HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٧٢

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابن المثنى) قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا. فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ. قَالَ: فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَبِهَا رَمَقٌ. فَقَالَ لَهَا (أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟) فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا؛ أَنْ لَا. ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَةَ. فأرشارت بِرَأْسِهَا؛ أَنْ لَا. ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ. فَقَالَتْ: نَعَمْ. وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا. فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بين حجرين.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص103
ج ٣ ص ١٢٩٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص١٩٣
في «المجتبى» في «كتاب المحاربة» (٧/ ١٠٠) و«الكبرى» (٢/ ٢٩٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٨٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ١١٧)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ١٩٩) و«الكبير» (١٢/ ٣٢٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحَدَّدَاتِ، وَالْمُثَقَّلَاتِ، وَقَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٣] (١٦٧٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَن يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً، عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ - قَالَ - فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ لَهَا: «أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟»، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ حَجَرَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٥] (ع) تقدم في «الحيض» ٦/ ٧١٤. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالبصريين، وأن شيخيه ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وفيه رواية الراوي عن جده، فهشام حفيد أنس بن مالك - ﵁ -، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره مائة سنة، وهو الخادم الشهير، خدم النبيّ - ﷺ - عشر سنين، فنال بركته. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ) جدّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ يَهُودِيًّا) قال الحافظ - ﵀ -: لم أقف على اسمه (قَتَلَ جَارِيَةً) وفي رواية: «رَضّ رأس جارية»، الرَّضّ - بالضاد المعجمة - والرضخ بمعنى واحد، والجارية يَحْتَمِل أن تكون أمةً، ويَحْتَمِل أن تكون حرّةً، لكن دون البلوغ، وفي رواية: «خرجت جارية، عليها أوضاح بالمدينة، فرماها يهوديّ بحجر»، وفي رواية: «عَدَا يهوديّ على جارية، فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورَضَخ رأسها - وفيه -: فأتى أهلها رسول الله - ﷺ -، وهي في آخر رَمَقٍ»، وهذا لا يعيّن كونها حرّةً؛ لاحتمال أن يراد بأهلها مواليها، رقيقةً كانت، أو عتيقةً، قال الحافظ أيضًا: ولم أقف على اسمها، لكن في بعض طرقه أنها من الأنصار، ولا تنافي بين قوله: «رَضّ رأسها بين حجرين»، وبين قوله: «رماها بحجر»، وبين قوله: «رضخ رأسها»؛ لأنه يُجْمَع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر. وقوله: (عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا) «على» بمعنى الباء؛ أي: بسبب أوضاح، وهي بالضاد المعجمة، والحاء المهملة: جمع وَضَحٍ، قال أبو عبيد: هي حلي الفضة، ونقل عياض: أنها حليّ من حجارة، ولعله أراد حجارة الفضة؛ احترازًا من الفضة المضروبة، أو المنقوشة، قاله في «الفتح» . (فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ - قَالَ - فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَبِهَا رَمَقٌ) بفتحتين: بقيّة الحياة والروح (فَقَالَ) - ﷺ - (لَهَا)؛ أي: لتلك الجارية («أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟») وفي رواية: «فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان، أو فلان؟ حتى سَمّى اليهوديّ»، وفي رواية: «فلان، أو فلان» بحذف الهمزة، وفي رواية: «أفلان؟ أفلان؟» بالتكرار بغير واو عطف (فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا)؛ أي: بأنه لم يقتلها (ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَتْ)؛ أي: أشارت، كما في الرواية الأخرى (نَعَمْ) فقوله: (وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا) تأكيد لمعنى «قالت»، ووقع في رواية للبخاريّ بيان الإيماء المذكور، وأنه كان تارة دالًّا على النفي، وتارةً دالًّا على الإثبات، ولفظه: «فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فأعاد، فقال: فلان قتلك، فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك، فخفضت رأسها»، وهو مشعر بأن فلانًا الثاني غير الأول، وقد وقع التصريح بذلك في رواية أخرى: «فأتى بها أهلها رسولَ الله - ﷺ -، وهي في آخر رَمَق، وقد أُصمتت، فقال رسول الله - ﷺ -:«من قتلك فلان؟ لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا، قال: فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا، فقال: ففلان؟ لقاتلها، فأشارت أن نعم». (فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ حَجَرَيْنِ) وفي الرواية الآتية:«فأُخِذ اليهوديّ، فأقرّ، فأَمَر به رسول الله - ﷺ - أن يُرَضّ رأسه بالحجارة»، وفي رواية البخاريّ:«فأُتي به النبيّ - ﷺ -، فلم يزل به حتى أَقَرّ»، وفي رواية:«فجيء به يعترف، فلم يزل به حتى اعترف». قال أبو مسعود: لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث:«فاعتَرَف»، ولا«فأقرّ»إلا همام بن يحيى . وقوله: (فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ حَجَرَيْنِ) وفي رواية:«فَرَضّ رأسه بالحجارة»؛ أي: دَقّ، وفي رواية:«فَرَضَخ رأسه بين حجرين»، قال القاضي عياض: رَضْخُه بين حجرين، ورَمْيُه بالحجارة، ورَجْمه بها بمعنى، والجامع أنه رمي بحجر، أو أكثر، ورأسه على آخر. وقال ابن التين: أجاب بعض الحنفية بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على المماثلة في القصاص؛ لأن المرأة كانت حيّةً، والقَوَد لا يكون في حيّ. وتعقبه بأنه إنما أمر بقتله بعد موتها؛ لأن في الحديث:«أفلان قتلك؟ »، فدلّ على أنها ماتت حينئذ؛ لأنها كانت تجود بنفسها، فلما ماتت اقتُصّ منه. وادَّعَى ابن المرابط من المالكية أن هذا الحكم كان في أول الإسلام، وهو قبول قول القتيل، وأما ما جاء أنه اعترف فهو في رواية قتادة، ولم يقله غيره، وهذا مما عُدّ عليه. انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يخفى فساد هذه الدعوي، فقتادة حافظ، زيادته مقبولة؛ لأن غيره لم يتعرض لنفيها، فلم يتعارضا، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٤٣٥٣ و٤٣٥٤ و٤٣٥٥ و٤٣٥٦ و٤٣٥٧] (١٦٧٢)، و(البخاريّ) في «الخصومات» (٢٤١٣) و«الوصايا» (٢٧٤٦) و«الطلاق» (٥٢٩٥) و«الديات» (٦٨٧٦ و٦٨٧٧ و٦٨٧٩)، و(أبو داود) في «الديات» (٤٥٢٧ و٤٥٢٨ و٥٤٢٩ و٤٥٣٥)، و(الترمذيّ) في «الديات» (١٣٩٤)، و(النسائيّ) في «القسامة» (٨/ ٢٢) و«الكبرى» (٤/ ٢١٩)، و(ابن ماجه) في «الديات» (٢٦٦٥ و٢٦٦٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٠١٧١ و١٨٢٣٣ و١٨٥٢٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٩٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٩/ ٢٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٧١ و١٨٣ و٢٠٣ و٢٦٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٩٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٨٦٦ و٣١٤٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٨٣٧ و٨٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٩٠ و٩٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٩٩١ و٥٩٩٢ و٥٩٩٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٧٩)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ١٦٨ - ١٦٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٤٢) و«الصغرى» (٧/ ١١) و«المعرفة» (٦/ ٢٦٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٥٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحدّدات، والمثقّلات، ولا يختص بالمحدّدات، قال النوويّ - ﵀ -: وهذا مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة - ﵀ -: لا قصاص إلا في القتل بمحدّد من حديد، أو حجر، أو خشب، أو كان معروفًا بقتل الناس بالمنجنيق، أو بالإلقاء في النار، واختَلَفت الرواية عنه في مثقل الحديد، كالدبوس، أما إذا كانت الجناية شبه عمد، بأن قَتَل بما لا يُقصَد به القتل غالبًا، فتعمّد القتل به؛ كالعصا، والسوط، واللَّطمة، والقضيب، والبندقة، ونحوها، فقال مالك، والليث: يجب فيه القود، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم: لا قصاص فيه، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه مالك، والليث من وجوب القصاص في الأشياء المذكورة هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصوص في ذلك، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): مشروعيّة قتل الرجل بالمرأة، قال النوويّ: وهو إجماعُ مَن يُعْتَدّ به، وقال القرطبيّ: وهو قول الجمهور، خلافًا لمن شذّ، فقال: لا يُقتل بها، وهو عطاء، والحسن. وقد روي عن عليّ - ﵁ -، وأَمَّا القصاص بينهما في الأطراف، فهو أيضًا مذهب الجمهور، وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس، وأبو حنيفة، وحمّاد، وإن قالا به في النفس، والصحيح قول الجمهور في المسألتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخر الآية [المائدة: ٤٥]. ٣ - (ومنها): أن الجاني عمدًا يُقتَل قصاصًا على الصفة التي قَتل، فإن قَتَل بسيف قُتل هو بالسيف، وإن قَتل بحجر، أو خشب، أو نحوهما، قُتل بمثله؛ لأن اليهوديّ رَضَخها، فرُضِخ هو. ٤ - (ومنها): جواز سؤال الجريح مَن جَرَحك؟، وفائدة السؤال أن يُعْرَف المتهم؛ ليطالَب، فإن أقرّ ثبت عليه القتل، وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح، قال النوويّ: هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير، ومذهب مالك ثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وتعلقوا بهذا الحديث، قال: وهذا تعلّق باطل؛ لأن اليهوديّ اعتَرَف، كما صرح به مسلم في أحد رواياته التي ذكرناها، وإنما قُتل باعترافه، والله أعلم. انتهى . قال في «الفتح» بعد ذكر كلام النوويّ المذكور ما نصّه: ونازعه بعض المالكية، فقال: لم يقل مالك، ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته: فلان قتلني لَوْثٌ يوجب القسامة، فيُقسم اثنان فصاعدًا من عصبته بشرط الذكورية، وقد وافق بعض المالكية الجمهور. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قال المهلَّب: فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدلّ على أهل الجنايات، ثم يتلطف بهم حتى يقروا؛ ليؤخذوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاؤوا تائبين، فإنه يُعْرِض عمن لم يصرِّح بالجناية، فإنه يجب إقامة الحد عليه إذا أقرّ، وسياق القصة يقتضي أن اليهودي لم تقم عليه بينة، وإنما أُخذ بإقراره، وأنه تجب المطالبة بالدم بمجرد الشكوى، وبالإشارة، قال: وفيه دليل على جواز وصية غير البالغ، ودعواه بالدَّين والدم. وتعقّبه الحافظ، فقال: وفي هذا نظر؛ لأنه لم يتعيّن كون الجارية دون البلوغ. ٦ - (ومنها): ما قال المازريّ: فيه الرد على من أنكر القصاص بغير السيف، وقتل الرجل بالمرأة. ٧ - (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على التدمية؛ لأنها لو لم تُعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة، قال: ولا يصح اعتباره مجردًا؛ لأنه خلاف الإجماع، فلم يبق إلا أنه يفيد القسامة. واحتجّ من قال بالتدمية إن دعوى من وصل إلى تلك الحالة، وهي وقت إخلاصه، وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا، يدلُّ على أنه لا يقول إلا حقًّا، قالوا: وهي أقوى من قول الشافعية: إن الولي يُقسم إذا وَجَد قرب وليّه المقتول رجلًا معه سكين؛ لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين، ذكره في «الفتح» . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وفيه: ما يدلُّ على اعتبار التَّدمية على الجملة، وقد تقدَّم الكلام فيها، لكن الصحيح في هذا الحديث: أن اليهوديّ إنَّما قُتل بالمرأة بإقراره، لا بمجرد التَّدمية. والرواية التي يظهر منها: أنَّه قُتل بمجرد التَّدمية مردودة إلى الرواية التي ذكر فيها: أنه قُتل بإقراره لوجهين: أحدهما: أن القصَّة واحدة وإن اختلفت الرِّوايات، فيُحْمَل مُطْلَقُها على مقيِّدِها. والثاني: أن ظاهر تلك الرِّواية المطلقة مجمع على تركه؛ إذ لم يقل أحد من المسلمين: أن التَّدمية بمجردها يُقتَل بها، وإنَّما هي عند من قال بها لَوْثٌ يُقْسِم معها، ولم يُسمع قطّ في شيء من طرق هذا الحديث، ولا رواياته أن أولياء هذه الجارية أقسموا على اليهودي. انتهى . ٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على وجوب القصاص على الذميّ. وتُعُقّب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميًّا، فَيَحْتَمِل أن يكون معاهَدًا، أو مستأمَنًا، والله أعلم. ٩ - (ومنها): جواز ذِكْر من اتُّهِم، وعَرْضِهم على المقتول واحدًا، واحدًا بعينه واسمه، وإن لم تتم دلالة على لطخه أكثر من أنَّه يَحتَمِل ذلك احتمالًا قريبًا، ولا يكون ذلك عرضًا يستباح. ١٠ - (ومنها): قتل الكبير بالصَّغير؛ لأن الجارية اسم لمن لم يبلغ من النساء؛ كالغلام من الرجال، وهذا لا يُختلف فيه، قاله القرطبيّ - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صفة القصاص: قال العلّامة محمد ابن رُشد - ﵀ - في كتابه «بداية المجتهد»: اختلفوا في صفة القصاص في النفس، فمنهم من قال: يُقتصّ من القاتل على الصفة التي قَتَل، فمن قتل تغريقًا قُتل تغريقًا، ومن قتل بضرب بحجر قُتل بمثل ذلك، وبه قال مالكٌ، والشافعيّ، قالوا: إلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح. واختلف أصحاب مالك فيمن حرّق آخر، هل يُحرّق؟ مع موافقتهم لمالك في احتذائه صورة القتل، وكذلك فيمن قتل بالسهم. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: بأيّ وجه قتله لم يُقتل إلا بالسيف، وعمدتهم ما رَوى الحسن عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «لا قود إلا بحديدة». وعمدة الفريق الأول حديث أنس - ﵁ -: «أن يهوديًّا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبيّ - ﷺ - رأسه بحجر»، أو قال: «بين حجرين»، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، والقصاص يقتضي المماثلة. انتهى كلام ابن رُشد - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: اختُلف في أن من قَتَل بشيء قُتل به، فذهب الجمهور: إلى أنَّه يُقتل بمثل ما قَتَل من حجر، أو عصا، أو تغريق، أو خنق، أو غير ذلك ما لم يقتله بفسق كاللوطية، وإسقاء الخمر؛ فيُقتل بالسيف. وحجَّتهم هذا الحديث - يعني: قصّة اليهوديّ - وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. والقصاص أصله: المساواة في الفعل، ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار، وفي قتله بالعصا. فجمهورهم: على أنَّه يقتل بذلك. وقال ابن الماجشون وغيره: لا يحرَّق بالنار؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «لا يعذِّب بالنَّار إلا ربّ النار» ، وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: أنَّه إن كان في قتله بالعصا تطويل، وتعذيب قُتل بالسَّيف. وفي الأخرى: يُقتل بها وإن كان فيه ذلك، وهو قول الشافعيّ، وقال الشافعيّ فيمن حبس رجلًا أيَّامًا في بيت حتَّى مات جوعًا، أو عطشًا، أو قطع يديه ورجليه، ورمى به من جبل أنَّه يُفعل به مثل ذلك، فإن مات، وإلا قتل. وذهبت طائفة إلى خلاف ذلك كلِّه فقالوا: لا قود إلا بالسيف، وهو مذهب أبي حنيفة، والشعبيّ، والنخعيّ، واحتجوا على ذلك بما روي عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: «لا قود إلا بحديدة» ، وبالنهي عن المُثلة، والصحيح مذهب الجمهور؛ لِمَا تقدم، ولأن الحديث الذي هو: «لا قود إلا بحديدة» ضعيف عند المحدثين، لا يروى من طريق صحيح، ولأن النهي عن المُثلة نقول بموجبه إذا لم يمثِّل بالمقتول، فإذا مَثَّل به مثَّلنا به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، ولحديث العُرَنِيِّين على ما تقدم. وقد شذَّ بعضهم فقال فيمن قَتَل بخنق، أو بسمّ، أو تردية من جبل أو في بئر، أو بخشبة: أنه لا يُقتل، ولا يُقتص منه إلا إذا قتل بمحدَّد: حديد، أو حجر، أو خشب، أو كان معروفًا بالخنق والتردية، وهذا منه ردٌّ للكتاب، والسُّنّة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمَّة، وذريعةٌ إلى رفع القصاص الذي شرعه الله حياة للنفوس، فليس عنه مناصٌ. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح ما قاله الأولون، وهو أن يُقتصّ منه بمثل ما فعل بالمقتول. والحاصل أن الحقّ كون القصاص بمثل ما قَتل به القاتل، إذا أمكن؛ لحديث الباب المتّفق عليه، ولظاهر الآية الكريمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية، وأما الحديث الذي استدلّ به الفريق الثاني، وهو: «لا قود إلا بحديدة»، فإنه من مرسل الحسن البصريّ، وقد رُوي متصلًا من طرق لا تثبت، والصحيح أنه من مرسله، وهو ضعيف، وقد أجاد الشيخ الألباني - ﵀ - في تخريجه في كتابه «إرواء الغليل»، فراجعه تستفد ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا قَتَله بما لا يَقْتُل مِثْلُه غالبًا، كالعضَّة واللَّطمة، وضربة السَّوط، والقضيب، وشبه ذلك: فقال مالك، والليث: هو عمدٌ، وفيه القود، قال أبو عمر: وقال بقولهما جماعة من السلف من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار: إلى أن هذا كلُّه شبه عمد، إنما فيه الدِّية مغلظة. وهو قول الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقد ذُكر عن مالك، وقاله ابن وهب، وجماعة من الصحابة والتابعين. قال القرطبيّ: وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - إذ العمد: القصدُ إلى القتل، وهو أمر لا يُطَّلعُ عليه، فلا بُدَّ من دليل عليه، ولا بدَّ أن تكون تلك الدَّلالة واضحة رافعة للشَّك، ودلالة ما يقتل مثله غالبًا دلالة محقَّقة، صحيحة، وليس كذلك اللطمة، وضربة السوط، فلا دلالة فيها، والدِّماء أحقّ ما احتيط لها؛ إذ الأصل صيانتها في أُهُبها، فلا نستبيحها إلا بأمر بيِّن، لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال، ولا نستبيح به دمًا، ولمّا كان مترددًا بين العمد والخطأ؛ حُكم له بشبه العمد، وهو حُكْمٌ بين حُكمين، فلا هو عمد محضّ، ولا خطأ محضّ، فلا قود فيه؛ إذ لم يتحقق العمد، ومع ذلك فيمكن أن يكون قصد القتل، فتكون فيه الدِّية المغلظة، هذا مع ما قد رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - ﷺ - خطب يوم الفتح بمكة، فذكر الحديث، وقال فيه: «ألا وإن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسَّوط، أو العصا مائة من الإبل، أربعون في بطونها أولادها»، وهذا نصٌّ في الباب، فلا ينبغي أن يُعدل عنه. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من مشروعيَّة القصاص في اللطمة، ونحوها هو الحقّ؛ لظواهر النصوص، وقد أجاد الإمام ابن قيّم الجوزيّة - ﵀ - في هذا الموضوع في كتابه «تهذيب السنن»، فقال: قد اختَلَفَ الناس في هذه المسألة، وهي القصاص في اللطمة، والضربة، ونحوهما، مما لا يمكن المقتصّ أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كلّ وجه، هل يسوغ القصاص في ذلك، أو يُعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير؟ على قولين: [أصحّهما]: أنه يُشرَع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد، وأبو إسحاق الْجُوزجانيّ في «المترجم»، ونصّ عليه الإمام أحمد في رواية الشالنجيّ، وغيره، قال شيخنا - يعني: ابن تيميّة -: وهو قول جمهور السلف. [القول الثاني]: أنه لا يُشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وقول المتأخّرين من أصحاب أحمد، حتى حَكَى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه، وليس كما زَعَم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يُعلم لهم مخالف فيه. ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أَيِّ الأمرين أقرب إلى العدل؟. فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر، وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في القطع إلا من منفصل؛ لِتُمْكِنَ الماثلة، فإذا تعذّرت في القطع، والجرح صرنا إلى الدية، فكذا في اللطمة، ونحوها لَمّا تعذّرت صرنا إلى التعزير. قال المجوّزون: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب، والسُّنّة، والقياس، والعدل من التعزير. وأما الكتاب: فإن الله - ﷾ - قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبةٌ بحسب الامكان، واللطمة أشدّ مماثلة للّطمة، والضربة للضربة من التعزير لها، فإنه ضرب في غير الموضع، غير مماثل، لا في الصورة، ولا في المحلّ، ولا في القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتًا منه، بلا نصّ، ولا قياس. قالوا: وأما السُّنّة، فما ذُكِر من الأحاديث في هذا الباب، ولو لم يكن في الباب إلا سُنّة الخلفاء الراشدين، لكفى بها دليلًا، وحجةً. قالوا: فالتعزير لا يُعتبر فيه جنس الجناية، ولا قدرها، بل قد يُعزّر بالسوط والعصا، ويكون إنما ضربه بيده، أو رجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كُتُبه، وأرسل به رُسُله. قالوا: وقد دلّ الكتاب والسُّنّة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشرّ، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ: ٢٦] أي: وفق أعمالهم، وهذا ثابتٌ شرعًا، وقدرًا، أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، فأخبر - ﷾ - أن الجروح قصاص، مع أن الجارح قد يشتدّ عذابه إذا فُعل به كما فَعَل، حتى يُستوفَى منه. وقد ثبت عن النبيّ - ﷺ -: «أنه رضخ رأس اليهوديّ»، كما رضخ رأس الجارية، وهذا القتل قصاص؛ لأنه لو كان لنقض العهد، أو للحرابة لكان بالسيف، ولا يُرضخ الرأس. ولهذا كان أصحّ الأقوال أنه يُفعل بالجاني مثلُ ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لَمْ يكن محرّمًا لحقّ الله؛ كالقتل باللواطة، وتجريع الخمر، ونحوه، فيُحَرَّق كما حرّق، ويُلقى من شاهق كما فَعَل، ويُخنق كما خَنَق؛ لأنَّ هذا أقرب إلى العدل، وحصولِ مُسمّى القصاص، وإدراك الثأر، والزجر المطلوب من القصاص، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وإحدى الروايتين عن أحمد. قالوا: وأما كون القصاص لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في الطرَف حتى ينتهي إلى مَفصل؛ لتحقّق المماثلة، فهذا إنما اشتُرط؛ لئلا يزيد المقتصّ على مقدار الجناية، فيصير المجنيّ عليه مظلومًا بذهاب ذلك الجزء، فتعذّرت المماثلة، فصرنا إلى الدية، وهذا بخلاف اللطمة، والضربة، فإنه لو قدّر تعدّي المقتصّ فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون التعزير، مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة، والبَرْد من سنّ الجاني مقدار ما كسر من سنّ المجنيّ عليه، مع شدّة الألم، وكذلك قلع سنّه، وعينه، أو نحو ذلك، لا بدّ فيه من زيادة ألم ليصل المجنيّ عليه إلى استيفاء حقّه، فهلّا اعتبرتم هذا الألم المقدّرة زيادته في اللطمة، والضربة، كما اعتبرتموه فيما ذكرنا من الصور، وغيرها؟. قال المانعون: كما عدلنا في الإتلاف الماليّ إلى القيمة، عند تعذّر المماثلة، فكذلك ههنا، بل أولى لحرمة البشر، وتأكّدها على حرمة المال. قال المجوّزون: هذا قياس فاسدٌ من وجهين: [أحدهما]: أنكم لا تقولون بالمماثلة في إتلاف المال، فإنه إذا أتلف عليه ثوبًا لم تجوّزوا أن يُتلف عليه مثله من كلّ وجه، ولو قطع يده، وقتله لقطعت يده، وقُتل به، فعُلم الفرق بين الأموال والأبشار، ودلّ على أن الجناية على النفوس والأطراف يُطلب فيها الْمُقاصَّة بما لا يُطلب في الأموال. [والثاني]: من هو الذي سلّم لكم أن غير المكيل والموزون يُضمن بالقيمة، لا بالنظير، ولا إجماع في المسألة، ولا نصّ؟، بل الصحيح أنه يجب المِثْل في الحيوان وغيره بحسب الإمكان، كما ثبت عن الصحابة - ﵃ - في جزاء الصيد أنهم قضوا فيه بمِثله من النَّعم، بحسب الإمكان، فقضوا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الظبي بشاة، إلى غير ذلك. قال المانعون: هذا على خلاف القياس، فيصار إليه؛ اتّباعًا للصحابة، ولهذا منعه أبو حنيفة، وقدَّم القياس عليه، وأوجب القيمة. قال المجوّزون: قولكم: إن هذا على خلاف القياس، فرع على صحّة الدليل الدّالّ على أن المعتبر في ذلك هو القيمة، دون النظير، وأنتم لم تذكروا على ذلك دليلًا، من كتاب، ولا سُنّة، ولا إجماع، حتّى يكون قضاء الصحابة بخلافه، على خلاف القياس، فأين الدليل؟. قال المانعون: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان، دون المِثل، أن النبيّ - ﷺ - ضمّن معتق الشِّقص إذا كان موسرًا بقيمته، ولم يضمّنه نصيب الشريك بمثله، فدلّ على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون. قال المجوّزون: هذا أصل ما بنيتم عليه اعتبار القيمة في هذه المسائل وغيرها، ولكنه بناء على غير أساس، فإن هذا ليس مما نحن فيه في شيء، فإن هذا ليس من باب ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو من باب تملّك مال الغير بالقيمة، كتملّك الشقص المشفوع بثمنه، فإن نصيب الشريك يقدّر دخوله في ملك المعتِقِ، ثم يَعتِق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متّفقون على أنه يَعتِق كله على ملك المعتِقِ، والولاء له، دون الشريك. واختلفوا، هل يسري العتق عقب إعتاقه، أو لا يَعتق حتى يؤدّي الثمن؟ على قولين للشافعيّ، وهما في مذهب أحمد، قال شيخنا - يعني: ابن تيميّة -: والصحيح أنه لا يَعتق إلا بالأداء. وعلى هذا ينبني ما إذا أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول، وقبل وزن القيمة، فعلى الأول لا يعتق عليه، وعلى الثاني يعتق عليه، ويكون الولاء بينهما. وعلى هذا أيضًا ينبني ما إذا قال أحدهما: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حرّ، فعلى القول الأول لا يصحّ هذا التعليق، ويَعتق كله في مال المعتِقِ، وعلى القول الثاني يصحّ التعليق، ويَعتق نصيب الشريك من ماله. فظهر بهذا أن استدلالكم بالعتق استدلالٌ باطلٌ، بل إنما يكون إتلافًا إذا قتله، فلو ثبت لكم بالنصّ أنه ضمِّن قاتل العبد بالقيمة دون المثل، كان حجةً، وأنَّى لكم بذلك؟. قالوا: وأيضًا فالفرق واضحٌ بين أن يكون الْمُتْلَفُ عينًا كاملةً، أو بعضَ عين، فلو سلّمنا أن التضمين كان تضمين إتلافٍ لم يجب مثله في العين الكاملة، والفرق بينهما أن حقّ الشريك في العين التي لا يمكن قسمتها في نصف القيمة مثلًا، أو ثلثها، فالواجب له من القيمة بنسبة مُلكه، ولهذا يُجبر شريكه على البيع إذا طلبه ليتوصّل إلى حقّه من القيمة، والنبيّ - ﷺ - راعى ذلك، وقوَّم عليه العبد قيمةً كاملةً، ثم أعطاه حقّه من القيمة، ولم يقوّم عليه الشقص وحده، فيعطيه قيمته، فدلّ على أن حقّ الشريك في نصف قيمته، فإذا كان كذلك، فلو ضمّنّا المعتِق نصيب الشريك بمثله من عبد آخر لم نُجبره على البيع إذا طلبه شريكه؛ لأنه إذا لم يكن له حقّ في القيمة، بل حقّه في نفس العين، فحقّه باقٍ منها. قالوا: فظهر أنه ليس معكم أصلٌ تقيسون عليه، لا من كتاب، ولا سُنّة، ولا إجماع. وقد ثبت في «الصحيح»: أن النبيّ - ﷺ - اقترض بَكْرًا، وقضى خيرًا منه، واحتجَّ به من يُجوّز قرض الحيوان، مع أن الواجب في القرض ردّ المثل، وهذا يدلّ على أن الحيوان مثليّ. ومن العجب أن يقال: إذا اقترض حيوانًا ردّ قيمته، ويقال: ذلك على الإتلاف، والغصب، فيُترك موجَب النصّ الصحيح؛ لقياس لم يثبت أصله بنصّ، ولا إجماع، ونصوص أحمد: أن الحيوان في القرض يُضمن بمثله. وقال بعض أصحابه: بل بالقيمة؛ طردًا للقياس على الغصب. واختلف أصحابه في موجَب الضمان في الغصب، والإتلاف على ثلاثة أوجه: [أحدها]: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون. [والثاني]: الواجب المثل في الجميع. [والثالث]: الواجب المثل في غير الحيوان، ونصّ عليه أحمد في الثوب، والقصعة، ونحوهما، ونصّ عليه الشافعيّ في الجدار المهدوم ظلمًا يُعاد مثله، وأقول الناس بالقيمة أبو حنيفة، ومع هذا فعنده إذا أتلف ثوبًا ثبت في ذمّته مثله، لا قيمته، ولهذا يجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته، ولو كان الثابت في الذّمّة القيمة لَمَا جاز الصلح عنها بأكثر منها. فظهر أنّ من لم يعتبر المثل، فلا بدّ من تناقضه، أو مناقضته للنّصّ الصريح، وهذا ما لا مخلص منه. وأصل هذا كلّه هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان - ﵉ - وقصّها الله تعالى علينا في كتابه، وكانت في الحرث، وهو البستان، وقيل: إنها كانت أشجار عنب، فنفشت فيها الغنم - والنفش إنما يكون ليلًا - فقضى داود - ﵇ - لأصحاب البستان بالغنم؛ لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي الغنم، فأعطاهم إياها، وأما سليمان - ﵇ - فقضى على أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يعمّروا البستان كما كان، ثم رأى أنّ مغلّه إلى حين عَوْده يفوت عليهم، ورأى أن مغلّ الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم يستغلّونها حتى يعود بستانهم كما كان، فإذا عاد ردّوا إليهم غنمهم. فاختلف العلماء في مثل هذه القضيّة على أربعة أقوال: [أحدها]: القول بالحكم السليمانيّ في أصل الضمان، وكيفيّته، وهو أصحّ الأقوال، وأشدّها مطابقة لأصول الشرع، والقياس، كما قد بيّنّا ذلك في كتاب مفرد في الاجتهاد، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، نصّ عليه في غير موضع، ويُذكر وجهًا في مذهب مالك، والشافعيّ. [والثاني]: موافقته في النفش، دون المِثل، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد. [والثالث]: عكسه، وهو موافقته في المثل، دون النفش، وهو قول داود، وغيره، فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضَمِنه بمثله، وأما إذا انفلتت الغنم ليلًا لم يضمَن صاحبها ما أتلفته. [والرابع]: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل، بل بالقيمة، فلم يوافقه لا في النفش، ولا في المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا من اجتهادهم في القياس، والعدل هو الذي أوجبه الله. فكلّ طائفة رأت العدل هو قولَها، وإن كانت النصوص، والقياس، وأصول الشرع تشهد بحكم سليمان - ﵇ -، كما أن الله - ﷾ - أثنى عليه به، وأخبر أنه فهّمه إياه. وذِكرُ مأخذ هذه الأقوال، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها، له موضعٌ غير هذا، أليق به من هذا. والمقصود أن القياس، والنصّ يدلّان على أنه يُفْعَل به كما فَعَل، وقد تقدّم أن النبيّ - ﷺ -: رضّ رأس اليهوديّ، كما رضّ رأس الجارية، وأن ذلك لم يكن لنقض العهد. ولا للحرابة؛ لأن الواجب في ذلك القتلُ بالسيف، وعن أحمد في ذلك أربع روايات: [إحداهنّ]: أنه لا يُستوفى القَوَد إلا بالسيف في العنق، وهذا مذهب أبي حنيفة. [والثانية]: أنه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، إذا لم يكن محرّمًا لحقّ الله تعالى، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ. [والثالثة]: إن كان الفعلُ، أو الجرح مُرهقًا فُعِل به نظيرُهُ، وإلا فلا. [والرابعة]: إن كان الجرح، أو القطع موجبًا للقود لو انفرد فُعِل به نظيره، وإلا فلا. وعلى الأقوال كلّها إن لم يمت بذلك قُتل. وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يُمَثِّلوا بالكفّار إذا مَثَّلُوا بهم، وإن كانت المُثْلة منهيًّا عنها، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وهذا دليلٌ على أن العقوبة بجدع الأنف، وقطع الأذن، وبَقْرِ البطن، ونحو ذلك هي عقوبةٌ بالمثل، ليست بعُدوان، والمثلُ هو العدل. وأما كون المُثلة منهيًّا عنها؛ فلِمَا روى أحمد في «مسنده» من حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين - ﵃ -، قالا: «ما خطبنا رسول الله - ﷺ - خطبةً، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة». [فإن قيل]: لو لم يمُت إذا فُعل به نظير ما فعل، فأنتم تقتلونه، وذلك زيادة على ما فعل، فأين المماثلة؟. [قيل]: هذا يُنتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه في العنق، ولم يوجبه، كان لنا أن نضربه ثانيةً، وثالثةً، حتى يوجبه اتفاقًا، وإن كان الأول إنما ضربه ضربة واحدة، واعتبار المماثلة له طريقان: [إحداهما]: اعتبار الشيء بنظيره ومثله، وهو قياس العلّة الذي يُلحق فيه الشيء بنظيره. [والثاني]: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلّة، ولازمها، فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظيّ كان من أقوى الأدلّة؛ لاجتماع العمومين: اللفظيّ، والمعنويّ، وتضافر الدليلين: السمعيّ، والاعتباريّ. فيكون موجَبُ الكتاب، والميزان، والقصاص في مسألتنا هو من هذا الباب، كما تقدّم تقريره، وهذا واضحٌ، لا خفاء به، ولله الحمد، والمنّة. انتهى كلام الإمام ابن القيّم - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أعطى الإمام ابن القيّم - ﵀ - هذه المسألة حقّها من التحقيق، والاستقصاء في الاستدلال، فأجاد، وأفاد، وأسهب، وأعاد، فجزاه الله تعالى خيرًا. وخلاصة البحث أن الصواب وجوب القصاص في الطعنة، واللطمة، والجبْذة، ونحوها؛ لعموم الأدلّة، وعَمَل الخلفاء الراشدين، وجمهور السلف بذلك، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ: فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله الأوديّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«شعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه، ساقها النسائيّ - ﵀ - في «المجتبى»، فقال: (٤٧٧٩) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس، أن يهوديًّا رأى على جارية أوضاحًا، فقتلها بحجر، فأُتِي بها النبيّ - ﷺ -، وبها رَمَقٌ، فقال: «أقتلك فلان؟»