HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٨١

حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ، رَمَتْ إحداهما الأخرى، فطرحت جنينه. فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ، بغرة: عبد أو أمة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص110
ج ٣ ص ١٣٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٣١٢
(١١) - (بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي) [٤٣٨١] (١٦٨١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ، رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ - ﷺ - بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، والله تعالى أعلم. [٤٣٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ، مِنْ بَنِي لِحْيَانَ، سَقَطَ مَيِّتًا، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا، وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة إمام [٧] (١٧٥) (ع) تقدم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن الْمُسَيِّب بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، من كبار [٣] مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن رجاله كلهم رجال الجماعة، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ، وأنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة المعروفين بالمدينة، (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ) هكذا في رواية الليث، وفي رواية يونس التالية: «عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة»، وفي رواية معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، وتقدّم في أول الباب من رواية يحيى بن يحيى: «عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن»، وعند النسائيّ في رواية ابن القاسم: «عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب»، مرسلًا، وكلها طرق صحيحة، ثابتة، لا تعارض بينها. قال في «الفتح» في رواية مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ما حاصله: كذا قال عبد الله بن يوسف، عن مالك، وقال - كما في الباب الذي يليه - عن الليث، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وكِلا القولين صواب، إلا أن مالكًا كان يرويه عن ابن شهاب، عن سعيد مرسلًا، وعن أبي سلمة موصولًا، وقد مضى في «الطب» عن قتيبة، عن مالك بالوجهين، وهو عند الليث من رواية أبي سلمة أيضًا، لكن بواسطة، كما تقدم في «الطب» أيضًا، عن سعيد بن عُفَير، عن الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، ورواه يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عنهما جميعًا، كما في الباب الذي يليه أيضًا، ورواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، أخرجه مسلم، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة. انتهى . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ) الجنين بجيم، ونونين، بوزن عَظِيم: حَمْلُ المرأة ما دام في بطنها، سُمّي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيًّا فهو ولدٌ، أو ميتًا فهو سِقْطٌ، وقد يُطلق عليه جنين، قال الباجيّ في «شرح»الموطأ«: الجنين: ما ألقته المرأة مما يُعرف أنه ولد، سواء كان ذكرًا أو أنثى، ما لم يستهلّ صارخًا، كذا قال، ذكره في»الفتح«. (مِنْ بَني لِحْيَانَ) - بكسر اللام، وسكون المهملة - ابن هُذيل بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر، وفي رواية مالك السابقة:«أن امرأتين من هُذيل رمت إحداهما الأخرى»، وفي رواية يونس التالية:«اقتتلت امرأتان، من هُذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها»، وفي رواية حَمَل بن مالك عند النسائيّ:«إحداهما لحيانيّة»، ولحيان بطن من هذيل، وهاتان المرأتان كانتا ضرّتين، وكانتا تحت حَمَل بن النابغة الْهُذَلي، فعند النسائيّ من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر - ﵁ -، أنه نشد قضاء رسول الله - ﷺ - في ذلك، فقام حَمَل بن مالك، فقال: كنت بين حُجرتي امرأتين، وفي رواية أبي داود: بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى. . . الحديث، هكذا رواه موصولًا، وأخرجه الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة:«عن عمر»، فلم يذكر«ابن عباس»في السند، ولفظه: أن عمر قال:«أُذَكِّرُ اللهَ امرءًا سمع من النبي - ﷺ - في الجنين شيئًا»، وكذا قال عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه:«أن عمر استشار»، وأخرج الطبراني من طريق أبي الْمَلِيح بن أسامة بن عُمير الْهُذلي، عن أبيه، قال: كان فينا رجل، يقال له: حَمَلُ بن مالك، له امرأتان: إحداهما: هذلية، والأخرى عامرية، فضربت الهذلية بطن العامرية، وأخرجه الحارث، من طريق أبي المليح، فأرسله، لم يقل:«عن أبيه»، ولفظه: أن حمل بن النابغة، كانت له امرأتان: مُليكة، وأم عفيف، وأخرج الطبراني من طريق عون بن عُويم، قال: كانت أختي مليكة، وامرأة منا يقال لها: أم عفيف بنت مسروح، تحت حَمَل بن النابغة، فضربت أم عفيف مليكة، ووقع في رواية عكرمة، عن ابن عباس في آخر هذه القصة، قال ابن عباس:«إحداهما مليكة، والأخرى أم غُطيف»، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وبالآخر جزم الخطيب في«المبهمات»، وزاد بعض شُرّاح«العمدة»: وقيل: أم مكلف، وقيل: أم مليكة. انتهى ما في«الفتح»بتصرّف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله:«أم عفيف»هكذا نسخة«الفتح»، والذي عند النسائيّ، وأبي داود:«أم غُطيف»، بِالْغَين المعجمة، وفي«الإصابة»:«أم عفيف»، ويقال: أم غُطيف بنت مسروح الهذليّة، زوج حَمَل بن مالك الهُذليّ، تقدّم ذكرها في مليكة. انتهى. (سَقَطَ مَيِّتًا)؛ أي: بعد أن