عبد الله، صدوقٌ يُرسل، وفيه شيعيّة [٢]. يقال: إنه شَهِد خطبة عمر بالجابية، ورَوَى عنه، وعن عليّ، وابن مسعود، وسلمان، وحذيفة، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وجرير، والبراء بن عازب، وعابس، ويقال: عبس الغفاريّ. وروى عنه أبو صالح السمان، والمنهال بن عمرو، وأبو اليقظان عثمان بن عمير، وهلال بن يساف، وأبو هاشم الرُّمّانيّ، وعمرو بن مرة، وعطاء بن السائب، وغيرهم. قال شعبة: قلت للحكم: ما لك لم تحمل عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام، وقال شعبة عن سلمة بن كُهيل: أبو البختري أحب إليّ منه، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقةٌ لا يُسأل عن مثله، وقال ابن عديّ: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة، قلت: وقال ابن حبان في «الثقات»: كان يخطئ كثيرًا مات بعد الجماجم، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال محمد بن الحسين البغداديّ: قلت: لابن معين: ما تقول في زاذان، رَوَى عن سلمان؟ قال: نعم، روى عن سلمان وغيره، وهو ثبت في سلمان، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن عديّ: رَوَى عن ابن مسعود، وتاب على يديه، وكناه الأكثرون أبا عمر، وكذا وقع في كثير من الأسانيد، وقال الخطيب: كان ثقةَ، وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقةٌ. وقال خليفة: مات سنة (٨٢). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٦٥٧) وأعاده بعده، وحديث (١٩٩٧): «نَهَى رسول الله -ﷺ- عن الحنتم، وهي الجرّة …» الحديث. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله -﵄-، تقدم في الباب السابق. شرح الحديث: (عَنْ زَاذَانَ) بزاي، وبعد الألف ذال معجمة، وقوله: (أَبِي عُمَرَ) بدل، أو عطف بيان لما قبله (قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ) -﵄- (وَقَدْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، والمملوك هذا لا يُعرف اسمه . (قَالَ) زاذان (فَأَخَذَ) ابن عمر (مِنَ الأَرْضِ عُودًا) بضمّ العين المهملة؛ أي: خشبًا، قال الفيّوميّ ﵀: عُودُ الخشب: جمعه أعواد، وعِيدانٌ، والأصل عِوْدان، لكن قُلبت الواو ياءً؛ لمجانسة الكسرة قبلها. انتهى . (أَوْ شَيْئًا) «أو» للشكّ من الراوي (فَقَالَ: مَا فِيهِ) «ما» نافية؛ أي: ليس في عتق هذا المملوك، وقوله: (مِنَ الأَجْرِ) بيان مقدّم لـ «ما» في قوله: (مَا) موصولة، وقوله: (يَسْوَى هَذَا)؛ يعني: أنه ليس لي في هذا الإعتاق أجرٌ يساوي هذا العود؛ لأني لم أُعتقه إلا كفّارةً لضربي إياه، فكأنه ظن أن أجر الكفّارة كفاف ضربه، فلم يبق له شيء. وقوله: «يَسْوَى» بوزن «يَخْشَى»، قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في معظم النسخ: «ما يَسْوَى»، وفي بعضها: «ما يُساوِي» بالألف، وهذه هي اللغة الصحيحة المعروفة، والأولى عدَّها أهل اللغة في لحن العوامّ، وأجاب بعض العلماء عن هذه اللفظة بأنها تغيير من بعض الرواة، لا أن ابن عمر -﵄- نَطَق بها، ومعنى كلام ابن عمر -﵄-: أنه ليس في إعتاقه أجر المعتَق تبرعًا، وإنما أعتقه كفارةَ لضربه، وقيل: هو استثناء منقطع، وقيل: بل هو متصل، ومعناه: ما أعتقته إلا لأني سمعت كذا. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: سَاوَاهُ مُسَاوَاةً: ماثله، وعادله قدرًا، أو قيمةً، ومنه قولهم: هذا يساوي درهمًا؛ أي: تعادل قيمته درهمًا، وفي لغة قليلة: سَوِيَ درهمًا يَسْوَاهُ، من باب تَعِبَ، ومنعها أبو زيد، فقال: يقال: يُسَاوِيهِ، ولا يقال: يَسْوَاهُ، قال الأزهريّ: وقولهم: لا يَسْوَى ليس عربيًّا صحيحًا. انتهى . قال القرطبيّ ﵀: كان ضربُ ابن عمر -﵄- لعبده أدبًا على جناية، غير أنه أفرط في أدبه بحسب الغضب البشريّ، حتى جاوز مقدار الأدب، ولذلك أثَّر الضرب في ظهره، وعندما تحقق ذلك رأى أنه لا يخرجه مما وقع فيه إلا عِتقه، فأعتقه بنيّة الكفارة، ثم فَهِمَ أن الكفارة غايتها إذا قُبلت أن تكفر إثم الجناية، فيخرج الجاني رأسًا برأس، لا أجر، ولا وزر، ولذلك قال ابن عمر -﵄-: «ما لي فيه من الأجر شيء». انتهى . (إِلَّا إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) أكثر النسخ على أن «إلا» حرف استثناء، وقيل: إنه «أَلَا» حرف تحضيض، ومعنى الثاني ظاهر، ومعنى الأول، وهو الأرجح روايةً: أنه ليس لي من الأجر شيء إلا أجر الكفارة، وهو كفاف لضربي، وقيل: معناه: لا أُعتقه لوجه من الوجوه إلا أني سمعت رسول الله -ﷺ- … إلخ، وقيل: إنه استثناء منقطع؛ أي: لكني سمعت رسول الله -ﷺ-، والأول أرجح . (يَقُولُ: (مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ)؛ أي: ضربه بباطن كفّه، يقال: لَطَمت المرأة وجهها لَطْمًا، من باب ضَرَبَ: ضربته بباطن كفها، واللطمة بالفتح: المرّة . (أَوْ ضَرَبَهُ) الظاهر أن «أو» للشك من الراوي، وَيحْتَمِل أن تكون للتنويع؛ إذ اللطم خاصّ بالوجه، أي: أو حصل منه ضرب لسائر بدنه (فَكَفَّارَتُهُ)؛ أي: الذي يكفر هذا الذنب؛ أي: يستره عن أعين الملائكة حتى لا يكتبوه، أو يمحوه من صحيفته (أَنْ يُعْتِقَهُ») بضمّ أوله، من الإعتاق رباعيًّا»؛ أي: يُحرّره، ويفك رقبته من أسر العبوديّة. قال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا الحديث والأحاديث المذكورة بعده: أن من لطم عبده، أو تعدَّى في ضربه وجب عليه عتقه لأجل ذلك، ولا أعلم من قال بذلك غير أن أصول أهل الظاهر تقتضي ذلك. وإنما اختلف العلماء فيمن مَثَّل بعبده مُثلة ظاهرة، مثل قطع يده، أو فقء عينه، فقال مالك، والليث: يجب عليه عتقه، وهل يعتق بالحكم، أو بنفس وقوع المثلة؟ قولان لمالك. وذهب الجمهور: إلى أن ذلك لا يجب. وسبب الخلاف اختلافهم في تصحيح ما روي من ذلك من قوله: «مَن مَثَّلَ بعبده عَتَق عليه». قال: ومحمل الحديث الأول عند العلماء على التغليظ على من لطم عبده، أو تعدَّى في ضربه لينزجر السَّادة عن ذلك، فمن وقع منه ذلك أثم، وأُمر بأن يرفع يده عن ملكه عقوبة، كما رفع يده عليه ظلمًا، أو محمله عندهم على الندب، وهو الصحيح؛ بدليل قول النبيّ -ﷺ- لبني مقرِّن حين أمرهم بعتق الملطومة، فقالوا: ليس لنا خادم غيرها، فقال: «فليستخدِمُوها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها»، فلو وجب العتق بنفس اللطم لَحَرُم الاستخدام؛ لأنها كانت تكون حرَّة، واستخدام الحر بغير رضاه حرام، فمقصود هذه الأحاديث -والله أعلم-: أن من تعدَّى على عبده أثم، فإن أعتقه يكفّر أجر عتقه إثم تعدّيه، وصارت الجناية كأن لم تكن، ومع ذلك: فلا يُقضى عليه بذلك؛ إذ ليس بواجب، على ما تقدَّم. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٨/ ٤٢٩٠ و٤٢٩١ و٤٢٩٢] (١٦٥٧)، و(أبو داود) في «سننه» (٤/ ٣٤٢)، و(عبد الرزاق) في «مصنفه» (٩/ ٤٤٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥ و٤٥ و٦١)، و(البخاريُّ) في «الأدب المفرد» (١٧٧ و١٨٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٦٨)، و(الطبرانيّ) في «المعجم الأوسط» (٥/ ٣٠) و«الكبير» (١٢/ ٣٤٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢١٤)، و(البيهقىّ) في «الكبرى» (٨/ ١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم لطم المملوك، أو ضربه. ٢ - (ومنها): أن لطمه إثم تترتّب عليه الكفّارة، وهي أن يُعتقه. ٣ - (ومنها): أنه يدل على أنه يجوز للسيد أن يضرب عبده للتأديب، ولكن يكون ضربًا خفيفًا، غير مبرّح، بل لا يجاوز به عشرة أسواط. ومما يدلّ على الجواز حديث: «إذا ضرب أحدكم خادمه، فليتّق الوجه»، متّفق عليه، فإنه يفيد إباحة ضربه في غيره، ومن ذلك أيضًا الإذن لسيّد الأمَة أن يحدّها. ٤ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: قال العلماء: في هذا الحديث الرفق بالمماليك، وحسن صحبتهم، وكفّ الأذى عنهم، وكذلك في الأحاديث بعده، وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجبًا، وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه فيه، وإزالة إثم ظلمه، ومما استدلوا به لعدم وجوب إعتاقه حديث سُويد بن مُقَرِّن بعده أن النبيّ -ﷺ- أمرهم حين لطم أحدهم خادمهم بعتقها، قالوا: ليس لنا خادم غيرها، قال: «فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها»، قال القاضي عياض: وأجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد لشيء مما يفعله به مولاه، مثل هذا الأمر الخفيف، قال: واختلفوا فيما كَثُر من ذلك، وشَنُع من ضَرْب مُبَرِّح مُنْهِك لغير موجِب لذلك، أو حَرَّقه بنار، أو قَطَع عضوًا له، أو أفسده، أو نحو ذلك، مما فيه مُثلة، فذهب مالك، وأصحابه، والليث إلى عتق العبد على سيده بذلك، ويكون ولاؤه له، ويعاقبه السلطان على فعله، وقال سائر العلماء: لا يَعتِق عليه، واختَلَف أصحاب مالك فيما لو حلق رأس الأمة، أو لحية العبد، واحتَجَّ مالك بحديث ابن عمرو بن العاص في الذي جَبَّ عبده، فأعتقه النبيّ -ﷺ-. انتهى . وقال الشوكانيّ ﵀ بعد ذكر الأحاديث المذكورة: وقد دلّت الأدلة على أنه يجوز للسيد أن يضرب عبده للتأديب، ولكن لا يجاوز به عشرة أسواط، ومن ذلك حديث: «إذا ضرب أحدكم خادمه، فليجتنب الوجه»، متّفق عليه، فأفاد أنه يباح ضربه في غيره، ومن ذلك الإذن لسيد الأمة يحدّها، فلا بُدّ من تقييد مطلق الضرب الوارد في حديث ابن عمر -﵄- هذا بما ورد من الضرب المأذون به، فيكون موجب العتق للعتق هو ما عداه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: إن صخ الإجماع المدّعَى فذاك، وإلا فظواهر الأحاديث تدل على وجوب العتق؛ أي: فيما عدا الضرب المباح، وأما حديث سُويد بن مقرّن -﵁-، فلا ينافي الوجوب، فقد أمرهم -ﷺ- بعتقها، فلما شَكَوا إليه أنهم ليس خادم غيرها استثنى لهم خدمتها، فإذا استغنوا عنها خلّوا سبيلها، فوجوب العتق ظاهر فيه أيضًا، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٩١] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فِرَاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ زَاذَانَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلَام لَهُ، فَرَأَى بِظَهْرِهِ أثَرًا، فَقَالَ لَهُ: أَوْجَعْتُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَنْتَ عَتِيقٌ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ، فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِنَ الأَجْرِ مَا يَزِنُ هَدَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ، حَدًّا لم يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (بِظَهْرِهِ أثَرًا)؛ أي: علامة ضرب. وقوله: (عَتِيقٌ) فَعِيل بمعنى مفعول؛ أي: مُعتَق. وقوله: (حَدًّا لم يَأْتِهِ) إتيان الحدّ كناية عن ارتكاب ما يوجبه، فالمراد أن السيّد إذا أقام على عبده حدًّا لم يرتكبه، فكفّارته إعتاقه. [استطراد]: قال نافع: «كان عبد الله بن عمر -﵄- إذا اشتدّ عَجَبُه بشيء من ماله تقرّب به إلى الله تعالى، وكان عبيده قد عرفوا منه ذلك، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه، فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له». كذا في «تهذيب الأسماء واللغات» للنوويّ ﵀ . والحديث هذا من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فِرَاسٍ، بِإِسْنَادِ شُعْبَةَ، وَأَبِي عَوَانَةَ، أمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَهْدِيٍّ فَدَكَرَ فِيهِ: «حَدًّا لم يَأْتِهِ»، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ»، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَدَّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه عابد إمام حجة، وربّما دلّس، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) وله (٦٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية وكيع، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده»، فقال: (٦٠٥١) - حدّثنا ابن أبي رجاء، قثنا وكيعٌ، قثنا سفيان، عن فِرَاس، عن أبي صالح، عن زاذان، أن ابن عمر أعتق غلامًا له، فقال: ما لي من الأجر في عتقه مثل هذا، وتناول شيئًا من الأرض، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من لطم غلامه، فكفارته عتقه». انتهى . وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ هذه، فساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٥٢٦٧) - حدّثنا عبد اللهِ، ثنا أبي، ثنا عبد الرحمن، عن سُفْيَانَ، عن فِرَاسٍ، أخبرني أبو صَالِحٍ، عن زَاذَانَ، قال: كنت عِنْدَ ابن عُمَرَ، فَدَعَا غُلَامًا له، فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ قال: مالي فيه من أَجْرٍ ما يَسْوَى هذا، أو يَزِنُ هذا، سمعت رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يقول: «من ضَرَبَ عَبْدًا له حَدًّا لم يَأْتِهِ، أو ظَلَمَهُ، أو لَطَمَهُ، شَكَّ عبد الرحمن، فإن كَفَّارَتَهُ أنْ يُعْتِقَهُ». انتهى ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٤)

١. هذا أولى من قول «التقريب»: صدوق، كما يظهر من كلام الأئمة فيه، فتنبّه.

٢. راجع: «تنبيه المعلم» ص ٢٨١.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٣٦.

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٢٨.

٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٨.

٦. «المفهم» ٤/ ٣٤٧.

٧. راجع: «شرح الأبيّ» ٤/ ٣٨٣، و«تكملة فتح الملهم» ٢/ ٢٢٤.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٣.

٩. «المفهم» ٤/ ٣٤٧ - ٣٤٩.

١٠. «شرح النوويّ» ١١/ ١٢٧.

١١. «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار» ٦/ ٢٩٢.

١٢. «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠، وراجع: «تكملة فتح الملهم» ٢/ ٢٢٥.

١٣. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٦٧.

١٤. «مسند أحمد بن حنبل» ٢/ ٦١.