، فأشار شعبة برأسه يحكيها أن لا، فقال: «أقتلك فلان؟»، فأشار شعبة برأسه يحكيها أن لا، قال: «أقتلك فلان؟»، فأشار شعبة برأسه يحكيها أن نعم، فدعا به رسول الله - ﷺ -، فقتله بين حجرين. انتهى . وأما رواية عبد الله بن إدريس، عن شعبة هذه فقد ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٤٨٣) - حدّثنا محمد، أخبرنا عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن هشام بن زيد بن أنس، عن جدّه أنس بن مالك، قال: خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة، قال: فرماها يهوديّ بحجر، قال: فجيء بها إلى النبيّ - ﷺ -، وبها رَمَقٌ، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «فلان قتلك؟»، فرفعت رأسها، فأعاد عليها، قال: «فلان قتلك؟»، فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: «فلان قتلك؟»، فخفضت رأسها، فدعا به رسول الله - ﷺ -، فقتله بين الحجرين. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ، عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، و«أنس - ﵁ -» ذُكر في السند الماضي. وقوله: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه. وقوله: (قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ) قال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن تكون الجارية أمة، ويَحْتَمل أن تكون حرّة، لكن دون البلوغ. وقوله: (عَلَى حُلِيٍّ لَهَا) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء التحتانيّة، جمع حَلْي - بفتح، فسكون - كثَدْيٍ وثُدِيّ، والأصل فُعُول، كفلس وفُلُوس؛ أي: لأجل زينتها، فـ «على» بمعنى اللام. وفي رواية: «أن يهوديًّا أخذ أوضاحًا من جارية»، و«الأوضاح» بحاء مهملة: هي نوع من الْحُليّ تصاغ من الفضّة، سمّيت بها؛ لبياضها، واحدها وَضَحٌ - بضمتين -، ولا يُعرف اسم الجارية. وقال في «الفتح»: معنى: «على أوضاح»: بسبب أوضاح، وهي بالضاد المعجمة، والحاء المهملة جمعُ وَضَحٍ، قال أبو عُبيد: هي حليّ الفضّة. ونقل عياض أنها حليّ من حجارة، ولعله أراد حجارة الفضّة؛ احترازًا من الفضّة المضروبة، أو المنقوشة. انتهى. وقوله: (ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ) - بفتح القاف، وكسر اللام -: البئر، وهو مذكّرٌ، قال الأزهريّ: القليب عند العرب: البئر العادِيّة القديمة، مَطويّةً كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ - بضمّتين - مثلُ بَرِيد وبُرُد، أفاده الفيّوميّ - ﵀ - . وقوله: (وَرَضَخَ) بضاد، وخاء معجمتين، مبنيًّا للفاعل، وقد ذكر أهل اللغة أنه يقال أيضًا: رَضَح بالحاء المهملة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: رَضَحته رَضْحًا؛ أي: - بالحاء المهملة - من باب نَفَعَ، وهو كسره، ودقّه، كالنوى وغيره، ورَضَحتُ رأسه: إذا كسرته، والخاء المعجمة لغة فيهما. انتهى . وفي رواية: «رَضَّ رأس جارية»، والرضّ بالضاد المعجمة بمعنى الرضخ. وقوله: (رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ) وفي رواية: «رضّ رأسها بين حجرين»، وفي رواية: «رماها بحجر»، وفي رواية: «رضخ رأسها»، قال في «الفتح»: لا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنه يُجمع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر. انتهى. وقوله: (فَاُخِذَ) بالبناء للمفعول، وكذا قوله: (فأُتِيَ به رسولُ الله - ﷺ -). وقوله: (فَأَمَرَ بِهِ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر - ﷺ - بقتل ذلك اليهوديّ، بعد أن اعترف بقتلها، كما بُيّن ذلك في الرواية الماضية. وقوله: (أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ) ببناء الفعل للمفعول. والحديث متفقّ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن معمر، هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦١٣١) - حدثنا يوسف بن مسلم، قثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك: أن رجلًا من اليهود قتل جارية من الأنصار، على حُلِيّ لها، ثم ألقاها في قَلِيب، ورَضَخَ رأسها بالحجارة، فأمر النبيّ - ﷺ - أن يُرْجَم، حتى يموت، فَرُجِمَ. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٣٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ، أَنَّ جَارِيةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا، مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ، فُلَانٌ، حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّم الإسناد نفسه في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٨٩) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (قَدْ رُضَّ) بالبناء للمفعول: أي: دُقّ رأسها، وكُسر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث المذكور أولَ الباب، ولله الحمد، والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «الفتح» ١٦/ ٢٥ - ٢٦، كتاب «الديات» رقم (٦٨٧٦).