ضربتها، ففي رواية يونس التالية:«رمت إحداهما الأخرى بحجر»، وفي حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - الآتي:«ضربت ضرّتها بعمود فُسطاط، فقتلتها». (بِغُرَّةٍ) متعلّق بـ«قضى»(عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ) المشهور تنوين«غُرّة»، وما بعده بدل منه، أو عطف بيان، ورواه بعضهم بالإضافة، و«أو»للتقسيم، لا للشكّ، فإن كلًّا من العبد، والأمة يقال له:«غُرّة»، إذ الغرّة اسم للإنسان المملوك، ويُطلق على مَعانٍ أُخَر أيضًا، قاله السنديّ. وقال في«المغني»: يقال: غُرَّةٌ، عبدٌ بالصفة، وغُرَّةُ عبدٍ بالإضافة، والصفة أحسن؛ لأن الغرة اسم للعبد نفسه، قال مهلهل [من الرجز]: كُلُّ قَتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ … حَتَّى يَنَال الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ وقال النوويّ - ﵀ -: قوله:«بغرّة عبد»، ضبطناه على شيوخنا في الحديث والفقه،«بغرة»بالتنوين، وهكذا قيّده جماهير العلماء في كتبهم، وفي مصنفاتهم في هذا، وفي شروحهم، وقال القاضي عياض: الرواية فيه«بغرة»بالتنوين، وما بعده بدل منه، قال: ورواه بعضهم بالإضافة، قال: والأول أوجَه وأقْيَس، وذكر صاحب«المطالع»الوجهين، ثم قال: الصواب رواية التنوين، قلنا: ومما يؤيده، ويوضحه رواية البخاريّ في«صحيحه»في«كتاب الديات»في«باب دية جنين المرأة»، عن المغيرة بن شعبة، قال:«قضى رسول الله - ﷺ - بالغرة، عبدًا، أو أمةً»، وقد فَسَّر الغرة في الحديث بعبد، أو أمة. قال العلماء: و«أو»هنا للتقسيم، لا للشك، والمراد بالغرة عبدٌ، أو أمةٌ، وهو اسم لكل واحد منهما، قال الجوهريّ: كأنه عبَّر بالغرة عن الجسم كله، كما قالوا: أعتق رقبة، وأصل الغرة: بياض في الوجه، ولهذا قال أبو عَمْرو - يعني: ابن العلاء -: المراد بالغرة: الأبيض منهما خاصة، قال: ولا يجزي الأسود، قال: ولولا أن رسول الله - ﷺ - أراد بالغرة معنى زائدًا، على شخص العبد والأمة، لَمَا ذَكَرها، ولاقتصر على قوله:«عبد، أو أمة». هذا قول أبي عمرو، وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء: أنه تجزي فيها السوداء، ولا تتعيَّن البيضاء، وإنما المعتبَر عندهم أن تكون قيمتها عشر دية الأم، أو نصف عشر دية الأب، قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأُطلقت هنا على الإنسان؛ لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم. وأما ما جاء في بعض الروايات، في غير«الصحيح»:«بغرة عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل»، فرواية باطلة، وقد أخذ بها بعض السلف، وحُكِيَ عن طاوس، وعطاء، ومجاهد: أنها عبد، أو أمة، أو فرس، وقال داود: كل ما وقع عليه اسم الغرة يُجزي. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال في«الفتح»: قال الإسماعيليّ: قرأه العامة بالإضافة، وغيرهم بالتنوين، وحَكَى القاضي عياض الخلاف، وقال: التنوين أوجه؛ لأنه بيان للغرة ما هي، وتوجيه الآخر أن الشيء قد يضاف إلى نفسه، لكنه نادر، وقال الباجي: يَحْتَمِل أن تكون«أو»شكًّا من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة، ويَحْتَمِل أن تكون للتنويع، وهو الأظهر، وقيل: المرفوع من الحديث قوله:«بغرة»، وأما قوله:«عبد، أو أمة»فشك من الراوي في المراد بها، قال: وقال مالك: الحمرانُ أولى من السودان في هذا، وعن أبي عمرو بن العلاء قال: الغرة عبد أبيض، أو أمة بيضاء، قال: فلا يجزي في دية الجنين سوداء، إذ لو لم يكن في الغرة معنى زائد، لَمَا ذكرها، ولقال: عبد، أو أمة، ويقال: إنه انفرد بذلك، وسائر الفقهاء على الإجزاء، فيما لو أخرج سوداء، وأجابوا بأن المعنى الزائد كونه نفيسًا، فلذلك فسّره بعبد أو أمة؛ لأن الآدمي أشرف الحيوان، وعلى هذا فالذي وقع في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، من زيادة ذكر الفرس في هذا الحديث وَهَم، ولفظه: «غرة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل»، ويمكن إن كان محفوظًا أن الفرس هي الأصل في الغرة، كما تقدم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور من إجزاء العبد الأسود هو الحقّ؛ لأن المراد بالغرّة هو الشيء النفيس، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ) يَحْتَمل أن يكون بالبناء للفاعل، أو للمفعول، (عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ) قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: هذا الكلام قد يوهم خلاف مراده، فالصواب أن المرأة التي ماتت هي الْمَجْنِيّ عليها، أمُّ الجنين، لا الجانية، وقد صرّح به في الحديث بعده بقوله: «فقتلتها، وما في بطنها»، فيكون المراد بقوله: «التي قضى عليها بالغرة»؛ أي: التي قَضَى لها بالغرة، فعبَّر بـ «عليها» عن «لها». انتهى . (فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا، وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا) المراد: عصبة القاتلة، وكأن تخصيص الميراث لبنيها وزوجها لكونهم هم الذين وُجدوا من الورثة في هذه الواقعة، وإلا فالظاهر أن ميراثها لورثتها أيًّا كانوا، ويدلّ على ذلك ما في الرواية التالية بلفظ: «وورّثها ولدها، ومن معهم». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٤٣٨١ و٤٣٨٢ و٤٣٨٣ و٤٣٨٤] (١٦٨١)، و(البخاريّ) في «الطبّ» (٥٧٥٨ و٥٧٦٠) و«الفرائض» (٦٧٤٠) و«الديات» (٦٩٠٤ و٦٩٠٩ و٦٩١٠)، و(أبو داود) في «الديات» (٤٥٧٦ و٤٥٧٧ و٤٥٧٩)، و(الترمذيّ) في «الديات» (١٤١٠ و٢١١١)، و(النسائيّ) في «القسامة» (٤٨١٩ و٤٨٢٠ و٤٨٢١ و٤٨٢٢) و«الكبرى» (٧٠٢١ و٧٠٢٢ و٧٠٢٣ و٧٠٢٤)، و(ابن ماجه) في «الديات» (٢٦٣٩)، و(مالك) في «الموطأ» (١٦٠٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٠٢ - ١٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٣٩١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٣٨ و٤٩٨ و٥٣٥ و٥٣٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٢٧٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠١٧ و٦٠١٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٠٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٠٩)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ١٠٢)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ١١٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١١٢ - ١١٣) و«المعرفة» (٦/ ٢٤٠) و«الصغرى» (٧/ ١٢٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٥٤٣ - ٢٥٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان دية جنين المرأة إذا أسقطته ميتًا. ٢ - (ومنها): بيان أن دية الجنين يُسمّى بالغرّة، ثم فُسّر في الحديث بأنه عبد أو أمة. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: اتفق العلماء على أن دية الجنين هي الغرّة، سواء كان الجنين ذكرًا، أو أُنثى، قالوا: وإنما كان كذلك؛ لأنه قد يخفى، فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشرع بضابط، يقطع النزاع، وسواء كان خَلْقه كامل الأعضاء، أم ناقصها، أو كان مضغة، تَصوَّر فيها خَلْق آدمي، ففي كل ذلك الغرة بالإجماع، ثم الغرة تكون لورثته على مواريثهم الشرعية، وهذا شخص يُورَث ولا يَرِث، ولا يُعرف له نظير، إلا مَن بعضه حُرّ، وبعضه رقيق، فإنه رقيق لا يرث عندنا، وهل يورَث؟ فيه قولان: أصحهما يورَث. وهذا مذهبنا، ومذهب الجماهير، وحَكَى القاضي عياض عن بعض العلماء: أن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة. (واعلم): أن المراد بهذا كله، إذا انفصل الجنين ميتًا، أما إذا انفصل حيًا، ثم مات، فيجب فيه كمال دية الكبير، فإن كان ذكرًا وجب مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون، وهذا مجمع عليه، وسواء في هذا كله العمد والخطأ، ومتى وجبت الغرة فهي على العاقلة، لا على الجاني، هذا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وسائر الكوفيين - ﵃ -، وقال مالك، والبصريون: تجب على الجاني. وقال الشافعيّ، وآخرون: يلزم الجاني الكفارة، وقال بعضهم: لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة - ﵄ -، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . ٤ - (ومنها): ما استنبطه الجمهور من قوله: «غرّة» أن أقلّ ما يجزي من العبد، أو الأمة ما سَلِمَ من العيوب، التي يثبت بها الردّ في البيع؛ لأن المَعيب ليس من الخيار. ٥ - (ومنها): أنه استَنْبَط الشافعيّ - ﵀ - منه أن يكون منتفَعًا به، فَشَرَط أن لا ينقص عن سبع سنين؛ لأن من لم يبلغها لا يستقل غالبًا بنفسه، فيحتاج إلى التعهد بالتربية، فلا يُجْبَر المستحقّ على أخذه. ٦ - (ومنها): أن بعضهم أخذ من لفظ الغلام أن لا يزيد على خمس عشرة، ولا تزيد الجارية على عشرين، ومنهم من جعل الحدّ ما بين السبع والعشرين، والراجح كما قال ابن دقيق العيد أنه يجزئ، ولو بلغ الستين وأكثر منها، ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على عدم وجوب القصاص في القتل بالمثقّل؛ لأنه - ﷺ - يأمر فيه بالقَوَد، وإنما أمر بالدية. وأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط، يختلف بالكِبَر والصِّغَر، بحيث يقتل بعضه غالبًا، ولا يقتل بعضه غالبًا، وطَرْدُ المماثلة في القصاص، إنما يُشْرَع فيما إذا وقعت الجناية بما يَقتل غالبًا. وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يوجب فيه القود؛ لأنها لم يقصد مثلها، وشَرْط القوَد العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حجة فيه للقتل بالمثقّل، ولا عكسه، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في دية الجنين: قال العلامة ابن قُدامة - ﵀ - ما حاصله: قول أكثر أهل العلم: إن في جنين الحرة المسلمة غُرّةً، وممن رُوي ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وعطاء، والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقد ثبت أنّ عمر - ﵁ -، استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: «شهدت النبيّ - ﷺ -، قضى فيه بغرّة عبد، أو أمة، قال: لتأتينّ بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة». متّفقٌ عليه. وعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى. . . وفيه: «فقضى رسول الله - ﷺ -، أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورَّثها ولدها، ومن معهم»، متفق عليه. والغرّة: عبد، أو أمة، سُمّيا بذلك لأنهما من أنفس الأموال، والأصل في الغرة الخيار. [فإن قيل]: فقد رُوي في هذا الخبر: «أو فرس، أو بغل»؟. [قلنا]: هذا لا يثبت، رواه عيسى بن يونس، ووَهِمَ فيه، قاله أهل النقل، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه عبد أو أمة. قال: وإنما تجب الغرّة، إذا سقط من الضربة، ويُعلم ذلك بأن يسقط عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط، ولو قَتَل حاملًا لم يسقط جنينها، أو ضَرَب مَن في جوفها حركة، أو انتفاخ، فسَكَّنَ الحركةَ، وأذهبها لم يضمن الجنين، وبهذا قال مالك، وقتادة، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. وحُكي عن الزهريّ أن عليه الغرةَ؛ لأن الظاهر أنه قتل الجنين، فلزمته الغرة، كما لو أسقطت. وحجة الأولين أنه لا يثبت حكم الولد، إلا بخروجه، ولذلك لا تصح له وصية، ولا ميراث، ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت، ولا يجب الضمان بالشك، فأما إذا ألقته ميتًا، فقد تحقق، والظاهر تَلَفُه من الضربة، فيجب ضمانه، سواء ألقته في حياتها، أو بعد موتها، وبهذا قال الشافعيّ، وأحمد؛ لأنه جنين تَلِف بجنايته، وعُلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط في حياتها، ولأنه لو سقط حيًّا ضَمِنه، فكذلك إذا سقط ميتًا، كما لو أسقطته في حياتها. وقال مالك، وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها. وتُعُقّب بأن هذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك، لكان إذا سقط ميتًا ثم ماتت، لم يضمنه كأعضائها، ولأنه آدمي موروث فلا يدخل في ضمان أمه، كما لو خرج حيًا. فأما إن ظهر بعضه من بطن أمه، ولم يخرج باقيه ففيه الغرّة، وبه قال الشافعيّ، وأحمد؛ لأنه قاتِل لجنينها، فلزمته الغرة، كما لو ظهر جميعه، ويفارِق ما لو لم يظهر منه شيء؛ لأنه لم يتيقن قتله، ولا وجوده. وقال مالك، وابن المنذر: لا تجب الغرة حتى تلقيه؛ لأن النبيّ - ﷺ - إنما أوجب الغرة في الجنين الذي ألقته المرأة، وهذه لم تُلق شيئًا، فأشبه ما لو لم يظهر منه شيء. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - بتصرّف، واختصار ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالغرّة: قال ابن قُدامة - ﵀ - ما ملخّصه: المراد بالغرّة في قول أكثر أهل العلم: هو عبد، أو أمة. وقال عروة، وطاوس، ومجاهد: عبد، أو أمة، أو فرس؛ لأن الغرة اسم لذلك، وقد جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: «قضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغرة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل»، وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة، ونحوه، قال الشعبيّ: لأنه رُوي في حديث عن النبيّ - ﷺ -، أنه جعل في ولدها مائة شاة، رواه أبو داود. ورُوي عن عبد الملك بن مروان، أنه قضى في الجنين، إذا أُمْلِص بعشرين دينارًا، فإذا كان مضغة فأربعين، فإذا كان عظمًا فستين، فإذا كان العظم قد كُسي لحمًا فثمانين، فإن تمَّ خَلْقه، وكُسي شعره فمائة دينار، وقال قتادة: إذا كان عَلَقَة فثُلُث غرّة، وإذا كان مضغة فثلثي غرة. وحجة الأولين قضاءُ رسول الله - ﷺ -، في إملاص المرأة بعبد، أو أمة، وسُنَّة رسول الله - ﷺ - قاضية على ما خالفها، وذِكْر الفرس والبغل في الحديث وَهَمٌ، انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة، فالظاهر أنه وَهِمَ فيه، وهو متروك في البغل بغير خلاف، وكذلك في الفرس. قال ابن قُدامة - ﵀ -: وهذا الحديث الذي ذكرناه أصح ما رُوي فيه، وهو متفق عليه، وقد قال به أكثر أهل العلم، فلا يُلتفت إلى ما خالفه، وقول عبد الملك بن مروان تَحَكُّم بتقدير لم يَرِد به الشرع، وكذلك قتادة، وقول رسول الله - ﷺ -، أحقّ بالاتباع من قولهما. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - باختصار، وتصرّف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره ابن قُدامة - ﵀ -، من ترجيح قول الجمهور في المراد بالغرّة، وأن تقدير الشارع هو الأحقّ بالاتباع، هو الصواب؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): إذا ثبت ما تقدّم فإنه تلزمه الغرّة، فإن أراد دفع بدلها، ورضي المدفوع إليه جاز؛ لأنه حقّ آدمي، فجاز ما تراضيا عليه، وأيهما امتنع من قبول البدل، فله ذلك؛ لأن الحقّ فيها، فلا يُقبَل بدلها إلا برضاهما، وتجب الغرة سالمة من العيوب، وإن قلَّ العيب؛ لأنه حيوان وجب بالشرع فلم يُقبل فيه المعيب، كالشاة في الزكاة؛ لأن الغرة الخيار؛ والمعيب ليس من الخيار، ولا يقبل فيها هَرِمة، ولا ضعيفة، ولا خُنثى، ولا خصي، وإن كثرت قيمته؛ لأن ذلك عيب، ولا يتقدر سنُّها عند أحمد، وأبي حنيفة، وقال بعضهم: لا يقبل فيها من له دون سبع سنين، وهو مرويّ عن أصحاب الشافعيّ، وبعض الحنابلة؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله له، ويحضنه، وليس من الخيار، وذكر بعض أصحاب الشافعي، أنه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عشر سنة؛ لأنه لا يدخل على النساء، ولا ابنة عشرين؛ لأنها تتغير، قال ابن قُدامة: وهذا تَحَكُّم لم يَرِد الشرع به، فيجب أن لا يُقبَل، وما ذكروه من الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق السبع، ولأن بلوغه قيمة الكبير مع صغره، يدل على أنه خيار، ولم يشهد لِما ذكروه نَصٌّ، ولا له نظير يقاس عليه، والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلًا وبِنْيَةً، وأقدر على التصرف، وأنفع في الخدمة، وقضاء الحاجة، وكونُه لا يدخل على النساء، إن أريد به النساء الأجنبيات، فلا حاجة إلى دخوله عليهن، وإن أريد به سيدته فليس بصحيح؛ فإن الله تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [النور: ٥٨]، ثم لو لم يدخل على النساء لحصل من نفعه أضعاف ما يحصل من دخوله، وفوات شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعدّ فواتًا، كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة، لا يعد فواتًا، ولا خسرانًا. ولا يُعتبَر لون الغرة؛ ولأن النبيّ - ﷺ -، قضى بعبد، أو أمة وأطلق، مع غلبة السواد على عبيدهم وإمائهم، ولأنه حيوان يجب ديةً فلم يُعتبر لونه، كالإبل في الدية. وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء: أن الغرة لا تكون إلا بيضاء، ولا يقبل عبد أسود، ولا جارية سوداء. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - بتصرّف، واختصار ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال ابن قُدامة - ﵀ - ما حاصله: قيمة الغرة نصف عُشر الدية، وهي خمس من الإبل، وروي ذلك عن عمر، وزيد - ﵄ -، وبه قال النخعيّ، والشعبيّ، وربيعة، وقتادة، ومالك، والشافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولأن ذلك أقل ما قدّره الشرع في الجنايات، وهو أَرْشُ المُوضِحَة، ودية السن فرددناه إليه. [فإن قيل]: فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكرتموه. [قلنا]: الذي نص عليه صاحب الشريعة غرةً، قيمتها أرش الموضحة، وهو خمس من الإبل. انتهى ، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم الغرّة، هل يورَّث، أم لا؟: ذهبت طائفة إلى أن الغرّة موروثة عن الجنين، كأنه سقط حيًّا؛ لأنها دية له، وبدل عنه، فيرثها ورثته كما لو قُتل بعد الولادة، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. وذهب الليث إلى أنه لا يورَّث، بل يكون بدلُهُ لأمه؛ لأنه كعضو من أعضائها، فأشبه يدها. وحجة الأولين أنها دية آدميّ حرّ، فوجب أن تكون موروثة عنه، كما لو ولدته حيًّا، ثم مات، وقوله: إنه عضو من أعضائها لا يصح؛ لأنه لو كان عضوًا لدخل بدلُهُ في دية أمه كَيَدِها، ولَمَا مُنِع القصاص من أمه، وإقامة الحد عليها من أجله، ولَمَا وجبت الكفارة بقتله، ولَمَا صَحّ عتقه دونها، ولا عتقها دونه، ولا تَصَوُّرُ حياتِهِ بعد موتها، ولأن كل نفس تُضْمَن بالدية، تورث كَدِية الحيّ. انتهى بتصرّف، واختصار ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): فيما قاله أهل العلم فيما إذا كان الجنين أكثر من واحد: قال ابن قُدامة - ﵀ -: إذا ضَرَب بطن امرأة، فألقت أجنة، ففي كل واحدة غرّة، وبهذا قال الزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، قال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم، وذلك لأنه ضمان آدميّ، فتعدد بتعدده كالديات، وإن ألقتهم أحياء، في وقت يعيشون في مثله، ثم ماتوا ففي كل واحدة دية كاملة، وإن كان بعضهم حيًّا فمات، وبعضهم ميتًا ففي الحي دية، وفي الميت غرة. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ -، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم، هل تتحمل العاقلة دية الجنين، أم لا؟: قال ابن قُدامة - ﵀ - أيضًا: وتَحْمِل العاقلة دية الجنين، إذا مات مع أمه، نَصَّ عليه أحمد، إذا كانت الجناية عليها خطأ، أو شِبْه عمد؛ لِمَا رَوَى المغيرة بن شعبة - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ -، قضى في الجنين بغرة عبد، أو أمة، على عصبة القاتلة»، وإن كان قتل الأم عمدًا، أو مات الجنين وحده لم تحمله العاقلة. وقال الشافعيّ: تحمله العاقلة على كل حال، بناء على قوله: إن العاقلة تحمل القليل والكثير، والجناية على الجنين ليست بعمد؛ لأنه لا يتحقق وجوده، ليكون مقصودًا بالضرب. قال: ولنا أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، على ما ذكرناه، وهذا دون الثلث، وإذا مات وحده، أو من جناية عمد فدية أمه على قاتلها، فكذلك ديته؛ لأن الجناية لا يَحمل بعض ديتها الجاني، وبعضها غيره، فيكون الجميع على القاتل، كما لو قطع عمدًا، فَسَرَت الجناية إلى النفس. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ أرجح؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٣٨٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ، مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا، وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ»، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ، مِنْ هُذَيْلٍ) بضمّ الهاء: أبو قبيلة، وهو هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، (فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ) وفي حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - الآتي: «قتلت ضرّتها بعمود فُسطاط»، (فَقَتَلَتْهَا، وَمَا فِي بَطْنِهَا)؛ أي: جنينها، وفي رواية للبخاريّ: «فأصاب بطنها، وهي حامل»، في رواية: «فخذفت، فأصاب قبلها»، ووقع في رواية حمل بن مالك: «فضربت إحداهما الأخرى بمسطح»، وفي رواية عُبيد بن نُضيلة، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - الآتي: «أن امرأة قتلت ضرتها بعمود فُسطاط»، وكذا في حديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه: «فضربت الْهُذلية بطن العامرية بعمود فسطاط، أو خباء»، وفي حديث عُوَيم: «ضربتها بمسطح بيتها، وهي حامل». أفاده في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «ضربتها بعمود فُسطاط»، هذا محمول على حجر صغير، وعمود صغير، لا يُقصَد به القتل غالبًا، فيكون شِبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص، ولا دية على الجاني، وهذا مذهب الشافعيّ، والجماهير. انتهى. (فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ) بفتح الواو، وكسر اللام: هي الأمة، وجَمْعها ولائد، (وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ)؛ أي: المقتولة (عَلَى عَاقِلَتِهَا)؛ أي: عاقلة القاتلة. وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وقضى بدية المرأة على عاقلتها» فيه تلفيفٌ في الضمائر، أزالته الرواية الأخرى التي قال فيها: «فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة». وقد احتجّ بظاهر الحديث من رأى أنه لا يُستقاد ممن قَتَل بمثقّل، وإنما عليه الدية، وهم الحنفيّة، ولا حجة لهم في ذلك؛ لِمَا تقدّم من أن النبيّ - ﷺ - قد أقاد ممن قتل بحجر، كما تقدّم في حديث اليهوديّ، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والمماثلة بالمثقّل ممكنة، ولإمكان كون هذا القتل خطأ، أو شبه العمد، فاندفع القصاص بذلك، ولو سُلّم أنه كان عمدًا لكان ذلك برضا العصبة، وأولياء الدم، لا بالحكم، وكلّ ذلك مُحْتَمِلٌ، فلا حجة لهم فيه. وفيه ما يدلّ على أن العاقلة تحمل الدية، وقد أجمع المسلمون على أنها تحمل دية الخطإ، وما زاد على الثلث، واختلفوا في الثلث، فقال الزهريّ: الثلث، فدونه هو في مال الجاني، ولا تحمله العاقلة. وقال سعيد بن المسيب: الثلث فما زاد على العاقلة، وما دون الثلث في مال الجاني، وبه قال مالك، وعطاء، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وأما ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند من ذُكر، ولا عند أحمد. وقالت طائفة: عقل الخطإ على عاقلة الجاني، قلّت الجناية، أو كثرت، وهو قول الشافعيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ - ﵀ -، مِنْ تحمّل العاقلة عقل الخطإ مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصوص الواردة في ذلك، والله تعالى أعلم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: كيف ألزم العاقلة الدية، والقتل عمدٌ، والعاقلة لا تعقل عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا؟. [فالجواب]: أن هذا الحديث خرّجه النسائيّ من حديث حمل بن مالك - ﵁ -، وقال فيه: «قضى رسول الله - ﷺ - في جنينها بغرّة، وأن تُقتل بها»، وهو طريقٌ صحيح، وهذا نصّ في أنه قضى بالقصاص من القاتلة، بخلاف الأحاديث المتقدّمة، فإن فيها: أنه قضى على العاقلة بالدية. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تصحيحه الحديث على الإطلاق، نظر، فإن هذه الزيادة - وهي قوله: «وأن تُقتل المرأة» - غير صحيحة، كما بيّنته في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد. قال: ووجه التلفيق، وبه يحصل الجواب على التحقيق: أن رسول الله - ﷺ - قضى بقتل القاتلة أوّلًا، ثم إن العصبة، والأولياء اصطلحوا، على أن التزم العصبة الدية، ويعفو الأولياء، فقضى النبيّ - ﷺ - بالدية على العصبة، لَمّا التزموها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ - ﵀ - من كون قتل هذه المرأة عمدًا، وأن القصاص كان واجبًا، إلا أنهم اصطلحوا على الدية، وهو مقتضى ما مشى عليه النسائيّ في «باب قتل المرأة بالمرأة» (١١/ ٤٧٤١)، حيث استدلّ بالحديث على مشروعيّة قتل المرأة إذا قتلت امرأة عمدًا، لكنه خالف ذلك في الباب التالي حيث استدلّ بالحديث على أن هذا من شبه العمد، وليس عمدًا، وأن الواجب فيه الدية على العاقلة، وهذا هو الحقّ؛ لأن زيادة: «وأن تُقتل المرأة» غير صحيحة، وأحاديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة - ﵄ -، على خلافها، كما حقّقته في «شرح النسائيّ» ، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ) وفي رواية: «وورّثها عصبتها، ومن معهم»: قال القرطبيّ: أعاد الضمير الأول على الدية، والثاني على المقتولة، وعَنَى بالعصبة: بنيها، وبمن معهم الزوج، ولم يُختلف في أن الزوج يرث هنا من دية زوجته فرضه، وإن كانوا قد اختلفوا فيه، هل يرث من دية الجنين؟. والدية موروثة على الفرائض، سواء كانت عن خطإ، أو عن عمد تعذّر فيه القوَد، والذي يبيّن الحقّ في هذا الباب حديثان خرّجهما الترمذيّ: [أحدهما] (٢١١٠): عن سعيد بن المسيّب، قال: قال عمر - ﵁ -: الدية على العاقلة، ولا ترث المرأة من زوجها شيئًا، فأخبره الضحّاك بن سفيان الكلابيّ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كتب إليه: أن ورِّث امرأة أَشيم الضِّبابيّ من دية زوجها، وقال: هذا حديث حسن صحيح. [وثانيهما] (٢١١١): عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - قضى في جنين امرأة من بني لحيان، سقط ميتًا، بغرّة: عبد، أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرّة توفّيت، فقضى رسول الله - ﷺ - بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن عَقْلها على عصبتها». ثم حيث وجبت الدية على العاقلة، فلا تؤخذ منهم حالّةً، بل منجّمةً في ثلاث سنين، وهو قول عامّة أهل العلم من السلف والخلف، وتُوزَّعُ على الأحرار البالغين الأغنياء الذكور، فلا تؤخذ من عبد، ولا من صبيّ، ولا من امرأة، ولا من فقير بالإجماع، على ما حكاه ابن المنذر. واختلفوا في قدر ما يُوزّع على من يُطالب بها، فقال الشافعيّ: من كثر ماله أُخذ منه نصف دينار، ومن كان دونه ربع دينار، لا يُنقص منه، ولا يُزاد عليه. وحكَى أبو ثور عن مالك أنه قال: على كل رجل ربع دينار، وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: يُحَمَّلون بقدر ما يُطيقون. وقال أصحاب الرأي: ثلاثة دراهم، أو أربعة. قال القرطبيّ: والقول ما قاله أحمد، فإن التحديد يحتاج إلى شرع جديد. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ - ﵀ - من ترجيح مذهب الإمام أحمد - ﵀ - في تحميل العاقلة بقدر الطاقة، هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصوص، والله تعالى أعلم. وقوله: «وورّثها ولدها»: بتشديد الراء: قال السنديّ: والظاهر أن الضمير للقاتلة، بناء على أنها ماتت بعد ذلك أيضًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ غير بعيد من ظاهر السياق، لكن تقدّم في كلام النوويّ ما يدلّ على أن الصواب أن الضمير للمرأة المجنيّ عليها، لا للجانية، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ) «حَمَل» - بفتح الحاء المهملة، والميم - وهو: حَمَل بن مالك بن النابغة، نُسب لجدّه، وهو هذليّ من قبيلة القاتلة، ولحيانُ فَخْذٌ من هُذيل، ولذلك صدق أن يقال على القاتلة أنها هذليّة، لحيانيّة، ولحيان يقال: بفتح اللام، وكسرها. قاله القرطبيّ - ﵀ - . وقوله: (وَلَا اسْتَهَلَّ)؛ أي: ولا صاح عند الولادة؛ ليُعرَف به أنه مات بعد أن كان حيًّا وقوله: (فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ): قال النوويّ - ﵀ -: رُوي في «الصحيحين»، وغيرهما بوجهين: [أحدهما]: يُطلّ - بضم الياء المثناة، وتشديد اللام -: ومعناه: يُهدَر، ويُلغَى، ولا يُضمَن. [والثاني]: «بَطَلَ» - بفتح الباء الموحدة، وتخفيف اللام - على أنه فعلٌ ماضٍ، من البطلان، وهو بمعنى الْمُلغَى أيضًا، وأكثر نُسخ بلادنا بالمثناة، ونقل القاضي أن جمهور الرواة في «صحيح مسلم» ضبطوه بالموحّدة، قال أهل اللغة: يقال: طُلَّ دمُهُ - بضم الطاء، وأُطِلّ؛ أي: أُهدر، وأطلّه الحاكم، وطَلَّه: أهدره، وجوّز بعضهم: طَلَّ دَمُهُ - بفتح الطاء - في اللازم، وأباها الأكثرون. وقوله - ﷺ -: (إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ)، وفي الرواية الأخرى: «سَجْعٌ كسجع الأعراب»: قال النوويّ: قال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: [أحدهما]: أنه عارَضَ به حكمَ الشرع، ورام إبطاله. [والثاني]: أنه تكلفه في مخاطبته، وهذان الوجهان من السجع مذمومان، وأما السجع الذي كان النبيّ - ﷺ - يقوله في بعض الأوقات، وهو مشهور في الحديث، فليس من هذا؛ لأنه لا يعارَض به حكم الشرع، ولا يتكلفه، فلا نهي فيه، بل هو حسن، ويؤيد ما ذكرنا من التأويل، قوله - ﷺ -: «كسجع الأعراب»، فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح» - عند قوله: «فقال حَمَل بن النابغة. . . إلخ» -: وفي رواية عبد الرحمن بن خالد: «فقال وليّ المرأة التي غُرِّمت: كيف أَغْرَمُ يا رسول الله، من لا شَرِب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطَلّ، فقال النبيّ - ﷺ -: إنما هذا من إخوان الكهان»، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند مالك: «قضى في الجنين يُقتَل في بطن أمه، بغرة: عبد، أو وليدة»، وفي رواية الليث، من طريق سعيد، الموصولة نحوه عند الترمذي، ولكن قال: «إن هذا ليقول بقول شاعر، بل فيه غرة»، وفيه: «ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله - ﷺ - بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها»، وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس: «فقال عمها: إنها قد أسقطت غلامًا، قد نبت شعره، فقال أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما استهلّ، ولا شرب ولا أكل، فمثله يُطَلّ، فقال النبيّ - ﷺ -: أسجع كسجع الجاهلية، وكهانتها؟»، وفي رواية عُبيد بن نُضَيلة، عن المغيرة - ﵁ -: «فجعل رسول الله - ﷺ - دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرّةً لِمَا فيه بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم من لا أكل»، وفي آخره: «أسجعٌ كسجع الأعراب؟ وجعل عليهم الدية»، وفي حديث عُويم، عند الطبراني: «فقال أخوها، العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ؟ فمثل هذا يطلّ، فقال: أسجع كسجع الجاهلية؟»، ونحوه عند أبي يعلى، من حديث جابر، لكن قال: «فقالت عاقلة القاتلة»، وعند البيهقي، من حديث أسامة بن عمير: «فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها، فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: الدية على العصبة، وفي الجنين غرة، فقال: ما وُضع فحل، ولا صاح فاستهلّ، فأبطله فمثله يطل». قال الحافظ: وبهذا يُجمَع الاختلاف، فيكون كلٌّ من أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك؛ لأنهم كلهم من عصبتها، بخلاف المقتولة، فإن في حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية، والقاتلة هذلية، ووقع في رواية أسامة، فقال: «دعني من أراجيز الأعراب»، وفي لفظ: «أسجاعة بك؟»، وفي آخر: «أسجع كسجع الجاهلية؟، قيل: يا رسول الله، إنه شاعر»، وفي لفظ: «لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء»، وفيه: «فقال: إن لها ولدًا هم سادة الحي، وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم، قال: بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها، فقال: ما لي شيء، قال: يا حمل - وهو يومئذ على صدقات هذيل، وهو زوج المرأة، وأبو الجنين - اقبض من صدقات هذيل»، أخرجه البيهقي، وفي رواية ابن أبي عاصم: «ما له عبد، أو أمة، قال: عَشر من الإبل، قالوا: ما له من شيء، إلا أن تعينه من صدقة بني لحيان، فأعانه بها، فسعى حمل عليها حتى استوفاها»، وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة: «فقضى أن الدية على عاقلة القاتلة، وفي الجنين غرة: عبد، أو أمة، أو عَشر من الإبل، أو مائة شاة». ووقع في حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنه: «قضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغرّة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل»، وكذا وقع عند عبد الرزاق في رواية ابن طاوس، عن أبيه، عن عمر مرسلًا، فقال حمل بن النابغة: «قضى رسول الله - ﷺ - بالدية في المرأة، وفي الجنين غرة عبد، أو أمة، أو فرس». وأشار البيهقيّ إلى أن ذِكر الفرس في المرفوع وَهَمٌ، وأن ذلك أُدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرّة، وذكر أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار، عن طاوس، بلفظ: «فقضى أن في الجنين غرة»، قال طاوس: الفرس غرة. قال الحافظ: وكذا أخرج الإسماعيليّ من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: الفرس غرة، وكأنهما رأيا أن الفرس أحقّ بإطلاق لفظ الغرة من الآدميّ. ونقل ابن المنذر، والخطابيّ عن طاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير: الغرة عبد، أو أمة، أو فرس، وتوسّع داود، ومن تبعه من أهل الظاهر، فقالوا: يجزئ كل ما وقع عليه اسم غرة، والغرة في الأصل البياض، يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدميّ في الحديث المتقدم في الوضوء: «إن أمتي يُدْعَون يوم القيامة غُرًّا. . .»، وتُطلق الغرة على الشيء النفيس آدميًّا كان، أو غيره، ذكرًا كان، أو أنثى، وقيل: أُطلق على الآدمي غرةٌ؛ لأنه أشرف الحيوان، فإن محل الغرة الوجه، والوجه أشرف الأعضاء. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ، وَقَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ نَعْقِلُ؟ ، وَلَمْ يُسَمِّ حَمَلَ بْنَ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعله ضمير معمر، وكذا فاعل «لم يَذكُر».
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «الفتح»١٦/ ١٠٥ - ١٠٦.

٢. «الفتح»١٦/ ١٠٥، كتاب«الديات»رقم (٦٩٠٤).

٣. «الفتح»١٦/ ١٠٦، كتاب«الديات»رقم (٦٩٠٤).

٤. «المغني»١٢/ ٥٩.

٥. «شرح النوويّ» ١١/ ١٧٥ - ١٧٦.

٦. «الفتح» ١٦/ ١٠٩.

٧. «شرح النوويّ» ١١/ ١٧٧.

٨. «شرح النوويّ» ١١/ ١٧٦.

٩. في «الفتح» ١٦/ ١٠٩ - ١١٠.

١٠. «المغني»بتصرّف، واختصار ١٢/ ٦٠ - ٦٣.

١١. «المغني» ١٢/ ٦٤ - ٦٥.

١٢. «المغني» / ٦٤ - ٦٦.

١٣. «المغني» ١٢/ ٦٦ باختصار.

١٤. «المغني» ١٢/ ٦٧.

١٥. «الفتح» ١٦/ ١٠٦ - ١٠٧.

١٦. «المفهم» ٥/ ٦٥ - ٦٧.

١٧. راجع: «ذخيرة العقبى» ٣٦/ ٢٣١ - ٢٤١.

١٨. «المفهم» ٥/ ٦٧ - ٦٨.

١٩. «المفهم» ٥/ ٦٥.

٢٠. «شرح النوويّ» ١١/ ١٧٨.

٢١. «الفتح» ١٦/ ١٠٧ - ١٠٩، كتاب «الديات» رقم (٦٩٠٤).

٢٢. وفي نسخة: «كيف يُعْقَل؟».