٢. «الفتح» ١٦/ ٢٧ رقم (٦٨٧٦).

٣. «الفتح» ١٦/ ٢٨.

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٥٨ - ١٥٩.

٥. «شرح النوويّ» ١١/ ١٥٩.

٦. «الفتح» ١٦/ ٢٧، كتاب «الديات» رقم (٦٨٧٦).

٧. «الفتح» ١٦/ ٢٧، كتاب «الديات» رقم (٦٨٧٦).

٨. «المفهم» ٥/ ٢٤ - ٢٥.

٩. «المفهم» ٥/ ٢٥.

١٠. «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد» ٢/ ٤٠٤.

١١. حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود.

١٢. حديث ضعيف.

١٣. «المفهم» ٥/ ٢٤ - ٢٥.

١٤. راجع: «إرواء الغليل» ٧/ ٢٨٥ - ٢٨٩ رقم الحديث (٢٢٢٨).

١٥. «المفهم» ٥/ ٢٦ - ٢٧.

١٦. «تهذيب السنن» ١٢/ ١٧٥ - ١٨٠. من هامش «عون المعبود».

١٧. «سنن النسائي - المجتبى» ٨/ ٣٥.

١٨. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٥٢١.

١٩. وفي نسخة: «فأمر أن يُرجَمَ».

٢٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٢.

٢١. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٨.

٢٢. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٩٢.

٢٣. وفي نسخة: «من فعل بك هذا؟».